* : مساهمات اختيارية من الأعضاء لسماعي لعام 2026 (الكاتـب : سماعي 2 - آخر مشاركة : خليـل زيـدان - - الوقت: 23h44 - التاريخ: 09/02/2026)           »          فتحيه أحمد- 1898 - 5 ديسمبر 1975 (الكاتـب : Talab - آخر مشاركة : نور عسكر - - الوقت: 22h52 - التاريخ: 09/02/2026)           »          فى يوم .. فى شهر .. فى سنة (الكاتـب : د.حسن - آخر مشاركة : Dr. Taha Mohammad - - الوقت: 21h13 - التاريخ: 09/02/2026)           »          عفاف راضي- 5 مايو 1954 (الكاتـب : الباشا - آخر مشاركة : نور عسكر - - الوقت: 20h41 - التاريخ: 09/02/2026)           »          سعدي الحلي (الكاتـب : كلثومي - آخر مشاركة : ahmed711 - - الوقت: 20h40 - التاريخ: 09/02/2026)           »          ملحم بركات- 5 أفريل 1942- 28 أكتوبر 2016 (الكاتـب : didisabry - آخر مشاركة : اسامة عبد الحميد - - الوقت: 19h34 - التاريخ: 09/02/2026)           »          ميشيل بريدي (الكاتـب : kabh01 - آخر مشاركة : اسامة عبد الحميد - - الوقت: 19h27 - التاريخ: 09/02/2026)           »          نهى هاشم (الكاتـب : abuaseem - آخر مشاركة : اسامة عبد الحميد - - الوقت: 18h52 - التاريخ: 09/02/2026)           »          هدى حداد (الكاتـب : هاوي عود - آخر مشاركة : اسامة عبد الحميد - - الوقت: 18h44 - التاريخ: 09/02/2026)           »          نـعـمـة- 27 فبراير 1934 - 18 أكتوبر 2020 (الكاتـب : صالح الحرباوي - آخر مشاركة : MOSAAB888 - - الوقت: 17h45 - التاريخ: 09/02/2026)


العودة   منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل > الموروث الشعبي والتراث الغنائي العربي > العراق > المواضيع العامة

المواضيع العامة المواضيع الفنية العامة والمواضيع الفولكلورية والثقافية ذات العلاقة بالفنون العراقية

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 16/01/2010, 23h35
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات

البلدية
مقهى من ايام الزمن الجميل

صاحب الشاهر
ماذا يهمنا من بناية متداعية تلم اعطاف ماضيها في احدى زوايا ساحة الميدان.. وقد مسح الغبار ذيله على زجاج شبابيكها المتعبة.. ورسمت امانة العاصمة على بابها شارة (التفليش).. ما الذي يهمنا حين نرسل ابصارنا داخل فراغها الموحش وقد طردت رياح اليوم كل معالم امسها ولم تبق لنا غير نضارة الذكريات..


مقهى البلدية.. ليست بناية قديمة كالاخريات.. نفرح لتهديمها كي تنهض مكانها معالم جديدة.. لبغداد جديدة.. هذه المساحة التي تنفست هواءها طوال نصف قرن صور طيبة ولحظات رائعة مازالت تعيش في ذاكرة مثقفيها الذين ادركو ايامها الملونة ابان فترات الاختناق.. وضيق النفس.. اولئك الذين راحوا عرفوها كأول مسرح تحركت عليه اكثر من ظاهرة فنية واكثر من نشاط جميل.. عرفوها مع اول مطربات العراق.. منيرة الهوزوز ثم سميرة دجلة.. سليمة مراد.. جميلة دنكر وبدرية بنت السواس باسم (ملهى الف ليلة وليلة).. كما عرفوها مع فرق بغداد المسرحية وهي تقدم فنانيها عناية الله الخيالي.. عبدالله العزاوي.. هادي علي والصحافي محمود شوكت صاحب جريدة الثبات.. ثم شاهدها وهي تتآكل في حريق لفها في الثلاثينيات ليصار الى ترميمها من جديد باسم (ملهى الاوبرا العراقية) وتظل حتى منتصف الاربعينيات حيث تتغير خارطة ساحة الميدان تلغى ملاهيها.. وتبدأ قصة مقهى البلدية.. الوليد الجديد الذي تربع على هذا المكان منذ ذلك الوقت.. يتذكرون المقهى.. يتذكرون شبابهم هؤلاء المثقفون الذين يعيشون بيننا الان.. يتذكرون المقهى فيتذكرون شبابهم منهم من جاءها في اواخر الخمسينيات،، ومنهم من جاءها في الستينيات كملاذ متسع شهد فورة نشاطهم.. القراءة.. الكتابة.. الانطلاق بالتظاهرات الوطنية.. والخصومة احيانا الى حد استعمال الكراسي كسلاح ابيض.. لقد منت البلدية بدفئها على اكثر من اديب او فنان هرع اليها بعد ان قذفت به قسوة الجو السياسي الى الشارع.. وهنا تعاقبت مجاميع طيبة من جيل عبدالقادر رشيد الناصري.. عبدالخالق فريد.. محمود العبطة.. الى الجيل الذي جاء بعدهم.. وآخرون ممن احتفظوا في رؤوسهم بأكثر من طريفة واكثر من موضوع كانت فريسة (دسمة) للنقاش.. وهم يتأملون قاسم صاحب المقهى بسدارته التي اوحت للقاص عبدالرحمن الربيعي بموضوع قصصي جميل.. ويتأملون صانعه المزمن خضير.. وما بينهما من مسافة.. يموت الديك وعينه على.. السيد محمود العبطة تنطلق ذاكرته بأجزاء حية من هذا الشريط الملون والطويل.. حين يقول: قبل ايام جلست في مقهى البلدية مع احد اصدقائي.. وفي اثناء ذلك امتد بصري مسافة نصف كيلو متر حيث المكان القديم للمقهى.. ولمح صديقي ما يساور ذهني.. فقال المثل المشهور (يموت الديك وعينه على..) في سبيل اثارتي.
فقلت له كانت ايامنا في المقهى رائعة داخل جوها الهادئ الذي كان يثير حماسنا للمطالعة والابداع.. لم يكن هنالك راديو.. ولا تلفزيون.. لاباعة يانصيب ولا صباغو احذية.. اذ حررت فيها فصولا من كتبي عن السياب ومحمود السيد والفلكلور البغدادي.. كما حررت مسودات تلك الكتب قبل دفعها للمطبعة القريبة..
فكيف لاتبقى عيوني مشدودة لها..؟ من رقص الهوائم.. الى عمامة الطيار ويقول العبطة: بعيدا عن الضوضاء كنا نتحدث عما نشرنا او قرأنا ونحن نصغي الى اغنية الجندول او الى موسيقى رقص الهوائم حيث كان المقهى يملك ثروة هائلة من الاسطوانات ولها موظف خاص يذيع على الفنوغراف بعد تقديم اسم الاغنية والقطعة الموسيقية من على ورقة خاصة لذلك..
اذكر ان في الجانب الاخر من مجموعتنا انا والسياب وحازم سعيد ومحمد روزنامجي وحقي الشبلي وغيرهم.. كان يجلس المرحوم الحافظ مهدي مع بطانته واشهرهم احمد شعبان بجراويته البغدادية البديعة.. وعلى بعد منهم يجلس ارباب الموسيقى الشعبية وقد علقوا الابواق والطبول فوق رؤوسهم بشكل مضحك.. وبعد ان انتقل المقهى الى مكان (ملهى الاوبرا) لم تنقطع ارجلنا عنه حيث اجتاحه في هذه الفترة الشباب الجديد.. ولم يبق من علامات البلدية القديمة الا السيد عبدالستار الطيار بعمامته ونرجيلته المعهودة.. من هنا.. انطلقت التظاهرات احمد فياض المفرجي يتحدث عن مشاهد من ايامه مع المقهى.. تلك الايام المليئة بالطرافة والجد.. الخصومة والاصدقاء.. يقول:انني لا يمكن ان انسى ذلك اليوم الذي اصطخبت فيه المقهى وضجت بمثقفيها.. وشبابها الذين اندفعوا للالتحام بالتظاهرة الوطنية التي خرجت تأييدا لثورة مصر عام 1952.. كما كانت احتجاجا متحمسا ضد النظام الملكي المستبد.. كما لايمكن ان انسى الشرطة الملكية الذين عودونا على احتلال المقاعد الامامية من المقهى وهم يحدقون في اوجه حلقات الشباب المثقف تصيدا لاجتماعات القوى الوطنية في المقهى.. والتظاهرة كانت لهم رزقا رائعا وجدوه في قمع الشباب المتظاهرين.. احسن مكان للتأليف.. والصفعة الودية الاستاذ المفرجي له ذكريات طريفة في (البلدية) ذكر لنا بعضا منها حين قال: كنا نتمتع بجو رائع في المقهى..
وفي عام 1957 دفعت بكتابي (المرأة في الشعر العراقي) للطبع.. وبعد اتمام مسوداته اقترح عليّ صاحب المطبعة ان اضيف فصلا عن المرأة في شعر حسين مردان فأسرعت الى (البلدية) وهناك حررت الفصل كاملا في جلسة واحدة، والحقته بالكتاب في نفس اليوم.. وبعد صدور الكتاب اطرى معظم من قرأوه على هذا الفصل الذي حررته بفضل اجواء المقهى.. وفي عام 1965 اصدرت كتابي عن الحركة المسرحية وبعد صدوره باسبوع تخاصمت مع احد الادباء في المقهى.. فلم يجد هذا ما يصفعني به سوى نسخة من كتابي اشتراها لهذا الغرض من بائع مجاور.. وتقبلت انا هذه الصفعة بارتياح لانها ساعدت على تصريف نسخة من كتابي.. حلقات الادب.. ذكريات عزيزة خالد الحلي هو الاخر له ايامه الحبيبة التي يقول عنها: تتداعى في ذهني بعض الاشياء.. الجديد لا بد ان يحل محل القديم.. ولابد لهذه البناية العتيقة المعتقة ان تطمر!! لكن.. عندما عرفت انها توشك على الزوال النهائي كمقهى تذكرت بالحاح تلك الايام الحبيبة.. حيث فيها بدأت علاقتي ببغداد عام 1964.. وهنا تعرفت الى الكثير من الادباء والفنانين يوم كان جو البلد مختنقا تحت وطأة النظام العارفي وكنت جديدا على حياة بغداد.. اتذكر وجه الشاعر الراحل عبدالامير الموسوي وهو يتردد على المقهى خلال ايامه المرهقة.. ان حلقات الادب ذكرياتي العزيزة عن (البلدية).. هكذا يتحدث هؤلاء عن متنفسهم الذي تركوه ليشغلوا مواقع حيوية تسهم في بناء مستقبل ثقافتنا. بعد انفراج واقعنا ورحيل سحبه الداكنة.. ولكن المقهى يبقى في خواطرهم طيفا عزيزا من ذكريات حميمة.. يمكن ان يهدم مقهى البلدية.. لكن لايمكن ان تنسى جلساته التي تحتفظ بطراوتها وهي تنمو داخل جو من الدخان بدأ من العهد الملكي وانتهى بانتهاء النظام العارفي.. يمكن لامانة العاصمة ان تتصور مقهى البلدية وهي تتهدم.. لكن هؤلاء يظلون مثل غرسات تنفست هواءها قديما.. وهي الآن تهتز بجمال كلما حركتها رياح الذكريات..
مجلة الاذاعة والتلفزيون 1975
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16/01/2010, 23h59
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات

مقهى حسن عجمي
كبرياؤه من كبرياء رواده وزمانه من زمانهم

بدر السالم
يرتبط مقهى حسن عجمي اسما ومكانا، بعلاقة تماس معروفة مع الادباء والمثقفين لا بوصفه تاريخا مجردا او مكانا وحسب، انما بوصفه علاقة متينة الخصوصية بما هو عليه من تبدلات وانتقالات خارجية وداخلية لانه مركز اثير يدور الكثيرون فيه وحوله من اجل اشياء منظورة وربما غير منظورة وليس اقلها الوقوف في اللقطة اليومية المتكررة كأدباء..

