المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الرحمن الخميسى


MOHAMED ALY
21/10/2006, 03h13
عبدالرحمن الخميسي.. موهبة شاملة وحياة عريضة


هذا العام تمر 86 سنة على ميلاد واحد من ألمع المثقفين العرب, الذين لعبوا أكبر دور في صياغة الوجدان القومي في مرحلة المد الثوري, وعلى الرغم من كثرة النصوص الانطباعية, التي تعرضت لموهبته ولمغامراته ولأثره ولأستاذيته, فإن سيرة حياته لاتزال بحاجة إلى تصوير دقيق, يتوازى مع ما حفلت به هذه الحياة من سعة وتنوع وتقلب.
وُلد الخميسي لأب ريفي من إحدى قرى الدقهلية (منية النصر), وأم حضرية من بورسعيد في 13/11/1920, وعاش طفولته الأولى مع والدته, متنقلاً بين مدينتي بورسعيد والسويس, ثم أعاده والده إلى حضانته في سن السادسة, حيث كان يقيم في قريته منية النصر, وألحقه بالمدرسة الابتدائية بالزرقا (وهي الآن عاصمة مركز جديد في محافظة دمياط), وهكذا اغترب مبكرًا من أجل الدراسة الابتدائية, فأتيحت له الخلوة بنفسه منذ سن السابعة, وكان يقضي لياليه في السير على شاطئ النيل, ويعود في نهاية الأسبوع إلى قريته ليقضي بعض الوقت مع والده وزوجته الأخرى, وتكوّنت له منذ طفولته شخصية متأملة تقدر الألم, وتعرفه, وتعطف على الآخرين, وكان على تعلقه بوالدته وشعوره بالوحدة في غيابها يستحضر صورتها وصورة حياته البهيجة في المدينة. وبدأ التعبير الفني بنظم المواويل الشعبية محاكيًا والده ومطربي الريف, وانتقل للدراسة في المنصورة الثانوية, وفيها شجعه الشاعر محمد بيومي على مراسلة الصحف لنشر إنتاجه الأدبي, ونشرت له (البلاغ) المصوّرة قصيدة (أزهار), كما نشرت له (الرسالة) و(الثقافة). وبدأ وعيه السياسي والأدبي ينمو وهو في المنصورة, ثم انتقل إلى القاهرة لينعم بحياة العاصمة الكبرى وما فيها من فرص مواتية, والتحق بمدرسة القبة الثانوية, وشارك في جماعة التمثيل بها, وارتبط بأجواء شارع محمد علي, واضطر إلى البحث عن مأوى في القاهرة يقضي فيه لياليه, حتى إنه كان ينام بعض الليالي في بعض المقاهي والحدائق, وهي التجربة التي عبّر عنها فيما بعد في قصة (النوم). عمل (هو والشاعر أحمد مخيمر) في كتابة المونولوجات والأغاني للملحنين والمطربين والمونولوجستات.
وتعرف سنة (1938) على أحمد رامي في دار الكتب, وعلى محمد فتحي في الإذاعة, حيث درّبه على كتابة التمثيليات الإذاعية وإخراجها, وبدأ يمارس العزف على جهاز البيانو النقالي, ويصاحب الفرق الموسيقية لهذا الغرض. ثم تعرف على أحمد المسيري, وكان صاحب فرقة مسرحية شعبية جوالة ذائعة الصيت, وتعاقد معه, وتشرّب منه الإجادة والتجويد في كل أركان العمل الفني, فقد كان المسيري -كما صار الخميسي فيما بعد - فنانًا شاملاً يجيد التأليف المسرحي, والغنائي, والتمثيلي, الإخراج, والتلحين, والتطريب, والماكياج, والديكور, والإدارة, فضلاً عن النجارة, والكهرباء, والحرف المساعدة للعمل الفني, وكان مسرح فرقة المسيري ارتجالي الطابع, مع تطعيم الأحداث بالواقع والعادات, وقد مارس الخميسي من خلال هذه الفرقة (ومثيلاتها) التعبير الفني المطلق, كما مارس فنون المسرح, الذي يتغير نصه كل ليلة, ولايزال بعض نتاج الخميسي في هذه الفترة متاحًا من خلال بعض ألحانه الشعبية المسجلة, التي قدمها شكوكو, وشفيق جلال, وسعاد مكاوي, وثريا حلمي, فضلاً عن بعض أغاني الأفراح والمناسبات, التي لاتزال تتردد.
