مشاركة في قراة أغنية جددت حبك
تحية طيبة،
قرأت بإمعان ما ورد في المقال المتعلق بأغنية جددت حبك، واستفدت الكثير. لذا، يسرني أن أقدم زجيل التشكرات لصاحب المقال. الهدف من كلمتي ليس مناقشة ما ورد في ثنايا المقال من معلومات، بل عرض ما أثار اهتمامي في أغنية جددت حبك، سواء على مستوى الكلمة، أو اللحن، راجيا أن يكون في ذلك فائدة.
1. المقدمة الموسيقية التي نسج أنغامها الأستاذ رياض السنباطي تُعبر عن إدراكه العميق لنفسية الكائن الإنساني المغمور بروح الحيرة والهيام بسبب الحب، وليس فحسب عن الوضعية الخاصة للشاعر أحمد رامي في علاقة عشقه للسيدة أم كلثوم. فالأستاذ رياض السنباطي يظهر هنا مثل تولستوي (Léon Tolstoï)، ودوستويفسكي (Dostoïevski)، وغيرهم من الأدباء الذين يسكنهم هاجس البشرية جمعاء. واختار أن يُلمّح لهذه الحيرة بالتحويلات العابرة التي أطعم بها مقام النهاوند، مثل الللا بيكار، والفا دياز التي أضفت جمالية خاصة على الصولو كمان تعبيرا عن مقام أثر كرد، والعودة للفا بيكار تعبيرا عن الكرد. والجميل في هذا أنه اختار ابتداء من الكوبليه الثاني جملة ايقاعية (دو منخفِض، مي بيمول، دومنخفض، وسكتة)، يطلق عليها ostinato (أي الثابت، والمستمر)، معزوفة من طرف الفرقة الموسيقية كلحن خلفي مواكب لللحن الأساسي.
2. وبعد السفر بالمستمع في أجواء نغمية وايقاعية مركبة، ومُعبرة عن ملامح الروح التي تعبر عنها القصيدة، أنهى المقدمة بجملة في غاية الرقة والاحساس. بدأها بنغمة الدو المنخفض، أي قرار مقام النهاوند، وأنهاها بالياكاه، أي بالصول قرار لتبدأ السيدة أم كلثوم غناءها «جددت حبك» على نغمة الدو قرار. ومما يوحي بعمق الفلسفة التأويلية عند السنباطي، أنه مباشرة بعد تأكيده على نغمة الدو وضع سكتة رهيبة قبل كلمة ليه، ثم كرر هذه الكلمة ثلاثة مرات للتعبير عما هو جوهري في القصيدة، أي السؤال ليه جددت حبك ؟
3. وتزيد شدة التساؤل عندما لحن كلمات «يا هل ترى قلبك مشتاق يحس لوعة قلبي»، وجاء ذلك مرصّعا على مقام البياتي على النوا، مما أضفى بهاء خاصا على هذه الأغنية. لماذا ؟ لأنه انتقل من العتاب، والحزن الذي عبر عنه مقام النهاوند في كلمات «ده الهجر وانت قريب...كان في أمل لوصالك يوم»، وعرّج على مقام شد عربان الذي هو نوع من الحجاز في غناء «لكن بعادك ده عني خل الفؤاد منك محروم»، ووصل الذروة الطربية مع البياتي على النوا في «يا هل ترى» التي تسلطنت بها السيدة أم كلثوم بأساليب لحنية مختلفة نظرا للطّعم المشرقي الأصيل لهذا المقام.
4. وفي الكوبليه الطربي الذي يقول «أنا لو نسيت اللي كان وهان علي الهوان»، اختار السنباطي مقام الراست. لكن عبقرية الأستاذ السنباطي سطعت لما استهل هذا الكوبليه بلازمة موسيقية في منتهى الابداع على مقام السوزناك، أي الحجاز على النوا (الصول). وجاءت مفاجِئة، نظرا لطابعها الصُّراخي، والسريع الذي يبدأ في الدو جواب، وينتهي في الصول (نغمة الصول). ويمكن أن نتساءل لماذا اختيار السوزناك ؟ حسب بعض الموسيقيين مقام السوزناك يمكن تشبيهه بعروسة البحر، التي لها نصف أدمي والنصف الثاني من السمك. أي أن مقام الراست جِدعه وفرعه من مقام الراست (السي نصف بيمول، والمي نصف بيمول)، وعندما نحول الفرع إلى حجاز (السي بيكار واللا بيمول) يطلق عليه السوزناك. وقد تبدو هذه الإزدواجية غير طبيعية، لكنها معبرة عن الكلمات التي فيها صرخة في نهاية الكوبليه «أنت ظالمني وأنا راضي». أنت جاءت عالية، معبرة عن المرأة، وراضي عن الرجل الذي يقبل هذا الوضع لأن القلب ظنين بالحب.
تلك إذن بعض ملامح الابداع في التأليف الموسيقي عند الأستاذ رياض السنباطي، والتي أسهمت في تلقيبه بملحن المعاني.
يمكن أن نُشبه السنباطي بعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) الذي يولي أهمية بالغة للمعنى الذي يكمن وراء سلوكات الناس في حياتهم الاجتماعية. وهو يختلف بهذا الصدد عن عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (Durkheim) الذي يَعتبر أن الإنسان يخضع لقهرية النظام القيمي المهيمن في المجتمع، والذي يتم استبطانه وتبنّيه من طرف الفرد عبر التنشئة الاجتماعية.
فحسب ماكس فيبر، الإنسان فاعل، وليس مفعول به، وله القدرة على تأويل تصرفاته. فعلى سبيل المثال، إذا قمت بزيارة أحد أقاربك، فليس فحسب احتراما للأعراف العائلية، بل قد تكون لك في هذه الزيارة أغراض ومقاصد شخصية محضة. فالسنباطي هو الآخر فيلسوف المعنى، وقضى عمره في تأويل النصوص الشعرية موسيقيا مستمتعا، وممتعا باكتشاف المعاني التي تكتنزها حسب سياقاتها.
والمثير للانتباه أن الشاعر أحمد رامي يظهر وكأنه، حالة خاصة لا تتطابق مع نظرية ماكس فيبر، بحيث أنه في الآن ذاته فاعلٌ ومفعولٌ به. كيف ذلك ؟
فاعل لأنه بفعل تكوينه بجامعة السوربون، وتمكنه من العديد من اللغات (الفارسية، والتركية، والإنجليزية، والفرنسية علاوة على العربية، والدارجة المصرية) أسدى الكثير من الخدمات لبلده كمتخصص في علم المكتبات، وللفكر بصفة عامة، ولاسيما في ميداني الفن السنيمائي، والأدبي. فهو صاحب الأصل في الأغنية التي تعنينا هنا، أي صاحب الكلمة القوية التي تعكس منظوره للعلاقات الإنسانية، ولاسيما منها البيْن شخصية (interpersonnelle). فهو عندما يقول مثلا «يا هل ترى»، فإنه ينتقل بنا من الاستفسار «يا ترى» الشائع عند الناس إلى التساؤل، والاستفهام، أي لما هو مركب وإشكالي، ويثير الجدل والتأمل من أجل فهم المخفي واللاشعوري. فهو بذلك يمارس جيولوجيا لغة القلوب. بمعنى أنه يُعبّر عن قلق وجداني، واضطراب نفسي، ويرغب في معرفة إن كانت العلاقة بين الإثنين، والأشواق متبادلة، ومتماثلة، وغير محفوفة بالمخاطر في المستقبل. هذا المعنى هو الذي أدركه السنباطي وصوره في ثوب موسيقي يبهر المستمع.
يمكن القول الشيء ذاته بخصوص اختيار الشاعر لكلمة «يشعلل النار» التي هي كلام غير مألوف، والذي لا يعني فحسب إيقاد النار (أي نار الأشواق)، بل يرمز أيضا للالتهاب والالتهام. وهذا وصف دقيق ينفُذ لأعماق ما يغلي في القلب، أو ما يسميه الضلوع، من مشاعر وأحاسيس مدفونة.
ولا داعي للاستكثار هنا من الأمثلة التي تُبيِّن عبقرية الشاعر أحمد رامي في نحت معالم عالم العلاقات العاطفية، وتُقدِّم الدليل على قوة الفعل الشعري في أعماله.
وفي المقابل، يبدو أنه أيضا «مفعول به». وأقتصر هنا بمثال واحد : «يشعلل النار والأشواق اللي طفيتها أنت بإديك». فعملية إشعال النار، وإطفاء لهيبها مصدره ليس هو الشاعر، بل الطرف الآخر المخاطَب في القصيدة. وبالرغم من هذا الظلم، فالشاعر يبدو أن ليس بوسعه إلا الاستكانة والرضى، وقبول الاحتراق بلهيب الحب والعشق. والأستاذ السنباطي، بحكم تملكه لناصية الغوص في الكلام الشعري لاكتشاف دلالاته الملهمة للتلحين، أدرك طبيعة هذه العلاقة التراتبية والسلطوية، وفجَّر المخزون العاطفي الذي تحمله كلمة إيديك في قفلة مطولة ناذرة في الموسيقى العربية.
عبد الكريم ساعة بن عمارة
جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء
مع خالص المودة وبالغ التقدير
|