وهو هاجس لابد من الاقرار بسطوته وهو يشد ادباء الخطوات الاولى بخجل اول الامر ومن ثم بثقة تظل مرهونة بالزمن والتجربة والموهبة فقد تبارك هذا المقهى حصرا، دون غيره من مقاهي العاصمة تلك الخطوات القلقة ويمنحها (اجازة) العبور الى احلام اليقظة المعلنة وغير المعلنة.
هذه الروابط المعروفة، بين المقهى وادبائها صارت مع الزمن والاحداث المتتالية رابطة منسوجة بحضور مستمر، معلن بين الطرفين، وقد لاتنفصل ذات يوم الا بانفصال المكان عن مرتاديه لسبب ضاغط، وفي الارجح، ربما سيكون سببا تجاريا، وبالتالي علينا ان نتصور شكل الطلاق القسري بين المقهى والادباء والتشتت الناجم حالة واقعة ومن ثم البحث المجهد عن مكان بديل ولابد من ان يكون مقهى كأرض بكر تتقبل زراعة تاريخ آخر على انقاض تاريخ سابق، قد لايكتب له النجاح، وهذا مؤكد الى حد ما، بسبب الاغتراب، المزدوج الذي سيحل بالطرفين المقهى والادباء.. على ان هذا الافتراض سيظل متوقعا وقد لايحدث تماما لتبقى متوالية التعاقب الجيلي قائمة هي الاخرى وليبقى المكان- المقهى محورا حاسما بمركزيته في الشد والجذب والاقصاء فيما بعد.. شكل الصراع سوف يكون مستترا.. وقد كان ذلك بين المكان وشاغليه.. وهو صراع متبادل تحركه نزوات آنية فرضها ظرف طارئ، لكن سرعان ما تعود الاشياء الى سابق وضعها مصممة على أسس تبادل المنفعة، وفرة المكان / ووفرة المكين؟/ وتبادل الخطابات والشفرات حرصا على سلامة التواصل والحضور/ اعانة شاغلي المكان لديمومة اللحظات الغامضة/ وتعويق الزمن في ايقاف المكان – المقهى من قبل مستغلي المكان ورواده الذين انقذفوا من التاريخ القريب او الذين ولدوا تحت اضواء النيونات الملبدة بالغبار الى ما شاء الزمن ان تتلبد؟.
هكذا هي (القيمة) القديمة بين الاثنين في لعبة الشد النفسي والتاريخي، فبعد ان أغلق مقهى (البرازيلية) لسبب ما وترك مقهى (البرلمان) وظيفته ليتحول الى مطعم للكباب! اضطر (الجميع) الى الهجرة الى مقهى حسن عجمي وهي هجرة مؤقتة نفسيا الا انها باتت اقامة دائمة لا تعتورها الشكوك ولكن تفترعها الظروف القاسية منذ عشرين سنة على وجه التحديد.
أجيال أدبية الاتساع المقصود هو في القيمة الزمانية – المكانية للمقهى نتيجة ولادات اجيال جديدة وظهورها على مسرح المقهى بشكل يدعو الى الاعجاب والتأمل والاستفهام ايضا، مما يعزز المكان – المقهى لاحلام اليقظة المشروعة لدى الكثيرين الذين يتزودون هنا وعلى مر الايام، باحلام اكثر واقعية وصراحة، ولكن بعد زمن لايطول هذه المرة وما الانتكاسات او الانكسارات (كذا) التي تصيب بعضهم وبخاصة القادمين من المحافظات العراقية القريبة من حزام العاصمة او حتى البعيدة عنها، ماهي الا جزء صغير من الواقع او احلام الواقع سريعة الزوال امام صراحة المقهى وهي تتحول من مكان الى زمان بوصفها مركزا جاذبا واردا ايضا (المقهى عاصمة اذن)! على ان الكثيرين ايضا قادرون على التضحيات بشكل مستمر ويتآزرون بالحاح، لكسر شوكة المقهى، متناسين شؤونا مهمة في الحياة واقفين بعناد، منشغلين بحضورهم المزدوج او الحقيقي او الهامشي لغرض توسيع قاعدة المشاركة ولو كره الاخرون؟ وبذلك انشغلت تخوت جديدة باسماء جديدة في المقهى وقد تكرر هذا الامر دائما وسيتكرر ما دام هذا المركز له خاصية الجذب المستمر ومادام هناك آخرون يتعاقبون على وفق النظام الوراثي المعروف، ولكن على طريقة الوصول الى ماهو مشاع، فالمقهى هو (ام) الجميع من حيث هي (رحم) له امكانية ضم الجميع بلا استثناء، دون ان تصبح ابا يوزع اهتماماته بين الابناء العاقين والمشاكسين والعقلاء بصورة متساوية ودون تفضيل هذا الابن على ذاك، فهذا لن يحصل ابدا، لان المقهى غير قادر على تبني نظام الابوة الصارمة فذلك من شأنه ان يخلق فوضى ليس من اليسير كبحها، بل يحولها الى مقهى دون امتيازات اخذت تسعى اليها عبر التجربة الطويلة، وانشأت لها طقسا لا واعيا في الارجح في مكوناتها السرية – المادية.
اما الانغلاق المشار اليه عرضا فهو يقتضي النظر الى طبيعة الرواد المواظبين منهم او الطارئين الذين قد يكتسبون حضورا اكثر من الرواد (التاريخيين) المتوالدين عبر الظروف والحقب والاجيال فهنا ستكون الدورة معكوسة، اذا تحقق ذلك الاكتساب ولن يحقق المقهى في رواده المتعاقبين عبر المواهب واستنساخها اي اكتفاء ذاتي بل سوف يحتاج دائما الى عابري سبيل او ممتقعين وربما الى اصناف اخرى من البشر افرزهم الواقع الرازح تحت ثقل الحصار؟.
حضور عابر ان طرفي الاتساع والانغلاق مرهونان ليس بالزمن وحده وتغير الظروف فقد يكون هذا تحصيل حاصل لكنهما مرهونان بالالتصاق القصدي في جلدة المقهى او الانسلاخ عن رحمها والاكتفاء بالحضور العابر على طريقة تزجية الوقت او احصاء الهموم البيتية، وهذا ما تستوعبه المقاهي كلها، وهذا ايضا سوف يسلب مقهانا فضيلة الزمان والمكان وفضائل اخرى لان الهدف الكامن هو الا يتحول مقهى حسن عجمي الى مكان مجرد والا فالامكنة مرمية في كل مكان؟؟ وان لقاءات التحية يمكن ان تتم عبر الهاتف بشكل مستمر دون انقطاع والولادات الادبية ستبحث عن (رحم آخر) وتجمل له سماته واركانه وتخلق له مزايا نادرة وتزور له تاريخا فاضلا؟.
وجد المقهى (حسن عجمي) بوجود شارع الرشيد، فهل نستطيع ان نتصور العكس؟ لا اعتقد ذلك فالمقهى ليس له علامة فارقة في شارع الرشيد وليس له علامة فارقة في ذاكرة مسافر او عابر او طالب جامعي قاده الواجب الدراسي للبحث عن مصادره في شارع المتنبي.
وجد المقهى بوجود شارع الرشيد ولايجوز افتراض العكس.. ان ذاكرة (حسن عجمي) من ذاكرة (شارع الرشيد) وارجو الا يكون هذا فرضا متعسفا ان ميزة هذا المقهى هي في انفصالنا التدريجي عن شارع الرشيد الذي فقد جزءا كبيرا من ملامحه وذاكرته، وهو انفصال قررته ظروف متعاقبة، لتستقل باطارها وتجتذب اليها ذاكرة اجيال اضيفت مكتنزة بما هي حياتي وحيوي، تلك الاجيال التي قدمت مكتنفة بالمشاريع والهواجي واحلام اليقظة المستمرة، ولعلنا سنقرر ان الانفصال من ذاكرة شارع الرشيد ليس مقصودا بذاته، كما ليس مخططا له من قبيل اي طرف يعنيه هذا المكان اولا يعنيه.. على افتراض ان كل ذاكرة تؤسس علاقاتها الجدية بما هو مضاف اليه من معرفة مقرونة بالخبرة والتجربة بعيدا عن (استعمار) الماضي ومحدداته وذاكرته.
تطلق تسمية (مقهى الادباء جوازا على مقهى حسن عجمي) وهي تسمية محلية اتفق عليها دون اتفاق علني، ولكنه اتفاق قائم، ولم تطلق هذه التسمية بشروط يمكن قراءتها ولن تكون ثمة شروط لمستقبل هذا المقهى على اساس هذه التسمية او غيرها مما ينتجه ظرف قادم، ويتضح من التسمية في حقيقة الحال اطراد متحصل من الرواد كان وراء ذاك العنوان العريض، فتعاقب الظروف القاسية وتخاطف السنوات وولادات اجيال قذفها الواقع المحتدم الى واجهة الحياة بشكل قيصري في بعض الاحيان، تم التركيز على التسمية المذكورة لا من قبل (المسمى) هذه المرة انما من المقيمين على شؤون المقهى، حصرا فهل هذا وعي مكتسب؟ ان تتم المسميات عن معرفة ضرورية لما هو مسمى؟. لا اظن ذلك ولا استطيع قبول هذا الاحتمال بشكل نهائي لان معرفتي بـ(ادارة) هذا المقهى لايصل اليها الشك في ان الوعي المستنتج من هذه التسمية هو وعي (عفوي) وليس (اميا) كما يتبادر الى الاذهان اول الامر فهو وعي متحصل لنمط من الرواد صيروا للمقهى علامة مميزة وجعلوا له دالة خصوصية عليهم وعليها، فقد يكون هذا من قبيل الاحتراس الضمني في تبادل الادوار بين المقهى ورواده من الادباء، وهي ادوار ذات لعبة مفضوحة الاسرار يلجأ اليها الطرف الاول –المقهى عادة.. تبعا لحالتي الاتساع والانغلاق المشار اليهما في توطيد او تشتيت العلاقة ذات المنفعة المشتركة. التسمية المتفق عليها بلا شروط معلنة (مقهى الادباء) لم يخضع لاشاعة قديمة او حديثة، بل الى حقيقة يومية ملموسة ترسخت عبر معاناة اجيال وانصراف حقب، وترسخت في اوقات مضت ثم اضمحلت في اوقات اخرى، ثم عاودت الظهور حقيقة لا مفر من اقرارها واعتدادها/ من وجهة نظر المقهى/ مكسبا قادما من ظروف متفجرة حملت معها ظواهر بشرية وادبية تناوبت في الجلوس على تخوت المقهى وما تزال متشبثة بها عنوة.. ثم ان غياب وجوه متعددة لهذا السبب او ذاك وانحسارها وظهور بدائل شرعية وغير شرعية اخذت تتسيد المكان- المقهى بوصفها وريثة للوجوه الغائبة او امتدادا لواقع الحال الادبي في مشهده الواسع.. كان هذا اعطى (ادارة) المقهى وهي ادارة لم تتبدل خلال عقد من الزمان ونصف زخما معنويا ظاهريا وباطنيا في مغازلة تلك التسمية او اخراجها الى الوجود وعدها واجهة اجتماعية منيرة تبز بها مقاهي القمار والريسز والصفات التجارية التي تتم عبر دخان الناركيلات ذات الرائحة التي لم ولن تتغير الى وقت ليس قريبا؟ لماذا هذا التحول البطيء في النظر الى الرواد المزمنين والجدد ممن وضعوا ثقتهم في القدر على امل الايغال في احلام اليقظة؟. ما يفكر به المقهى لا استطيع الجزم بما (يفكر) به المقهى؟ ولكن لدي تخمينات اولية معززة بالشواهد الدالة على مثل هذا التحول، ولعلها شواهد مستقاة من صميم العلاقة اليومية النافذة، وهي شواهد قام بها بعض المسرحيين اول الامر ثم اتسع الامر الى آخرين من الشعراء وكتاب القصة/ فالفسحة العارية القريبة من نافذة الشارع كانت محرمة على الجميع قطعا/ وظل الشك يراود (ادارة) المقهى في ان اية حركة يقوم بها بعضهم سوف تكون مرصودة من عيون غريبة مبثوثة هنا وهناك وهذا شك له اساس تطبيقي في واقع العلاقة بين المكان ورواده لانه من ذاكرة قديمة دهمتها الفوضى ردحا طويلا من الزمن وربما ظرف الحرب اسبغ طاقة غريبة على وعي عفوي/ شبه امي/ كبرت امامه الفجيعة فتصور ان الاعلان عن مسرحية او امسية شعرية هو بالضرورة سوف يكون احالة لا واعية الى (ملصق) ناشز قد يسبب الخراب؟؟.. لكن التمرد ظل قائما، فظهرت/ عنوة، ملصقات اخرى صغيرة اخذت تتكاثر وتنمو بعناد معلنة عن امسية شعرية او ندوة قصصية او عرض مسرحي، يسار الجالس قريبا من نافذة الشارع.. وهي موجهات انية لمشروعات حقيقية او متخيلة او مجهضة او تحمل قدرا لا بأس به من الاماني واحلام اليقظة التي تتحفز، عبر الشاشة المجانية، آملة ان تكون حقيقة يجب الاعتراف بها لاحقا.
ان (استباحة) الشاشة الامامية قصد وزوال الخطر المحتمل جعل تحولا آخر/ وان كان بطيئا/ يتردد في (رأس) المقهى؟ وهو تحول مشهود في ستراتيجيتها؟ وأظن ان لهذا اسبابه التي لا اجيد الافصاح عنها كمحايد.. وكان ذلك التحول السلحفاتي هو عبارة عن اشارات مصالحة ضمنية لتبني التسمية، للاعلان الصريح عن انتماء خجول لهذا الواقع المتوثب دائما.. فاخذت التحولات البطيئة تظهر بوصول الرسائل الواردة الى الاخرين، من داخل العراق وخارجه، وهي تجد طريقها سالكا للمرسل اليهم، بل كان تارة المقهى اكثر حرصا على ايصالها بالسرعة الممكنة، تنفيذا لا واعيا لقرار التسمية غير المعلن صراحة باقامة جسر جديد عن العلاقة (المتكافئة) بين الاثنين ظاهره ايماءة للتميز والتفرد، وباطنه مرتهن لظروف قادمة. وما دامت التخمينات الممكنة لها طاقة لاستخلاص شيء من النتائج الدالة فمن الضروري ان نتذكر اللافتة السوداء التي وضعها المقهى بعد وفاة القاص موسى كريدي ينعى مقهى الادباء الاديب موسى كريدي، باشارة صريحة ومباشرة لهيمنة التسمية الجديدة والاعلان عن (هوية) اجتماعية 0 ادبية لاسيما ان اللافتة ظلت وقتا اكثر مما يجب ملصقة على حائط المقهى وفي مكان لا يجلس فيه الادباء عادة!!. وهذه هي اول مرة في تاريخ المقهى توضع فيه مثل هذه اللافتة باسم يحمل مقهى الادباء، منحيا اسمه القديم مؤقتا ومعلنا انتماءها الواضح الى فصائل الادباء في تحول استراتيجي سريع وحاسم وربما وجد بعض الادباء ان الاسم الجديد، على وفق اللافتة ليس مشروعا على هذا النحو المباغت برغم الممهدات الاولية التي حاول بعضهم تكريسها عبر شاشة الحائط المتسخ الى الابد برغم ان تلك التسمية ترضي غرور الكثيرين منا ساعدهم الحظ او الموهبة على الوصول الى تخوت (مقهى حسن عجمي) والجلوس الطويل بأمل قطع التذكرة الثانية في القطار الصاعد الى .. الاحلام!!. سيكون من الواضح انه يجب تخطي التسمية وعدها (حالة) ما، فأية حالة لاتوصف هي عرضة للقلق والارتكاز واي وصف كهذا هو حالة توجب الاخذ بها سلفا والارتكاز الى (مضمونه) فهذا المكان – المقهى بتحولاته الطريفة البطيئة ينبغي ان لايوصف بحالة لانه يوصف ويفلسف على اساس ارتباطاته بالتاريخ والزمان والحيوات المتناوبة عليه، كما يرجى الا يفهم ان لنا موقفا من التسمية، على بساطتها، التسميات زائفة ولكن موقفنا يتوزع في القراءة المكانية للمقهى وتكوناته وتبدلاته الظرفية وغير ذلك مما يتيح المجال للاخرين في قراءته مرات ومرات على وفق طبيعة كل قارئ وارتباطاته القسرية او العفوية بهذا المكان. موازنة ممكنة ان خلق موازنة بين طرفي العلاقة سيبدو امرا ممكنا على صعد شتى، فأي مكان اليف نواظب على ارتياده سوف يخلق فينا متنفسا ويطلق في دواخلنا امكانات مختلفة النيات على الفهم والافهام واستقطاب التجارب المحررة والمكبوتة وسوف نتمكن من تفسيرها والتعامل معها بحرية مثالية، لذلك فاقامة التوازن بيننا وبين المقهى- مكانا ثابتا- نحن الذين نتحرك- هو امر بديهي اذا ما توفرت خصال مشتركة في القدرة على الاستيعاب والتحليل والاستنتاج وان ترددنا الى هذا المكان هو غاية لتحقيق ما هو متخف في دواخلنا اولا او الاعلان عن اشياء بعينها، وهذا منطق متحرر قياسا الى الضغوط الهائلة التي نحملها وتحملنا، لاسيما ان عصر القراءات الصامتة- الودية التي تحمل قدرا من الالفة والطمأنينة قد ولى وحل محله عصر النظريات والشكاوى والبحث عن طرق سريعة للوصول الى اي شيء وكل شيء، ولكن ماذا يحصل لو ان المكان اخذ يتحرك ونحن نبقى في وضع الثبوت؟. ان سؤالا كهذا سيبدو مفترضا لكن هذه الفرضية قابلة للتحقيق، فعلا، لان الاسئلة عادة لاتولد من فراغ ولابد لها ان تكون محررة من عقد واشكالات وسوء فهم اكيد وربما سوء نية ايضا؟. وعلى هذا الاساس يكون السؤال مغايرا لواقع التطابق المطلوب بين المكان وشاغليه الدائميين وهو سر لايبحث عن جواب قاطع عن مكان ينبغي ان تكون له فرادة قصوى سواء في ثبوته واقعا وفي تحركه رمزا يحتمل شتى التوصيفات.. اما بقاؤنا في وضع الثبوت فهو احتمالية مرجحة لكننا لا نحل محل المكان – المقهى ولانكون بديلا لوعاء قابل ان يحتوي احلام اليقظة. ان الثبات حالة لاتتطابق مع مكنوناتنا الداخلية، ما كان منها معلنا وما كان سريا،، واعتقد انه ليس بوسع احد تقبل هذه الاحتمالية او مجرد التفكير بالوصول اليها، والا استحال الى كائن من اثاث؟. اي جزء من مكان، بل حالة طارئة غير اصيلة، على مكونات المكان ذات. ذاكرة المعاني يشكل المقهى من وعي (داخلي) وآخر (خارجي) يحددها (شكل) داخلي و(شكل) خارجي، وبنتيجة رياضية سيكون ثمة (شكل داخلي) و(شكل خارجي) وهذا الاخير ينسب الى تخطيط عمراني سابق يقع في التخطيط العمراني العام لشارع الرشيد ذاته، وليس لاحد فضل تأشيره فهو واقع محالة، فيما ينسب الاول الى الرواد المتعاقبين وهم يحملون (هوية) محددة ذات ملامح واحدة تقترب وتتباعد بحسب ظرفها، الشخصي وهي في الحالات كلها خارجة عن السياقات التقليدية لهويات الرواد التقليديين وبذلك تكون الشكل الداخلي وتمنح المكان (هيبة) جديدة وتوفره وتبعده عن سطحية الامكنة – المقاهي اي ان الحالة الثانية وعي – خارجي- شكل خارجي،، ستظل تابعة الى الحالة الاولى وعي – داخلي – شكل داخلي،، مستثمرة التغير والتبادل والولادات التي تقذفها اليقظة في التكونات الجيلية المستمرة والتي شغلت الفراغات وتركت وجوها بديلا لتكرار الوجوه الغائبة وارثة ملامحها الادبية وهويتها التي لاينقطع نسلها ذات يوم.. وكل ذلك لايجري مصادفة، كما انه لايجري بتخطيط قبلي.. انما عبر (لغة) موروثة فرضت على المقهى حقيقة مقررة،، هي في كل حالاتها قادرة على بث تقاليد مدنية مثقفة داخل هيمنة المقهى التي تحاول الموازنة بين شروطها الاستهلاكية وبين (انتمائها) الذي سيبقى معلقا الى اشعار آخر!. ان الادباء- الرواد، بوصفهم الحالة الاكثر تماسا مع (لغة المقهى) و(لغة) المجتمع سوف تكون لديهم الفرصة تلو الفرصة لان يقوموا (شكل) المقهى داخليا مبتعدين عما هو عارض وآني ومستهلك.. باحثين عن كنه (المعاني) المتوافرة بافراط وصولا الى تحقيق غرض متعدد الاضاءات سيدخل العملية الابداعية.. قصة وشعرا ورواية ومسرحا.. وهذا ليس شائكا اذا اخذ بنظر الاعتبار ان خطورة (المكان) هي في تحوله التدريجي الى (زمان) اي (لامكان).. ان هذا الانقلاب المتوقع سيحول طبيعة المقهى من حالة متحركة الى حالة من الفراغ والثرثرة واليأس.. فيتحول (الشكل الداخلي) الى حلبة من الصراعات النفسية والاشاعات وتثبيط الهمم.. اي يتحول المقهى الى (لامقهى).. ان الفرصة متوافرة حتما الى اقامة محددات جمالية صارمة في اعادة تنظيم الشكلين/ الداخلي والخارجي/ الى (معنى) اكثر شمولية وفائدة وتأثيرا على اساس ان المكان جزء لا ينفصم من الواقع المتحرك.. بل هو جزء واسع من ذاكرة (المعاني) التي قد لاتتكرر في شرائح المجتمع الكثيرة/ التي تتردد على المقاهي هاربة من اسى او ضجر او حالة او لحظة او يأس او أمل او وهم او حلم او تأمل.. اخيرا: ان كبرياء المقهى من كبرياء رواده.. اما زمانه فهو من زمانهم..
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17/01/2010, 00h14
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات

مقهى البيروتي
والملا عبود الكرخي

عبد الكريم الوائلي

يقعُ مقهى البيروتي.. على الضفة اليمنى من نهر دجلة في جانب الكرخ، جنوبي جسر الشهداء، وقد نسب هذا المقهى الى صاحبه الحاج محمد البيروتي. الذي نزح من بيروت ابان العهد العثماني واتخذ الحاج جانب الكرخ مستقرا ومقاما له منذ سنة 1897م وظل يدير هذا المقهى والذي صار منتدى لوجوه بغداد وعلمائها وشعرائها من كل حدب وصوب وقد توفي الحاج محمد البيروتي سنة 1916.

مخلفا ابنه ابراهيم وعبد الفتاح وقد احترفا حرفة ابيهم.
وكان يزور هذا المقهى الشاعر الفقيه محمد سعيد الحبوبي، كان مقهى البيروتي من اكبر مقاهي بغداد.
حيث يرتاد هذا المقهى كبار التجار ورؤساء العشائر والاعيان ورجال الدين.
وكان الشاعر المعروف الملا عبود الكرخي من الرواد الدائميين لهذا المقهى.
وخلال الاجتماعات التي شهدها المقهى.
حيث كانت تبحث القضايا العامة، وكم من وقفة سياسية قد اتخذت ضد سلطات ذلك العهد صدرت من روادها التي لم يكن زوارها من الكرخيين وحدهم ، بل ان الكثير من اعلام الرصافة كانوا يترددون عليها يوميا.
فضلا عن زوار بغداد من المحافظات التي كانت تنطلق وسائل النقل اليها من جانب الكرخ.
حيث وصف المرحوم جعفر الخليلي وصفا طريفا في كتابه “هكذا عرفتهم” قائلاً “اكبر مقاهي بغداد على الاطلاق، وكان يقوم على الجسر من جانب الكرخ ويمتد بموازاة نهر دجلة، وخلفه يمتد سوق هو الطريق الوحيد الذي يسلك منه السالك الى القصور القائمة على نهر دجلة حتى السفارة البريطانية، ولم يبق اليوم اثر لمقهى البيروتي ولا للسوق وانما تقوم عليها بنايات وساحة لوقوف السيارات.
وكان مقهى البيروتي يعتبر بمثابة نادِ عام,وملتقى لجميع التجار ومضرب موعد لجميع الذين يقدمون من خارج بغداد ومن جنوب العراق خاصة وكانوا يحملون معهم الكثير من الرسائل ويسلمونها الى ابراهيم البيروتي وهو بدوره يوزعها بين اصحابها من رواد المقهى.
اما ما يتبقى من الرسائل فيصفها فوق “رف خاص بالرسائل” اوفوق صندوق الرسائل ليتسلمها صاحبها حين يمر بمدخل المقهى. كان التختان المتقابلان في مدخل المقهى مخصصين للشعراء والادباء امثال الملا عبود الكرخي والحاج مجيد مكية، ومحمد سعيد التكريتي وكاظم الفهداوي وشكر الملا حسين وتوفيق الخانجي عم الاستاذ يوسف العاني ومحمود الحاج جواد الشكرجي وفائق التكريتي وداود الوتار. ولم تكن في عهد محمد البيروتي العاب الورق والدومينو والنرد والزار الصينية داخل المقهى وقد دخلت بعد وفاته . وتولى ابراهيم ادارته فانقلب جو المقهى من الهدوء والراحة الى صخب وضجيج مما اضطر عدد من روادها الى تركها والجلوس في مقهى اخر، وكان اول التاركين الى هذه المقهى هو المرحوم فائق التكريتي حيث جاء في قصيدة الشاعر الملا عبود الكرخي المنظومة عام 1924م: ترك “كهوة البيروتي” الشهم “فايق التكريتي” تركها، حق معاه قمار بيها لعب ليل نهار كال “الصاي” كال “الزار” كال انطيني “صينيتي” معاك الحق اخي “فايق” على اقرانكم “فايق” انا مثلك اخي ذايق مرار، وانهزم نيتي تسمع فقط حس صايات تترادم على الميزات وهرجه وضجه وللفوات الاحسن اكعد بيتي.
ولابد لنا ونحن نؤرخ لهذا المقهى الشهيرة ان نقول انها كانت في الفترة التي سبقت انتشار الصحف سوقا ادبية ينتابها كل من لديه الرغبة في القاء كلمة او قصيدة في المناسبات الدينية والوطنية وغيرها. وفي تلك الايام ذر قرن المهاجاة العنيفة بين الشاعر الكرخي واعوانه وشاعر من جانب الكرخ وشلته.
وكان لكل منهما رواية يتولى قراءة ما يستجد من شعره ضد الشاعر الخصم فكان فاضل الحاج عباس وهو شاعر شاب من “فحامة الكرخ” رواية الكرخي وهو البادئ بالتحرش بقصيدة من وزن “البند” اولها “الا يالعنة الله على الكرخي عبودفاجابه الشاعر الكرخي بعشر قصائد اخزته الى يوم الدين حيث يقول فيها: راوية عنده ها لمخنث “اسد” اصفهاني عجمي طرطرلي هدد كل نهاره يكوم يكعد بالبلد صاحبه ينطيه شتمي بتسكره.
ومما يجدر ذكره انه ممن هجاه الكرخي مع اسد العجمي في قصيدة تعد من روائع منظوماته الهجائية حيث يقول: لاكتب اعلانات وانشر بالبلد عن عمل “سلمان” واللوتي “اسد” (اسد) لوتي من حثالة اصفهان وصاحبه “سلمان ابن البهلوان” كلا وجيه وحرامية من زمان مثلهم بالبشر ما يوجد ابد!؟
الحديث يطول ويطول على هذا المقهى ولكننا بما اسلفناه من لمحات وذكريات تراثية بغدادية .
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17/01/2010, 23h53
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات



مقهى الرشيد (البرلمان ) كما عرفته

ابراهيم الوائلي
مقهى الرشيد في بغداد والكاظمية مقاه كثيرة لم يبق منها الان الا القليل وكان بعض تلك المقاهي مثابة للشعراء والادباء والصحافيين، اذكر منها المقهى الصيفي الذي يقع عند الجسر القديم من جهة الكاظمية وكان من ابرز رواده الشاعر الكبير معروف الرصافي حين كان يجمع اوراق شيخوخته ليعلن الرحيل، فقد كنا نشاهده في سنة 1944م عند الغروب وهو يعبر الجسر مشيا من الاعظمية حتى يصل فيستقر على تخت وحده وقد ارتدى العباءة الصيفية واعتمر الكوفية البيضاء والعقال،