وقد ارتقى الخميسي من ممثل صغير في هذه الفرقة إلى نجمها الأول, وقد نمت هذه التجربة في شخصيته ملكات اليقظة,وسرعة البديهة نتيجة اضطراره للتجاوب على المسرح مع زملائه من الممثلين التلقائيين, وفضلاً عن هذا, فقد تفجّرت موهبته في إتقان تأليف المسرحيات والمسلسلات الإذاعية, كما صُقلت مواهبه في الإخراج, والموسيقى, والتلحين, وكتابة الشعر, وفي هذه الفرقة توثقت علاقة الخميسي بنجار الفرقة, ودفع به إلى ساحة التمثيل وغناء المونولوجات الخفيفة, وكان هذا النجار هو محمود شكوكو, الذي كان يتهيّب التجربة, فشجعه الخميسي, واختار له زيه التقليدي وتمثاله...إلخ. وعاش الخميسي هذه الفترة مع الفرق الجوالة, ولعله شكّل بنفسه بعض هذه الفرق.
وفي سنة1940 أتيح له أن يتعرف بشاعر القطرين خليل مطران, حيث عرف مستوى آخر من الحياة, ومن التجديد الفني في الشعر والإبداع الرومانسي, والعمل من أجل الخير, وارتقت قدرات الخميسي واهتماماته على يد مطران وعلى يد مَنْ عرفهم بعده من الأدباء والمفكرين, وبخاصة سلامة موسى, وإبراهيم ناجي, وكامل الشناوي, الذي اختار له لقب (القديس) وروّج له, وارتبط معه بصداقة عمر, ثم عرف محمد عودة الذي ارتبط معه أيضًا بصداقة عمر, ثم الأخوين مصطفى أمين وعلي أمين وموسى صبري, وانتقلت جلساته إلى الفيشاوي وغيرها من مقاهي القاهرة, كما عرف حفني باشا محمود, واختاره كامل الشناوي محررًا أدبيًا لأخبار اليوم, ومنها انتقل بعد بضعة شهور إلى صحيفة (الكتلة) صحيفة حزب مكرم عبيد, وفيها اقتصر على نشر إبداعاته ونقده.
كانت بداية عمله في الإذاعة المصرية (1938-1960), وعمل في استوديو مصر (1944).
وترك وظيفته في الإذاعة المصرية (1947) للعمل في إذاعة الشرق الأدنى, وكانت تبث من يافا, وفي تلك الإذاعة عمل الخميسي مؤلفًا للبرامج والتمثيليات, ومخرجًا ومذيعًا وممثلاً, وقد زامل هناك سامي داود, وعميد الإمام, والسيد بدير, وناصر الدين النشاشيبي, وكانت الإذاعة تذيع أيضًا أحاديث للأساتذة: العقاد, والمازني, ومحمد مهدي الجواهري.
الكاتب الشاعر
وتوج الخميسي نشاطه في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات بإشرافه على صفحة فنية يومية في جريدة (المصري) وفيها كتب عمودًا يوميًا بعنوان (من الأعماق), ونشر في هذه الصفحة إبداعات كثيرة ومتنوعة للجيل الصاعد وقتها, وكان إنتاج يوسف إدريس القصصي ضمن ما نُشر في هذه الصفحة تباعًا, وقد تنبأ له بمستقبله الذي تحقق. وقد رشحه للعمل في (المصري) صديقه وابن بلده زكريا الحجاوي (1914-1975), وقد كان مديرًا لتحريرها, وفيها زامل محمود عبدالمنعم مراد, وحسن فؤاد, وعثمان العنتبلي, وعبدالرحمن الشرقاوي, وسعد مكاوي, وعبدالرحمن صادق, وتعرف إلى الجناح اليساري في الوفد بزعامة محمد مندور, وعزيز فهمي, ومصطفى موسى, وعبدالمحسن حمودة. كما نشأت علاقة حميمة بينه وبين أحمد أبو الفتح, حتى أنه أطلق اسم أحمد على ابنه. وشهدت (المصري) منافسته مع سعد مكاوي, الذي كان ينشر حلقات روايته الشهيرة (السائرون نيامًا), وفي المقابل نشر الخميسي (ألف ليلة وليلة) في حلقات ممتعة استمرت أكثر من عام تحت عنوان (ألف ليلة وليلة الجديدة), بأسلوب جديد راعى الاختصار وعدم الإخلال, وتجنب لوازم العمل القديم من السجع والبذاءة