وقد نجلس اليه بعد الاستئذان- ونسأله عن شؤون الادب والشعر فيجيب بايجاز ولقد كان في جلسته وحديثه وضخامة تاريخه الادبي يفرض علينا ان نهابه ونحترمه.
ومن رواد ذلك المقهى الكاتب الصحافي الراحل يوسف رجيب، واخرون ومازلت اذكر لحظة اهتزاز الشجر من حولنا والكراسي تحتنا بسبب هزة حدثت للارض في صيف سنة 1946 م وكنا جالسين في ذلك المقهى نستمتع بشاطئ دجلة.
وفي الكرخ مقهى البيروتي وهو يطل على دجلة عند الجسر وقد انتهى وهدم ودخل في الساحة الكبيرة وكان من رواده بعض الادباء والمحامين اذكر منهم الشاعر محمد الهاشمي والشاعر الصديق عبدالحسين الملا احمد والمحامي الكاتب توفيق الفكيكي وكلهم ودعوا الحياة ومقهى الحاج خليل القيسي وهو يطل على شارع الرشيد قبالة شارع المتنبي وكان من رواد هذا المقهى الشاعر الراحل جميل احمد الكاظمي والشاعر كمال نصرة وغيرهما من الادباء وكان صاحبه الحاج خليل يرحب بالقادمين ويعنى بهم. ونترك مقهى الزهاوي ومقهى حسن عجمي ومقهى البلدية ومقهى الدفاع وغيرها في الرصافة، ومقاهي الكرخ والصالحية فالحديث عن هذه يطول ولكننا نقتصر الحديث على مقهى (البرلمان) او (مقهى الرشيد) كما سمي بعد ذلك، وهذا المقهى يقع في شارع الرشيد قبالة جامع الحيدرخانة وقد عمر اكثر من اربعة عقود فقد افتتح في اوائل الحرب العالمية الثانية واغلق قبل سنوات وقد انشأه الحاج حسين فخر الدين وهيأ له من اسباب الراحة والتسلية ما ينبغي ان يكون وفرش تخوته بالسجاد ليدرأ به برد الشتاء وجمع فيه النرد والشطرنج والدومنة الى جانب الشاي والقهوة والبوارد، واذكر اني دخلت هذا المقهى اول مرة في خريف سنة 1940م وكنت ازور بغداد ثالث زيارة فرأيته على سعته مزدحما بالرواد وبخاصة يوم الجمعة، وقد اعتاد القادمون من النجف ومدن الفرات الاوسط ان يلتقوا فيه ولاسيما الشيوخ والنواب والتجار والادباء وكان صاحبه الحاج حسين فخر الدين، وهو من اسرة نجفية معروفة- على صلة بهؤلاء القادمين فقد كان ينظر اليه بوصفه من الوجهاء لا بوصفه صاحب مقهى.
وكنت ارى في هذا المقهى وجوها كثيرة من انحاء العراق فهذا احد ابناء الشيخ شعلان ابو الجون وذاك السيد كامل ابو طبيخ بوجهه الصبوح وثيابه الجميلة، وبالقرب منا صديقنا الراحل عزيز الظالمي بعباءته وكوفيته البيضاء، وذاك صديقنا الراحل جعفر الاعسم جاء لبعض اشغاله وقد يبتسم حين نستعيد الى الذاكرة نبأ اعتقالنا في النجف وقد وجهت الينا تهمة تحريض العشائر على الثورة وفي مقدمتنا الشاعر محمد صالح بحر العلوم، وهذا الصحافي الاديب جعفر الخليلي- يعتمر السدارة- وقد جاء من النجف يبحث عن ورق لجريدة (الهاتف).. وذاك (نائب) جاء ليعلن عن فوزه في كرسي النيابة، وصوت النرد والدومنة يملأ الاذن قبل صوت المتحدث القريب الا حين تذاع اخبار الحرب وقد تلوح البهجة على الوجوه حين يذاع نبأ عن انتصار دول المحور فقد كان العراقيون يكرهون الانكليز ويتمنون هزيمتهم في الحرب ماعدا الظالعين معهم.. والصديق الراحل الشيخ عبدالباقي العاني امام جامع العاقولية بعمته وجبته جاء يريد قصيدة لمجلة (الناشئة الاسلامية) ولابأس من التسلية بلعبة النرد فقد كان يتجدر فيها.. وكذلك الكاتب الاديب سليم طه التكريتي وهو يبتسم بعد ان تكون مواد جريدة (الرأي العام) قد صارت الى المطبعة والشاعر محمد صالح بحر العلوم يجلس الى نفر من الشباب وعيناه تتحديان القادمين والذاهبين وكان يكره الانكليز والالمان على السواء وربما كان له عذر في ذلك فالانكليز يحتلون العراق والالمان اعلنوا الحرب على الاتحاد السوفيتي.
وقد يكون من الرواد صديقنا المؤرخ الراحل السيد محمد علي كمال الدين وقد اعتمر الصدارة التي كانت شائعة انذاك ويده تداعب خرز السبحة، وقد نرى الشاعر الراحل عبدالرزاق محيي الدين يجلس بالقرب من صاحب المقهى ومعه الاديب الراحل عبدالكريم الدجيلي. وفي مكان قريب يجلس الكاتب يوسف رجيب ودخان (النرجيلة) يملأ رئتيه ولعبة النرد تستبد بوقته. ويتكئ الى النافذة الاديب عبدالحميد الدجيلي ولعله يفكر في اللغة والنحو، وكانت على الجدار صورتان وفي اول مايس من سنة 1941 تغيرت احداهما وانتهى شهر مايس فعادت القديمة الى مكانها وطويت الصورة الطارئة، وقلت للحاج حسين: احتفظ بالاطار فقد تتغير الصورة مرة اخرى، فقال: وما يدريك فقد تتغير الصورتان معا.
نحن في اوائل العقد السادس من هذا القرن والمقهى مازال مزدحما بالمرتادين والحاج حسين يجلس الى صندوقه عند الباب والكهل الطيب (وهل) يفترش الرصيف قرب باب المقهى وقد نشر الصحف والمجلات وهو في كل صباح ومساء يطوف داخل المقهى ويوزع الصحف على الراغبين في قراءتها ويأخذ من كل واحد اجرا لايتجاوز عشرة فلوس. انتقل بعضهم الى مقاه اخر، وبقي رواد الشطرنج والنرد والنرجيلة واصدقاء مازالوا يبتردون صيفا او يستدفئون شتاء في اوقات الراحة ومنهم خاشع الراوي وفؤاد عباس والمحامي محمد نجيب الجبوري وعبدالقادر رشيد الناصري وهؤلاء الادباء الشعراء ودعوا الدنيا الى ظلام القبور. ولكنني مازلت ارى الشاعر شفيق القيماقجي يأخذ مكانه الى جانب خضر العباسي، وقد يرتاد المقهى الصحافي المتنوع عبدالقادر البراك فينتحي جانبا مع عشيقته (النرجيلة) وهو يحيي عارفيه بابتسام وتواضع. والشاعر بلند الحيدري يسلم ويجلس وهو يمزج الضحكة الخفيفة بالانفعال والتذمر من فراغ الجيب ولكنه لاينسى الحديث في الشعر واللغة ولعله كان يوافقني في الرأي ان الشاعر بلا لغة كالجندي بلا سلاح وكثيرا ما يدخل الشاب النحيل بدر شاكر السياب وهو يتهادى في مشيته ويتأبط كتابا فيجلس ويشارك في الحديث. وفي مقعد قريب يجلس الشاعر حسين مردان والسيجارة لاتفارق شفتيه واحاديثه في الشعر والنقد. والشيخ علي البازي شاعر المؤرخين جاء من الكوفة ليجدد العهد ببغداد وقد جلس و(النارجيلة) الى جواره. والشاب المسكين الذي وعده المرشح ان يجد له عملا بعد الفوز بكرسي النيابة ولكن ذلك المرشح لم يوف بوعده، قلت للشاب: لابأس فهذه رسالة الى صديق وجاء الشاب بعد اكثر من ساعة وهو مستبشر فقد وجد له الصديق عملا مناسبا.
نحن في سنة 1959م وهذا بدر شاكر السياب يخرج من المقهى وكنت قادما اليه فيسلم وقد امتص المرض دمه وزاده شحوبا على شحوب، قلت: الى اين بدر؟ فقال: لست ادري، ولعله كان يعاني ازمة تصطرع في اعماقه فلا يدري الى اية جهة يصير، وسألته ما رأيك في اتحاد الادباء الجديد؟ فقال: لا ادري فقلت له: اتشارك فيه؟ فقال: ها.. لا ادري.. كان السياب يحب ان اتحدث اليه ويتحدث الي وفي تلك الاثناء طلبت منه ان يرافقني الى زيارة الصديق الاستاذ ذنون ايوب فاجاب طلبي بلا تردد وكنت اسعى الى ان يكون لبدر شأن في اتحاد الادباء وذهبنا الى مكتب الاستاذ ذنون في (السراي) وكان اذ ذاك مديرا للرعاية وقبل ان يستقر بنا المكان قلت: يا ابا ثائر ها هو ذا بدر بجسمه النحيل وشاعريته الضخمة ورحب بنا الاستاذ ذنون وتمنى ان يحتل بدر مكانه في الاتحاد.
ولكن السياب كان ساكتا لايدري مايقول سوى ابتسامة تعبر عن حيرة وشرود فكر، وافترقنا على غير ما اتفاق، ثم غاب بدر وهو يصارع ازمته ومرضه واغتاله الموت بعيدا عن محبيه.
وفي السنين القريبة جاء شاب من النجف كان من المأمول ان يكون له شأن في دنيا الشعر وكنت استمع اليه وهو ينشدني قصائده الرقيقة ويسمع مني الاطراء والثناء ولكنه اخذ يرتاد مقهى الرشيد وقد لعبت به الشمول، ولم ينفع معه النصح فمات وهو شاب، انه عبدالامير الحصيري، وثقلت رجلاي عن ارتياد مقهى الرشيد فصرت لا ازوره الا لماما بل لقد اثرت البعد عنه فكنت امر ولا اتلفت واذا تلفت فالمقاعد خالية من الاصدقاء الا القليل فقد انطفأت شموع وغابت كواكب واستبد التراب بالكثيرين.
وفي يوم من نهاية المطاف مررت مجتازا بباب المقهى فاذا شخص يسرع الى الخارج ويدعوني الى الجلوس انه الصديق الراحل المحامي محمود العبطة فلم يكن بد من الاستجابة لدعوته ولقد كانت الزيارة هي زيارة الوداع للصديق العبطة وللمقهى الذي كان يصارع القدر في ساعة احتضاره.
جريدة الجمهورية حزيران 1982
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18/01/2010, 00h22
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات



مقهى المعقدين
وليالي الأُنس

فيصل ابراهيم المقدادي
ان الاحتفاء بموضوع (مقهى المعقدين) و(ليالي الأُنس) تعتريه احيانا احاديث مجتزأة تتقارب وتتفاعل وتتمدد وتتقلص حسب المعلومة وتفسير صاحبها وفهمه لمنطق معاني الاشياء في اشاراتها وتميزها في التضمينات الابداعية وما بدا انذاك اشد جرأة واكثـرها مغامرة في البوح، لذا اصبح من الاهمية بمكان الحديث عن بعض المكنونات في افئدة (المعقدين) بشكل رؤى ومعاناة لادباء ما كانوا يطمحون الى النشر او الادلاء بابداعاتهم من على المنابر الرسمية.


لذا بقيت نتاجاتهم تدور وسط مرتادي ورواد واصدقاء مقهى: (المعقدين) وكازينو: (ليالي الأُنس) واكثـرها ضاع وسط مشادات وسجالات حادة تركت بعضها ممزقة على الطاولات او تلفت بعد رمي الحقائب اليدوية بدجلة... وما تبقى منها وبمحض المصادفات انما لاهتمام: (سلمان الاسود) بتلحين وغناء بعضها.. للمعقدين حينذاك.. واذا ما تركنا جانبا المعقد الاول: (الشاعر عبدالامير الحصيري) لدراسة اعمق من قبل اقرب اصدقائه.. سيكون حديثنا عن الشاعر: (وليد جمعة المشهداني) وهو الابرز في الاثارة بطريقة تعامله مع اللغة الشعرية وصورها بابلغ الدلالات متموجة بحيوية نهر قصيدة.. وحتى حين تتشتت فهي تشد الى تشكيل فعال محسوس ومثير في آن واحد وقد يكون لبعض قصائده وقع اخر.. يدعونا لفهم ظاهرة: (التعقيد والمعقدين) انذاك بما تكتنزه من انفعال يعالج صور افكاره المختلفة المستوحاة من تعقيد الحياة نفسها.. ومن حضور (للغة التفجير) التي ميزت الموجة الادونيسية.. (خذ هذا الكف واستمطر شجر الدنا وتحزب للطلقة حين يكون القذف وجها محجوب الرؤى فيا وطنا في القلب اعطيتك روحي فاعطني الدرب لكي تهدأ جروحي للحب وللغبطة شجر وسكوت فارسم في الطلقة وطنا سيموت) وبعض صور القصائد تنقلنا الى اجواء المواقف السياسية والفلسفية.. لتخلق متعة الموقف والدهشة والحضور الفكري بتعابير مكثفة مختصرة وقوية ففي قصيدة: (جلد السلحفاة) يكون الايقاع بحضور الرؤية الخاصة نثرياً في شكلها تحمل دفقات شحن شعرية دون التقيد بوزن او قافية فهي شعر حر قد تختلف في طول اسطر صورها بما يتوافق والمضمون او الصورة: (يحمل الحب مراسيم غوايا والتماسات قبول عندما يصبح وضعا قائما.. تعتاده انت يا ضدا على كل اللوائح * انه يسقط في القلب حكاية عن نهارات يصب التوق فيها لوعة التوق الرضية وجسور اللغط الموتور تمتد الى المعشوق ليلا وتمد الشارع المكتظ بالاشياء حيث الذاكرة ثم لا تقدر ان تدعس غير الكبرياء العابرة * انت ما زلت غرير الخطو يا قلبي في هذي الدروب فابتعد ليس لك الحب.. وجرب لعبة اخرى صغيرة واندلق من دورق الصد وغامر ثم عد ومتى ما شئت التمّ على نفسي وامسي صدفة واداري عتعتات الشجن الناغر بالسخرية الحمقاء مرة وباسفار الصماخ الفذ في الحجرة مرات اخر عابرا درب الزمان الكهل منفيا الى بقعة شمس مظلمة حيث لا يقدر هذا الوجد ان يسرق مني سلحفاتي الهرمة) ان التعبير الحر هو النموذج الحي لما كان يعانيه جيل كامل ويبدعه (المعقدون) في مقاهيهم البغدادية باشكال نفسية لا واعية متمردة بالرغم من قساوة الغربة الممتلئة بالوجد الحار والشاعر لا يكتفي بممارسة لعبة الصياغة البنيوية بل بمضمونها التحريضي معبرا بذلك على وطأة الحياة وثقل ما كان سائدا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.. كما ان محاولة تأسيس ما يميز وحدات وعناصر القصيدة الشبيهة بالبيان الثوري للتمرد على ما كان سائدا: (اخذ جرح الوطن مرة وتعال هنا وارسم جنح عصفورة علينا وكول الدنيا مشمورة جناح هنا وريش هنا وخريطة مسودنة بحبنا اللي ما شفناه ولك كون الوطن ورده لشتلها على جتافي اخذ مني جفافي وروح.. لا اني ولا انت اخذني وروح بالسكته بلكي تسكت السكتة ونصرخ.. والوطن رده..!) وحين يحاول: (وليد جمعة) ان يغمس صورته الشعرية بعامية (الشوغات) و(العشك).. (بتشمير الجراح).. و(ضياع السلاح) انما يجاهر بوعي حلمه خاصة (قبل وبعد) نكسة حزيران عام 1966-1967م ثم وصول حزب البعث ثانية لسلطة العراق عام 1968م وما اثخنه من جراح الادباء والفنانين انما يشكلها بمهارة مؤسسا عوالم قصيدته الشعبية بديناميكية فعالة لتكون في النهاية: (خيمه بليل متغرب..): (حبيبي شال لي جنحاته وشمرلي بليل شوغاته وكال العشك شال وشاب وطلعت اله شيباته وبعد كل الحجي الساكت لكيته مشمر اجراحه فاتل وضايع اسلاحه ولجن الكلب يحبيب طفل اشكر على اجتافي وتعال وصير يحبيب خيمة بليل متغرب واكعد واجرع الدمعة على جرح الوطن متكلي منو مثلك طك ونسى شوغاته) ان اكثر الابداعات الادبية للمعقدين في مقهاهم انما كانت تهدف بالدرجة الرئيسة الى محاولة الحوار الحر والمستفيض حول علاقة الادب (الشعر بالذات) مع الفسلفة واللاوعي في اسسه الايديولوجية والفنية يذكر ان تلك الابداعات قد جسدت وبشكل طبيعي مختلف المسارات متمثلة باشخاصها: عبدالقادر الجنابي باتجاه: (السريالية) وعبدالامير الحصيري.. (اللازوردية) في ذاكرة عزيز السيد جاسم وفاضل العزاوي ووليد جمعة وعبدالرحمن طهمازي وخالد الشطري ومنقذ شريدة وشريف الربيعي ونبيل ياسين وعلي الجبوري وفيصل لعيبي وجليل حيدر وحسين الحسيني ومظهر المفرجي واخرين..! لابداع المنافي ذلك المصير المحتوم الذي ادركه الشاعر وافصح عنه: (محمد سعيد الصحاف)* كقرار: (عقائدي من القيادة.. الخ)! لذا كانت المواجهة صريحة: (في الطرقات الخلفية تتجول افعى ولاني لن اشرب سما ما او قل: ان اللحظة مثل الصابئة الموتورة لا لن اتطامن بالكرسي او اصمت.. كي يتجاوزني المتحذلق فحين يصير الحب فراشة ساكون الضوء وحين يكون الحب الضوء فلن اكون حتى النفس الممقوت فراشة) ومنتدى (المعقدين) او (ليالي الانس) لم يشترطا بعد ذلك على (معقديهم) مذهبا معينا او اتجاها بالذات لذا اختلفوا: (... تشاتموا وتباصقوا.. الخ) وتدخلت الشرطة مرة.. لكنهم سرعان ما عادوا للمعقدين كاسرى مصير.. مطربين على حكايات: (عباس البدري وحسين الحسيني وعادل كامل) متلذذين بروايات: (القلعة الخامسة ومخلوقات فاضل العزاوي) و(شقة في ابي نواس لبرهان الخطيب) و(لعبة) يوسف الصائغ ففي الوقت الذي كان: كان نبيل ياسين يقرأ من ديوانه البكر: (البكاء على مسلة الاحزان) وليس بعيدا عنه كان طهمازي عبدالرحمن (يجلد الوشم) لعبدالرحمن مجيد الربيعي في صحيفة التآخي وعلي الجبوري في زاويته المهيبة يتمتم لمقربيه ترجمة (لغوته): (انا امضي عكس اتجاه الريح والعواصف والمطر متلذذا عظيم الالم دائما دائما دائما..!) ثم يلحق بها قراءة لـ: (كفافي): (اذا كنت قد خربت نفسك في هذا الجزء القصي من العالم فستبقى خرابا اينما حللت..) ودون استئذان يرتفع تدريجيا صوت: (سلمان الاسود) مغنيا لحنا له لقصيدة غنائية كتبها: (محمد الخفاجي) للاذاعة لقد فاجأ (الاسود) الشاعر الخفاجي بلحن اخر اعترف المؤلف بافضليته وتنوع ايقاعه الغجري لذا حين انساب اللحن بـ: (نونة تدكَـ بنونة ومكحلات عيونة آه حلوة حلوة عيونة ومكحلات عيونة واكفة بمشراق السلف تنثر شعرهه مكتوم حضانة يدك جوبي لخصرهه العين سودة يابابة والكحل موده ويا شلايل الكهرب يتعبه ظفرهه.. الخ) تجاوبت معه ايقاعات الاكف وترديد اللازمة، ولا غرابة بعد ذلك ان تزداد الطلبات كي تطول قصيدة لرامبو فيغنيها: (الاسود) بمزاج تحويل الامسية الشعرية الى غنائية: (شبابي الخامل كم انت مستعبد برقة الحس ضيعت ايامي عهد الصبا بادا يا ليته عادا ليحرق القلبا قد قلت: يا نفسي ازهدي لا تتركي احدا يراك لا تحزني لا تحلمي بصبابة علياهناك...الخ!) ووسط هذه الحيوية من القراءات المتنوعة يجري ايضا الثناء على بائع بسطة الكتب الجديدة... (بناي) قرب (مكتبة المثنى).. ويجري التطرق لجايجي المعقدين (ابراهيم.. ابو خليل الورد) وخياط المجموعة (توفيق) وراعي خوار: (الواقع والبديل في المسرح العراقي) احمد فياض المفرجي تمكنت ظروف تبلور الحداثة الادبية الجديدة بمفهومها العصري في وحداتها والنوع والعموم والمنطق والمعقول مما كان غير معروف في الادب الرسمي السائد صفة في مفهومها العراقي بان تكون اناشيد ثورية لبعض اولئك الشباب الاشداء الذين اندفعوا لاكثر بقاع الصراع الملتهبة: (لبنان وكردستان العراق) لاستلهام دروس الكفاح المسلح ومن ثم استشهادهم في خضم المعارك هناك امثال: (رياض البكري ومعين النهر وعبدالجبار عبد الله وابراهيم زاير وزهير علاوي ومحسن طليعة وشعبان كريم) مستفيدين مما اشاعته الموجه: (الجيفارية والكاستروية والدوبروية والقيادة المركزية بقيادة صالح العسكري واحمد الحلاق ونوري العاني وخالد احمد زكي واخرين) من فكر ثوري متمرد وصار البعض الاخر في الضد منهم حين تمكنت الخيبة منهم فانكفأوا اما على دوائر المخابرات والامن او على انفسهم متمتمين تعويذة (رامبو) من على ظهر (مركبه السكران) كملاذ تعقيدي لهم.. وقليل جدا استوعبتهم (الحاوية) الرسمية فاستقاموا في مستنقعات الاذاعة والصحف والمراكز الثقافية بالخارج او مخبرين.. انبثوا في مختلف المجالات وعديدون هاجروا: (فوزي كريم الشاعر والشاعر) واكثرهم درامية اولئك الذين ماتوا كمدا في فنادق الدرجة العاشرة.. او فقدوا نهائيا فهل يعرف احد الى اين انتهى المطاف بالشاعر: (ابو سرحان)؟؟ وماذا كتب قبل ان يودع اسرار هذا العالم (البديع)؟! ففي الوقت الذي بقي اخرون مرددين: (كلشي صح) التهكمية وبقي صدى صوت (سلمان الاسود) مرددا كلمات (وليد جمعة) بين رواد (المعقدين وليالي الانس): (كلشي صح.. كلشي زين منهو اليكَول اكو بطالة بهذا الوطن الا بنذالة لو تحكمون بعدالة ما بقى اي شيء شين كلشي.. كلشي.. كلشي.. زين..!) واذا ما صادف ان مر بعض (المريشون): (عبدالرحمن الربيعي وسامي مهدي وطه البصري..) يصبح الصمت لزاما وان كانت من باب المصادفات و... الاستعراضات.. وفي المساء اعتاد رواد (المعقدين) ان ينتقلوا لمقهى (ليالي الانس).. او لمقاهي ابي نواس (قرب الجسر) مباشرة حيث يلقون حفاوة خالهم: (موسى العظيم) بترحاب: (هله.. هله عيني.. هله بولد اختي.. هله.. ربع العرق اليوم بـ 120 فلسا.. يا بلاش عرق ام كاترينا.. خلاصة تمر زهدي.. صناعة بيت مسيحي..!).. وبعد الساعة الحادية عشرة.. بعد ان تخف وطأة هستيريا الشعر والاغاني والمعارك الكلامية.. يصبح لزاما على ولد الاخت اكمال طقوس اليوم على اكمل وجه (بطلة) على (ملهى ليالي الافراح) حيث (يرخي) حراس شباك التذاكر انضباطهم لامتلاء القاعة.. حيث يختار (المعقدون) الزوايا المعتمة وقوفا او جلوسا للارض مهللين.. مبدين اقصى درجات التشجيع والاعجاب (بالتصفيق والصفير) بفن خالتهم.. (لميعة توفيق) على اغنيتها: (نيشان الخطوبة اليوم جابولي محبس من ذهب وكلادة قدمولي حبيبي اللي اوده خطبني ووفه بوعده ....الخ) وما بين هذه الاغنية وغيرها كانت (لميعة) تلهب حماسهم بترحيبها: (هله.. هله.. هله بولد اختي..!) وهذه... كانت لهم افضل هوية ودعوة مجانية يحاججون بها حراس الملهى وشباك التذاكر عن اهمية حضور: (ولد الاخت) وقربهم من (مصادر صنع الفن) في الملهى نفسها...! وفي نفس الفترة كان عديد من الفنانين المسرحيين يحاولون بعروض مسرحياتهم حل رموز المعادلة الاجتماعية والفكرية الصعبة وتحقيق ذاتهم فمثلا: برز الفنان عوني كرومي بعرضه (كاليغولا) وعلي ماجد وعبد المطلب السنيد وحميد الحساني ومحاولات الفنان (جعفر علي) في احتواء حركة الشباب في مسرحية: (فيتروك) والتي جاءت مميزة ورائعة.. صاغت تطلعات الشباب..! الى جانب ابداعات المخرج الفنان: (عبدالوهاب الدايني) في تمثيله: (عبود يغني) وفي مسرحية: (العطش والقضية) لنور الدين فارس.. انها حقا فترة قلقة وربما كانت مسحة الحزن المرتسم على محيا اعمالهم.. تحلم.. ايضا.. ولكن بألم..! (في لجة الاعصار وفي اصطخاب المدن المسببة مذهول اجوب عوالم المسرح علني ألقى عرضا جديدا اسقي به هيام روحي وازواج به وحدة آلامي اموت عشقا وأهيم موتا واجوب يا روحي طرقات الكرخ عل جثة المسرح المشنوق بالكرادة يدلني درب الوطن علني افرش دربه المحزون وردا وارسم جدرانه المسخ اشعارا وافجر صمته الحجري ثورة تحكي نشيد الفقراء هيا قديني يا رياح انا عاشق ولهان متعب دنياك الزيف قديني السبت.. الاثنين.. جمعة الشؤم ضياء المسرح القومي عرض الساعة الثامنة موسيقى.. ستار الليلة السكرى وعمر الزمن الضائع في الذاكرة اواه ياليلي ثلاثة سبعة ثلاثة عشر.. تزاوج وخمر وعرش الملك المخلوع سلالة ابدية لكم ولتصمتوا موسيقى - ستار- اواه يا روحي لكم جبتي بحار الموت جوبي.. جوبي.. جوبي..! ولعل (ذروة دراما المعقدين) بعد شهرتها هو ما حصل للبعض منهم في صيف عام 1973م حين داهمها: محافظ بغداد حينذاك: (خير الله طلفاح) وزبانية الاخلاق المرافقة حيث امر بتمزيق سراويلهم وصبغ ملابسهم وتشويه تسريحات شعرهم (بحلاقة سريالية).. ثم دارت بهم سيارة الشرطة المكشوفة اكثر شوارع بغداد وازقتها ازدحاما سعيا (لفضح الخارجين) عن الزمن العربي البديع.. ولتطهيره من (المخانيث) و... (رسل الثقافة المستوردة..!)... ولم (يفك منهم الياخة).
الا بعد ان اصلى شرف امهاتهم واخواتهم ورجولتهم بأقسى الشتائم والاوصاف.. وبعد ان دفع له كل واحد منهم (15) دينارا هذه وغيرها كانت الحاضنة لقصائد من نوع مباشر اخر فقصيدته: (أنا).. ثورة بصورها ومنهجها المتخيل يدعونا فيها لتبنيها.. كي تنتصر: (أنا في آخر الانباء كالثورة اجيء على السهرة وازعج نومك الوسنان تعال اليوم يا انسان تعال الان ومزق صدفة الموت انا.. صوتي وكل حرارة الموت نجمع اخر الانباء عن الاجداد والابناء لكي نحتضن الثورة لكي تنتصر الثورة لكي لا تعذر الثورة) غير ان حساسية الشاعر لا تدعه ان يصمت او ان يصرفها بعيدا عن التطهير المعرفي الابداعي او يقصيها، لذا جاءت قصيدة: (15 واحدا و: من وزير الدخلية لرئيس الوزراء) حادة تنسجم والاوصاف العامة للشاعر وبكل ما تجنح اليه لغته لفضح كل ما اخفاه النظام الاجتماعي من رياء: (للذي يسكب ماء الوجه فوق الصحف المستهلكة للذي يسكت في وقت الظهيرة للذي يصنع للاطفال حلوى للذي قال لنا: لن ينتكس!! للذي عانقها قبلي وبعدي للذي يكرهني للذي يعشق ظله للذي يخجل ان يلثم في المرآة ظله للذي يرسم لوحات عن النسوة في الرأس ويشتمني سياسة للذي يرعبه صوت رصاص في الجوار للذي ينبض في الصدر وقد يخذلني بعد ثلاثين دقيقة للذي خان المناشير العتيقة للذي يدلف مرحاض الرصانة للذي علمنا حب الكتب للذي ينشر هذه الكلمات عفطة قبل صباح الخير حتى...) ان الصور الشعرية المتدفقة في مختلف قصائد الشاعر: (جرح الوطن) (.. كال العشق شال وشاب وطلعت اله شيباته..) و (خذ هذا الكف واستمطر شجر الدنا..) و (.. حين يكون القذف وجها محجوب الرؤى) و (مزق صدفة الموت) و (حين يكون الحب فراشة ساكون الضوء.. وحين يكون الحب الضوء فلن اكون حتى النفس الممقوت فراشة..!) و (درب الزمان الكهل) و(بقعة شمس مظلمة) و (سلحفاتي الهرمة)...الخ!! انما يقدمها في اغراض مختلفة محكمة الصياغة غزيرة الدلالات والمعاني.. غير محدودة بابعاد.. نسجت جراء ضغوط نفسية لا شعورية شديدة الوطأة.. تفجرت بشكل صدمات.. شتائم.. (عفطة) ليست نشازا على الشروط الفنية اللازمة لبناء الصورة في تناقضاتها وتضادها غير الطبيعية بل تكاملا ضروريا.. لانه لم يكتف بانتقاء: (اجمل الكلمات) والتعابير واستخدام ابشعها في التداول الشعبي.. في الكلام العادي.. عفطة كمفردة تسخيف وتهكم بذيئة.. ينسجها في القبول كواحدة من ضروب الاحتجاج والتسخيف الذي يميز قاموس:
(وليد جمعة) الشعري
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18/01/2010, 01h03
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات



بغداد بين مقاهي الادباء
وادباء المقاهي

بلند الحيدري
لم يكن ثمة شيء يلفت نظر الوافدين في الاربعينيات، ويثير عجبهم واعجابهم كمنظر المقاهي المنتشرة في كل شوارع بغداد وازقتها، وكمنظر اسواقها كسوق الشورجة الخاصة ببيع التوابل ومؤنة البيت، وسوق الصفارين حيث تصنع الأواني النحاسية، وسوق السراي التي تمتد على جانبيها دكاكين بائعي الكتب القديمة منها والحديثة، والتي تمد بنفسها الى اسواق اخرى. وقد وعيت اثر المقهى في حياتي وانا في سن مبكرة، اذ كنت اهرب اليه من المدرسة مع بعض زملائي في الدراسة المتوسطة،


وكان مقهانا المفضل آنذاك هو مقهى (البلدية) وبأثر من كونه المقهى الوحيد الذي كنا نستمع فيه الى اغاني ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وكل زبائنه كانوا على مثل هوانا في حبهم لهذه الاغاني وربما كان هو المقهى الذي استوحاه بدر شاكر السياب في قصيدته (اغنية قديمة) حيث يقول في مطلعها:
في المقهى المزدحم النائي,في ذات مساء
وعيوني تنظر في تعب,
في الاوجه والايدي والارجل والخشب
والساعة تهزأ بالصخب
وتدق- سمعت ظلال غناء
اشباح غناء
تتنهد في الحاني, وتدور كإعصار
بال، مصدور
يتنفس في كهف هار
في الظلمة منذ عصور
واذا ما استثنينا هذا المقهى بمرمى من تلك الخصوصية، واستثنينا معه مقهى قريبا منه هو مقهى (الدفاع) المقابل لوزارة الدفاع حيث كنا نؤمه من حين لاخر لنلعب الشطرنج فيه، او لنتحلق حول لاعبي الشطرنج المعروفين الذين كانوا من رواده الدائميين، اقول اذا استثنينا هذين المقهيين، يمكننا ان نصنف مقاهي بغداد الى صنفين مختلفين لحد ما هما مقاهي (الطرف) او (المحلة) ومقاهي الشوارع الرئيسية، وتتوزع مقاهي الصنف الاول منهما النواحي المحيطة بمركز العاصمة، وحيث تتقاسم مساحاتها المفتوحة منها والمسقوفة، مصاطب خشبية تخت- وطاولات مستطيلة ومربعة، تتوسط ما بين تلك المصاطب ولا يتجاوز ضلع اي منها المتر الواحد، ويقتصر جمهورها على ابناء المنطقة، وجلهم من الطبقات المتوسطة او دونها، فبيوت مثل هذه الطبقات لم تكن لتوسع ابوابها لغير الاقارب والاصدقاء الحميمين جدا، وضمن زيارات عائلية، اما اللقاءات الاخرى فليس لها غير المقاهي، وحيث تمتد فيها الجلسات الى ساعات متأخرة من الليل، وقد اختلطت اصوات النرد والدومينه بأصوات المعلقين على لعب اللاعبين، وبقهقهات الضاحكين وصخبهم، وبأصوات ملاعق الشاي في الفناجين واحيانا بصراخ المتشاجرين والذين سرعان ما يلتف الجالسون حولهم لحل النزاع، والذي يكون عادة قد بدأ من ملاحظة عابرة حول خطأ في لعب النرد او الدومينه، او بأثر من طرفة قال بها احدهم فحملها الاخر على غير محملها، او بسبب من تعصب احدهم للنازيين او للانجليز، حتى اذا نجحت الوساطة عاد الصفو اليهم وتعانقوا، واستمروا في الذي كانوا فيه. ولا تشذ عن هذه الخصوصية غير بعض مقاهي (الطرف)، اما بسبب من انها صارت المقر المعروف لهذه الشخصية الادبية او تلك الشخصية الرياضية او لغيرهما من اهل الفن، او لانها جاورت مؤسسة معينة فلزمها العاملون فيها، او لانها اصبحت ملتقى لنخبة من الادباء الشبان الذين لمعت اسماؤهم في اواسط الاربعينيات، وحيث يكون لهم ان يتحلقوا كل مساء حول احدى تلك الطاولات الخشبية الصغيرة ليواصلوا ما ينز من بين ركام الحرب العالمية الثانية. ومن تلك المقاهي، مقهى صيفي يقع على مقربة من الجسر الخشبي القديم الذي يشد مابين منطقة (الاعظمية) ومنطقة (الكاظمية) وقد تعودنا ان نرى الشاعر العراقي الكبير (معروف الرصافي) يقطعه مشيا على قدميه، من الاعظمية الى الكاظمية، ليأخذ فيه مقعده الذي سرعان ما يتحلق حوله عدد من اصدقائه وبعض من اساتذة الادب وعدد من الشعراء والادباء الشبان، اليه بعض نتاجهم على امل ان يحظوا بكلمة منه فيها، ولم يكن امر ذلك يسيرا، فمحدثوه كثر واهميتهم اكبر من اهميتهم، وما لديهم كثير، وهيبة الرصافي الجدية، وطبيعة جلسته وانتشار عباءته واستقرار كوفيته وعقاله على رأسه وضخامة صوته، ليس من اليسير اختراقها بالنسبة لهؤلاء الشبان، وقد يحدث ان يتجزأ واحد منهم فيمد بيد مرتجفة قصيدته اليه وهو يهمس متلعثما وراجيا ان يقول رأيه فيها، فيأخذها منه بتثاقل، ثم يلقي بنظرة عجلى عليها ثم يعيدها الى صاحبها من دون اي تعليق، فيكتفي الشاعر الصغير المسكين بسكوته تعليقا عليها ويردها الى جيبه خجلا ويغادر المقهى.
واذا كان الرصافي كذلك بأثر من كبر سنه واوجاعه واوضاعه، فهو رغم ذلك كله وفي كثير من الاحيان على جانب كبير من الظرف وسرعة البداهة، واذكر مرة ان صبيا دلف الى مقهاه وقد تأبط رزمة من الاوراق، فما ان وقعت عينا الرصافي عليه وهو يتوجه اليه حتى ادار وجهه فينا وهو يقول (أعوذ بالله.. هذا هو تأبط شرا) وكان الامر كذلك اذ ما كاد لهذا الصبي ان يأخذ مقعده بيننا الا واستل كما من تلك الاوراق، مستأذناً الرصافي في ان يسمعه بعض شعره، وقبل ان يأذن له، راح صوت صاحبنا يلعلع في ارجاء المقهى بكلام لاطعم للشعر ولا للنثر فيه، فالتفت اليه متسائلا وبكثير من الجد (أأنت وحدك كتبت هذه القصائد العصم) فيرد عليه الصبي وقد افترشت وجهه ابتسامة فرح كبير (والله والله يا استاذ انا وحدي كتبتها كلها.. كلها من بطني انا).
فيربت الرصافي على كتف الشخص الذي يحاذيه وهو يقول اكيد انها من بطنه الم تشم رائحتها فننفجر بالضحك دفعة واحدة وينسحب الصبي حانقا ولاعنا.
ولم تدم لقاءاتنا به في هذا المقهى الا لفترة قصيرة من الزمن، فقد اعتلت صحته كثيرا، وانقطع عنه وعنا، ثم كان ان غاب عنا في منتصف الشهر الرابع من عام 1945، فانطفأ وهج المقهى بانطفاء حياته، وعادت ككل مقاهي (الطرف) ملتقى لابناء الحي. ومن نماذج هذا الصنف من المقاهي مقهى كان يجاور كلية (دار المعلمين العالية) ولم يكن آنذاك في بغداد غير ثلاث كليات هي كلية الطب وكلية الحقوق، وهذه الكلية التي تعوّد طلابها ان يملأوا مقاعد المقهى، ضمن حلقات صغيرة، ليراجعوا دروسهم فيها، وعلى الاخص في ايام الامتحانات، وبهذه الخصوصية يتميز بكونه مقهى هادئا وعلى من يؤمه من غير الطلاب ان يراعي هذه الخصوصية، وكان من رواده من الطلبة يتناقلون فيما بينهم وبين اصدقائهم الكثير من النكات والنوادر التي كانت تروى عن صاحب المقهى، ربما كان اسمه (ابراهيم عرب) وتختلف آراء الطلبة بشأنه فمنهم من يحسبه رجلا ملتاث العقل، ومنهم من يعتبره رجلا حصيفا ادرك سر المهنة فجعل من نوادره سبيلا لرواج سمعة مقهاه ولأنه في غير هذه النكات والنوادر دقيق في آرائه واحكامه، ومن درس علم النفس من هؤلاء الطلاب ذهب في تحليله لشخصيته الى انه مصاب بعقدة النقص التي افرزت عقدة العظمة عنده، وقد سعيت مرتين اليه بصحبة واحد من الطلبة فما حظيت بلقائه، ومع ذلك فقد اعاد عليّ من صحبته ومن موقع المشاهدة بعض تلك النوادر فلكل شيء في المقهى سر عظيم، فهذا الكلب الاجرب القابع عند باب المقهى والذي لايقوى على الوقوف هو سبب الحرب العالمية الثانية، ذلك لان ابراهيم عرب كان قد قدمه هدية، وهو مرغم، الى السفير الالماني، وعندما سمع بذلك السفير البريطاني غضب غضبا شديدا على ابراهيم عرب لانه سبق له ان سأله ان يهديه اياه فبخل به عليه، ولم يشفع له اعتذاره للسفير البريطاني الذي اصر على ان يستعيده، فما كان منه الا ان استرده من السفير الالماني، فكان ان اتصل كل منهما بدولته وتأزمت العلاقات بين الدولتين وهكذا نشبت الحرب وان الكلب لايزال هنا.. ومن تلك النوادر ان الطلبة شاهدوا ابراهيم عرب ذات يوم من ايام الصيف القائظة يدخل المقهى راكضا وهو يلهث ويتصبب عرقا، فبادروه بالسؤال عن السبب، فقال: آه لو تدرون ماذا حدث.. لقد كاد فريق الكرة العراقي ان يخسر لولا انه اسرع والتحق به فأنقذه من الخسارة، وقد ضرب الان الكرة عاليا- اي نجمها كما يقول العراقيون- وجاء مسرعا ليأخذ استكانا من الشاي ريثما تهبط الكرة، ثم يتركهم راكضا ايضا بعد ان اخذ رشفتين من الشاي ليعود الى الملعب قبل هبوط الكرة.. وفي الباحة المفتوحة من المقهى ثمة شجرة عجفاء، مايكاد ابراهيم عرب يرى وجها غريبا يدخل المقهى حتى ينادي بأعلى صوته على صبي المقهى ليسقي الشجرة ابريقا آخر من الشاي، فهي تكره الماء وتحب الشاي، ثم يلتفت الى صبي المقهى ليطلب شهادته على صحة ما يقول والويل له ان سكت او لم يجد له مدخلا لقصة جديدة،، قل لهم.. قل لهم من اين جئت بهذه الشجرة ياعم ابراهيم.. فيرد عليه ابراهيم عرب: الكل يعرفون.. كلهم يعرفون ذلك.. لقد قلعتها من حديقة نوري باشا بسحبة واحدة من يدي ولم ينقطع اي جذر من جذورها.. ولكومة الحديد المرمية الى جانب المقهى، قصة ايضا، فقد كان القطار يمر يوميا مرتين بمحاذاة المقهى وعزّ على ابراهيم عرب ان يزعج القطار بصوت عجلاته وصغيرة اعزاءه الطلاب فكان ان طلب من سائق القطار تغيير طريقه فما امتثل لطلبه، ثم كتب لنوري باشا ويقصد نوري السعيد رئيس الوزراء- ناصحا اياه بأن يأمر بتغيير طرق القطار فلم ينتصح ايضا، فما كان منه الا ان خرج لمواجهته حتى اذا دنا القطار منه عاجله بركلة قوية من رجله جعلت كل قاطراته تتهشم ويدخل بعضها ببعض وهذه الكومة من الحديد الصدئ (المزنجر) هي كل بقاياه واذا حدث لواحد من الطلاب ان ضحك، وكان في المقهى رجل غريب، امتعض ابراهيم عرب وقام ينادي بأعلى صوته على صبي المقهى ليسقي الشجرة ابريقا آخر من الشاي، وان لم يضحكوا لما يرويه عليهم وهم (وحدهم) معه غضب عليهم لانهم ماعادوا يستلطفون حكاياته، اما ان يعلن اي واحد منهم بأنه لايصدق بطولاته الخارقة، فتلك هي الطامة الكبرى فسيظل لفترة طويلة غاضبا عليه ويأمر صبي المقهى بأن لايقدم اليه اية خدمة، الى حين يتشفع له بعض الطلاب المقربين اليه، فيغفر له زلته.. وثمة مقاه، من جملة هذه المقاهي التي تقع في اطراف مدينة بغداد، ومن تلك مقهى البيروتي الذي يطل من جانب الكرخ على شاطئ دجلة وجل رواده من رجالات المنطقة المعروفين ولنخبة من الادباء والشعراء مكانهم المرموق فيها حيث يتصدره توفيق الفكيكي ومحمد الهاشمي وثلة من النازعين الى الادب القديم والمغرمين في ذرابة اللسان وصناعة الكلام المنمق والاخذين انفسهم بالنهج التقليدي في كتابة الشعر، وممن لايرون في الذي كنا نكتبه ونقوله غير فتنة وافدة من الغرب لتقويض التراث العربي، فما ان يطأ واحد منا باب المقهى حتى تتوجه اليه نظراتهم الشزرة وكأننا دنسنا بأقدامنا مقهاهم، ولذلك آثرنا وبعد عدة زيارات لهذا المقهى ان نبحث عن غيره، خاصة وانه يبعد بعدا شاسعا عن اماكن سكنانا، فكان لنا ان اخترنا مقهى (الكسرة) الواقع ما بين باب المعظم والاعظمية، ملتقى لنا، نؤمه كل مساء لنتحدث عن تطلعاتنا الادبية، وعما قرأنا من جديد جان بول سارتر واليوت وكامو واديت سيتول وما سمعنا من اخبار عن المدارس الفنية الاوربية وكان من بين من يضمهم مجلسنا الشاعران حسين مردان ورشيد ياسين والفنانان نزار سليم وخالد الرحال، وفي كل مساء يضاف اسم جديد الى قائمتنا، ومنهم بدر شاكر السياب الذي صحبني اليه غير مرة، الا انه لم يأنس طويلا لجلساتنا بسبب من وجود حسين مردان وخالد الرحال واللذين ما ان يلتقيا حتى يعلو ضجيجهما على كل احاديث الادب والشعر، بينما كنا نرى في شجارهما ونكاتهما من يطري الجلسة..