وألفاظ الجنس, وقد نشرت في سلسلة كتب للجميع بعد ذلك. كذلك خاض الخميسي معركة عنيفة مع محمد التابعي حول الموسيقى والطرب والمفاضلة بين محمد عبدالوهاب وأم كلثوم. وفي بابه (من الأعماق) استأنف نشر إبداعاته من الشعر والقصة, وترجمة الأعمال الأدبية لموباسان, وتشيكوف, مما جمعه فيما بعد في كتابه (يوميات مجنون). كما نشر مقالات نقدية ومقالات عُني فيها بالتذوق ونشر الوعي الموسيقي. وفي هذه الفترة نشر الخميسي (1951) كتابه (المكافحون). وقد قدم في هذا الكتاب سيرة حياة عدد من المكافحين من أجل وطنهم, مثل عبدالله النديم, وجمال الأفغاني, وعمر مكرم.
وصبيحة إلغاء معاهدة (1936), كتب الخميسي (أكتوبر 1951), في بابه (من الأعماق) بالمصري مقالاً ناريًا كان مما جاء فيه:
(كان أمس زئيرًا راعدًا, وطوفانًا من الحماس الغامر, وشمسًا مشرقة باهرة الأضواء. الزئير ألفته صرخات الملايين بسقوط الاستعمار ومعاهدة 1936 واتفاقيتي 1899, وطوفان الحماس كان ينصب من قلوب الملايين تمجيدًا لهذه الخطوة الباسلة, التي قطعت بها الحكومة العلاقة بين مصر الضحية وإنجلترا الغاصبة المفترسة. كان أمس يومًا خالدًا كفن فيه المصريون ماضي الاحتلال, وأهالوا عليه التراب, كان عيدًا مجنون الأفراح, القيد انكسر, فانطلقوا أيها المواطنون إلى أرض الحرية, ولا تدعوا للغاصبين فرصة أخرى. اغسلوا جراحكم, وقفوا صفًا واحدًا باسلاً تحت شمس الحياة).
وفيما بعد الثورة, بدأ الخميسي علاقته بحركة الجيش بالتحفظ الشديد, منطلقًا من ثقافته وتجربته, وقد روى أحمد أبو الفتح في مقال له في الوفد (1999) بعض ما صور به موقف الخميسي وتخوّفه من الديكتاتورية فقال:
(أذكر أن الخميسي كان في الشهور الأولى من الحركة سريع الحساسية, مما سيحل بمصر على يد الديكتاتورية, وكان ينشر كلمته يوميًا في جريدة (المصري), وأخذ من آن لآخر يوجه اللوم بأسلوبه اللولبي إلى مَن انخدعوا في حركة الجيش, وفي يوم من الأيام, حضر إلى مبنى جريدة (المصري) ثلاثة من ضباط الجيش, وهددوا الخميسي بأشد العقوبات إذا وجه أي نقد للحركة, وفي اليوم نفسه, كتب الخميسي كلمته, وكلها مدح في حركة الجيش, ثم كتب في آخر سطر: يا مهلاّبية...يا! الأمر الذي يقطع بأنه لم يكن يمدح, بل كان يسخر من هذه الحركة, وفي الليل, حضر الضباط الثلاثة, والشر في أعينهم, وصرخوا في وجه الخميسي بالشتائم والتهديدات, وبكل قدرة الخميسي على التمثيل, أبدى استغرابه لتصرف الضباط وقال: لقد مدحت حركة الجيش مدحًا كاملا, ماذا تريدون بعد ذلك?).
(فقال له الضابط: هل هذا مدح أم مسخرة? ماذا تقصد بـ(يا مهلاّبيّة...يا?).
وأبدى الخميسي المزيد من الدهشة وقال: إيه حكاية يا مهلاّبية, يا التي تتحدثون عنها هذه? فألقى أحد الضباط بالجريدة في وجهه قائلاً: لماذا اختتمت كلمتك بهذه العبارة الساخرة?).
(وقال الخميسي: أنا لم أكتب أبدًا هذه العبارة, ولابد أن يكون قد تم وضعها بطريق الخطأ, إذ كان مكانها برنامج الراديو الذي تنشره الجريدة كل يوم, وفي هذا البرنامج كانت أغنية لمحمود شكوكو باسم يا مهلابية...يا! وهكذا أنقذ الخميسي نفسه من براثن الانتقام!).
ويدلنا الأستاذ يوسف الشريف على مقال مهم للخميسي يوضح موقفه من الديمقراطية منشور في مجلة (الكاتب) بتاريخ 15 أكتوبر 1952 بعنوان (بعض ما يريده الشعب) يقول فيه الخميسي:


http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml (http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml)

MOHAMED ALY
21/10/2006, 03h23
عبدالرحمن الخميسي.. موهبة شاملة وحياة عريضة ( 2 )



الأديب.. المخرج والموسيقي
وقد لاحظ الناقد الكبير محمود أمين العالم في مقال له بمجلة (القاهرة) في يونيو 1987 ملاحظة ذكية, حيث قال: (إن كل قصص مجموعة أمينة التي صدرت في الستينيات خالية من تاريخ كتابتها, باستثناء ثلاث قصص منها قصة (عروس أبو الفوايد) المؤرخة عام 1953, وتحكي قصة فلاح ناضل من أجل أن يجمع مهر عروسه, وما إن ينجح في مسعاه حتى يفاجأ بأنها أصبحت زوجة لعسكري يغادر بها القرية, ويتساءل محمود أمين العالم عما إذا كان حرص الخميسي على تأريخ هذه القصة هو إشارة رمزية لموقفه المبكر من حركة الجيش عام 1952?).
هكذا نستطيع أن نقول إن آراءه السياسية قادته إلى معارضة ثورة 1952 في أول عهدها قبل أن يتحول فيما بعد إلى تمجيد فترة التحول الاشتراكي.
وقد أصدر كتابه (صيحات الشعب) (نوفمبر 1952) الذي اشتمل على قصصه القصيرة, و(رياح النيران) (1952), و(قمصان الدم) (مارس 1953) الذي أهداه إلى الرفاق خلف الأسوار وأمام الأسوار داخل السجن الكبير, وانضم للاتجاهات الديمقراطية المعارضة لثورة يوليو في أول عهدها, وظل معتقلا ما بين 15 مارس 1953 و12 ديسمبر 1956, واعتقل في سجون روض الفرج وبني سويف وأسيوط وقنا, ولم يفرج عنه إلاعندما وجهت الدعوة لمحمد أحمد محجوب وزير خارجية السودان في ذلك الوقت (ورئيس وزرائها فيما بعد) لزيارة مصر ولقاء جمال عبدالناصر فاشترط الإفراج عن الخميسي.
وقد شهدت فترة تحسن العلاقات مع الاتحاد السوفييتي توجه الخميسي بكتاباته ونشاطه كلية نحو اليسار وقد التقى الخميسي بخروشوف في قمة مجده ونشر لقاءه في سلسلة مقالات في جريدة (الجمهورية) لفتت الأنظار لطرافتها, ولم يكن لقاؤه بخروشوف مرتبا, وإنما كان الموعد في الأصل لزميله فاروق القاضي الذي أعدّ الأسئلة لكن الخميسي استحوذ على نفسية خروشوف وخلق حوارًا من نوع خاص بينهما.
وفي الستينيات كان للخميسي الفضل في تشجيع بليغ حمدي في بداية طريقه, وهو الذي ألف الأغنية الشهيرة (ماتزوقيني يا ماما) التي لحنها بليغ وغنتها المطربة مها صبري. ويروي يوسف الشريف أنه ألفها حتى يحصل بليغ من تلحينها على المال اللازم له ليقدم هديته لمحبوبته الفنانة وردة في بداية ارتباطه بها. كما كان له الفضل في اكتشاف سعاد حسني, وكان زوج أمها عبدالمنعم حافظ صديقًا له, وفيما بعد سنوات طويلة كتب الخميسي قصة اكتشافه لسعاد حسني على حلقات في جريدة (السياسة) الكويتية (1977), وقد أصر على أن تقوم ببطولة فيلم (حسن ونعيمة) أمام محرم فؤاد, وكان كلاهما وجهًا جديدًا. وقد اجتازت سعاد حسني اختبارات الكاميرا من أول مرة, وقد وافقه محمد عبدالوهاب صاحب شركة صوت الفن على الرغم من اعتراض المخرج بركات, ولم تقف علاقته بسعاد حسني عند هذا الحد, وإنما كان هو الذي أسهم في إنقاذها من إحدى المحن السياسية المشهورة, كما أنه هو الذي منعها من احتراف الغناء إلى جانب التمثيل.
أخرج الخميسي أربعة أفلام كتب قصصها وحواراتها, وشارك في إعداد السيناريوهات والموسيقى الخاصة بها, بدأها بفيلم (الجزاء) (1965) عن فترة ما قبل ثورة 1919, وعدّ فيلمه الأول هذا بمنزلة أفضل أفلامه وقد قدم فيه حسين الشربيني وشمس البارودي, و(عائلات محترمة) (1968) وكان شبيهًا بأفلام حسن الإمام, وفيه حاول أن يفضح بقايا الأرستقراطية بأسلوب كوميدي ساخر, و(الحب والثمن) (1970) بطولة أحمد مظهر وزيزي البدراوي وصلاح السعدني, و(البنفسج) (1972) وقام ببطولته محمد لطفي مع زبيدة ثروت وعادل إمام, ولم يعرض في السينما إلا لمدة 3 أيام فقط, وأرجع سبب فشل الفيلم إلى قصته الغريبة عن الوجدان في ذلك الوقت, وهي قصة عالم ذرة تعرض للإشعاع وأصبحت أيامه الباقية في الحياة معدودة.
أما شعره, فقد اتسم بالشفافية والرومانسية, كان شعره مواكبًا لإبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي, وقد حفلت أشعاره الأولى بشحنة هائلة من التمرد والثورة على وضعه الخاص, وعلى الوضع العام, ورفضه للواقع الاجتماعي برمته, كما عبرت عن شحنة أكبر من الشوق الإنساني للتغيير وإحلال العدالة محل الظلم.
وقد ظل الخميسي يؤثر نشر قصائده الجديدة في الصحف والمجلات الأدبية حتى عام 1958, حيث اقتنع بنصائح أصدقائه بإصدار أعماله الشعرية في ديوان, وقد اختار له عنوان (أشواق إنسان) وضمنه تسعًا من مطولات قصائده, فكان موضع حفاوة النقاد على اختلاف توجهاتهم ومدارسهم الأدبية, وقدكتب د.لويس عوض يقول إن الخميسي شاعر مفطور لا يصنع شعره ولا يقوله إلا إذا اضطربت به نفسه, ففاضت به فطرته حتى لم يعد يطيق السكوت.. بينما كانت ثورة الجزائر في أوجها, كان عبدالرحمن الخميسي يتداعى لها بالمقال أحيانًا, وبالشعر حينًا, على نحو ما جاء في قصيدته (أبو القاسم الجزائري).
وقد أصدر الخميسي ديوانه الثاني (دموع ونيران) (1962), يضم نحو خمسين قصيدة بعضها في الوطنية, والحب, والطبيعة, والرثاء, وبالرغم من تعدد هذه الموضوعات فإن الفكرة المسيطرة عليها كانت فكرة تمجيد استمرار الحياة! ويرى بعض النقاد أن معظم شعره الوطني هو في الوقت نفسه شعر رثاء.
وله مرثيات بليغة في عزيز فهمي, ومصطفى كامل, والزعيم السوداني على عبداللطيف. ويمكن القول إن الخميسي بدأ شاعرًا ثم اتجه إلى الفنون القصصية, ثم حاول كل شيء في المسرح: الكتابة, والإخراج, والتمثيل, واكتشاف المواهب الجديدة.
كان أسلوب الخميسي في الكتابة النثرية والقص شائقًا بسيطًا ناطقًا بالصدق, وكان واقعيًا معنيًا بمعالجة مأساة الضعفاء المحرومين, وكان لحرمانه المبكر من أمه في طفولته أثره في إرهاف حساسيته وتنشيط مخيلته ليسترجع ذكريات سعادته القصيرة في أحضانها, وقد عالج في قصصه الموضوعات الوطنية والاجتماعية معالجة واقعية مباشرة, وقد توالت هذه المجموعات (من الأعماق) ثم (صيحات الشعب)(نوفمبر 1952), و(رياح النيران) في العام نفسه, و(قمصان الدم)(مارس 1953) وقصص أخرى (1962) وهي آخر مجموعاته القصصية.
حرية لا تكف عن التوهج
أما فرقته المسرحية فقد أنشأها في 21 مارس 1958, وقد بدأت عرضها الأول (1960) على مسرح 26يوليو الصيفي بثلاث مسرحيات قصيرة من تأليف الخميسي وإخراجه وتمثيله وهي: (الحبة قبة), و(القسط الأخير), و(حياة وحياة), ثم قدمت مسرحية (عقدة نفسية) المترجمة عن رواية فرنسية باسم (عقدة فيلمون) كتبها جان برنار لوك, واقتبسها للمسرح الإنجليزي جون كلمنتس وسماها (الزواج السعيد), وقدمت للبرنامج الثاني بالإذاعة, ثم مصّرها أحمد حلمي لفرقة الخميسي. وكانت (عزبة بنايوتي) تأليف محمود السعدني هي ثالث أعمال فرقة الخميسي, وفيها مثل الخميسي دورًا كشف فيه عن طاقاته الهائلة كممثل بارع. ثم قدمت الفرقة عملها الرابع والأخير وهو (نجفة بولاق) تأليف عبدالرحمن شوقي (مارس 1961). أما دوره في المسرح الغنائي فدور خاص ومتميز للغاية, كما أنه دور ريادي بحق. وبعد توقف فرقته المسرحية اتجه الخميسي إلى تعريب الأوبريتات وكتابتها, وانتابته حمى فنية جديدة هي الأوبريت فقدم أولا (الأرملة الطروب) عام 1961 للموسيقار المجري فرانز ليهار وتأليف فيكتور ليون بالاشتراك مع ليوشتين. ولاقت الأرملة الطروب نجاحًا وتقديرًا كبيرين, وهو الأوبريت الذي لحنه فرانز ليهار (1905) وعرض في العام نفسه في فيينا, وبعد ذلك في عواصم العالم مُترْجمًا. ولاتزال دار الأوبرا إلى يومنا هذا تقدم من وقت لآخر (الأرملة الطروب) باعتباره إنجازًا مهمًا على طريق المسرح الغنائي.
وقد أغرى نجاح (الأرملة الطروب) الخميسي بمواصلة الطريق فقدم تعريبه لأوبريت (حياة فنان) وكان اسمه الأصلي (السنوات المرحة), وتم عرضه في دار الأوبرا مطلع شهر ديسمبر عام 1970 تأليف الموسيقار الإنجليزي إيفون نوفيللو. ثم كتب أوبريت (مهر العروسة) عن تأميم قناة السويس.
وكان (مهر العروسة) آخر عمل قدمه المسرح الغنائي (1963 ـ 1964), وحشد له أفضل إمكاناته, فقام عبدالحليم نويرة بوضع الإعداد الهارموني لها, وقام أندريا رايدر بالتوزيع الأوركسترالي, وصمم سيف وانلي الديكور, وصممت الرقصات نيللي مظلوم, وكانت رتيبة الحفني مدربة الكورال, وأخرجها سعد أردش. ومع أن الخميسي كتب (مهر العروسة) عام 1961, فإن تقديمها تأجل ولم تعرض إلا في يوم 2 أبريل 1964.
أما كممثل فإن التاريخ الفني يحفظ للخميسي دوره المتميز في فيلم (الأرض) وهو دور الشيخ يوسف, وكذلك دور إسماعيل بيه في مسرحية (عزبة بنايوتي). وظلت أنظمة الحكم في عهد الثورة تعامل الخميسي بحذر وتوجس حتى إن لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي فصلته مع عدد من الصحفيين في جريدة (الجمهورية), في أواخر عهد عبدالناصر, ولم يعد إلى الصحافة إلا في بداية عهد الرئيس السادات.
وكان شعراوي جمعة قد حاول ضمه للتنظيم الطليعي لكنه اعتذر.
وفي 6 سبتمبر 1981 قررت محكمة القيم بعد جلستها الأولى وجلستها الثانية في 15 نوفمبر 1981, إصدار حكمها بإسقاط الحق المدني عن عبدالرحمن الخميسي.
وكان الخميسي من الشجاعة والجسارة بحيث واجه وحده مقالات محمد حسنين هيكل التي نشرها في بداية عهد السادات في (الأهرام), وقد أرسل الخميسي عدة برقيات احتجاج للرئيس أنور السادات ولرئيس الوزراء عزيز صدقي في 9 يوليو 1972 قال فيها:
(ومن حق المفكرين والكتّاب أن يطالبوا بقسط من حرية الحركة التي يتمتع بها الأستاذ هيكل في نشر مقالاته. إن الحرية الممنوحة له تحرمها الرقابة على غيره, لقد كتبت مقالة أرد بها على مقالات الأستاذ هيكل فارتعشت فرائص الرقابة, دعمًا للمزيد من تفرده واستشرائه).
على أن خلاف الخميسي مع الدولة لم يصل إلى ذروته إلا عندما قرر الرئيس السادات طرد الخبراء السوفييت وكانوا - على حد تقدير الخميسي - يمثلون عماد استعادة مصر عافيتها العسكرية. وهكذا فإن الخميسي, في وضع فريد, ترك مصر في 1972 مبكرا عن أقرانه.


بقام : محمد الجوادى

http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml (http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml)

MOHAMED ALY
21/10/2006, 03h27
عبدالرحمن الخميسي.. موهبة شاملة وحياة عريضة ( 3 )


وهج لا تطفئه الغربة
وقد بدأ الخيمسي جولته في الغربة ببيروت التي لم تطل إقامته فيها لأكثر من أربعة شهور, فقد كانت بغداد تتطلع آنذاك لأن تكون مركز المعارضة العربية لنظام أنور السادات, حيث اجتذبت عددًا كبيرًا من المثقفين الذين خرجوا تباعًا من مصر, وهكذا انضم الخميسي إلى كتّاب صحيفة (الثورة) العراقية مع أحمد عباس صالح, وأمير اسكندر, وسعد زغلول فؤاد, ونبيل زكي, وفتحي خليل وغيرهم.وفي العراق, بدأ الخميسي في مناخ جديد: كتب ونشر ما شاء له من الشعر, والقصة, والمقال السياسي, لكنه بطبيعته الليبرالية سرعان ما وقع في خلاف مع النظام العراقي, وتفاقمت الأمور حين لم يجد مانعا يمنعه من أن يبيع سيارة أمريكية فارهة كان الرئيس صدام حسين قد أهداها له. ويروي يوسف الشريف أنه جهز نفسه للسفر في سرية بالغة وبعد أن أصبح على وشك الرحيل أمسك بالتلفون - قبل نصف الساعة الأخيرة على إقلاع الطائرة - وأدار القرص طالبًا رقم الهاتف المباشر لطارق عزيز, وكانت عائشة ابنة الخميسي في ذهول وهي تسمع أباها يكيل لطارق عزيز مختلف ألوان الشتائم بصوته الهادر, ويصب لعناته على النظام العراقي, ولم يجد النظام العراقي فرصة للانتقام منه إلا في ابنته عائشة التي اعتقلت لمدة شهرين كاملين قضتهما في الحجز مع المتهمات جنائيا, حتي تقرر الإفراج عنها وعادت إلى القاهرة مستغنية عن إكمال دراستها الجامعية التي كانت قد بدأتها في العراق, وانتقل الخميسي إلى موسكو حيث عاش سنوات حياته الأخيرة. وقد عاش في البداية في شقة صغيرة والتحق شكليًا بالعمل بدار التقدم السوفييتية التي كانت تترجم (عيون الأدب الروسي) إلى العربية, ثم أخذ نجمه يصعد في موسكو حتى أصبح بمنزلة المواطن العربي الأول فيها. وقد أصبح معروفًا في المجتمعات السوفييتية والمجتمعات الشرقية الدائرة في فلك السوفييت بفضل صوره المطبوعة على أغلفة دواوينه الشعرية, وتلك التي كانت تنشرها الصحف, وظهوره على شاشة التلفزيون في المناسبات, خاصة بعد اختياره رئيسًا للجنة التحكيم في جائزة كتّاب آسيا وإفريقيا. ومما هو جدير بالذكر أن جاجارين قد توقف في مذكراته مطولاً أمام شخصية الخميسي التي لفتت نظره بشدة خلال زيارته إلى القاهرة, وأسهب في وصفه كشخص متميز ومتألق.
وقد منح الخميسي وسام لينين للسلام عام 1981, وأقيم حفل كبير في موسكو بهذه المناسبة, ثم تكرر الاحتفال به عربيًا في بيروت, وألقى ياسر عرفات في الحفل العربي كلمة أشاد فيها بدور الخميسي. وتوطدت علاقته في أثناء إقامته في موسكو بعبدالفتاح إسماعيل الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية, وكان الخميسي أشد الناس حزنًا لاختفائه. ولم يكن الخميسي يلازم موسكو طيلة الوقت, لكنه كان يتحرك في الإطار الذي يتوافق مع توجهاته, فكان يشارك في نشاط مؤتمر الشعب العربي في ليبيا بصفته رئيسًا للوفد المصري, وكلما زار ليبيا كانت أبواب الأخ العقيد معمر القذافي مفتوحة لاستقباله.
على المستوى الشخصي عاش الخميسي حياة الصعلكة وكثرة الزواج, وقد ظل يعاني من عدم الاستقرار في كل شيء حتى في سكنه, وكان مغامرا بوهيميا مهزارًا, كانت أولى زوجاته السيدة هانم والدة ابنه عبدالملك, ثم السيدة شفيقة التي أنجبت له على التوالي: ضياء وأحمد وفتحي وعزة وعائشة ومنى, ثم السيدة ألطاف والدة نهاد وعبدالرحمن وعرابي وطارق, ثم الفنانة فاتن الشوباشي والدة خالد وهند,هذا غير مَنْ تزوج بهن في المنصورة قبل قدومه إلى القاهرة مثل الممرضة محاسن, ثم خلال غربته عن مصر مثل حياة المذيعة البحرينية, فضلاً عمَنْ وقع في غرامهن أو وقعن في غرامه! وقد شرع في كتابة مذكراته أكثر من مرة لكنه لم يتمها.

بقلم : محمد الجوادى

http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml (http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/12/1/Art_71680.xml)

MOHAMED ALY
17/11/2006, 11h47
أشواق


يا طبيبي ظمِئَتْ روحي إلى
رشفةِ النُّورِ وراءَ الأفُقِ
أ
أطلِقوني.. إنّني في جسدى
بلبلٌ ضاق بسجنٍ مُغلق
طال حبسي وأنا ما عشقتْ
مهجتي غيرَ الفضاء المطلق
آه يا حريّتي!! حريّتي
من وراء الغيم! حُلّي موثقي
أنقذيني من كياني الضيِّقِ
****
هذه أُمّي تُناديني و قد
نَصَلتْ من حلقات الزمنِِ
يتخطّى السحبَ وثباً صوتُها
ساكباً أصداءه في أُذني
باركيني! حلِّقي في مخدعي
خلِّصيني من قيود البدن
وأنيري لي سبيلي.. إنَّما
أنا في الدنيا غريبُ الوطن
نهشتْ قلبي نيوبُ الشجنِ
****
غام لي الحاضرُ فاغتال الأسى
ذوبَ نفسي وبقايا أضلعي
وتهاوتْ أنجمُ الماضي على
صفحة الذكرى فهاجتْ أدمعي
أين أُمّي؟ أين واريتُ أبي؟
كيف غابا، ولقد كانا معي!
أقفرتْ دنيايَ من أغراسِها
وأنا أرهبُ عيشَ البَلْقعِ
فإلى كم يحتويني هَلَعي؟!
****
أنا مثلُ الماء في الجدول، وقد
كنتُ غيماً سابحاً عبرَ الفضا
وأذابتْني سياطُ الشمسِ إذْ
أَضرمتْ في عنصري نارَ الغضى
فتساقطتُ على الأرض، وكم
شربَ العطشانُ منّي.. ومضى!
تتغنَّى فيَّ أمواجي إلى
أصلِها شوقاً!! ولكنْ ما قضى
لهبُ الشوق مُرادي، ما قضى!****

يا طبيبي ظمِئتْ رُوحي إلي

رشفةِ النُّورِ وراء الأُفُقِ
أطلقوني إنّني في جَسَدي
بلبلٌ ضاق بسجنٍ مُغلَق
طال حبسي وأنا ما عشقتْ
مهجتي غيرَ الفضاءِ المطلق
آهِ يا حريتي!! حريتي
من وراء الغيمِ! حُلِّي مَوْثقي
أنقذيني من كياني الضيِّق
لوجودي فوق أرض الناسِ معنىً قد عرفتُهْ

غيرَ أنّي ها هنا في ظلمة السجنِ عبدتُه..
ومثالي في الوجود الحرِّ من دمعي صنعتُه
*****
ها هنا تنتفض الأحداثُ في كون صغيرْ
ها هنا، ترتعش الأحلامُ في صمت القبور
وهنا موكبُ أحرارٍ على الشوك يسير..
****
احشدوا الأحرارَ في السجن وغالوا في العذابْ
واكذبوا ماشئتمو اليومَ.. فكلٌّ بحِساب
وادفعوا في غمرة اليأسِ انقلاباً بانقلاب
لم تعودوا بعدُ إلا صفحاتٍ من كتاب!
****
نحن للشعب وبالشعب اندفعنا!! هل نبالي؟
إننا نبني وجوداً كتهاويل الخيالِ
عاطرَ الأرجاءِ وضَّاحاً كأيام الوصال
****فمتى يهدأ ذو شوق مُعنّىً بهواهْ؟!
عاشقٌ شاقتْه في السجن أناشيدُ الحياه
ومضى يحلُم في السجن بأيام صِباه..!
الليالي كلّما مرَّتْ تَغنَّى ذكرياتِهْ
وتمنّى لو طوى الليلَ إلى صدر فتاته
كلّما رنّحه القيدُ تناهى في صلاته
صلوات لكِ، للحبّ، لأحلام حياته!
****
لم يعد من ذلك العهدِ سوى وهمِ التمنّي
وبقايا ذكرياتٍ يتسكَّعن بسجني
ذكرياتٍ أنا منها.. من سَداها وهي منّي!
غيرَ أنّي ذاتَ يومٍ سوف ألقى ما حُرْمتُهْ
وسأحيا كلَّ أحلامي.. وما كنتُ اشتهيتُه
وسأحيا رَغَدَ الحبِّ الذي بالأمس ذقته
وأُعيد الضربَ في الصخر الذي كنتُ ألنته
والنضالَ الداميَ الصُّلْبَ الذي كنتُ بدأتُه
****
عبد الرحمن الخميسى