، ثم كان لنا مقهانا الخاص بنا (مقهى واق واق) والذي عرف عنه ان ملتقى الشعراء والادباء والعشاق.. يقول عدنان رؤوف، وهو واحد من ادباء جيلنا النابهين: كنا معا نذرع شوارع بغداد من مقهى النعمان في الاعظمية الى مقهى الدفاع حتى مقاهي شارع ابي نواس، مرورا بحلويات الدار البيضاء بالمقهى السويسري وفي المقهى البرازيلي في شارع الرشيد، ولقد تحررت اكثر صفحات مجلتي، الفكر الحديث- و- الوقت الضائع- في تينيك المقهيين وفي المطابع اكثر مما تحررت في المكاتب والبيوت.. واذا ما خرجنا عن مقهى (النعمان) في الاعظمية، بصفته من بعض مقاهي (الطرف) الى مقاهي شارع الرشيد ومقاهي شارع ابي نواس، ولكل من هذه المقاهي ما يميزها عن مقاهي الطرق وهي بذلك تشكل الصنف الاخر من المقاهي وبأثر من ذينيك الشارعين وخصوصيتهما، فشارع الرشيد هو العمود الفقري لمدينة بغداد، وفيه تلتم عيادات الاطباء والصيدليات الكبيرة، وفيه تتوزع الفنادق بأنواعها المتباينة وفيه ايضا المخازن الانيقة، ومنه تتفرع الشوارع الى سوق السراي وسوق الصفافير وسوق الشورجة، ولذلك فان رواد مقاهي شارع الرشيد هم في الغالب من عابري السبيل وان لايخلو اي مقهى من زاوية تجتمع اليها نخبة من الادباء، اما شارع ابي نواس الذي يسير بمحاذاة نهر دجلة، فمقاهيه معدة لاستقبال المتسكعين كل مساء على شاطئ النهر والطامحين الى اكلة سمك مسقوف، وكل منهم على كثير امل ان يحظى بمجلس يدنيه من شاطئ النهر المنساب بكثير من البطء والتثاقل، ولم يكن غير مقهى واحد يختلف عن الباقين بطاولتي البليارد اللتين فيه، وقد لازمته لفترة من الزمن ضمن ثلة من الاصدقاء كان منهم الشاعران حسين مردان وكاظم جواد والفنان شاكر حسن وقد يختلف اليه من آن لآن اصدقاء آخرون وبشكل طارئ، فنوسع الجلسة الى ما بعد منتصف الليل حتى اذا ما باشر عمال المقهى بغسل ارضيتها ولم كراسيها انصرفنا عنه لنتسكع في الشارع، وذات مرة سهرنا على احدى مصطبات ابي نواس، انا وصديق آخر لنا وحسين مردان الى الفجر لنتمتع بشروق الشمس على دجلة، وعندما اشرقت كنا جميعا نائمين بعد ان استأثر كل منا بواحدة من تلك المصاطب، ولم يكن امر ذلك غريبا عليّ او على حسين مردان، فقد افترشناها غير مرة وكلما الجأتنا الحاجة اليها بعد ان نكون قد عجزنا عن توفير اجرة الفندق الزهيدة جدا. وتبقى لنا من مقاهي شارع الرشيد مرامي خطانا اليومية، فان رغبت في ان انفرد بالسياب، انتبذنا لنا مقعدين في مقهى يجاور المكتبة العامة في باب المعظم، ليقرأ لي من جديده واقرأ له من جديدي ونتبادل الاراء بشأنهما او بشأن ما وقعنا عليه من جديد زملائنا في تجربة الحداثة، وان اخذت حسين مردان حماسته للمشاكسة دلفنا الى مقهى الزهاوي للالتقاء بشاعر تقليدي كنا ندعوه بشاعر المصايف لتأليفه ديوانا بقرابة ثمانئمة صفحة في وصف المصايف العراقية، وكلها من الشعر التقليدي الرديء، وما ان يرانا قادمين الى حيث هو جالس حتى يبادرنا بهز عصاه الغليظة لنتبعد عن مكان جلوسه فان لم نمتثل له نالتنا ضربة مؤلمة على كتف واحد منا، ولذنا بالهرب من غضب الرجل المسن وسبابه وخشية ضربة ثانية اكثر ايلاما.. وعلى مسافة قريبة من مقهى الزهاوي، ثمة مقهى آخر هو مقهى (حسن عجمي) كان يرتاده احيانا الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وكنا نأنس بلقائه، وبحديثه الشائق، ونكبره شاعرا وسياسيا وثائرا، وكان الى جانب ذلك صاحب نكتة لاذعة لايرويها الاّ وقد حملها معاني البت هذا الذي الى جانبه او مدت بنفسها الى رئيس الدولة وزبانيته من المنتفعين والمتملقين وهو معنا على مزاجين، مزاج المدافع عنا حينا في اننا نحاول شيئا، ومزاج من يرى في بعض ما نكتبه تطرفا لامعنى له، وتكلفا للجدة لاجدوى منه، ويظل، فيغير هذا المزاج او ذاك، معنا في نزوعنا الثوري العارم على مختلف توجهاته، فالجواهري الفذ كان دائما من المبشرين بالفجر الجديد وكان دائما من بعض المكتوين باتونه،، وثمة شعراء آخرون ممن ينظمون الشعر على النمط القديم يتحلقون حوله او يتخذون مواقع على مقربة منه، وفي العادة ان يتوسطهم الكاتب والصحفي عبدالقادر البراك مع نرجيلته التي لاتفارقه مطلقا فهي كما يسميها عشيقته الازلية.. وكان مقهى (الرشيد) سيد مقاهي شارع الرشيد ففيه يلتقي الكثيرون من رجال الفكر والادب وممن يؤثرونه على غيره بأثر من مكانة روّاده وحسن فرشه اذ ان كل مصاطبه مفروشة بالسجاد يوحي بوثرتها وبالدفء في ايام الشتاء، واترك للاستاذ اللغوي ابراهيم الوائلي وصف هذا المقهى الذي كان واحدا من رواده ومنذ بداية افتتاحه في عام 1940 يقول الوائلي: نحن في اوائل العقد السادس من هذا القرن والمقهى مازال مزدحما بالمرتادين والحاج حسين صاحب المقهى يجلس الى صندوقه عند الباب، والكهل الطيب، (وهل) يفترش الرصيف قرب باب المقهى وقد نشرت الصحف والمجلات وهو في كل صباح ومساء يطوف داخل المقهى ويوزع الصحف على الراغبين في قراءتها ويأخذ من كل واحد اجراً لايتجاوز عشرة فلوس. انتقل بعضهم الى مقاه اخر وبقي رواد الشطرنج والنرد والنرجيلة واصدقاء مازالوا يبتردون صيفا او يستدفئون شتاء في اوقات الراحة ومنهم خاشع الراوي وفؤاد عباس والمحامي محمد نجيب الجبوري وعبدالقادر رشيد الناصري وهؤلاء الادباء والشعراء ودعوا الدنيا الى ظلام القبور. والشاعر بلند الحيدري يسلم ويجلس وهو يمزج الضحكة الخفيفة بالانفعال والتذمر من فراغ الجيب ولكنه لاينسى الحديث في الشعر واللغة ولعله كان يوافقني في الراي.. ان الشاعر بلا لغة كالجندي بلا سلاح،، وكثيرا ما يدخل الشاب النحيل بدر شاكر السياب وهو يتهادى في مشيته ويتأبط كتابا فيجلس ويشارك في الحديث.. وفي مقعد قريب يجلس الشاعر حسين مردان والسيجارة لا تفارق شفتيه واحاديثه في الشعر والنقد.. ويضيف في حديث ذكرياته الذي نشرته له جريدة (الثورة) العراقية في الخامس من شهر شباط 1987، قوله: وفي نهاية المطاف مررت مجتازا باب المقهى فاذا بشخص يسرع الى الخارج ويدعوني الى الجلوس انه الصديق الراحل المحامي محمود العبطة فلم يكن بد من الاستجابة لدعوته، ولقد كانت الزيارة هي زيارة الوداع للصديق العبطة وللمقهى الذي كان يصارع القدر في ساعة احتضاره، لقد انتهى بانتهاء مقهى الرشيد ناد من اضخم النوادي الادبية في بغداد.. ويصير للحداثة ايضا مقاهيها،، فها هما مقهيان جديدان يتوجان مقاهي شارع الرشيد، ويخرجان بنا من تلك المقاهي التقليدية ومن اجواء النرد والدومنة والنراجيل والمصاطب الخشبية والموسيقى والاغاني العربية الى حيث الكراسي الوثيرة والموسيقى الكلاسيكية الغربية، وان كنا لم ننقطع كليا عن مقهى الرشيد خاصة، كان اسم الاول منهما (المقهى السويسري) والثاني اسم (المقهى البرازيلي) وكان احدهما يجاور الاخر وقد كان (المقهى السويسري) ملتقانا المفضل والذي اعطيناه الكثير من خصوصيتنا، فالموسيقى الكلاسيكية تستوجب حسن الاصغاء وعلى الاحاسيس ان تدور بخفوت كلي وعلينا ان نبحث من خلال هذه اللقاءات عن انفسنا في الجديد الذي يفردنا بما نتمايز به. يقول شاكر حسن آل سعيد في كتابه (فصول عن الحركة التشكيلية في العراق) الذي صدر مؤخرا: ((..وقد صادف في نفس الفترة، اي عام 1945 اتفاق جماعة من الاصدقاء جلهم من شباب الفنانين والادباء على تاليف رابطة تجمعهم سموها جماعة –الوقت الضائع- وهؤلاء الشعراء هم: بلند الحيدري، نزار سليم، سلمان محمود حلمي وحسين هداوي وابراهيم اليتيم، ثم انضم اليها ايضا عدنان رؤوف وحسين مردان وابراهيم ابو الفتوح وكان هذا الاخير مدرسا مصريا انتدب للتدريس في احدى كليات بغداد وكذلك فؤاد رضا واكرم الوتري.. اتخذت جماعة الوقت الضائع اول الامر مقهى (كافيه سويس) في شارع الرشيد مقرا لهم يلتقون فيه للنقاش وقضاء الوقت.. وقد استطاعت ان تنشر عدة مطبوعات مثل ديوان خفقة الطين للشاعر بلند الحيدري عام 1946 ومجموعة اقاصيص بعنوان – اشياء تافهة- لنزار سليم كما اصدروا نشرة بنفس اسم الجماعة ظهر منها عددان. ومن خلال تلك النقاشات الطويلة ومن خلال ما كنا نسمع من اهالينا بأن الفن والادب مضيعتان للوقت ومن خلال سماع احدنا برواية مارسيل بروست (البحث عن الوقت الضائع) وحماسة نجيب المانع الطاغية ولدت فكرة اصدار نشرة باسم (الوقت الضائع) لنقول فيها كل ما هو غير مألوف في الصحافة العراقية آنذاك، ولنعلن عن سعر لها غير مقبول نهائيا، ان نبيعها بخمسين فلسا وهو ثمن باهظ لنشرة بثماني صفحات، وضمن مدارس الطلبة الثانويين واروقة الكليات رحنا نوزع العدد الاول، وسرعان ما عم لها صدى واسع حفزنا لاصدار العدد الثاني، واحسسنا بكبر تحدينا كلما وقعت اعيننا على كتابة طبشورية في هذا الحائط او ذاك تندد بنا وتشوه مقاصدنا وتدعو الناس لمقاطعة (الوقت الضائع) فاضاعة للوقت قراءة (الوقت الضائع) وصعب على هؤلاء الشبان ان يوفروا المال للاستمرار بها فانقطعت عن الصدور،، كان نزار سليم يقوم بتصميمها وحفر كلائشها، وحسين هداوي يكتب لها ويترجم بالاشتراك مع سلمان محمود حلمي وابراهيم ابو الفتوح، وكتبنا رسائلنا لغير واحد من ادباء العالم فلم يلب دعوتنا الا الكاتب الامريكي وليم سارويان الذي بعث لنا باقصوصة صغيرة بعنوان (مهزلة ان تموت ولاتدفن اذ لايزال بامكانك ان تسير)، ويكتب لنا الرسام البريطاني (كنت وود) من انطباعاته الفنية، ويكتب لنا سعيد علي مظلوم عن السيمفونية الحزينة لتشايكوفسكي ويكتب لنا جواد سليم، ويكتب ابراهيم اليتيم عن رجل (وضع قدميه في جيبه وسار) وكنا نراجع كل ما يبعث الينا في (المقهى السويسري) ثم اتكفل بأن احمل ما اعتمدنا نشره الى مطبعة الزمان، وتصحيح مسوداته.. كل ذلك كان يجري بكثير من الجدية والدأب ونحن نحلم بأن يتعقبنا المجد الهائل في كل مكان من بغداد.
فنون عربية العدد الثالث 1982
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18/01/2010, 01h46
الصورة الرمزية محمد العمر
محمد العمر محمد العمر غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:372343
 
تاريخ التسجيل: January 2009
الجنسية: عراقية
الإقامة: كندا
المشاركات: 905
افتراضي رد: بغداديــــــات

ابراهيم عرب
عنترة القرن العشرين

عبد الوهاب الشيخلي
هذا الرجل الرابض وراء مائدة صغيرة وضعت عليها (صينية) انتشرت عليها نقود من فئة الاربعة فلوس والعشرة فلوس وحتى الفلس والفلسين.. والذي يتظاهر بالدعة والابتعاد عن مواطن الشر.. انه هو نفسه رجل الليل.. رجل الاسرار، الذي بز الرجال وبعث الرعب في قلوب اشجعهم هو نفسه الذي قلب القطار وترك اللوعة والاسى في قلوب عدد كبير من الارامل هو نفسه الذي جاب القفار وعبر الوديان ونزل جوف البحر فاخرج اللؤلؤ والمرجان هو نفسه الذي قتل ذئبا بابريق من الطين وشق فم الاسد الى شقين كبيرين.

وهل هناك في بغداد وضواحيها بــ الوية العراق الاربعة عشر من يجهل اسم هذا الرجل؟
كنت واحدا من الاف المعجبين بشجاعة هذا الرجل واقدامه وكنت اسمع عنه دون ان اراه فيزداد اعجابي به يوما بعد يوم حتى جاء يوم الثلاثاء من الاسبوع الاسبق فالتقيته وقد حف به جماعة من المؤمنين بشجاته وقدرته على تدمير جيش باكمله، كان ابراهيم عرب قد خرج لتوه من الدائرة المختصة بطبع الاصابع والظاهر انه كان قد انتهى من قتل اسد او عصابة باكملها من اللصوص والا فما معنى وجوده في تلك الدائرة وما معنى اخذ طبعات اصابعه؟
لم اشأ ان اتدخل فيما لا يعنيني خوفا من ان يصيبني مالا يرضيني وما انا في غنى عنه تقدمت من الجماعة بخطى ثابتة وواجهت ابراهيم عرب وجها لوجه.
فوقف واخذ ينظر الي متسائلا:
*نعم.. امر.. خدمة؟
قالها كأي بغدادي اصيل فتشجعت واغتنمت الفرصة.
-انني من جريدة الشعب .. مجلة الاسبوع..
*نعم؟..
قال ذلك بشدة واخذ يعمل فكره ليتذكر شيئا ثم بادرني بقوله.
*اني سأقيم الدعوى عليكم وعلى جريدة اخرى وسأطالبكم بتعويض مالي قدره خمسة الاف دينار.
ما ان انتهى من ذلك حتى شعرت بخيبة امل كبيرة وبدأت اوصالي ترتجف- ربما من البرد- ولكني حاولت التظاهر بعدم الفهم واللامبالاة.. واستطرد ابراهيم عرب قائلا:
*من سمح لكم بالكتابة عني وعما اطلقتم عليه جملة- مغامرات ابراهيم عرب- ؟
ألم يكن من الانسب ان تأخذوا موافقتي؟
قلت له وانا احاول ان اهدئ ثائرته واداعب غروره..
-ان الكتابة عن شخصية معروفة لاتتطلب عادة الاتصال بتلك الشخصية لاخذ موافقة منها.
وشعرت بالخطأ الكبير الذي اركتبته بتحويل المذكر الى مؤنث في آخر الجملة ولكنه تجاهل الموضوع وتظاهر بالاقتناع وقال.
*وماذا تريد مني الان؟
-موعد..
*اين ولماذا؟.
-في اي مكان تشاء ومن اجل ان نكتب شيئا عن شخصيتكم المحبوبة.
*انا مستعد..
قال ذلك وابتسم فابتسم كل من كان معه ومد اليّ يده مصافحا وقال:
-اتفقنا..
في عصر اليوم التالي اتجهنا انا والمصور حازمن باك نحو قهوة ابراهيم عرب في راغبة خاتون- وانتظرنا مجيئه ساعة من الزمن ثم هل علينا بطلعته البغدادية المهيبة وابتسامته المتألقة وبعد ان حيانا جلس الى مائدته الصغيرة واخرج من جيبه حفنة من (الخردة) نثرها في الصينية ثم بدأ يلقي الاوامر.. تعال فلان ارفع (الجادر) لك ليش ماراش الكاع زين؟
وبينما كان يلف سيكارة عربية ليدخنها اقبل عليه احد الاصدقاء وجلس بالقرب منا.
قال ابراهيم عرب موجها كلامه لذلك الصديق:
*بالله عليك ماستحى من نفسه ماخجل؟
*منو هذا؟ سأله الصديق وقد اصبح كله اذانا صاغية.
*فد واحد كتب عني بالجريدة يكول ابراهيم عرب يدك دنبك وسينة كمانة وجمبارات، عبالك اني ضارب وياه خاشوكة لك مو اني حيد من سبعين ظهر وبن عشائر.. ابن ناس معروفين والله اكدر اشيله من بيتهم بالليل واخلي يبسطوه فد خمسين واحد وارجعه الى بيتهم بدون ما يحس.
فقلت له متسائلا:
-يعني ما يحس بالبسط؟
فنظر الي نظرة ذات مغزى ثم اردف قائلا:
هذا هم فرحان اللي دهدرنه الله على فلان وفستان.
قلت له:
*عمي ابراهيم، انت ماتعرف غير شغل القهوة؟
-كل مصلحة اعرف.
*ابوك هم جان يشتغل قهوجي؟
-لا.. كان معمارا
*لويش تفضل جكاير العرب على الافرنجية وسيكاير العلب العراقية؟
-لانها صحية.. التتن منقح والكاغد خفيف.
*هو اكو تتن صحي؟
-نعم اكو، هذا التتن اللي دتشوفه اجيبه على حسابي من راوندوز مابيه لا تراب ولادمار.
*بس يكلون الجكاير تسوي سرطان؟
-سرطان ليش يابه؟
ثم اردف قائلا:
-خل تمنعه الحكومة لعد؟
وهنا تدخل الصديق وايد ماذهبت اليه من ان الدخان يولد السرطان فقال ابراهيم عرب متعجبا:
-ها..
ثم سألته..
*عمي ابراهيم.. انت هل دخلت المدرسة؟..
-نعم، بزمن العثمانيين.
*لعد ليش ماصرت فد مدير عام؟ موظف؟
-لعد منو يصير كهوجي؟.. منو يصير بكال؟ كناس؟..
*يعني دراستك بالمدرسة تعادل متوسطة؟..
-نعم.. اعدادي عسكري يعني ثانوي.. وبعدين شردت وانتقل ابراهيم عرب الى حفلة المولود.
التي كان قد حضرها امس وقال:
-الله ستر رادت تصير مشكلة واستطرد قائلا:
كان المولود بزمن الاول غير شكل ثم قال:
-مامعناه ان الناس او اهل المحلة بصورة خاصة كانوا يتسابقون في تقديم ما تجود به اكفهم وكان ا لهدوء يشكل اي بيت يقدم فيه مولود بحيث اذا ذبيت الابرة تسمع صوتها، اما الان فان بعض الناس يتسابقون في سرقة السيكاير..
*ترة اليوم هم اكون مولود قال ذلك صديقه فسأله ابراهيم عرب متلهفا..
-وين؟
*بشارع الضباط..
-منو راح يقرأ؟
*ابو السعد
-اي والنعم.. والله اللي يجيب- وذكر اسم مقرئ معين- غلطان.
*عمي ابراهيم يبين انت تحب المواليد؟.
-اروح لكركوك من اجل المواليد.
*يقال ان صوتك جميل وتحسن المقامات العراقية.
*شنو رأيك بالاستاذ محمد القبانجي؟.
-القبانجي صديقي.. ماكو قارئ مثله.
وبعد فان ابراهيم عرب من مواليد محلة البارودية ببغداد ويميل الى الاستماع الى عبدالباسط عبدالصمد ومصطفى اسماعيل ومن العراقيين الملا مهدي الذي يصفه بانه (ابوهم كلهم).. وتعجبه حفلات الغناء الريفي التي يقدمها تلفزيون بغداد وعدا القبانجي يميل الى سماع عبدالرحمن خضر وقد وصفه بأنه (ورد) ولا يجد في المطربات العراقيات من تلهب عواطفه.
وقد ذهب في تلك الليلة الى المولود فاصغى بكل جوارحه الى قراءات القراء ثم انتقل الى الطعام واكتفى بعدد قليل من اطباق البقلاوة والدولمة.
وبعد ان اصبحنا في الشارع روى له صديقه حاج ياسين اسطه وهيب حكاية (السعلوة) التي ظهرت له في جوف البحر عندما نزل للبحث عن اللؤلؤ فقال له ابراهيم عرب:
*هاي معقولة هالحجاية؟
فاجاب حاج ياسين قائلا:
*آني حجيت حجاية وحده ما صدقتها، شلون تريد من عدنه نصدق حجايتك عن الاسد اللي شكيت حلكه والقطار الي كلبته والهنود اللي قلبت سيارتهم والذيب اللي كتلته بالبريك؟..

من عنتريات ابن عرب
جنت فد يوم كاعد بالكهوة.. جانت ظهرية والدنيا حارة وبيدي صونده دا ارش واني ولدزور خنجي ذاك الوكت وازين بالموس على طول.. مرت سيارة بيها هندي صاحني فد واحد مشتري وكاللي ابو رحومي تره هذولة جانوا يضحكون عليك.
-لك منو ذولة، باوعت شفت السيارة تعددت لباب المعظم اني جنت ذاك الوكت رياضي صار عندي جسم اذب ديس على هذا الجتف وديس على ذاك الجتف. ركضت وراهم.. براس السور جلبت بالسيارة، لك اوكفوا.. السايق تخربط.. يبدل على الواحد على الاثنين طاب كير،، ميفيد.. نزل واحد طويل عريض عبالك داعيك،، كاللي،، لك متروح هسه قابل انت ابراهيم عرب.. كلتله نعم اني ابراهيم.. نزلوا كلهم بوسوني،، كلت شنو القصة؟ كالوا يابه احنه جينه متعنين من الهند حتى نتصارع وياك لكن ما طول انت بهالقوة هاي راح نرجع احسن واشرف.. ورجعوا بالفعل.
* فد واحد اجه يدعي بالشقاوة وفات بالكهوة واخذ يعربد ويصيح ضرب اربع خمس طلقات وعزل الكهوة وخله وطلع وابراهيم عرب الشجاع لم يتكلم معه اي كلمة.. بعد شويه كام راح للبيت،، الجماعة كالوا الله اليدري شراح يجيب.. خمس ست (وراور) ويركض وراه،، لكن ابراهيم السبع رجع وبهالايد جف تمن وبهالايد دهن وكال (ياجماعة اني لو اريد اكتله وادخل السجن، هذولة منين ياكلون هيجي تمن وهيجي دهن؟..
* فد يوم جان يمضي في عقد اليهود ساعة 12 بالليل،، لزموه جماعة وحاصروه وضربوه بالخشب وضلوعه تكسرت، ونام بالمستشفى 6 اشهر يابه شلون خلصت نفسك منهم؟ كال (ضربت سره طلقات وانهزموا)..
يابه اشلون اشقياء وتنبسط؟ كال هاي الرجال نوبة تبسط نوبة تنبسط..
*تحدث ابراهيم عرب عن مسدس سرق منه وصرف حوالي الخمسمائة دينار في سبيل العثور عليه دون جدوى وهو يعتز به لانه هدية من صديق عزيز،، نوعه كولد امريكي ورقمه واحد..
*كان صوت القطار يضايق الطلبة في قهوته،، فاضطر ابراهيم عرب الى تنبيه السائق ليغير اتجاه القطار ولكن السائق ابى الانصياع الى نصيحته،، ولما تمادى في تمسكه برأيه اضطر ابراهيم عرب الىايقاف القطار بيده والى خلع القضبان الحديدية (ومن ذاك الوكت ارتاحوا الطلبة ونجحوا كلهم)..
*يقول ابراهيم عرب خرجت في الليل البهيم اقضي حاجة مهمة فالتقيت بعشرين ذئبا يقدح الشر من عيونهم وكادت ان تقتلني لولا انني ضربت قائدهم بابريق كان بيدي فانهزم الباقون وفي الصباح وجدوا جثة الذئب الكبير..
مجلة الاسبوع / حزيران 1958
منقول للفائدة عن
صحيفة المدى
__________________
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
رد مع اقتباس
رد

Tags
بغداديات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 02h59.


 
Powered by vBulletin - Copyright © 2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd