| |
 |

30/09/2009, 08h50
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
195 هجـريـه .. فـى مدرسـة العـراق
@ أمضى الشافعى حوالى تسعة أعوام بعد عودته من العراق أول مرة قابعا فى أحضان مكة والبيت الحرام لا يتحرك منها قبل أن يرجع سيرته الأولى متنقلا بين البلدان والأقطار طولا وعرضا . إما باحثا فى دروب العلم وسراديبه عن أسراره , أو منقبا فى باطنه عن كنوزه ودرره أو ناشرا لما تجمع لديه وصار فى حوزته من أفكار وآراء على طلاب علمه فى مكة والقاصدين إليه من بلدان الدنيا . أتاح له مقامه الطويل فى مكة بعيدا عن ضجيج العراق وصخبها وما تموج به من أراء وأفكار متابينة وفرق شتى , وما هيأته له من مناخ هادئ ملائم أن يتأمل فى روية وأناة ويستنبط القواعد التى أسس على متنها أصول مذهبـه الكبير ..
عكف على القرآن زمنا يدرس أحكامه وطرق دلالاتها , ليتعرف على ناسخها ومنسوخها وخصائصها , ناظرا فى جميع ما توافر عنده من سنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ليعرف مكانها من الشريعة وطرق الإستدلال بها ومقامها من القرآن الكريم . ثم كيف يستخرج الأحكام إذا لم يجد نصا فى قرآن أو سنة . وبدأ فى وضع الضوابط والحدود لمن أراد أن يجتهد فى حكم حتى لا يتعدى الثوابت النصية ويأمن من الشطط والزلل أو يقع فى المحذور ..
هذه القضية الأساسية وما تبعها من فروع وروافد جعلته يستقر طوال هذه السنوات وأن يطول به المقام فى مكان واحد تاركا إلى حين هوايته وشغفه بالتنقل والأسفار . حتى إذا انتهى إلى إرساء القواعد والأصول للإستنباط والإجتهاد واطمأن قلبه إلى ما جمعه فى حوزته , قرر أن يخرج بما عنده إلى الناس عامة وإلى جموع الفقهاء والدارسين خاصة ..
كان من المنطقى على رجل مثله أن يرنو بصره فى هذه المرحلة إلى بغداد قلعة العلوم ومعقل العلماء فى شتى فنون العلم وطرائقه . التى اجتمع فيها فقهاء أهل الرأى من أصحاب أبى حنيفه وفقهاء أهل الحديث من أصحاب مالك . قال لامرأته حميده ذات ليلة وهو جالس وحده يخط رسالة عزاء لأحد أصحابه .............
ــ يا حميده , أعدى لى حاجياتى وكتبى . إنى مسافر فى الغد إن شاء الله ..
ــ فاجأتنى والله يا أبا محمد . إلى أين يا ترى هذه المرة ؟.
ــ إلى بغداد ..
ردت فى دهشة ..........
ــ بغداد . لم ؟.
ــ أجل , بغداد قلعة العلوم وحاضرة الأمة الإسلامية ومهبط العلماء ..
إبتسمت قائلة ...............
ــ ياه منذ زمن طويل لم تغادر مكة حتى ظننت أنك لن تعود سيرتك الأولى راحلا متنقلا من بلد إلى بلد ..
ــ صدقت ياحميده , لكنى رأيت أنه من الضرورى بل من الواجب على أن أعجل بالذهاب إلى العراق هذه الأيام ..
نظرت إليه متسائلة فأردف قائلا ...........
ــ علمت من بعض الوافدين من أهل العراق إلى هنا لتلقى العلم أن كثيرا من علماء البصرة والكوفة ينكرون حجية الحديث ويتشددون تشددا مفرطا فى قبول الحديث . مع أنه من أهم وأوثق مصادر التشريع بعد كتاب الله عز وجل ويكفى لقبوله أن يكون متصلا صحيح الإسناد , ولم يعلم أولئك أن السنة أصل مبين ومفصل ومكمل ..
أردف قائلا وهو يشير إلى خزانة كتبه ........
ــ لهذا لا تنسى أن تضعى مع حاجياتى "الكتاب البغدادى" ..
ــ تعنى هذا الكتاب الضخم الذى صنفت فيه الرد على كل مسائلهم التى اطلعت عليها فى كتب أستاذهم محمد بن الحسن ؟.
ــ أجل يا حميده , فما أبعد شقة الخلاف بيننا نحن الحجازيون أصحاب الحديث وبين العراقيين القائلين بالرأى والإستحسان . إنهم يقدمون القياس على خبر الآحاد وإن صح سنده , كما أنهم يتركون بعض الأحاديث بدعوى أنها غير مشهورة . فى المقابل يعملون بأحاديث أخرى لم تصح عند المحدثين بدعوى أنها مشهورة . لقد عكفت على قراءة كل ما كتبوه نقلا عن أئمتهم وعلى ما وصل إلى سمعى من كلامهم ودرسته دراسة متأنية ..
ــ كيف وجدتهم ؟.
ــ وجدتهم غرقوا فى الفروع والجزئيات , وأهملوا كثيرا من الأصول ..
ــ وعلى من ستنزل فى بغداد ؟.
ــ سأنزل على دار محمد بن أبى حسان الزيادى وأمضى أياما عنده ثم أتوجه بعد ذلك إلى تلميذى الحبيب ..
أشارت بيدها فقال ......
ــ أحمد بن حنبل ..
ــ لم تذهب أولا إلى دار الزيادى ؟.
ــ إنها دار عامرة بالعلم والكتب . أبوه رحمه الله كان قاضيا وعالما جليلا , وأعلم أنه يحتفظ فى داره بخزانة حسنة ضخمة للكتب ورثها عنه ولده محمد . ليتنى أستطيع أن أتزود منها بما ينفعنى وينفع الناس ..
سألته امرأته مستفسرة وهى تشير إلى رسالة العزاء التى انتهى لتوه من كتابتها فقال لها .............
ــ علمت اليوم أن ولدا لعبد الرحمن بن مهدى قضى نحبه , وعلمت أيضا أنه اشتد جزعه عليه حتى أنه عزف عن الطعام والشراب , فكتبت له هذه الرسالة أعزيه وأذكره . سأعطيها فى الغد لأحد المسافرين إلى العراق ليوصلها إليه , إلى أن أصل إلى هناك وأواسيه بنفسى ..
قرأ على وجهها تساؤلا وهو يلتفت إليها فبادرها من فوره ........
ــ تودين أن أقرأها عليك . أليس كذلك ؟.
ــ بلى ليتك تسمعنى ما كتبت , فإنك وربى لا تنطق إلا بالحكمة ومأثور القول ؟.
ــ قلت له ........
إنى معزيك لا أنى على ثقة .. من الخلود ولكن سنة الدين ..
فما المعزى بباق بعد صاحبه .. ولا المعزى وإن عاشا إلى حين ..
يا أخى عز نفسك بما تعزى به غيرك , واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك . واعلم أن أمضى المصائب فقد سرور وحرمان أجر , فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر ؟. فتناول حظك يا أخى إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك . ألهمك الله عند المصائب صبرا وأجزل لنا ولك بالصبر أجرا ..
يتبع.. إن شاء الله............................
@ بعد أيام قلائل كان الشافعى يمتطى صهوة بغلته آخذا طريقه صوب العراق . قبل أن يفارق الدار قالت له امرأته وهى تمسح دمعة فرت على خدها ..
ــ ليت المقام لا يطول بك فى أرض العراق يا أبا محمد . ما أحوجنا جميعا إلى وجودك بيننا , لم يعد لنا طاقة بفراقك ؟.
رد قائلا وهو ينظر إليها نظرة حنان ومودة.........
ــ إطمئنى يا عثمانيه , عملت حساب هذا ..
ــ ماذا تعنى يا أبا محمد ؟.
ــ خالى على كما تعلمين يسافر كثيرا إلى العراق والشام لجلب البضاعة لدكانهم بعد أن توسعوا فى تجارة العطارة والأعشاب . مررت عليه فى داره بالأمس وأعلمته بسفرى إلى العراق وأكدت عليه أن يسأل عن مكانى فى بغداد عند أول قدمة له إليها ويأتينى فيه ..
ــ لم أفهم بعد ما الذى تقصده ؟.
ــ تعلمين أنه قد يطول بى المقام هناك , لهذا طلبت منه أن يأتى بكم جميعا . أنت والأولاد والجاريه فى قدمته الثانيه بعد أن يستقر بى الأمر وتكون لى دارا هناك ..
@ رنا الشافعى إلى بغداد سنة "195" هجريه وبين ثنايا عباءته منهاج فى الفقه لم يسبقه إليه من قبل أحد, كان الشغل الشاغل لأهل زمانه ومن قبلهم فى أحكام الفروع والجزئيات . فجاءهم بقاعدة القواعد يضبط ويعرف بها الجزئيات والفروع . تطلع إليها حاملا معه فى جرابه كتبه التى كتبها فى مكة وفى مقدمتها الرسالة الأصولية والكتاب البغدادى . وقبل أن يدخل بغداد كان كتابه المسمى بالرسالة الذى وضعه فى مكة قد سبقه إلى أهلها بعد أن سلمه إلى تلميذه أحمد بن حنبل قبل سنة ليوصله إلى عالم العراق عبد الرحمن بن مهدى ..
وفى مجلس ضم رهطا من علماء بغداد وفقهائها وبينهم جلس شيخ المحدثين عبد الرحمن بن مهدى فى الجامع الغربى ,يقرأ عليهم رسالة الشافعى فى علم الأصول بعد أن عكف عليها وحده أياما طويلة ينهل من علمها الوفير مخاطبا نفسه كلما مضى فى قراءتها .......... عجبا والله لما أقرأ . كلام نفيس لم تقع عينى على مثله طيلة عمرى . أى رجل هذا . والله ما ظننت أنه يكون فى هذه الأمة اليوم مثل هذا الرجل , وما أظن أن الله خلق مثله فى أهل العلم .
جلس العلماء من أهل الحديث وأصحاب مدرسة الرأى وغيرهم من طلاب العلم وهم فى عجب مما يسمعون من صاحبهم . كلام جديد يطرق آذانهم لأول مرة لم يسبق لهم أن استمعوا إلى مثله من قبل . ومع الأيام تولد لديهم شوق إلى رؤية كاتبه والجلوس إليه وسماع هذه العلوم والمعارف منه . كانوا يتسائلون فيما بينهم ...... متى يجيئنا هذا الشيخ ناصر الحديث وواضع هذه الأصول ؟.
ما كادوا يعلمون بدخوله بغداد من باب الشام ووجوده بينهم حتى انثالوا عليه جماعات كأمواج البحر الهادر . أخذت حلق العلماء الآخرين تتناقص واحدة بعد أخرى حتى صارت ثلاث حلقات بعد أن كانت تعد بالعشرات فى شتى مساجد بغداد ..
يتبع.. إن شاء الله............................
@ دخل الشافعى العراق وهى تموج وتضطرب بالفرق وأصحاب المذاهب من المسلمين ومن غيرهم . المسلمون منهم شيعة وخوارج ومتكلمون ومعتزلة وقدريون ومرجئة ولكل فرقة منها فروع شتى تفرعت عنها . هذا بخلاف أهل السنة وهم جمهور الأمه إلا أنهم تفرقوا إلى مذاهب شتى . فور دخوله بغداد من باب الشام ذهب إلى دار محمد بن أبى حسان الزيادى كما أخبر امرأته ,ثم توجه إلى تلميذه الأثير إلى قلبه أحمد بن حنبل , ولما علم منه أن صديقه وزميله القاضى محمد بن الحسن قضى نحبه منذ ست سنوات ,طلب أن يزور قبره وقبر الإمام الأعظم أبى حنيفه فرد عليه قائلا ........
ــ سنذهب إذن إلى مقابر الخيزران ..
ــ الخيزران ؟.
ــ أجل .. إنه إسم المكان الذى أقيمت فيه مقبرته . بلغنا أن الإمام أوصى أن يدفن فى هذه الأرض قائلا إنها أرض طيبة غير مغصوبه ..
ــ رحم الله الإمام ورضى عنه . هيا بنا إلى هناك فإنى أتبرك به ..
ولدى عودتهما إلى الدار سأله ابن حنبل ..............
ــإذا أذنت لى يا شيخنا,أعرف أنك ترفع يديك فى الصلاة عند القيام من الركوع ..
ــ أجل ..
ــ واليوم رأيتك تفعل خلاف ذلك وأنت تصلى ركعتين عند أبى حنيفه , ما السبب يا ترى ؟.
ــ رأيت ألا أفعل أدبا مع الإمام رضى الله تعالى عنه وأن أظهر خلافه بحضرته ..
@ أمضى الشافعى بضعة أيام فى دار أحمد بن حنبل يريح فيها جسده المكدود من عناء السفر قبل أن يخرج إلى الناس ليعلمهم . كانت فرصة أتاحت لكل واحد منهما أن يتعرف على صاحبه عن قرب , حتى أن الشافعى قال له ......
ــ يا أبا عبد الله أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا , فإذا كان خبر صحيح فأعلمنى حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا ..
رآه ينظر إليه متعجبا فأردف قائلا وهو يشد على يديه ............
ــ لا تعجب يا أخى فأنت الثقة ..
وقبل أن يغادر الشافعى دار صاحبه لمح ابنته تميل على أذنه تهمس له بكلمات بينما عينيها تروح وتجئ عليه كأنها تتحدث عنه وعلى إثرها نظر ابن حنبل لأستاذه مبتسما فسأله بدوره ...........
ــ إيه يا أبا عبد الله ماذا تقول لك ابنتك ,أحسبها تسأل عن شئ ؟.
إبتسم صاحب الدار قائلا ..........
ــ فى الحقيقة ليس شيئا واحدا .. بل أشياء ؟.
ــ تكلم يا أبا عبد الله ..
ــ والله يا سيدى إنى فى حرج منك ولا أدرى ما أقول لك ..
ــ دع عنك الحرج وهات ما عندك يا رجل ..
ــ تقول لى هلا سألت الشيخ الآن عن المسائل التى حدثتك عنها ؟.
ــ أية مسائل تلك التى تسأل عنها ؟.
ــ الحكاية يا سيدى أن هذه البنت الفضولية جاءتنى بالأمس وسألتنى :
......……………
ــ من يكون هذا الشيخ يا أبت ؟.
ــ شيخى وأستاذى محمد بن إدريس الشافعى ..
ــ آه , الذى حدثتنا عنه غير مره . هذا هو إذن ؟.
ــ أجل يا ابنتى , لكن ... لكن لم تسألين ؟.
ــ لاحظت يا أبت أشياء على هذا الشيخ حيرتنى , ليتك تسأله عنها ..
ــ خيرا إن شاء الله ..
ــ لاحظت أنه عندما قدمنا له الطعام أكل كثيرا مع أنى سمعتك مرة تقول عنه أنه لم يشبع من قبل قط .
ــ إيه وماذا بعد أيتها الفضوليه ؟.
ــ عندما دخل غرفته للنوم لاحظت أنه لم يتحرك من مكانه ولم يقم أبدا ليصلى صلاة الليل ..
عاود سؤالها وقد بدا نافد الصبر .........
ــ هل بقى شئ ؟.
ــ شئ واحد . لما صلى بنا الفجر لم يطلب ماء للوضوء . أتراه صلى بغير وضوء يا أبت ؟.
ــ ما هذا الذى تقولينه يا ابنتى ؟. أتريدين منى أن أذهب إلى هذا العالم الجليل . إلى شيخى ومعلمى وقدوتى ... و ... وأسأله عن مثل هذه الأمور . كيف أجرؤ على ذلك يا ابنتى كيف أجرؤ ؟.
ــ إذن دعنى أسأله أنا ؟.
ــ لا لا . لا يجوز يا ابنتى . عفا الله عنك ... أحسنى الظن بالشيخ ..
ــ والله يا أبت ما قصدت إساءة الظن به, لكنها أمور لاحظتها وأردت أن أعرف تأويلها حتى لا يكون فى النفس شئ ………………
إبتسم الشافعى وهو ينظر إليها متعجبا من فطنتها ودقة ملاحظتها . ثم قال وهو يربت على كتفيها براحة يده رفقا ومودةوأبوه ............
ــ بارك الله فيك وأكثر من أمثالك يا ابنتى . أجل يا أبا عبد الله كل ما قالته حق ويحق لمثلها أن تسأل عنه . أما عن مسألة الطعام فإنى أكلت كثيرا على غير عادتى لأنى أعلم أن طعامك من حلال كما أنك كريم وطعام الكريم دواء كما أن طعام البخيل داء . فأنا ما أكلت لأشبع وإنما أكلت لأتداوى بطعامك يا أبا عبد الله . أما عن عدم قيامى الليل للتهجد فسبب ذلك أننى لما وضعت رأسى لأنام نظرت كأن أمامى الكتاب والسنه ففتح الله على باثنتين وسبعين مسألة من علوم الفقه , لهذا لم أتمكن من قيام الليل للتهجد ..
ــ كأنك لم تنم إذن ؟.
ــ أجل .. لم تنم عينى وظللت يقظان حتى جاء النداء للصلاه ..
ــ لهذا لم تجدد الوضوء وصليت بنا الفجر على وضوء العشاء ..
ــ أجل ..
ــ بارك الله فيك وزادك علما وتقى وصلاحا أيها الشيخ المبارك الصالح ..
ــ مهلا مهلا ... مالى أنا والصالحين يا ولدى . أنا أحب الصالحين لكنى لسـت منهم ..
ــ ماذا تقول يا شيخنا إنك ....
قاطعه الشافعى مرتجلا فى الحال ..........
أحب الصالحين ولست منهم .. لعلى أن أنال بهم شفاعه ..
وأكره من تجارتهم معاصى .. وإن كنا سويا فى البضاعه ..
رد ابن حنبل من فوره .........
بل ...... تحب الصالحين وأنت منهم .. ومنكم سوف يلقون الشفاعه ..
وتكره من تجارتهم معاصى .. وقانا الله من شر البضاعه ..
يتبع.. إن شاء الله............................
@ جلس الشافعى فى ساحة الدرس بالجامع الكبير فى بغداد ,أمامه جموع غفيرة من أهل العراق وخراسان يتقدمهم ثلة من علماء اختلفت مشاربهم وميولهم ودارسين تقاطروا عليه من جميع الأقطار . يعلمون أنهم فى حضرة رجل أعلم منهم بلغة الكتاب والسنة وأبصر بالمعانى ,وأقوى منهم جميعا جدلا وحجة . كذلك حكى لهم وعرفهم من رآه وهو يناظر ويحاور فى ساحة الحرم فى مكة ,ومع هذا فهو قمة فى تواضعه ودماثة خلقه ..
تعرف على بعضهم وصاروا من المقربين إلى قلبه وروحه , ومع توالى الليالى والأيام انصرفوا عن مذهب أهل الرأى الذى كان سائدا عندهم بعد أن وعوا أقوال الشافعى وآراءه وفكره . من أولئك الحسين بن على الكرابيسى وأبو ثور الكلبى وأبو عبد الرحمن البصرى , وأخيرا ذلك الفتى النبطى الذى كانت له حكاية مع الشافعى فى أول لقاء لهما ..
ذكره ذلك الفتى عندما وقعت عليه عينه فى المرة الأولى ,بنفسه وحاله وقت أن كان يختلف إلى إمام دار الهجرة قبل أكثر من عشرين عاما , والصدفة وحدها هى التى عرفته على هذا الشاب وعلى مواهبه ,بل جعلته من أصحابه المقربين لا يفارقه ,وظل ملازما له حتى آخر يوم له فى العراق . وحكايتهبدأت مع أول لقاء له بتلاميذه فى بغداد , لما طلب إليهم أن يختاروا من بينهم من يقرأ لهم . وانتظر أن يتطوع واحدا منهم دون جدوى , لم يجترئ واحدا منهم أن يتقدم , تهيبوا من القراءة فى حضرته , إلى أن تقدم من بينهم أخيرا فتى نحيلا دون الخامسة عشر من العمر يبدو من هيئته وسماته أنه من غير بلاد العرب , قال ......
ــ أنا أقرأ لهم أيها المعلم ..
ــ هل أنت أفصحهم لسانا يا فتى ؟.
ــ لا أقول ذلك يا سيدى ولا أدعيه . لكنى سمعت البعض يقول لى ذلك , وبالأمس طلب بعضهم أن أتولى أمر القراءه ..
نظر إليه الشافعى طويلا معجبا من فصاحة لسانه وعذوبة صوته ,قال له .....
ــ ما اسمك يا فتى ؟..
ــ أبو على الحسن الصباح ..
ــ من أى البلاد ؟.
ــ ما أنا بعربى يا سيدى المعلم , بل نبطى من قرية بالسواد يقال لها الزعفرانيه ..
ــ الأنباط يا بنى تمتد جذورهم إلى عرب جنوبي الجزيرة قبل أن يستوطنوا جنوب الشام . فهم فى أصولهم من العرب .. أليس كذلك ؟.
ــ بلى أيها المعلم ..
ــ إذن أنت من الآن سيد قرية الزعفرانيه . هيا اقرأ علينا يا زعفرانى من كتاب الرسالة وسننصت كلنا جميعا لك . ومن يعن له منكم أمرا أو يجد فى نفسه شيئا فليسأل عنه فى الحال , وسأجيب كل واحد على مسألته إن شاء الله ..
أمسك الفتى بالكتاب وبدأ يقرأ على الجالسين وهم منصتون إليه إلى أن قال .........
ــ ومن جماع علم كتاب الله ,العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب . والمعرفة بناسخه ومنسوخه والغرض فى تنزيله والأدب والإرشاد والإباحة . وما أراد بجميع فرائضه ومن أراد ,كل خلقه أم بعضهم دون بعض ..
سأل أحد الجالسين .........
ــ سمعنا من يقول من علماء بغداد والكوفة أن فى القرآن عربى وأعجمى ,وفيه مما ينطق به غير العرب . وأنت تقول لنا إن جميع ما فى كتاب الله إنما نزل بلسان العرب فليتك تزيدنا بيانا ؟.
ــ إن جهل بعض العرب ببعض ما فى القرآن ليس دليلا على عجمة هذا البعض بل هو دليل على على جهل هؤلاء ببعض لغتهم . ليس لأحد أن يدعى الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربى لأنه أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا . ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبى الله "صلى الله عليه وسلم" مثل العلم بالسنه لا يحيط بها واحد علما مع ثبوتها للمجموع , والواجب على العالمين ألا يقولوا إلا من حيث علموا . وقد تكلم فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة له إن شاء الله ..
ــ وما قولك إذن فى بعض الكلمات القليلة التى أشكلت على القوم ؟.
ــ من الممكن أن يكون بعض الأعاجم تعلم شيئا من ألفاظ اللغة العربية وسرت إلى لغاتهم فتوافقت بعض كلمات القرآن القليلة مع تلك الألفاظ . كما يجوز أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلا من لسان العرب ..
ــ فما الحجة فى أن كتاب الله محض بلسان العرب ولا يخلطه فيه غيره ؟.
ــ الحجة فيه منه أى من كتاب الله . قال الله عز وجل "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" ..
ــ الرسل قبل محمد "صلى الله عليه وسلم" كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة , أما محمد "صلى الله عليه وسلم" فإنه بعث إلى الناس كافة فيحتمل أن يكون بعث بألسنتهم جميعا . فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم ؟.
ــ الدلالة على ذلك بينة فى كتاب الله فى غير موضع . قال الله عـز وجـل "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين" وقال "وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها" وقال "قرآنا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون" . فأقام حجته بأن كتابه عربى ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل ثناؤه كل لسان غير لسان العرب فى آيتين من كتابه فقـال تعالـى "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين" وقال "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمى وعربى" ..
ــ ولماذا نبهت على هذا الأمر فى أول كتابك ؟.
ــ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها . ومن علمه انتفت عنه الشبه التى دخلت على من جهل لسانها . فتنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين , والنصيحة لهم فرض لا ينبغى تركه ..
ــ وماذا على المسلمين الأعاجم ؟.
ــ على كل واحد منهم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده . حتى ينطق به الشهادتين ويتلو به كتاب الله ويتعلق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك . فكلما ازداد علما باللسان الذى جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له , كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها ويأتى البيت ويتوجه لما وجه له ..
يتبع.. إن شاء الله............................
@ فى تلك الأثناء ولم يكن قد مضى عليه فى العراق كثير جاءه خاله على كما وعده قبل سفره فى داره الرحيبة التى اتخذها سكنا له فى بغداد على مقربة من دار تلميذه وصاحبه أحمد بن حنبل . تعرف على مكانه وأمضى معه أياما قليلة رجع بعدها إلى مكه على وعد منه أن يحضر إليه فى القريب وبرفقته عائلة الشافعى ليقيموا جميعا معه فى العراق ..
مكث غير بعيد ثم أتاه مرة ثانية يدق عليه الباب ومعه عائلته كلها إمرأته وأولاده وجاريته ليعيشوا معه وفى كنفه فى العراق حولين كاملين . لم يهدأ فيهما لحظة واحدة إنما عمل دؤوب وحركة دائمة هنا وهناك يسعى من خلالها لتقريب شقة الخلاف بين العراقيين وأهل الحجاز ويكون بحق رائد الوسطية فى علوم الفقه والتشريع على مر العصور . إشتهرت جلالة الشافعى فى العراق وعم ذكره الآفاق واعترف بفضله خصومه قبل مؤيديه وانضم إلى ركبه العديد من أئمة أهل الفقه بل ورجع كثير منهم عما كانوا يعتقدونه ..
فى المقابل كان بعض السخفاء من أصحاب البدع يحضرون مجالسه لا غرض لهم ولا أرب إلا السخرية منه والاستهزاء به . وآخرون يسألونه أسئلة تافهة مضحكة لا وزن لها . يرد فى تواضع على بعضها ويكتفى بالسكوت والإبتسام على البعض الآخر . من ذلك أن واحدا سأله ذات مره ............
ــ ما تقول أيها المطلبى .. فى رجل دخل منزل آخر فرأى بطة ففقأ عينها , ماذا يجب عليه ؟.
إبتسم الشافعى قائلا .........
ــ عليه أن ينظر إلى قيمتها وهى صحيحة وقيمتها وقد ذهبت عينها ثم يقوم ما بين القيمتين ..
وآخر يسأله نوعا من تلك الأسئلة التى شغفوا بها ............
ــ ما قولك أيها الشيخ فى واحد حلف قائلا ......... إن كان فى كمى دراهم أكثر من ثلاثة فعبدى حر . ثم ظهر أن فى كمه أربعة دراهم ؟.
ــ ما تقول أنت ؟.
ــ أقول يعتق عبده ..
ــ وأنا أقول لك لا يعتقه ..
ــ لم ؟.
ــ لأنه استثنى من جملة ما فى كمه دراهم والزائد على الثلاثة عنده درهم واحد وليس دراهم , أفهمت أيها الكوفى ؟.
ــ آمنت بالذى فوهك هذا العلم ………………
كان القوم يستمعون إلى ردوده فيدهشهم ما يرونه من حلمه وسعة صدره . لا يسعهم وهم خارجون من عنده إلا أن يقولوا لبعضهم .... هذا رجل معه نصف عقل الدنيا إنه أفقه من رأينا من أهل الأرض ..
وآخرون يقولون عنه فى مجالسهم ومنتدياتهم ..........
ــ هذا المطلبى لا يأخذ فى شئ إلا تحسبها صناعته ..
يرد عليه الآخر ...........
ــ إذا أخذ فى الشعر والعربية تقول هذه صناعته ..
ويعقب ثالث .......
ــ وإذا أخذ فى أيام العرب تقول هذه صناعته ..
ويقول رابع ............
ــ والله ما كنا ندرى ما الكتاب ولا السنة نحن ولا الأولون حتى سمعنا من الشافعى الكتاب والسنة والإجماع ..
فى المقابل لم يسلم الشافعى من بعض المضايقات والصغائر من أولئك النفر المتعصبين لمذهب شيخ العراق أبى حنيفة النعمان . دفعهم التعصب الأعمى لشيخهم إلى ملاحقته بنوع من الأسئله تصوروا أنهم يحرجوه بها أو ينقصوا من قدره . لم يكن غرضهم فى حقيقة الأمر هو التعلم أو البحث عن الحقيقه . سأله أحد الكوفيون ذات مره .......
ــ أخبرنى عن القرآن أخالق هو ؟.
ــ اللهم لا ..
ــ فمخلوق ؟.
ــ اللهم لا ..
ــ فغير مخلوق ؟.
ــ اللهم نعم ..
ــ فما الدليل على أنه غير مخلوق ؟.
أطرق برهة ثم رفع رأسه قائلا ..........
ــ تقر أيها الرجل بأن القرآن كلام الله ؟.
ــ أجل كلام الله لقوله تعالى لرسوله "صلى الله عليه وسلم" .... " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " ..
ــ وتقر بأن الله كان وكان كلامه أو كان الله ولم يكن كلامه ؟.
ــ بل كان الله وكان كلامه ..
إبتسم الشافعى قائلا ..........
ــ يا كوفيون إنكم لتأتونى بعظيم من القول . إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام . هل الكلام الله أو سوى الله أو غير الله أو دون الله ؟.
سكت الرجل ,لم يجد ما يرد به , قال الشافعى موجها كلامه للحاضرين .........
ــ القرآن كلام الله تعالى , وهو غير مخلوق , ومن قال بأنه مخلوق فقد كفر بالله العظيم ………………
يتبع.. إن شاء الله............................
@ عظمت رتبته وعلت عند أمير المؤمنين محمد الأمين وأفراد حاشيته . أرسل إليه مرات وهو فى العراق يدعوه إلى زيارته فى قصره ليسمع منه علومه وما دونه منها فى كتبه . سأله مرة عن رأيه فى فرقة من الناس يسمون القدريه من أتباع رجل إسمه معبد الجهنى فقال له .........
ــ تسأل يا أمير المؤمنين عن أولئك الذين يقولون أن الإنسان حر الإرادة يصنع أفعاله ويقدرها بعلمه وإرادته وينفذها بقدرته ؟.
ــ نعم هؤلاء أعنى ..
ــ لا أقول فيهم إلا ما قاله رسول الله "صلى الله عليه وسلم" : "هم مجوس هذه الأمه" وهم الذين يقولون : إن الله لا يعلم المعاصى حتى تكون ..
ــ وما تقول أنت فى القدر ؟.
رد مرتجلا فى حينه :
ما شئـت كان وإن لم أشأ .. وما شئـت إن لـم تشأ لم يكن ..
خلقت العباد على ما علمت .. ففى العلم يمضى الفتى والمسن ..
على ذا مننت وهذا خذلت .. وهـذا أعنـت وذا لـم تعـن ..
فمنهم شقـى ومنـهم سعيد .. ومنـهم قبيـح ومنـهم حسن ..
وكان الخليفة الأمين يسأله عن أمور كثيرة ويعجب من ردوده التى لم يسمع بمثلها من قبل حتى فى المسائل التى لا تتعلق بعلوم القرآن والحديث . من ذلك أنه فاجأه مرة وهو جالس أمامه وحاشيته من حوله ..............
ــ يا محمد لأى علة خلق الله الذباب ؟.
بدا السؤال غريبا على أسماع الحاضرين إلا أن الشافعى رد قائلا وهو ينظر إليه بعد أن أطرق برهة ............
ــ خلقه مذلة للملوك يا أمير المؤمنين ..
ضحك الأمين وهو يقول ............
ــ رأيت الذبابة يا محمد وهى تسقط على خـدى ؟.
ــ أجل ولقد سألتنى وما عندى جواب فأخذنى من ذلك الزمع . فلما رأيت الذبابة سقطت بموضع لا يناله أحد إنفتح فيه الجواب كـما سمعـت ..
ــ لله درك يا محمد ما أفطنك .
وقبل أن يأذن له فى الإنصراف من مجلسه سأله وهو يسلم عليه ............
ــ سؤال أخير يا ابن إدريس ؟.
ــ على الرحب والسعة يا أمير المؤمنين ..
ــ ماذا تقول فى السماع ؟.
ــ من لم يطرب فى السماع يا أمير المؤمنين فما له حس ..
ــ إذن فأنت تبيح السماع ؟.
ــ يا أمير المؤمنين ما أعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان منه فى الأوصاف . أما الحداء وذكر الأطلال والمرابع وتحسين الصوت بألحان الأشعار ونشيد الأعراب فمباح كله ..
ــ هل من دليل من السنه ؟.
ــ أخبرنا سفيان عن إبراهيم عن ميسره عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : أردفنى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت شئ ؟. قلت نعم قال : هيه . قال فأنشدته بيتا . قال هيه فأنشدته حتى بلغت مائة بيت. وسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الحداء والرجز وأمر ابن رواحه فى سفره فقال : "حرك بالقوم" فاندفع برجزه ..
يتبع.. إن شاء الله............................
الأحباب الكرام .......
عود على بدء .......
توكلنا على الله .......
@ إستمر زهاء سنتين ينشر علومه وآراءه فى أرجاء العراق مفسحا صدره لكل صاحب رأى مخالف مهما أظهر من لدد أو لجاج فى مناظرات ومحاورات حامية صاخبه كان فيها هو الفارس المنتصر ,بما يملكه من قواعد كلية مؤصلة الأصول ليست فروعا جزئية كتلك التى عاشوا عليها فى بلادهم وتشربوا بها . تلك الحصيلة الهائلة من الآراء المستقلة فى قضايا الفقه وما عاينه بنفسه من توجهات العراقيين ونهجهم فى الفتوى والتشريع ,بهما دون الشافعى فى بغداد كتابا ضخما سماه "الحجه" . وكذلك "كتاب السير وكشف الظنون" و "كتاب المناسك" و "كتاب الصلاه" و "كتاب الجزيه" و "كتاب السنن وقتال أهل البغى" و "كتاب القضايا" وغيرها كثير . ومع ذلك العطاء والفيض كله كان الشافعى يقول فى تواضع العلماء العاملين لمن يعجب من كثرة ما كتب وصنف .............
ــ ما أبالى يا قوم , لو أن الناس كتبوا كتبى هذه ونظروا فيها وتفقهوا ثم لم ينسبوها إلى أبدا ………………
@ وإلى الكوفة معقل الخلاف وموطن اللجاج وتباين الآراء ذهب الشافعى وجلس وسط علمائها وطلاب العلم فيها وهو يعيد عليهم بيان منهجه استجابة لرغبة أهلها لما قالوا له ........
ــ بين لنا يا شيخ ,القاعدة الأصولية فى التشريع كما وضعتها ؟.
ــ سأوجز عليكم بيانها وعليكم أن ترجعوا لما كتبت . إعلموا أن الأصل قرآن وسنه فإن لم يكن فقياس عليهما . وإذا اتصل الحديث عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وصح الإسناد منه فهو سنه . والإجماع أكبر من الخبر المفرد والحديث على ظاهره وإذا احتمل معانى فما أشبه منها ظاهره أولاها به . وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها . وليس المنقطع منها بشئ ما عدا منقطع ابن المسيب . ولا يقاس أصل على أصل ولا يقال للأصل "لم" و "كيف" وإنما يقال للفرع "لم" . فإذا صح قياسه على الأصل صح ,وقامت به الحجه ..
ــ كيف تزعم ذلك ,وقد بلغنا أنك تأخذ بالحديث على إطلاقه ؟.
ــ أفك المبلغ وافترى وإنما خذوا عنى ما أقوله أمامكم . إذا ثبت الحديث عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فإنه لا يعدله شئ من رأى أو قياس أو أثر مروى عن صحابى أو تابعى . أيضا إذا حدث ثقة عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ولم يكن هناك حديث يخالفه عمل به ..
ــ وكيف تعمل إذا تخالفت الأحاديث ؟.
ــ أنظر لأرى هل فيها ناسخ ومنسوخ كأن يتأخر أحدها فى الزمن ويثبت بدليل ما أن الأخير ينسخ الأول فأعمل بالأخير . فإن لم يتأكد وقوع النسخ ننظر فى أوثق الروايات فإن تكافأت المرويات عرضت على الكتاب وعموم السنة الثابتة وعمل بما كان منها أقرب إلى ذلك من غيره ..
ــ فما تقول فى الإستحسان . سمعنا أنك لا تقول به وتبطل عمله أليس هو نوع من القياس ؟.
ــ الإستحسان بخلاف القياس ولا يجوز لأحد أن يقول بالإستحسان لأنه من استحسن فقد شرع . الإستحسان لا يخرج عن كونه رأى تجرد من الإستناد إلى أصل شرعى ولا ينتسب إلا إلى صاحبه مهما تحكمت فيه روح الشريعه . بهذا فهو لا يمت للتشريع الإسلامى بأية صلة ولو جاز تعدى القياس وتعطيله إلى الإستحسان . جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الإستحسان ..
ــ وما تقول فى خبر الخاصة ,هل يحتج به ؟.
ــ لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا .... منها أن يكون من حدث به ثقة فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه عاقلا لما يحدث به عالما بما يحيل معانى الحديث من اللفظ . وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمعه ولا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام ………………
@ وفى مساجد البصرة أيضا جلس إلى أهلها يحاورهم ويحاورونه كدأبهم ......
ــ يرحمك الله أيها الشيخ ,سمعناك تقول أن فى كتاب الله خبرا عاما يراد به الخاص وخبرا خاصا يراد به العام , تلك أول مرة يقرع آذاننا مثل هذا الكلام عن العام والخاص, ليتك تبينه لنا ؟.
ــ سأضرب لكم مثالا مما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخصوص قوله تعالى " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له . إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له . وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " . فى هذه الآيه يوجه الخطاب بلفظ الناس وهى لفظة تستغرق الجنس وتحمل دلالة العموم المطلق . إلا أن الخصوص واقع على تلك الفئة التى تدعو من دون الله إلها آخر . واستثنى من ذلك من لم يفعل والمرفوع عنه التكليف لعدم المشاركة فى الإثم ..
ــ هل لك أن تزيدنا بيانا بمثال آخر ؟.
ــ هذا كثير فى القرآن لمن نظر فى كتاب الله إقرأ مثلا قوله تعالى فى سورة البقره "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" . يحمل لفظ الناس فى هذه الآيه على العموم فى منطوقه بينما تتضمن الآية مفهوم الخصوص . وهو الحاصل من أن من أفاضوا فى عرفه لم يكونوا كل الناس فى زمان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" . كما أخبر رب العزة عن نار جهنم فقال "وقودها الناس والحجاره" فدل كتاب الله تعالى على أنه إنما أراد وقودها بعض الناس . لقول الله جل ثناؤه "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" ..
ــ عرفتنا الخبر العام فى الكتاب يراد به الخاص .. فماذا عن الخبر الخاص يراد به العام ؟.
ــ أيضا هذا كثير فى القرآن مثال ذلك قوله تعالى فى سورة الطلاق "يا أيها النبى إذا طلقتم النساء" . فهو خطاب خاص لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" يراد به عموم الأمه ..
يتبع .. إن شاء الله............................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
التعديل الأخير تم بواسطة : د أنس البن بتاريخ 16/05/2011 الساعة 18h18
|

16/01/2010, 15h28
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
198 هجـريـه .. إلـى أرض الكنانـه
@ أمضى عامين كاملين لم يهدأ خلالهما يوما واحدا وهو يجوب أنحاء العراق شمالا وجنوبا نشرا لمذهبه فى كل مدارسها ,وتعريفا لعلومه وفكره . قرر بعدها أن ينهى إقامته فى العراق ويحزم أمتعته عائدا إلى مكة مـرة أخرى ,لما لاحظ فى الأيام الأخيرة أن العلة التى تعانى منها امرأته حميده أخذت تستشرى فى جسدها بلا هوادة وتستحكم فى أعضائها يوما عن يوم . زادتها وهنا على وهن بينما هى صامدة صابرة لا تظهر شكواها لأحد ولا تبثها إلا إلى ربها فى صلواتها وهى قائمة فى خشوع بين يديه . كان يدرك بما لديه من خبرة فى أمور مداواة الأبدان ,حجم معاناتها وما تتحمله وحدها فى صمت من آلام وعذاب ..
حينئذ قرر الشافعى العودة للبلاد حتى إذا أدرك الموت امرأته لقيها وهى فى أحضان مكة بين الأهل والأحباب . وفى ليلة السفر ودع تلاميذه وأصحابه العراقيين . لم يمكنوه من مفارقتهم إلا على وعد منه أن يعود إليهم مرة أخرى فى القريب , وكان قد أسر لبعض المقربين منه عن سبب رحيله المفاجئ . لم تمض أيام حتى كانت مكة تفتح له ذراعيها مرة أخرى ,غير أنه بدا هذه المرة حزينا على غير عادته وهو يعلم أن امرأته التى شاركته رحلة الحياة بحلوها ومرها باتت أيامها معدودة فى هذه الدنيا الفانيه ..
صح ما توقعه وحسب حسابه من قبل أن هذا المرض الذى ابتليت به وهى فى ريعان الشباب ومقتبل العمر لن يمهلها طويلا . لم يكد يستقر بهم المقام فى مكة أياما قليلة حتى صحا ذات ليلة على صوتها وهى تناديه بصوت واه كأنه قادم من عالم آخر . لم تكن تبغى إلا وداعه قبل أن تفارق الدنيا . مرت لحظات قليلة قبل أن تنطق بضع كلمات تدمى الفؤاد ,بينما أنفاسها المتلاحقة تضطرب شهيقا وزفيرا . أوصته على أولادهما وشددت فى الرجاء له أن يتزوج جاريته دنانير ,ثم أسلمت الروح وهى مسجاة على فراشها كالملاك الطاهر البريء. استراح الجسد وهدأت آلامه بعد أن خاصمتها العافية بضع سنوات وصعدت روحها الطيبة إلى بارئها ورجعت نفسها المطمئنة إلى ربها راضية مرضيه ..
@ مرت بضعة أشهر على وفاتها ,سافر بعدها الشافعي إلى العراق مرة ثانية كما وعد أصحابه ليكمل ما بدأه . لم يمكث فيها هذه المرة إلا نصف العام ثم رجع إلى مكة مرة ثالثة بعد أن اطمأنت نفسه وشعر أنه أدى واجبه فى بغداد كما كان يتمنى ويرجو حيث أرسى فيها قواعد راسخة ثابته لأصول الأحكام واستنباط قواعد الشرع ..
وفى تلك الأثناء نفذ وصية امرأته الراحله وتزوج جاريته دنانير التى أمضت من عمرها سنوات طويلة تخدمه فى تفان وإخلاص . لم يجد خيرا منها بعد العثمانية زوجا له تشاركه ما بقي من سنوات عمره . كانت حقا كما قالت عنها امرأته الراحله أحرص الناس على راحته والقيام على مصالحه وأنها تعرف طباعه وميوله وما يوافق هواه وما لا يوافقه . أثبتت الأيام ذلك حتى أنها كانت إذا نظرت إليه أو شرع إليها بوجهه تعرف ما يريده منها دون أن يترجم ذلك إلى كلمات على لسانه ..
وفى يوم نادى عليها بعد أن بلغ الليل منتصفه أو كاد وهى راقدة فى فراشها على غير إرادتها إذعانا لأمره . كانت تفضل أن تبقى ساهرة إلى جواره ربما احتاج منها إلى شيء أثناء سهره وهو يلح عليها كى تريح جسدا أضناه طول السهاد وهى قائمة على خدمته . نادى عليها وطلب منها أن تجلس إلى جواره . سألته ...........
ــما بك يا أبا عبد الله ؟.
ــ لا شئ يا دنانير أود أن أتحدث معك قليلا . أين الأولاد ؟.
ــ كلهم نائمون ,هل أوقظهم ؟.
ــ لا . لا دعيهم فإنهم متعبون من عمل الأمس كما أنى أود أن أتحدث معك الآن على انفراد . سأخبرهم فيما بعد على ما عزمت عليه ..
ــ طوع أمرك ..
ــ دنانير ,لقد طوفت سنوات كثيرة فى عديد من بـلاد الإسلام . والحمد لله أن أعاننى على نشر كثير مما أنعم به على من علوم ورد شبه المبطلين وتصحيح الكثير من المعتقدات الخاطئة فى أحكام الشريعه . وبيان ما أبهم من أمور الدين ومواطن الزلل التى وقع فيها البعض ..
ــ أجل كل هذا صحيح . لكن ماذا تود أن تقول ؟.
ــ أردت أن أخبرك أنه آن للراحل أخيرا أن يحط عصاه ..
ــ ماذا تعنى يا أبا عبد الله . أخيرا قررت ألا تغادر مكة بعد اليوم وأن تستقر فيها بعد طول ترحال ؟.
ــ لا يا دنانير ما قصدت هذا وإنما عنيت أمرا آخر . لقد شاءت الأقدار أن يكون مقامنا الأخير ومستقرنا فى غير هذا البلد ..
أجفلت قائلة وقد ظهر الدهش فى عينيها وعلى قسمات وجهها الأسمر الداكن :
ــ ماذا تعنى يا أبا عبد الله . هل سنرحل من مكة إلى الأبد ؟. إلى أيـن ؟.
ــ خارج جزيرة العرب ,إلى بلد اشتقت إليه كثيرا . منذ سنوات وأنا أتطلع إلى الرحيل إليه . بذا جرت المقادير يا ابنة صالح ..
زادت دهشتها فأكمل قائلا ............
ــ لا تعجبى يا دنانير فهذا أمر أشعر أنى أساق له سوقا . كأنما الأحداث الحاضرة وما تموج به البلاد من قلاقل وفتن تدفعنى إليه دفعا لتتحقق الرؤيا التى رأتها أمى قبل ثمانية وأربعين عاما . لقد ألمحت لى عليها مرات فى السنوات الماضيه لكنها وهى على فراش الموت حدثتنى بما لم تحدثنى به من قبل . سمعت منها ما لم أسمع بمثله منها يرحمها الله قالت : ………………
ــ هل تذكر يا ولدى , ما سبق أن قلته لك عن خبر تلك الرؤيا التى أريتها وأنا فى بلاد الشام ؟.
ــ أجل يا أم الشافعى حدثتنى منذ زمن عن كوكب شاهدته عيناك فى المنام وهو يخرج من النافذه . وبضع شظايا تخرج منه لتنزل فى العراق والشام واليمن ومكة والمدينه . ثم وهو يدور فى السماء إلى أن حط فى مصر ..
ــ إسمع يا ولدى تلك الرؤيا التى رأيتها ذات يوم وعبرها لى أبوك إدريس أراها مع الأيام وهى تتحقق أمام عينى . صورة واقعة حقيقية كما قال لى وأكد يومها على كلامه .. يرحم الله أباك يا ولدى ..
ــ ماذا تعنين يا أماه ؟.
ــ قال لى أبوك يا ولدى أن هذا الكوكب الذى رأيته ,هو .... هو .. أنت ؟.
ــ أنا يا أماه ؟.
قالها فى دهشة فأجابت ..........
ــ أجل يا ولدى , قال لى وأنت لا تزال جنينا فى أحشائى أنك أنت هذا الكوكب وأنك عالم قريش الذى يملأ الأرض علما . وقبل أن يفارق الدنيا أوصانى بك ,وأكد على أنك ستكون عالم قريش الذى أخبر عن مجيئه رسول الله "صلى الله عليه وسلم" . والحمد لله الذى أحيانى إلى هذا اليوم حتى شهدت رؤياى وهى تتحقق يوما بعد يوم أمام عينى وأراك وأنت ترحل من بلد إلى بلد تسمع الناس علوما ما سمعوا بها من قبل ولا طرقت آذانهم . لكن يا ولدى بقى ختام الرؤيا وأشعر أنى سألقى ربى قبل أن أراه يتحقق أمام عينى ..
ــ الرحيل إلى مصر ..... أليس كذلك يا أماه ؟.
ــ أجل يا ولدى إنها كنانة الله فى أرضه والبلد التى سوف تخلد علومك كما خلدت من قبل تراث أبناءها منذ آلاف السنين . ومنها ستنتشر إلى شتى بقاع الأرض على مر الزمان ..
ــ صدقت والله يا أماه . إنى أجد فى قلبى من الحنين إليها والشوق إلى ترابها وأهلها ما لم أكن أدري له سببا ولا تأويلا من قبل . إلى أن علمت منك اليوم حقيقة ذلك الشوق وسبب هذا الحنين الذى يجذبنى إلى ترابها جذبا ………………
سألته دنانير ..........
ــ لهذا إذن قررت الرحيل إلى مصر ؟.
ــ أجل يا دنانير لقد سبقنى إلى هناك منذ عشرة أيام تلميذى أبو بكر الحميدى . يحمل معه رسالة منى إلى صديقى المصرى عبد الله بن عبد الحكم . أعرفه فيها بقدومنا إلى مصر حتى يكون فى استقبالنا ..
ــ ومتى الرحيل يا إمام ؟.
ــ بضعة أيام ونشد الرحال جميعا إلى هناك فى صحبة والى مصر العباس بن موسى الذى جاء إلى مكة منذ أيام ليصطحبنا معه . سننزل فى البداية إن شاء الله على أخوالى الأزد فى الفسطاط نقضى معهم وفى ضيافتهم أياما قليلة قبل أن يستقر بنا المقام فى دارنا ..
ــ أى دار تلك . ألنا دار فى مصر ؟.
ــ أجل سيكون لنا بإذن الله تعالى دار واسعة بالفسطاط وعد أن يعدها لنا صديقى المصرى عبد الله بن عبد الحكم بالقرب من دور بنى عبد الحكم فى خطة أهل الرايه ..
@ أبت نفس الأب الطيب الذى تربى منذ نعومة أظفاره على فيض متجدد دائم من الحنان والمودة من أمه الراحله ,إلا أن يطلع أبناءه على ما نواه ,لم يشأ أن يباغتهم بقراره الذى اتخذه ,وهو يعلم يقينا أنه عسير على أمثالهم أن يفارقوا إلى الأبد بلدا تربوا فى أحضانه وعاشوا فى ربوعه ووديانه أيام طفولتهم وصباهم ,ولهم فى كل لمحة فيه ذكريات وأحلام ,ويرحلون إلى بلاد يسمعون بها ولا يعرفون فيها أحدا ولا يعلمون عنها شيئا ..
فى اليوم التالى جمع الشافعى أبناءه محمد وزينب وفاطمه ,أجلسهم أمامه وأخبرهم بما نواه وقرره كى يعدوا أنفسهم ويتهيأون لهذه الرحلة الطويلة الشاقة . أخذ يشرح لهم الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره ,كانت تدور حول رغبته فى نشر علومه وآرائه على الكافة ,وأن يكون تلاميذه المصريون هم حملة علومه وحفاظها ,ينقلونها للناس جيلا بعد جيل على مر الزمان ..
سأله محمد ..........
ــ كم سنمكث فى مصر يا أبت قبل أن نرجع إلى بلدنا وأهلنا ؟.
سكت الشافعى قليلا ثم قال ...............
ــ إعلم يا محمد أنه لا ينبل قرشى بمكة ولا يظهر أمره حتى يخرج منها ويهاجر إلى بلد آخر ..
عاد يسأل غير مصدق ............
ــ تعنى يا أبت أننا لن نرجع إلى مكة مرة أخرى ؟.
فوجئ ومعه شقيقتاه وهو يقول لهم ...............
ــ أجل لن نغادر مصر يا أبا عثمان إلى أى مكان آخر . إنها مقرنا الأخير ومحط رحالنا ومستودعنا إلى أن ألقى وجه ربى ..
رد متلعثما وقد أصابته المفاجأة بالدهشة والوجوم ..........
ــ يا أبت لو كان الأمر غربة لفترة محدودة ونرجع إلى بلدنا كما عودتنا من قبل لهان الأمر . أما أن نغادر بلادنا التى تعودنا العيش فى كنفها وفيها أهلنا وأصحابنا وإخواننا ونهاجر إلى بلد لا نعرف فيه أحدا ولا يعرفنا أحد , نبدأ فيه حياتنا من جديد ,فهذا أمر لا نستطيع تصوره ..
ــ على رسلك يا أبا عثمان ,يبدو أنك لا تعرف شيئا عن مصر أو المصريين ,ليس أحد أعرف بهم منى ولسوف ترى بنفسك . إن هى إلا أيام معدودات فى مصر وستعرف كل الناس ويعرفك أيضا كل الناس . ستشعر وأنت بينهم أنك بين أهلك لم تفارقهم . إنهم يا ولدى شعب ودود طيب ينسيك المقام معهم أنك فى دار غربة ..
@ فى تلك السنة و الشافعى يتخذ عدته للرحيل إلى مصر ,آل أمر خلافة المسلمين إلى عبد الله المأمون عقيب مقتل شقيقه الأمين ,معارك ضارية دارت بين الأخوين وأنصارهما فى قلب بغداد . وصلت إلى ذروتها فى وقت كان الشافعى يحزم فيه أمتعته استعدادا للعودة إلى مكه . لكن تتابع الأحداث كان أسرع منه وتولى المأمون زمام الأمور والشافعى لا يزال قابعا هو ومن معه فى قلب بغداد لا يستطيع الخروج منها وهى محاصرة بجيوش المأمون وأنصاره من الفرس قيادة الفضل بن سهل ,فى الوقت الذى كان صاحبه الفضل بن الربيع وزير الأمين وساعده الأيمن يقف على رأس المدافعين عنه ضد المأمون ..
كانت الخلافات قد بدأت عقب تولى الأمين خلافة المسلمين وإعلانه خلع أخيه المأمون من ولاية العهد ومبايعة ولده موسى وليا للعهد وخليفة للمسلمين من بعده كى تظل الخلافة فى عقبه . هذا الخلاف بين الأخوين ألقى بظلاله على أحوال البلاد عامة فسادتها حالة من الفوضى وعدم الإستقرار ,ولم تعد الأمور إلى ما كانت عليه قبل موت الرشيد إلا بعد تولى الخليفة المأمون زمام الأمور ..
نال مصر نصيب من الفرقة والإنقسام بين الأخوين وتحزب أهلها إلى فريقين ,فريق مع هذا وآخر مع ذاك . غير أن الفريق الموالى للمأمون كان أكثر عددا وأقوى حتى أنهم أعلنوا عصيانهم وتمردهم . وصل بهم الأمر إلى إعلانهم خلع الأمين من الخلافة وإعلان المأمون أميرا للمؤمنين . قام المصريون بالثورة على واليه فى البلاد جابر بن الأشعث وطرده وتولية واحد من الموالين للمأمون يدعى عباد بن محمد . لم يكن قد مر إلا حوالى العام على تولى الأمين زمام أمور الخلافه ..
ولما استتب الأمر للمأمون وتفرق الجمعان قفل راجعا إلى بغداد من مقره الذى اتخذه مؤقتا لإدارة أمور الخلافة من مرو فى خراسان وسط أتباعه وأنصار دولته من الفرس . فور رجوعه بدأ يعيد ترتيب الأمور فى البلاد وفق ميوله واتجاهاته . من ذلك أنه أرسل إلى الشافعى قبل أن يهم بالرحيل إلى مكة بعد أن سمع بآرائه وما يملكه من جرأة فى الجدال وثبات فى الرأى وحداثة فى الفكر ,لم يزل يذكره وقت أن كان يختلف إلى شيخ المدينة مالك بن أنس مع شقيقه الأمين وهما فى سن الصبا ,ويذكر له محاوراته مع الشيخ ومواقفه مع تلاميذه ..
قال له الخليفة المأمون بعد فيض من الحفاوة والترحيب , كأن له به عهدا قديما .....
ــ أتعلم لم أرسلت إليك يا محمد ؟.
ــ خيرا إن شاء الله يا أمير المؤمنين ..
ــ علمت أن والدنا هارون الرشيد طيب الله ثراه عرض عليك أن تعمل فى قضاء بغداد ولم تقبل .. أليس كذلك ؟.
ــ بلى يا أمير المؤمنين وقبل عذرى أيامها وأعفانى من هذا الشرف الكبير ..
ــ وأنا اليوم أعرض عليك مرة أخرى أن تكون قاضى القضاه ولك الخيار فى القبول أو الرفض . وإن كنت أتمنى أن تقبل . نحن فى حاجة لأمثالك يا محمد ..
ــ أشكرك يا أمير المؤمنين على ثقتك فى وأرجو قبول اعتذارى ..
ــ هل لى أن أسألك عن علة إبائك ورفضك ؟.
ــ لقد عزمت يا مولاى على الرحيل إلى مصر ,وآمل أن يجعل الله لى فيها مستقر ومستودع ..
ــ لم يا محمد ؟, أقصد لم اخترت مصر ؟.
ــ لا يزال أمامى الكثير أن أفعله لمواصلة رحلة العلم ,تلك الرحلة التى لم يأن لها أن تنتهى بعد . ومصر هى المكان الملائم لمثلى ..
ــ ماذا تعنى ؟.
ــ فى مصر يا أمير المؤمنين أستطيع جنى ثمار ما حصلت من علوم . إنها الواحة التى أستطيع أن أحكم فيها كتبى وأعيد صياغتها ..
ــ متى ترحل إن شاء الله ؟.
ــ سأسافر إلى مكة أولا ثم أرحل منها إلى مصر ..
رد المأمون قائلا وهو يهم واقفا إيذانا بانتهاء المقابلة ............
ــ على بركة الله ,ولا تغادر مكة حتى يأتيك رسولا من عندى ..
ــ هل لى أن أعرف السبب يا مولاى ؟.
ــ ستعرف , ستعرف حتما عندما يأتيك حاجبى ..
توقف برهة قبل أن يصافح الشافعى . كان المأمون لماحا فأردف قائلا بعد أن قرأ بفراسته كلاما على وجهه يتردد فى النطق به ............
ــ هل لك رغبة فى شئ يا محمد . أطلب ما تشاء وأنا آمر به فى التو والحين ..
لاحظ المأمون أنه لا يزال مترددا فاستحثه مؤكدا له أن طلبه مقضى كان ما كان , فقال فى حياء ..............
ــ لى مطلب واحد يا أمير المؤمنين وما أجرأنى عليه إلا معرفتى بما أنت عليه من حلم وميل إلى العفو ..
إبتسم المأمون فى مودة قائلا ............
ــ هى شفاعة إذن ؟. لمن تشفـع يا محمد ؟.
لاحظ تردده وحياءه من ذكر اسمه فأخذ يستحثه قائلا ...............
ــ هيا يا رجل , لا تضيع الفرصة ,قل ولا تتردد وإلا رجعت فى كلامى ..
ــ الفضل بن الربيع ..
نطق اسمه حذرا متوجسا ثم أردف قائلا على عجل بعد أن لاحظ وجوم الخليفة المأمون وتغير وجهه .............
ــ أعلم يا أمير المؤمنين أن جنايته عظيمة لكن ,أعظم منها كرمك وعفوك ..
إنفرجت أساريره قائلا ..............
ــ وأنا قد عفوت عنه يا محمد إكراما لخاطرك . إن كنت تعرف مكانه الذى يختبئ فيه بلغه ذلك ,وقل له يأتينى هنا وقد أعطيته الأمان ..
ــ الحقيقة يا أمير المؤمنين أنه جاءنى قبل أن يفر هاربا بعيدا عن العيون ورجانى أن أشفع له عندك ثم فارقنى دون أن أعرف له مكانا ..
ــ على أية حال إن جاءك مرة أخرى أو رأيته بلغه أنى قد عفوت عنه . والله يا محمد لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلى بالجرائم . سأصلى الآن ركعتين شكرا لله أن رزقنى العفو عنه ..
ــ شكرا لك يا مولاى أستودعك الله ………………
@ كان المأمون رجل علم شغوف بالقراءة والإطلاع وما يثير الفكر من قضايا مولع بقراءة ما صنفه الفلاسفة الإغريق فى كتبهم . لهذا أدنى منه جماعة من الفقهاء عرفوا بالمعتزله يرون إثبات العقائد وما يتعلق بها من قضايا بمقاييس العقل . يستخدمون فى كلامهم ومجادلاتهم لغة المنطق وأدواته وأساليب الفلاسفة وطرائقهم ..
وجرت المقادير بما جرت بالنسبة للشافعى من تولى المأمون خلافة المسلمين فى هذا الوقت تحديدا . كأنما كان مجيئه على قدر لتتحقق الرؤيا التى رأتها أم حبيبه قبل نصف قرن من الزمان . حتى يحط الكوكب الدرى فى مصر وتستقر سفينة العلوم وتضع شراعها بعد إبحار طويل على ضفاف نهر النيل العظيم ..
ولأن الله تعالى قد جعل لكل شئ سببا ,مكن المأمون من أمر البلاد ليكون ذلك دافعا للشافعى للرحيل بعيدا خارج جزيرة العرب إلى مصر . واحة العلماء وخبيئة العلوم والفنون منذ آلاف السنين ,بعد أن شعر بحسه المرهف وبصيرته النافذه أن نسمات من الهواء الفارسى الجاف القاسى سوف تهب على بغداد وجزيرة العرب فى ظل خلافة المأمون ,بما تحمله من هيمنة للفرس وما يعتنقونه من أفكار وفلسفات دخيلة على الإسلام وتشيعهم لآل البيت العلوى وما ينطوى عليه ذلك من إحياء للفرقة وإذكاء لنيرانها التى شاء الله تعالى أن تخبو قليلا فى السنوات الماضيه ..
أدرك الشافعى كذلك أن نجم دولة علماء المعتزله فى طريقه للبزوغ واللمعان وأن الساحة ستكون مرتعا خصبا وخاليا لهم ,بما عندهم من ولع بالجدل العقلى العقيم فى أصول العقيدة وأحكامها وكل ما هو خارج عن منطقة العقل . وهو لم يزل متطلعا لاستكمال رسالته التى وهب لها سنى عمره كلها وأن يعيد صياغة ما كتبه فى هدوء وطمأنينة وأمن ,لن يجده إلا فى ربوع وادى النيل الخالد وحناياه الدافئه ..
هذا هو ما عبر عنه وقاله لصديقه عبد الله بن عبد الحكم ذات ليلة بعد أيام قليلة من وصوله إلى مصر وهما يتبادلان حديثا ودودا حيث جمعهما قارب صغير يتهادى بين شاطيئ نيل مصر . ركباه بعد أن أديا صلاة العشاء فى المسجد العتيق متخذين طريقهما إلى الجيزة لزيارة واحد من شيوخ مصر وتلاميذ الشافعى إسمه الربيع الجيزى ..............
ــ أجل يا ابن عبد الحكم هذا هو ما دفعنى للإسراع بالمجئ إلى بلادكم وأن يكون مثواى الأخير فى تراب هذا البلد الطيب ..
ــ أطال الله بقاءك يا صديق العمر . لكأنى بك تسابق الزمـن وتصارع الأيام ؟.
ــ تلك هى الحقيقة يا أخى . أشعر والله أن ما تبقى لى من أجل لن يكون كافيا لأن أكمل رسالتى . أجل لا يزال أمامى الكثير ..
يتبع.. إن شاء الله ...........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
التعديل الأخير تم بواسطة : د أنس البن بتاريخ 19/05/2011 الساعة 19h18
|

04/02/2010, 02h02
|
 |
مواطن من سماعي
رقم العضوية:102176
|
|
تاريخ التسجيل: November 2007
الجنسية: مصرية
الإقامة: كندا - تورونتو
المشاركات: 1,211
|
|
|
|
رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن
سيّدي الجليل
الوالد الدكتور أنس
كلما مررتُ من هنا ، خِلتُني بمكانٍ أعشقه بمصر ، ذلك المكان الذي من فرطِ تعلقي به ، أصبحَ هو خميرةَ مصر التي أخبئها بين الشِغاف .
هل أذِنتَ لي بأن أحدِّثك عن "خان الخليلي" ؟
........ شُكراً لكَ يا دكتور
كنتُ في طريقي من "النحّاسين" بشارع المعز لدين الله ، إلى الروضة الحسيّنيّةِ العطرة ، أحبُّ أن أستريح بدكانِهِ الصغير - بأول الممر يساراً – الذي لا يتسع إلا لزبونٍ واحد ، بينما هو جالسٌ إلى طاولةٍ خشبيّةٍ عليها بعض الأدوات اليدويّة – التي أظنه قد صنعها بيديه.
لقد تخصص في صنعةٍ نادرة "صناعة الخواتم الفضيّة" بما في ذلك إصلاحها و ضبط مقاساتها و لحام المكسورِ منها .
و لأنني مولعٌ بكل ماهو يدوي ، كنت أختلق الأسباب التي تجعل جلوسي إليه شيئاً ضرورياً ، كأن أشتري خاتماً من دكاكين "الفضة القديمة" – و حبذا لو كان به عيب كأن يكون مفقودَ الحجر "الفص" أو به شرخٌ أو بحاجة إلى تضييق ... إلخ !
و من كثرة ترددي عليه ، كنت السبب في تعارفٍ بينه و بين أبي رحمه الله ، الذي كان مولعاً بالأحجار الكريمة و أحوالها.
،
عند استقامة الممر بنهايتهِ من الجهة الشرقيّة ، دكانٌ آخر بمواجهة "مقهى وليّ النِعَم" ، لكن هذا الدكان كان يتميّز رغم صِغرِهِ بأنهُ مكشوفٌ للمارّة ، و صاحبه يجلس بحلقِ دكانِه الصغير على هيئة جلوس التشَهُدِ أمام مخرطةٍ غاية في البساطة
، يُدير قِطعةَ الحجر الكريم بين فكينٍ من قضيبٍ التَفَّ على طرفِه خيطٌ تثبَتَ بطرفي قضيبٍ لا يشبهه .
كان صانِعُ المسابِحِ يستنبت من قِطعَةِ الحجر حبة تسبيحٍ ، و كأنه يعزِف على ربابةٍ مستلقية بين يديه. و يداهُ ، كأنهما لرجلين لا يتخاطران.
،
كنتُ أتعَجَبَ لحركتي يديه ، فاليُسرى تستولِدُ اللفاتِ بلا انتباهٍ منهُ ، و اليُمنى بها إزميلٍ يخرط الحبّة فتنفلت منها قِشرَةُ الحجر الكريم (الرايش) تتلوى حرماناً من البقاءِ للتسبيح.
،
كان صانع المسابح قد ألِفَ تـحَلـُّقِ الناس بِه ، فيعرض عنهم ، و أكثرهم من السيّاح و محطات التلفزة العالمية ، يصورونه بكل أنواع الكاميرات ، و هو سادرٌ بسمتِهِ كأنه يُلَقِّنُ الحبّة َ ماسوف يُتلى عليها بيدِ المَسَبِّحين .
حتى إذا رضيَ عن حجمها ، أخذَ ورقة سنفرة ناعمة يحضن بها الحبّة التي لا تكف عن الدوران ،لصقلها، ثم يسند القوس إلى الأرض كأنه يهدهد طِفلاً ليخلع الحبَّةَ بتفريجِ فكي القضيب ، ماسِحاً الهواءِ ببسمةٍ ودودة تِجاه المُتحلقين به من المارّة (وانا أولهم)
كأنه تعلـَّم تلك الصنعة منذ التسبيح ، لا يلتفتُ إلاَّ إليه .
،
تذكرتُ المشهدين و أنا هنا بحضرةِ سيّدي المُلَقبِ بقاضي الشريعة عند أهل مِصر .
و أنتَ تواصل ، يا دكتور أنس ، تبسيط سيرته العطرة لأمثالي من بناة الأكواخ ، تواصل إتمام ناطحة سحابٍ إسمها : السيرة الشافعيّة ،
كأنك سابك الفضة أو صانع السبح ، حيث لسان حالكم يقول للعابرين ، بلا مشاركاتٍ:
فالدُّرُّ يَزدادُ حُسْناً وَهْوَ مَنْتَظِمٌ ..... وَليسَ يَنْقُصُ قَدْراً غيرَ مَنْتَظِمِ
و
تحيّة إكبارٍ و توقير لشيخنا الجليل امحمد شعبان
.
__________________
أستغفِرُ الله العظيم وهو التوّاب الرحيم
|

04/02/2010, 09h42
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
@ وقف الشافعى وخيوط الصباح الأولى تنسج أنوارها الفضية فى سماء مكة بعد أن فرغ من حزم أمتعته القليلة وكتبه الكثيرة ,يعاين بنفسه الجياد والإبل التى ستحمله وأهله وأمتعته إلى مصر ,أخذ يستحث أولاده وامرأته مناديا عليهم ليضعوا حاجياتهم على متن المطايا قائلا .............
ــ هيا أسرعوا تأخرنا على الوالى ,قافلة والى مصر العباس بن موسى تنتظرنا كى نرحل فى صحبتهم ..
كان الخليفة المأمون قد عين واحدا من أبناء عمومته يدعى العباس بن موسى واليا على مصر من قبله ,بعد أن أمر بعزل واليها المطلب بن عبد الله وأوصاه أن يمر على الشافعى فى مكة قبل أن يرحل إلى مصر ليكون فى صحبة قافلته ,ومن حول الشافعى تجمع أخواله وباقى أقاربه وخاصة تلاميذه ومحبيه الذين أبوا أن يدعوه يغادر البلاد قبل أن يودعوه الوداع الأخير ,ظلوا يتوافدون على داره جماعة بعد أخرى , وأخيرا امتطى متن راحلته متقدما قافلته الصغيرة فى رحلة الهجرة من مكة البلد الأمين الطاهر إلى مصر الكنانة والأمن ..
أخذ ينظر عن يمينه إلى سهولها ووديانها وشعابها ويملى ناظريه من مساكنها وسفوحها وجبالها قبل أن يفارقها الفراق الأخير ,أجل إنه على يقين أنه الفراق الأخير . بدأ يردد مرة أخرى بيت الشعر الذى قاله لصاحبه المصرى .......
فوالله ما أدرى أللفوز والغنى .. أساق إليها أم أساق إلى القبر ..
ثم رجع البصر أمامه فى الأفق البعيد فرآه يطوى فى باطنه تاريخ أرض الكنانة البعيد والقريب وما حوت فى أحضانها من كنوز وأسرار ,وما سطرته القرون الماضيات فى سمائها من أحداث . أبصر فى أحضان الفسطاط حاضرة البلاد مسجدها العتيق أو تاج الجوامع كما يسميه المصريون ,أشهدته مخيلته ثمانين من الصحابة العظام تقدموا جيش الفاتحين ,على رأسهم عمرو بن العاص والزبير بن العوام وأبو ذر الغفارى وأبو الدرداء وعباده بن الصامت وسعد بن أبى وقاص ,يعملون معاولهم فى مكان قريب من الفسطاط الذى كان يقيم فيه قائدهم ليقيموا أول مسجد على أرض الكنانه ,تلك الأرض الطيبة التى شاء الله تعالى أن ينشر فيها وعلى أهلها من رحمته بعد طول ظلم ومعاناة على أيدى طغاة بيزنطه ,ويهئ لهم من أمرهم رشدا على أيدى الفاتحين العظام تحت لواء القائد الكبير عمرو بن العاص فى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ..
دخلها عمرو بن العاص كما بشره من قبل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ليخلص أهلها من أقوام طالما ساموهم سوء العذاب وسقوهم كؤوس المذلة والهوان منذ مئات من السنين جيلا بعد جيل من قبل ميلاد المسيح عليه السلام ,حتى دخلها المسلمون وردت مصر لأهلها بعد أن كانت ولاية رومانية ثم بيزنطية منذ انتصار أغسطس قيصر على ملكة البلاد كليوباترا وانتهاء دولة البطالسه فى موقعة أكتيوم قبل ميلاد المسيح بثلاثين عاما ..
وزاد اضطهاد الرومان الوثنيين لأهل مصر لما اعتنقوا المسيحيه ,حتى بعد أن اعتنق الرومان المسيحية بعد حوالى أربعمائة عام تجدد إيذاؤهم واضطهادهم للمصريين لخلاف جدلى بين الكنيسة المصريه فى الإسكندريه والكنيسة الرومانية البيزنطيه فى القسطنطينيه حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام. تعرض رموز المسيحية فى مصر من أساقفة وبطاركة إلى إضطهاد فاق كل اضطهاد . دفع البعض منهم للفرار فى الصحراء هربا من بطش المستعمر وطغيانه ,بهذا صار الطريق ممهدا لفتح مصر على يد العرب ..
تذكر الشافعى ما كان من أمر عمر بن الخطاب الذى كان مشفقا على جيش المسلمين من هذه المعركه لأنه سمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول.... "إن مصر كنانة الله فى أرضه وفيها خير أجناد الأرض " . لهذا حاول كثيرا أن يثنى قائده عمرو بن العاص عن هذا الأمر دون جدوى . فلما رأى منه إصرارا وعزما أكيدا قال له ..... سر على بركة الله لكن إذا جاءك كتابا منى وأنت فى الطريق ولم تكن حينذاك فى أرض مصر فلا تدخلها وعد من فورك إلى هنا ,وإن جاءك وأنت داخل أرض مصر فامض على بركة الله ..
كان عمرو بن العاص قد عقد العزم على أن يدخل مصر مهما كلفه ذلك فإنه سمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وهو يقول ..... "الله الله فى قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا فى سبيل الله" . سار القائد بجيش قوامه أربعة آلاف جندى من قيساريه بفلسطين حتى بلغ العريش ومنها إلى الفرما ثم بلبيس . كان يقضى على كل مقاومة يلقاها من جيوش البيزنطيين الذين كانوا يجثمون على أنفاس المصريين ويسومونهم سوء العذاب . حتى وصل إلى أم دنين شمال حصن بابليون على رأس دلتا النيل والباب المفتوح إلى الإسكندريه عاصمة مصر آنذاك . لقى فيها مقاومة عنيفة إلى أن تم أخيرا فتح الحصن الذى كان يحتمى به الرومان بعد حصار دام أربعة أشهر . إستسلم بعدها المقوقس على أن يدفع أهل مصر الجزية ويظلوا على دينهم وألا يبت فى أمر الرومان المحتلين إلا بعد أن يكتب إلى ملكهم هرقل فى روما ..
دارت المعارك مرة أخرى ضاريه بعد أن رفض هرقل أن يسرى على الرومان ما سرى على المصريين . وواجه عمرو بن العاص مقاومة عنيدة على أبواب الإسكندريه . تلك المدينة التى بهرته ذات يوم بكثرة أهلها ومالها وما فيها من عمارة وبنيان عندما دخلها قبل سنوات فى الجاهلية فى صحبة واحد من الرهبان من أهلها إلتقى به مصادفة فى بيت المقدس ..
أخيرا أمكن للفاتحين أن يفتحوا حصون الإسكندرية المنيعة بعد أن استسلم الرومان وتم إجلاؤهم عن البلاد بعد أن عقدت معاهدة الصلح والهدنة الثانية والأخيره بحامية الإسكندريه ,وفتحت مصر كلها أحضانها للعرب المنقذين لأهلها وفلذات أكبادها من بأس القوم الظالمين ..
لم يمض غير قرن من الزمان على فتح مصر حتى تغلغل الإسلام فى أنحاء البلاد شمالا وجنوبا وانتشرت المساجد والمنابر شيئا فشيئا مع انتشار الإسلام فى ربوعها جنبا إلى جنب الكنائس التى كانت مقامة من قديم وتلك التى تم تشييدها أيضا بعد الفتح الإسلامى . أفتى بجواز ذلك فقهاء مصر وعلى رأسهم فقيهها الأول الليث بن سعد قائلا فى ذلك ........... إن هذا لمن عمارة البلاد وإن عامة الكنائس لم تبن فى مصر إلا فى زمن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ..
لم يعرف أبدا أن المسلمون هدموا كنيسة ليبنوا مسجدا بل ساعدوهم على استرداد الكنائس والأديرة التى كانت بأيدى البيزنطيين . تركت لهم حرية العبادة والإحتفال بكافة الأعياد الدينيه وكانوا يشتركون معهم فى الصلاة من أجل أن يفيض نهر النيل بالماء إذا أصاب البلاد جدب أو قحط لقلة فيضانه ..
بلغ سكان مصر سنة دخول الشافعى إليها حوالى عشرين مليونا من البشر يسكنون ثمانين كورة أو مقاطعه بها أكثر من عشرة آلاف قرية يدير أمورها مصريون من أهلها ,وبدأت قبائل العرب الوافدة هجرة من أنحاء الجزيرة إلى مصر تنتشر فى سائر أنحاء البلاد ويندمج أفرادها مع أقباط مصر فى شتى الأقاليم يصاهرونهم ويتزوجون من نسائهم ,يعملون معهم فى الزراعة وفى شتى الصناعات التى كانت منتشرة فى البلاد آنذاك مثل صناعة المنسوجات والزجاج والخزف والورق والمعادن ,بعد أن كانوا فى سنوات الفتح الأولى قلة لا شغل لها إلا السياسة والحكم والحروب ولا تربطهم بأقباط مصر أية علاقات ولا يشاركونهم فى أعمالهم أو يزاحمونهم فيها ..
بذلك كثر المسلمون فى مصر من العرب ودخل كثير من أهل مصر دين الإسلام فصارت بهذا المزج مجتمعا جديدا يحكمه حاكم عربى مسلم بشريعة الإسلام السمحاء ,وأخذت اللغة العربية تسود فى البلاد شيئا فشيئا مكان اللغتين اليونانية والقبطية التى لم يكن المصريون يعرفون غيرها ,إلى أن صدر فى العام الخامس والثمانين للهجرة أمرا من الأمير عبد الله بن عبد الملك بن مروان باستعمال اللغة العربية فى جميع دواوين البلاد وصارت هى اللغة الرسمية لشعب مصر ..
@ ما كاد أبو بكر الحميدى ,تلميذ الشافعى يصل مصر وتطأ قدماه أرض الفسطاط ,حتى أخذ يجد السير بين خططها يسأل عن دار بنى عبد الحكم فى خطة أهل الرايه ,لما لقيه أخبره أن الشافعى فى طريقه إلى مصر وأنه قادم بعد أيام قليلة فى صحبة والى مصر الجديد. على الفور زف عبد الله بن عبد الحكم البشرى إلى أصحابه ولم ينم المصريون فى الفسطاط ليلتهم إلا وقد سرى النبأ العظيم فى أنحاء البلاد وهم يتناقلون فيما بينهم البشرى بقرب وصول عالم قريش محمد بن إدريس إلى بلادهم . علموا أنه سيقيم فى مصر بقية عمره لن يغادرها إلى بلد آخر ..
غمرتهم الفرحة كما غمرتهم من قبل فى القرن الماضى لما جاءتهم السيدة زينب بنت على كرم الله وجهه فى غرة شعبان للسنة الثانية والستين للهجره عقيب مذبحة كربلاء التى فاضت فيها الدماء الطاهرة أنهارا على رمال العراق . لم ينتظر المصريون دخولها مدينة الفسطاط فخرجوا يومها حفاة يستقبلونها عند ميناء بلبيس يتقدمهم والى مصر والفقهاء والقضاة وكبار القوم . كذلك فعلوا مع السيدة نفيسه حفيدة الإمام على لما قدمت إلى مصر كما سبق وحكى ذلك ابن عبد الحكم للشافعى وهو يزوره فى مكة قبل عامين ..
دخل الشافعى أرض مصر ليجد صاحبه عبد الله بن الحكم ومعه كوكبة من فقهاء مصر وشبابها من طلاب العلم ينتظرونه فى الحوف ,خارج حدود الفسطاط بالقرب من مدينة بلبيس على شاطئ خليج أمير المؤمنين ,تلك القناة التى أمر بحفرها عمر بن الخطاب وسميت بإسمه لتصل نهر النيل بالبحر الأحمر حتى تكون خط اتصال بحرى تجرى فيه السفائن بالخيرات بين مصر والحجاز ..
إستأذن الشافعى من والى مصر فى الذهاب مع صاحبه ومن معه ,وقبل أن يفارقه قال له الوالى .......................
ــ يا ابن إدريس ,أمامنا مهام صعبة فى الفترة القادمه ,علمت أن المصريين تمردوا على أمير المؤمنين المأمون وشغبوا على ولدى عبد الله الذى سبقنى إليهم نائبا عنى بعد أن قبض على المطلب بن عبد الله الوالى السابق وحبسه . وبالأمس جاءتنى الأنباء وأنا فى الطريق أن الجند ثاروا على ولدى عبد الله وأخرجوه من الفسطاط وأنهم أيضا أخرجوا واليهم السابق من محبسه وأعادوه واليا عليهم مرة ثانيه ..
ــ وما الذى تنوى فعله يا سيدى الوالى ؟.
ــ والله يا ابن العم لم أقرر بعد ,ليتك تشير على فأنا لا أدرى فى الحقيقة ما فعله ذلك الأحمق ,ليتنى ما جعلته يسبقنى ..
ــ إن أردت الرأى والمشوره على ما علمت منك الآن ,فإنى أنصح لك بعدم دخول الفسطاط هذه الأيام ,لتبق ههنا فى بلبيس بضعة أيام أنت ومن معك ريثما يستطلع رجالك جلية الأمر . نسأل الله العلى القدير أن يكشف الغمة وأن يجنب هذا البلد كل سوء ..
ــ نعم الرأى والمشورة يا ابن إدريس فليس معى من الحراس والجند ما يجعلنى أعيد السيطرة على مقاليد الأمور ,أو يمكننى من تدارك ما حدث وإخماد نيران الفتنه ..
قال ذلك ثم ودعه راجعا لصاحبه المصرى الذى قال له ...........
ــ هيا تعال أنت ومن معك ,دع هذه العير بما عليها من متاع ,سيتكفل رجالنا بأمرها ..
ــ ماذا تعنى هل سنكمل بقية رحلتنا سيرا على الأقدام ؟.
رد عبد الله بن عبد الحكم مداعبا وقد غلبه الضحك ............
ــ إن كان فى مقدورك أن تمشى هيا بنا . إنها مسافة قريبة جدا لا تزيد على مجرد خمسين ميلا فحسب ..
ــ أراك تمزح . كيف الوصول إذن إلى الفسطاط ما دمنا سنترك العير لمن يلحقنا بها من رجالك ؟.
أشار بيده إلى شاطئ خليج أمير المؤمنين قائلا وهو لا يزال على حاله من الضحك ..........
ــ أنظر يا صاحبى وراءك ,ماذا ترى ؟.
إبتسم الشافعى قائلا وهو ينظر سفينة ضخمة تقف بالقرب من الشاطئ ........
ــ تعنى أننا سنكمل رحلتنا فى هذه السفينة عبر مياه الخليج ؟.
ــ أجل ستكملون بقية الرحلة معنا فى هذه السفينه ..
ــ لكنا لم نعتد ركوب البحر من قبل ..
قاطعه ضاحكا .............
ــ لا تخف يا رجل إنها سفينة متينة صنعتها أيد مصرية مدربة فى جزيرة الروضه . كما أنه يقوم على أمرها ملاحون مهره . سوف ترسو بنا إن شاء الله على الشاطئ الشرقى للنيل أمام المسجد العتيق تماما ..
أسلم الشافعى أمره لله ونادى على أهله ثم توجهوا جميعا إلى الشاطئ وركبوا السفية فى حذر تاركين ركائبهم بما عليها من متاع للمصريين يلحقونهم بها . وعلى متن السفينة راح عبد الله بن عبد الحكم يحكى لصاحبه ويحدثه عن أحوال البلاد وما جرى فيها من أحداث فى الأيام الماضيه . عرف منه أن الوالى القادم معه من الحجاز لن يمكنه بالفعل دخول الفسطاط , لغضب المصريين مما فعله ولده عبد الله معهم واشتداده عليهم وظلمه لهم فى الفترة القصيرة التى أنابه فيها أبوه عنه فى مباشرة أمور البلاد ..
يتبع .. إن شاء الله ...........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
التعديل الأخير تم بواسطة : د أنس البن بتاريخ 19/05/2011 الساعة 19h22
|

13/02/2010, 11h52
|
 |
مواطن من سماعي
رقم العضوية:493641
|
|
تاريخ التسجيل: January 2010
الجنسية: فلسطينية
الإقامة: مصر
العمر: 53
المشاركات: 406
|
|
|
|
رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن
بسم الله الرحمن الرحيم
أديبنا ودكتورنا الدكتور أنس
إنني علي أحر من الجمر، لترسم ريشتكم نهاية هه الملحمة ،لأطالعها من البداية للنهاية ، فلقد إعتدت القراءة المتواصلة،
فلوحة الفنان الجميلة ترى مكتملة لا مجزئة،
انني أنتظر وكلي شوق،
أدآم الله عليكم الصحة والعافية،والمزيد من الإبداع
تلميذ على باب الأدب
محمد ماضي
|

15/02/2010, 17h19
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
@ رست السفينة أخيرا فى ميناء الفسطاط بمحاذاة المسجد العتيق , وقعت عين الشافعى على مدينة لم ير مثيلا لها من قبل فى أناقتها وجمالها وبساتينها النضرة ومتنزهاتها الفسيحة . رأى أبنية يرتفع بعضها إلى عدة طوابق ,شاهد أسواقا ومتاجر فخمة مليئة بالبضائع والتحف العجيبة التى صنعتها وركبتها أيد مصرية ورأى شوارعها التى تضيئها القناديل طوال الليل ..
شاهد وهو يسير فى الجهة الشمالية من المسجد العتيق أشهر أسواق الفسطاط ,يسميه المصريون سوق القناديل تصطف على جانبيه العديد من المحال والمتاجر . جلس أمام بعضها عمالا مهرة ينحتون فى خفة أوانى البلور ويصنعون المقابض والأمشاط والأوعية من الصدف وأنياب الفيل . رأى محالا أخرى تصنع النعال من جلود تشبه جلود النمر وآخرون يصنعون الكؤوس والأقداح والأطباق والأوانى من الخزف الشفاف . وحول المسجد العتيق رأى الخطط التى اختطها رؤساء الجند وزعماء العرب الذين شاركوا فى فتح مصر على عادتهم فى تخطيط الأماكن التى ينزلون فيها ..
@ وكما فعل الشافعى فى أول زيارة له فى بغداد لما زار قبر أبا حنيفه إفتتح أول أعماله فى مصر بزيارة قبر الليث بن سعد فقيه مصر الأكبر والترحم عليه والدعاء له . وقف على قبره يقول ............
ــ لله درك يا إمام ,حزت أربع خصال لم يكملن لعالم أبدا .... العلم والعمل والزهد والكرم ..
زار بعد ذلك أخواله الأزد فى الفسطاط وفاء لذكرى أمه الراحلة اقتداء برسول الله "صلى الله عليه وسلم" لما نزل المدينة مهاجرا ونزل أول ما نزل على أخواله بنو النجار . مكث عندهم بضعة أيام تعرف خلالها عليهم وأنس بهم . سمع منهم حكايات كثيرة عن تاريخ القبيلة وتفرقها فى البلاد وجذورها وفروعها فى بلاد الشمال والجنوب . علم من شيخهم أنه كان يعرف ابن عمومتهم جده عبيد الله الأزدى مذ كانا فى سن الصبا وأنه زارهم هنا فى مصر مرات عديده حيث كان دائم السفر إلى مصر والشام والعراق واليمن لأعمال التجاره ..
قال له الشافعى .............
ــ أجل يا خال كم حكى لى فى صباى عن رحلاته تلك . لا زلت أتذكر كلماته لى عن ذكرياته فى البلدان التى نزل فيها ,ومنها مصر ..
بعد بضعة أيام جاءه عبد الله بن عبد الحكم فى موعده الذى اتفق معه أن يأتيه فيه ليصحبه إلى حيث مقامه الذى اتخذه له فى الفسطاط . وحدث ما توقعه ,لقى مقاومة شديدة وتصدى له رجال الأزد وهم عاقدين العزم ألا يغادر خطتهم وأن يبقى معهم . حاول كبيرهم وهو شيخ تخطى السبعين من عمره إقناع الشافعى بالبقاء بينهم قائلا له متوسلا .......
ــ إبق معنا يا ولدى فأنت هنا بين أهلك وعشيرتك ترعاك عيوننا وتحيطك مهجنا وتكن فى منعة وأمن بيننا ..
ــ يا كبير الأزد إنى قد عقدت العزم إن شاء الله أن أعيش هنا بقية أيام عمرى وأمامى أعمال كثيرة ورسالة لم أفرغ منها بعد .
ــ سنوفر لك ولمن معك كل ما تحتاجه لراحتك وعملك ..
ــ لابد لى من دار أعيش فيها وحدى فإن ذلك أفرغ لى ولقلبى ..
لم تفلح كل هذه المحاولات وغيرها فى إثناء الشافعى عن عزمه على أن تكون له دار يسكنها وحده مع أسرته . شكره الشافعى وقد غلبه التأثر من فيض المحبة والود الذى لقيه عند أخواله . أخذ يشد على يديه على وعد أن يزورهم بين الحين والحين . ثم ذهب أخيرا مع صاحبه ليبقى فى ضيافته أياما أخرى قبل أن ينتقل ومعه أسرته إلى الدار التى أعدت لإقامته فى منطقة القرشيين بالقرب من المسجد العتيق ,ليستأنف عملا متواصلا دؤوبا لا يصرفه عنه صارف أو يوقفه عن آداء رسالته إلا تلبيته نداء ربه ..
@ إنتشرت المساجد فى شتى أرجاء مصر بعد الفتح الإسلامى وأدخلت تعديلات وتوسعات كثيرة ومتعاقبة على المسجد الذى أسسه عمرو بن العاص الذى أطلق عليه أيامها مسجد أهل الرايه ,لتوسطه خطط أهل الرايه من القبائل التى شاركت فى الفتح الإسلامى للبلاد . ومع مرور الأيام وتقادم العهد أسماه المصريون تاج الجوامع تمييزا له عن بقية جوامع مصر . أتى الشافعى المسجد العتيق بصحبة عبد الله بن عبد الحكم . وقعت عيناه وهو يدلف داخله من زقاق الكحل من الجانب الشمالى الشرقى من باب عرف باسم باب الكحل ,على أقدم منبر عرف فى تاريخ الإسلام بعد منبر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" والذى عرف باسم منشئه قرة بن شريك الذى أعاد بناء الجامع من جديد ..
وقف فى صفوف المصلين وأدى أول صلاة له فيه ,صلاة الفجر خلف أبو رجب العلاء بن عاصم إمام المسجد ومتولى القصص فيه . بعد أن انتهت الصلاة أثنى الشافعى عليه وشد على يده قائلا .............
ــ بارك الله فيك يا أبا رجب هكذا تكون الصلاة . ما صليت خلف أحد صلاة أتم ولا أحسن من صلاتك هذه ..
وأبو رجب هو الذى يقوم علاوة على إمامة المصلين بقراءة القرآن للناس من المصحف ويتولى وعظهم وإرشادهم وتذكيرهم بأخبار الأمم السالفة وأيام الناس . ثم يختم وعظه بالدعاء لأمير المؤمنين وأعوانه بالنصر والفلاح والدعاء على أعدائه وأعداء الإسلام بالهلاك والتبار ..
هم الشافعى بالقيام فمال عليه عبد الله بن عبد الحكم قائلا بصوت خفيض ...........
ــ ألن تجلس إلى الناس يا أبا عبد الله . لك أيام مذ وصلت إلى مصر وأنت لا تزال معتكفا فى دارك والناس جميعا هنا سمعوا بمقدمك . إنهم جميعا عطشى إلى علومك مشتاقون إلى الجلوس إليك ..
ــ لا أجد ما أقوله لك يا صديقى العزيز . الحمد لله على كل حال ..
ــ آه . هى ضراء مستك ؟.
ــ لا أخفى عليك سرا أيها الصديق الحبيب ,إنى أجد حرجا فى الجلوس إلى الناس وأنا على تلك الحاله ..
ــ لا بأس عليك يا أبا عبد الله ,مم تشكو ؟.
ــ ما أجده فى ظهرى من آلام اشتدت على وزادت فى أعقاب تلك الرحلة الطويلة حتى أنها أقعدتنى عن الحركة أياما . المهم أين أتخذ مجلسى ؟.
ــ سيكون مجلسك بإذن الله تعالى هناك ,(وأشار بيده) فى هذا الركن المعروف بزاوية الخشابيه ,سيكون مجلسك العامر فيه إن شاء الله ,تبث للناس ما تجود به عليهم من علوم القرآن والحديث والسنة واللغة والشعر والعروض ..
ــ وفى أى وقت من أوقات النهار أجلس إلى الناس ؟.
ــ فى أى وقت تشاء ..
رد الشافعى متعجبا ..............
ــ كيف ذلك ... ألا تتخذون فى مصر أوقاتا معينة للعمل ,وأوقاتا تفرغون منها من أعمالكم ؟.
ــ ماذا تقول يا صاحبى . إننا هنا نؤدى أعمالنا كيفما اتفق لنا فى الصباح أو بعد الظهيرة وربما أحيانا فى الليل ..
ــ حتى فى دواويين الحكم ؟.
ــ أجل ,حتى فى دواويين الحكم . أى غرابة فى هذا ؟.
ــ إن هذا لمما لا يجوز فعله . كما أن للناس عليك حقا فإن لأهل بيتك عليك حقا ولبدنك عليك حقا ..
ــ ما الذى تراه أنت إذن ؟.
ــ أرى أن يبدأ الواحد منا عمله بعد أن يفرغ من صلاة الصبح وينتهى منه فى الظهيره . ثم إنه لكل علم من هذه العلوم طلابه فلو رأيت أن نقسم وقت النهار بينهم لكان أفضل لهم ولنا وأدعى للفائده ..
ــ ليكن درس القرآن لأهله إذن فاتحة الدروس عقيب صلاة الصبح ,فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل مذاكرة الحديث والسنة . فإذا ارتفعت الشمس استوت الحلقة للرد على أسئلة أصحاب المسائل والفتاوى . وعند ارتفاع الضحى تختمها بدروس اللغة والشعر والعروض لأهل اللغه . فإذا انتصف النهار انصرفت إلى دارك فما رأيك ؟.
ــ على بركة الله أحسنت الترتيب يا صاحبى . هكذا كان يفعل فقيه الأمه عبد الله بن عباس فى مكه ..
ــ هيا بنا إذن ؟.
قال الشافعى وهو يهم بالقيام ..........
ــ لنبدأ فى الغد إن شاء الله ..
ــ وفيم الإنتظار للغد ؟.
ــ أود أن أذهب أولا ,بل الآن إلى دار بنت العم ,فإنى لم أسلم عليها بعد ,هيا بنا إلى دارها ..
ــ من ؟. آآآآآه السيدة نفيسه ؟.
ــ أجل أسلم عليها وأسمع منها ما حدثت به من أحاديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأسألها خالص الدعاء . إنى لأظنها إن شاء الله من أولئك الذين آتاهم الله رحمة من عنده وعلمهم من لدنه علما ..
ــ صدقت فى ظنك يا صاحبى ,إنها سيدة جليلة القدر مقبولة الدعاء . خذنى معك فإن لى أياما لم أشرف بالسلام عليها والجلوس فى حضرتها ..
فى الطريق أخذ يحكى له جانبا من كراماتها التى أجراها الله تعالى على يديها فى مصر وتناقلها المصريون قال ...............
ــ فى العام الماضى توقف نهر النيل عن الفيضان وانتظرنا أياما طويلة أن يفيض بالماء كعادته كل عام دون جدوى . هرع الناس إليها يسألونها الدعاء فلبت وألحت فى الدعاء لربها . ثم أعطت للناس قناعها وطلبت إليهم أن يطرحوه فى النهر . فما غربت شمس هذا اليوم حتى زخر النيل بمائه وزاد زيادة عظيمة لم نعهدها فيه من قبل ..
وصلا أخيرا إلى باب دارها توقف الشافعى برهة قبل أن يطرق الباب وهو يقول فى أدب وخشوع مشيرا بيده ....................
يا أهل بيت رسول الله حبكم .. فرض من الله فى القرآن أنزله ..
يكفيكم من عظيم القدر أنكم .. من لم يصلى عليكم لا صلاة له ..
@ بدأ الشافعى فى مصر عملا دؤوبا مليئا بالكفاح والنشاط ومضت أيامه زاهرة بالعلم زاخرة بالأحداث غنية بالاستنباط وتخريج الأحكام والتصنيف . إتبع نظاما ثابتا لا يحيد عنه وهو يجلس إلى طلاب علومه فى المسجد العتيق فى الزاوية التى صارت مع الأيام تعرف بإسمه . كان الناس فى البداية يقولون لبعضهم ........... هيا بنا إلى زاوية الخشابيه نستمع إلى هذا الشيخ القرشى الجالس هناك . ثم صاروا مع مرور الأيام وتعاقبها يقولون لبعضهم ............ هيا بنا إلى زاوية الشافعى ..
جلس الشافعى بعد صلاة الصبح وقد بدا شيخا طويلا أسمر البشرة رقيقها معتدل القامة خفيف العارضين له لحية حمراء قانية يخضبها بالحناء . لابسا ثوبه الرقيق من الكتان والقطن البغدادى . بداخله نفس صفت من أدران الدنيا وشوائبها وعقل حاضر البديهة عميق الفكرة بعيد الغوص . لا يكتفى بالقشور وظواهر الأمور بل يغوص إلى الأعماق ويتعدى القشر إلى اللب حتى يصل إلى الحق كاملا فيما يراه . لا ينغلق عليه أمر وإن آثر السكوت أحيانا عن الرد ورعا وهيبة . مع كل هذا يقول لتلاميذه فى تواضع العلماء العاملين ...........
ــ إذا ذكرت لكم أدلة فلم تقبلها عقولكم ,فلا تقبلوها ،فإن العقل مضطر إلى قبول الحق ..
ومع تدقيقه فى البحث والتحرى ,كان يحتاط من الوقوع فى الزلل فيقول لمن يتلقى عنه ............
ــ كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر فيها عن النبى "صلى الله عليه وسلم" عند أهل النقل بخلاف ما قلت ,فأنا راجع عنها فى حياتى وبعد موتى .... حديث النبى أولى ولا تقلدونى ..
جلس ومن حوله جمع كبير من الناس جاءوا إليه عطشى إلى رشفة من مورده العذب . منهم جماعة من الشباب فى أعمار متقاربة لا يفارقونه أبدا كظله يتحركون بحركته ويسكنون بسكونه ...الربيع الجيزى والربيع المرادى وهو مؤذن المسجد العتيق وحرملة بن يحي وإسماعيل المزنى وأبو يعقوب يوسف البويطى ويونس بن عبد الأعلى ,بينما أصغرهم سنا فتى فى السابعة عشر من عمره إسمه محمد ,إبن صاحبه عبد الله بن عبد الحكم .... أوصاه أبوه سرا وقال له ..........
ــ أوصيك يا بنى أن تلزم حلقة الشافعى ....لا تفارقه ..
كان الولد فى عجب من أمر أبيه صاحب الشافعى وصديق عمره .... قال ........
ــ كيف يا أبت أترك مجلسا أتعلم فيه منك ومن شيخنا أشهب بن عبد العزيز فقه إمام دار الهجره مالك بن أنس . إلى مجلس آخر لا علم لنا بصاحبه ؟.
ــ إسمع منى يا ولدى ....إنك لو جاوزت هذا البلد وتكلمت فى مسألة فقلت فيها قال أشهب فسيقولون لك ومن أشهب ؟. إلزم الشافعى يا ولدى تنل خيرا كثيرا بإذن الله تعالى ..
لم يسلم الأب من معاتبة أصحابه من المتعصبين لإمام دار الهجرة فى ذلك وهم يقولون له ...........
ــ يا أبا محمد ..... إنا نرى ولدك محمدا إنقطع إلى هذا الرجل المكى وتردد إليه تاركا حلقتنا راغبا عن مذهب أصحابنا ..
لكنه كان يرد عليهم ملاطفا ليحد من حنقهم ...........
ــ هو حدث ويحب النظر فى اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك ..
كان هؤلاء الحواريين يسبقونه إلى الحلقة متخذين أماكنهم من حوله لا يقومون منها إلا بعد أن يقوم من مكانه . كل واحد منهم يعيره سمعه بينما يتابعون بعيونهم ما تخطه أيديهم من كلام الشيخ أولا بأول فى قراطيس أمامهم لا يكاد يتفلت من ريشة أحدهم حرف واحد منه ..
قال الشافعى لأهل القرآن بصوته العذب كأنه قيثارة تداعب أوتارها الآذان بجرسها وتأسر النفوس برقتها ..............
ــ الحمد لله بما هو أهله وكما ينبغى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأن محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع خلقه بفتح رحمته وختم نبوته . المرفوع ذكره مع ذكره فى الأولى والشافع المشفع فى الأخرى وبعد : يقول الله جل ثناؤه " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " . وقال " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم . فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول " ..
ــ من هم أولو الأمر ؟.
ــ قال بعض أهل العلم : " أولوا الأمر " هم أمراء سرايا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" والله أعلم لأن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة . كانت تأنف أن تعطى بعضها بعضا طاعة الإماره فلما دانت لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" بالطاعه لم تكن ترى ذلك يصلح لغيره "صلى الله عليه وسلم" . لذلك أمروا أن يطيعوا أولى الأمر الذين أمرهم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لا طاعة مطلقة بل طاعة مستثنى فيها لهم وعليهم . ثم قال تعالى " فإن تنازعتم فى شئ " يعنى والله أعلم هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم . " فردوه إلى الله والرسول " يعنى والله أعلم إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه فإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه إذا وصلتم إليه ومن وصل منكم إليه . لأن ذلك الفرض الذى لا منازعة لكم فيه لقول الله عز وجل " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " ..
ــ وماذا يفعل المسلمون من أمثالنا بعد انقضاء أجـل رسـول الله "صلى الله عليه وسلم" ؟.
ــ من تنازع من بعد رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله ثم قضاء رسوله "صلى الله عليه وسلم" . فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا ردوه قياسا على أحدهما ..
ويظل الشافعى رائحا غاديا مع أهل القرآن سائحا فى معانى آيات الكتاب ودقائقها وما تشير إليه من أحكام . يحلق بهم فى أجوائه العطره وهم مرهفون السمع إليه لا يتحركون من أماكنهم حتى يأذن لهم فيجيئه أهل الحديث والمشتغلين بالسنة وأخبارها ليقول لهم ..............
ــ المحدثين من أهل العلم وضعوا موضع الأمانة ونصبوا أعلاما للدين وكانوا عالمين بما ألزمهم الله من الصدق فى كل أمر والحديث فى الحلال والحرام أعلى الأمور وأبعدها من أن يكون فيه موضع ظنه . فمن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه . كما يكون من أكثر الغلط فى الشهادات لم تقبل شهادته . وأقبل الحديث : حدثنى فلان عن فلان إذا لم يكن مدلسا ولا أقبل فى الشهادة إلا : سمعت أو رأيت أو أشهدنى . وأقبل فى الحديث الرجل الواحد والمرأه ولا أقبل واحدا منهما فى الشهادات وحده ..
ــ وما الحجة فى قبول خبر الواحد ؟.
ــ قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" " نضر الله عبدا سمع مقالتى فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وآدائها امرأ يؤديها والأمر واحد دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا بما تقوم به الحجه على من أدى إليه . لأنه إنما يؤدى عنه حلال وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة فى دين ودنيا . نعود لما كنا نتحدث فيه قبل سؤال السائل ..
تمر لحظات صمت يلتقط فيها الشيخ أنفاسه وقد جف حلقه قبل أن يواصل كلامه قائلا بعد أن أفرغ فى جوفه قليلا من الماء من آنية وضعوها إلى جـواره .........
ــ وتختلف الأحاديث فنأخذ ببعضها استدلالا بكتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس وهذا لا يؤخذ به فى الشهادات . وأحيانا تترك اللفظة من الحديث فتحيل معناه أو ينطق بها بغير لفظ المحدث فتحيل معناه والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث . فإذا كان الذى يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث لم يقبل حديثه إذا كان ممن لا يؤدى الحديث بحروفه . وكان يلتمس تأديته على معانيه غير عاقل للمعنى . ولا يجوز لأحد أن يختصر حديثا فيأتى ببعضه ويترك بعضه وإنما يحدث بالحديث كما روى بألفاظه ..
سأله يونس بن عبد الأعلى .............
ــ حدثنا يا إمام بحديث صحيح ؟.
ــ حدثنا مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عتبه عن زيد بن خالد الجهنى قال : صلى بنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" صلاة الصبح بالحديبيه فى إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟. " قالوا الله ورسوله أعلم قال " أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر . فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى وكافر بالكوكب . وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكوكب " . ورسول الله "صلى الله عليه وسلم" عربى اللسان يحتمل قوله هذا معانى . وإنما مطر بين ظهرانى قوم مشركين لأن هذا فى غزوة الحديبيه . فأرى معنى قوله "صلى الله عليه وسلم" والله أعلم أن من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله عز وجل لأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطى إلا الله . أما من قال : مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر كما قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" . لأن النوء وقت والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا ولا يمطر ولا يصنع شيئا ..
قاطعه أحد الجالسين قائلا وقد أدركه الخوف ................
ــ يا إمام نحن نقول شيئا كهذا ولكنا لا نعنى ذلك الذى قصده الكفار . أيكون قائله داخل فيمن أخبر عنهم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ؟.
ــ ماذا تعنون إذاً ؟.
ــ يقول بعضنا من سكان شمال البلاد أو شرقها ممن يعيشون على شواطئ البحار . مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا فى نوء وقت كذا كما يقول الواحد منا مثلا مطرنا فى شهر كذا ..
ــ هذا ليس كفرا لكن غيره من الكلام أحب إلى من هذا القول . يقول مثلا مطرنا فى وقت كذا أو يقول كما كان يقول بعض أصحاب النبى "صلى الله عليه وسلم" إذا أصبح وقد مطر الناس قال : مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ قوله تعالى " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " . وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال يوم جمعه وهو على المنبر : كم بقى من نوء الثريا ؟. فقام العباس فقال : لم يبق منه شئ إلا العوا . فدعا عمر ودعا الناس فمطر مطرا أحيا الناس منه . هذا القول من عمر يبين لكم ما وصفت لأنه إنما أراد بقوله : كم بقى من وقت الثريا ؟. لمعرفتهم بأن الله تعالى قدر الأمطار فى أوقات فيما جربوا كما علموا أنه قدر الحر والبرد فيما جربوا من أوقات ………………
ويقوم جماعة الحديث بعد أن يطفئوا غلتهم ويأخذوا زادهم ويأتى فى أعقابهم أصحاب المسائل والفتاوى . يجلسون ويسألون ويحاورون والشيخ يجيب كل واحد على مسألته وتدور بينه وبينهم أسئلة وحوارات كهذه ..............
ــ هل معنى قول النبى "صلى الله عليه وسلم" " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " . يستغنى به ؟.
ــ لا ليس هذا معناه . فلو أراد النبى "صلى الله عليه وسلم" الإستغناء به لقال : يتغانى أو قال يستغن ..
ــ ما معنى الحديث إذاَ ؟.
ــ يتغنى من الغناء فالمعنى على ذلك أن يقرأ القرآن حدرا وتحزينا وأن يحسن صوته عند تلاوته ..
سأله يونس بن عبد الأعلى : يا إمام هل فى القرآن الكريم ذكر للصلوات الخمس المفروضة علينا فى اليوم والليله ..
ــ نعم أما قرأت قوله تعالى فى سورة الروم " فسبحان الله حين تمسون " هذه صلاة المغرب والعشاء . " وحين تصبحون " صلاة الصبح . " وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا " أى صلاة العصر . " وحين تظهرون " صلاة الظهر تلك هى الصلوات الخمس مـن كتاب الله تعالـى ..
سأله أبو يعقوب يوسف البويطى : ما هو المعـروف فـى قـول الله تعالـى " ولهـن مثل الذى عليهن بالمعروف " ؟.
ــ جماع المعروف إعفاء صاحب الحق من المؤنة فى طلبه وآداؤه إليه بطيب نفس لا بضرورته إلى طلبه . ولا تأديته بإظهار الكراهية فى تأديته وأيهما ترك فظلم بين ..
وتتوالى أسئلة الحاضرين فيسأله الربيع الجيزى : هل سجود التلاوة فرض . ومن لم يسجد هل عليه قضاء ؟.
ــ سجود القرآن ليس بحتم ولكنا لا نحب أن يترك لأن النبى "صلى الله عليه وسلم" سجد فى سورة النجم مرة وترك أخرى وليس على تاركه قضاؤه لأنه ليس بفرض ..
ــ ما الدليل على أنه ليس بفرض ؟.
ــ السجود صلاه وقد قال الله تعالى : "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" . فكان الموقوت يحتمل موقوتا بالعدد وموقوتا بالوقت . فأبان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أن الله جل ثناؤه فرض خمس صلوات فسأله رجل : يا رسول الله هل على غيرها ؟. قال : لا إلا أن تطوع . فلما كان سجود القرآن خارجا من الصلوات المكتوبات كان سنة اختيار من تركه ترك فضلا لا فرضا ..
ــ أيكون هذا هو أيضا حكم من نوى أن يصوم يوما تطوعا ثـم أفطـر ؟.
ــ أجل لا قضاء عليه هو الآخر ..
ــ لكنا سمعنا من يفتى بغير ذلك وحجته قول رسول الله "صلى الله عليه وسلم" للسيدة عائشه والسيدة حفصه رضى الله عنهما : "صوما يوما مكانه" لما أصبحتا صائمتين فأهدى لهما شئ فأفطرتا ..
ــ ما تقوله صحيح وبعض الناس جادلنى فيه وبنى حجته على هذا الحديث المرسل لابن شهاب ومراسيله ومراسيل أقرانه بل من هم أسن منه ليست حجه والكلام فى هذا يطول بنا لو استقصيته معكم ..
حانت منه التفاتة قبل أن يهم بالقيام إلى الفتى محمد ابن صديقه عبد الله بن عبد الحكم فابتدره مبتسما : ماذا يا ابن عبد الحكم ألمح تساؤلا على وجهك ؟.
ــ لقد أثقلنا عليك يا سيدى وأكثرنا السؤال ..
ــ سل يا ولدى فالنهار لم ينتصف بعد ..
ــ ليتك تحدثنا عن رفع الأيدى فى الصلاه ؟.
ــ يرفع المصلى يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع . وإذا رفع رأسه من الركوع عند قوله سمع الله لمن حمده رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك فى السجود ..
ــ فما الحجة فى ذلك ؟.
ــ حدثنا ابن عيينه عن الزهرى عن سالم عن أبيه عن النبى "صلى الله عليه وسلم" مثل قولنا ..
ــ فإنا نقول : يرفع يديه فى الإبتداء حين يفتتح الصلاه ثم لا يعود لرفعهما ..
ــ أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبى "صلى الله عليه وسلم" كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه . وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وكذلك فعل ابن عمر . فكيف تخالفون رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وابن عمر وتقولون لا يرفع يديه إلا فى ابتداء الصلاة وقد رويتم عنهما أنهما رفعا فى الإبتداء وعند الرفع من الركوع ؟. أفيجوز لعالم أن يترك على النبى وابن عمر لرأى نفسه ؟. أو على النبى "صلى الله عليه وسلم" لرأى ابن عمر ؟. ثم القياس على رأى ابن عمر ؟. ثم يأتى موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر لما روى عن النبى "صلى الله عليه وسلم" فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض ؟.
ــ فإن أتباعه يحتجون بقوله : وما معنى رفع اليدين عند الركوع ؟.
ــ هذه الحجة منهم فى غاية الجهاله لأن معنى رفع اليدين عند الركوع مثل رفعهما عند الإفتتاح . تعظيما لله تعالى وسنة متبعة يرجى فيها ثواب الله . ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما ..
ــ فإذا انتهى الإمام من قراءة الفاتحه هل يرفع صوته بأمين ؟.
ــ نعم ويرفع بها من خلفه أصواتهم ..
ــ ما الحجة فيما قلت على هذا ؟.
ــ ما أورده مالك بإسناده عن أبى هريره أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال : "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" . وفى هذا القول دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين لأن من خلفه لا يعرف وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه ..
ــ فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين ..
ــ هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم (مالك) عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" . كذلك روى وائل بن حجر أن النبى "صلى الله عليه وسلم" كان يقول آمين يجهر بها صوته ويحكى مطه إياها . وكان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقنى بآمين . وكذلك أخبرنا شيخنا ومفتى مكه مسلم بن خالد الزنجى أن عطاء كان يسمع الأئمة يقولون آمين ومن خلفهم يقولونها حتى أن للمسجد للجه ………………
@ وذات مرة وكان ذلك فى شهر رمضان والشافعى راجع من صلاة القيام . حيث اعتاد أن يصليها إماما فى مسجد أقامته السيدة نفيسة فى دارها . وبينما هو فى حديثه مع الناس إذ دخل المسجد فتى أعرابيا بيده رقعة ,كان يبدو فى عجلة من أمره . أخذ يتخطى رقاب الناس حتى صار أمام الشافعى ,ناوله الرقعة ثم وقف مكانه منتظرا ..
قرأها وابتسم ابتسامة خفيفة وهو يأمر بالدواة والريشة وأخذ يكتب كلاما على ذات الرقعه . طواها وأعطاها له دون أن يتبادلا معا كلمة واحده والجالسون فى عجب من أمر هذا الفتى الأعرابى لا علم لهم بمسألته أو بجواب الشيخ له . لم يخرجهم من حيرتهم ودهشتهم إلا عودة الشافعى لسابق حديثه . غير أن الربيع المرادى مؤذن المسجد العتيق وأكثر تلاميذ الشافعى فضولا وأشدهم حرصا على جمع كل أقواله لا يكاد يفارقه إلا إلى داره حريصا على قضاء مصالحه . لم يطق صبرا فتسلل فى خفة خلف الفتى الأعرابى ..
لحظه الشافعى بركن عينه فلم يجد بدا من الإبتسام من فضول المؤذن . على بعد خطوات من المسجد أدركه الربيع فاستوقفه مناديا عليه وسأله ...........
ــ نشدتك بالله يا أخا الإسلام أن ترينى رد الشيخ على مسألتك ؟.
أعطاه الأعرابى الرقعة على مضض منه بعد ان استحلفه بالله . أخذ الربيع يقرأ غير مصدق ما تراه عيناه . طوى الرقعة وعاد إلى مجلس الشيخ وهو يتمتم فى سره ..............
ــ ما هذا الكلام العجيب المكتوب فى تلك الرقعه ؟. كيف يفتى الشيخ لفتى فى مقتبل العمر بمثل هذه الفتوى ..
إتخذ مكانه وفى نفسه شئ حتى إذا انتهى الدرس ناداه الشافعى وقال له ........
ــ انتظر يا ابن سليمان سنمضى سويا ..
بعد أن خرجا سويا من باب المسجد ابتدره الشافعى قائلا ليرفع عنه الحرج وهو يدرك تماما ما يتلجلج فى صدره ولا ينطق به لسانه ...............
ــ إيه يا ربيع لم لا تتكلم ؟. لعله وقع فى خاطرك سوء ظن من جهتى أليس كذلك ؟.
ــ معاذ الله يا سيدى الإمام إنما أنا فى عجب مما قرأت فى رقعة هذا الفتى الأعرابى ..
إبتسم الشافعى متسائلا ............
ــ أصدقنى القول أنت فى عجب من سؤال الفتى أم من الإجابه ؟.
أجاب الربيع بن سليمان على استحياء ناظرا بعينيه إلى الأرض متحاشيا أن تقع عينه على شيخه وقد ذهب عنه بعض الروع وإن لم يفارقه ..........
ــ من كليهما ..
ــ لم لم تسأل الفتى الأعرابى عن أمره ؟.
ــ حاولت أن أسأله إلا أنه تولى عنى غاضبا ..
ضحك الشافعى قائلا ............
ــ لأنك اطلعت على أمر أراد أن يكون سرا بينى وبينه . هذا الشاب الهاشمى يا أبا حامد قد تزوج فى هذا الشهر وهو كما رأيت حدث السن فكتب فى رقعته .... سل المفتى المكى هل فى تزاور .. وضمة مشتاق الفؤاد جناح . فأدركت أنه يسأل هل عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطء ؟. فأجبته بما علمت وأنكرته أنت على ..
ــ أجل يا سيدى الإمام لقد كتبت له .... أقول معاذ الله أن يذهب التقى .. تلاصق أكباد بهن جراح . بارك الله فيك يا سيدى ومعذرة لقلة فهمى . والله ما رأيت أحدا فى مثل حكمتك وفراستك ………………
@ ويأتي أهل اللغة والشعر والعروض فيحكى لهم الشافعى طرفا من نوادره وحكاياته ونتفا من أشعاره فى المواعظ والحكم ,وهم فى دهشة من فصاحة لسانه وعذوبة نظمه وإلقائه وهو ينشدهم :
لقد أسمع القـول الذى كان كلما .. تذكرنيه النفس قلبى يصدع ..
فأبدى لمـن أبداه منـى بشاشة .. كأنـى مسرور بـما منه أسمع ..
وما ذاك من عجب به غير أننى .. أرى ترك بعض الشر للشر أقطع ..
قال أبو يعقوب البويطى أكثر تلاميذه زهدا وورعا وأرجحهم عقلا وأدناهم منه مجلسا .............
ــ قد قلت فى الحكم يا شيخنا ,فهل لك فى الغزل ؟.
ــ يا كاحل العين بعد النوم بالسهر.. ما كان كحلك بالمنعوت بالبصر ..
لو أن عينى إليك الدهر ناظرة .. جاءت وفاتى ولم أشبع من النظر ..
سقيا لدهر مضى ما كان أطيبه .. لولا التفـرق والتنغيص بالسفر ..
إن الرسول الذى يأتى بلا عدة .. مثل السحاب الذى يأتى بلا مطر ..
خـلاف مالـك
@ فى تلك الأثناء أنجبت دنانير ولدها أبو الحسن بعد أن صار لهم فى مصر حولين من الزمان . جاءوا له بمرضعة من صعيد مصر إسمها "فوز" تتولى أموره . مضت الأيام تترى والشافعى ينشر آراءه وفتاويه من زاويته بالمسجد العتيق تماما كما كان يفعل فى حلقته فى البيت العتيق تحت الميزاب وتلاميذه المخلصون يكتبون كل حرف يقع فى أسماعهم , حتى صارت لدى كل منهم ذخيرة هائلة من الفتاوى والآراء والمسائل فى شتى أمور الدين , لكن بقى مؤذن المسجد العتيق "الربيع المرادى" أكثرهم إخلاصا للشافعى وأخذا منه وخدمة له . كان ينجز له كثيرا من مصالحه ويشترى له حاجيات بيته .
عاتبه الشافعى باسما ذات مرة , لما جاءه بورقة دون فيها ثمن ما اشتراه من السوق ..............
ــ ما هذا الذى كتبت . ضيعت قراطيسك باطلا ,إنى لا أنظر فى حساب لك يا ابن سليمان ..
ــ معذرة أيها الشيخ الجليل إن أم أبى الحسن ربما طلبت الشئ ولم تأذن لى أنت فيه ؟.
رد الشافعى مازحا ومداعبا ...........
ــ يا طويل الرقاد , أنت فى حل مـن مالى كله ..
فإذا ما خرج عن الدرس لحاجة مهمة أعاد عليه الشافعى ما فاته سماعه قائلا له ...........
ــ أكتب يا ربيع فأنت راويتى . ما أحبك إلى قلبى . والله لو أمكننى أن أطعمك العلم لأطعمتك ..
وكثيرا ما كان يطلب إليه وإلى الفتى الحبيب إلى قلبه "محمد" إبن صديقه عبد الله بن عبد الحكم أن يأتيا إليه فى داره ويقول لهما مرغبا ...........
ــ سوف أنتظركما ولن أتغدى حتى تأتيا . عندى جارية ماهرة فى صنع الطعام وتحسن عمل أصناف الحلوى التى تشتهونها ..
وكان فى المقابل لا يرد دعوتهما له إذا طلب إليه أحدهما أن يذهب معه لحفل عرس فى الفسطاط ولا يستنكف من إظهار سروره والتبسط مع القوم . وفى تلك المجالس لا ينكر عليهم ما يفعلونه من لهو برئ وضرب على الدف فى هذه المناسبات بل يشاركهم فرحتهم قائلا لمن يلمح على وجهه استنكارا لذلك منه وهو الشيخ الوقور ...........
ــ يا هذا لا تعجب . الوقار فى النزهة سخف ………………
وذات مرة حدث أنه لما تزوج الربيع المرادى ,سأله الشافعى .........
ــ كم أصدقتها ؟.
ــ ثلاثين دينارا ..
ــ كم أعطيتها من الثلاثين ؟.
ــ ستة دنانير ..
ما انتهى من إجابته حتى دخل الشافعى داره وعاد إليه قائلا وهو يمسك صرة فى يده ...............
ــ خذ يا ربيع تلك أربعة وعشرون دينارا . هيا أدً ما تبقى عليك من صداق امرأتك ..
كم من مرات كثيرة يستنهض همة تلاميذه بعد أن تعلموا منه الكثير وأخذوا عنه علوما جمه . كان يشيع روح المنافسة بينهم ويعد الواحد منهم بدينار أو أكثر إن أجاب إجابة صحيحة على سؤاله . أما ولده محمد أبو عثمان فإنه كان لا يفارقه فى مجلس العلم يظل معه الساعات الطوال وأبيه جالس يملى على تلاميذه كأنه يسابق الزمن رغم ما كان به من علة البواسير . حتى أن تلاميذه أحضروا له ذات مرة طبيبا مصريا لما رأوا من ضيق صدره وشدة المرض عليه وتحامله على نفسه . قال له الطبيب ناصحا بعد أن ركب له الدواء ............. ــ يا أبا عبد الله أنصحك ألا تطيل الجلوس وأن ترفق بنفسك ,فلا تحملها بعد فوق ما تحتمل . إعلم أن هذا الدواء وحده لا يكفى .. لكن هيهات ,إنه يشعر ببصيرته وتفاقم علته أن أيامه فى الدنيا باتت قليله وأنه لن يعمر تحت سمائها طويلا . لم يكن أمامه بد من أن يعيش فى سباق مع أيامه الباقيه حتى يكمل رسالته التى لم يأن لها أن تكتمل بعد . لهذا كان يستمد قوته وعافيته من نبع آخر لا يوجد فى عقاقير الأطباء أو نصائحهم . كان إذا اشتد عليه المرض وأجهده السقم يقول لتلميذه محمد بن عبد الله بن الحكم .......... ــ إذهب يا ولدى إلى بنت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" السيدة نفيسه . قل لها إن ابن عمك الشافعى ما منعه من زيارتك منذ أيام إلا المرض ويسألك الدعاء .. وفور عودته من عندها يقول لشيخه ............. ــ السيدة نفيسه تقرئك السلام وقد دعت لك بالشفاء والعافيه .. ــ علمت يا ابن عبد الحكم وأنت فى الطريق إلى ,فإنى عوفيت والحمد لله .. وكان من عادة الشافعى أن يمر على دارها وهو فى طريقه إلى المسجد العتيق بالفسطاط وأيضا فى غير ذلك من الأوقات . وفى تلك الواحة الوارفة الظلال حيث تقيم يجلس إليها يتدارس معها العلم ويسمع منها الأحاديث النبوية الشريفه ولا ينسى فى كل مرة قبل أن يخرج من عندها أن يسألها الدعاء .. لم تكن تلك العلة هى الشئ الوحيد الذى ينغص عليه حياته ويكدر صفو لياليه لكن أبت الأقدار رغم معاناته مع المرض وتقلباته أن تتركه ينعم بالدعة والسكينة والأمن الذى شعر به منذ وطأت أقدامه تراب مصر ثم على امتداد عامين ارتوى خلالهما من ماء نيلها العذب . أخذت الأمور تتفاقم بينه وبين بعض المتعصبين لآراء إمام المدينه مالك بن أنس الذين ظنوا لضيق أفقهم وضحالة أفهامهم أنهم بأفعالهم الحمقاء وتهجمهم واجترائهم على الشافعى أكثر غيرة على شيخهم وأشد ولاء وأنهم أكثر محبة ووفاء له من سواه .. لم يعلموا لقصر نظرهم أن الشافعى باحث أمين عن الحقيقة المجردة التى لا مجال فيها للمحاباة أو المداراة حتى لو كانت مع شيخه الحبيب إلى قلبه . الذى كان يقول دائما إذا سئل عنه ............. ــ إذا ذكر العلماء فمالك هو النجم وهو الأثر ..
وقصة هذه الخلافات التى ظلت تحتدم وتتفاقم حتى وصلت إلى المواجهة والصدام بدأت منذ بدأ الشافعى يلقى دروسه على الناس ويجاهر غير هياب ببعض الآراء والفتاوى . تصور بعض المتعصبين ذوى الأفق الضيق أنه يقصد من ورائها تعمد هدم ما تعلموه فى الزاوية المالكيه وما انتهجوه على يد شيوخهم من فقه إمام دار الهجره مالك بن أنس . وانفجر بركان الحقد والغل يوم أن خرج الشافعى على الناس بكتاب كتبه بعد أيام من وصوله إلى مصر وظل حبيسا لا يرى النور حولا كاملا إلى أن جاءه بعض الناس من طلاب العلم قائلين له ................
ــ كنا بالأمس نتحاور فى مسألة مع واحد من أولئك الذين يجلسون فى زاوية المالكيه عند الشيخ أشهب بن عبد العزيز فاختلفنا حول مسألة من المسائل فقلت له : قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وتلوت عليه الحديث الذى يؤيد رأيى ....
سأله الشافعى ....
ــ ماذا فعل ؟.
رد على غاضبا ...... إمامنا مالك قال كذا وتلا على حديثا آخر . فما كان منى إلا أن فارقته دون أن أتم الحوار معه ..
ــ حسنا فعلت يا رجل . أما هؤلاء فإنهم بلهاء حمقى مبتدعون يتصورون أنهم بحماقاتهم تلك وتعصبهم يوقرون شيخهم . بينما هم فى الحقيقة يسيئون إليه ويضعون من قدره ..
ظل الشافعى طوال الطريق وهو راجع إلى داره بعد هذا اللقاء يقلب فى رأسه ما سمعه لتوه . كان فى حيرة من أمره إزاء هذه النازلة وتلك الفتنة التى تطل برأسها على الناس . إنها نازلة التعصب البغيض وفتنة الفرقة والخلاف والجدل وهو يشعر أن عليه واجبا تجاه الدين والعلم ويحمل على كاهله أمانة وواجبا عليه آداؤه لأمة الإسلام والمسلمين . ما كادت قدماه تلمسان عتبة الدار حتى كان القرار النهائى مستقرا فى رأسـه ..
بدأ من حينه فى تدوين هذا الكتاب الذى أسماه “ خلاف مالك “ . ظل ليال طوال عاكفا عليه يثبت فيه المسائل التى يختلف فيها مع شيخه إلى أن أتمه أخيرا ثم طواه ووضعه فى خزانة عنده . ظل الكتاب حبيسا عن أعين الناس لا يطلع أحدا عليه حولا كاملا . ما فعل ذلك إلا تأدبا مع أستاذه الراحل وحياء وهيبة منه ووفاء لذكراه منتظرا أن يأتيه أمر من ربه أو يشرح صدره لنشره على الناس . حتى كان يوم جاءه فى داره وكان معتكفا منذ أيام تلميذه الدؤوب "الربيع المرادى" . إستأذن فى الدخول ولدى جلوسه سأله بعد أن تبادلا عبارات الترحيب والسلام ...........
ــ كيف أصبحت يا إمام ؟.
ــ أصبحت ضعيفا يا أبا حامد ..
ــ قوى الله ضعفك يا شيخنا ..
ــ أجاب الله قلبك ولا أجاب لفظك يا ربيع ..
ــ ماذا تعنى يا سيدى ؟.
إبتسم الشافعى قائلا ...........
ــ إن قوى الله على ضعفى قتلنى يا رجل ..
نظرا إليه متسائلا فأجابه الشيخ قبل أن يسأل ...........
ــ قل قواك الله على ضعفك ..
ــ لا تؤاخذنى يا شيخنا والله ما أردت إلا خيرا وما قصدت إلا الدعاء لك ..
إبتسم الشافعى مرة ثانية وهو يقول ..........
ــ لا أكذبك يا بنى . والله لو شتمتنى صراحا لعلمت أنك لم ترد . المهم ماذا وراءك يا أبا حامد ؟.
ــ بالأمس جمعنى لقاء مع الجيزى والبويطى وابن عبد الأعلى فى دارى بعد صلاة العشاء . أخذنا الحديث والنقاش فى أمور كثيره حتى اختلط علينا الأمر فى بعض القضايا ولم نستطع بيان الحقيقة فيها . وبعد أن ذهب كل واحد إلى داره أخذت أفكر وحدى فيما قلناه وأعيد النظر فيه . شعرت أن الحقيقة لا تزال تائهه فعزمت بينى وبين نفسى أن آتى إليك لتجلى لنا حقيقة الأمر ؟.
ــ لم أفهم بعد ماذا تقصد تحديدا وإن كنت أدركت من كلامك أنك ربما تعنى تلك الأمور التى كنتم تعملون بها وجئتكم أنا بخلافها . أليس كذلك ؟.
ــ بلى يا إمام ..
ــ إذن سل يا مؤذن المسجد العتيق ما بدا لك ..
ــ بأى شئ تثبت الخبر عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فإنا نسمع أحاديث يخالف بعضها بعضا ؟.
ــ آه سؤال مهم وبداية طيبة منك . كتبت رأيى فى تلك القضية المهمة مؤيدا بالحجة فى كتاب أسميته جماع العلم وفصلت الكلام فيها فى كتاب آخر لم أخرج به بعد على الناس ..
ــ ليتك تروى ظمأى بشئ منه الآن ..
ــ إسمع يا أبا حامد إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهى إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فهو ثابت عنه "صلى الله عليه وسلم" . ولا تترك لرسول الله حديثا أبدا إلا حديثا وجد عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حديث يخالفه ..
ــ تلك هى القضية التى شغلتنى ماذا أفعل إذا اختلفت الأحاديث ؟.
ــ إذا اختلفت الأحاديث عنه فالإختلاف فيه وجهان ,أحدهما أن يكون بها ناسخ ومنسوخ فنعمل بالناسخ ونترك المنسوخ ..
ــ فإذا لم يكن لدينا دليل على أيها الناسخ وأيها المنسوخ ؟.
ــ لا تتعجل يا ابن سليمان ,هذا هو الوجه الآخر . إذا اختلف حديثان ولا دلالة على أيها الناسخ نذهب إلى أثبت الروايتين . فإن تكافأتا ذهبت إلى أشبه الحديثين بكتاب الله وسنة نبيه فيما سوى ما اختلف فيه الحديثان من سنته . فإذا كان الحديث عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لا مخالف له عنه وكان يروى عمن دون رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حديث يوافقه لم يزده قوة وحديث النبى "صلى الله عليه وسلم" مستغن بنفسه . وإن كان يروى عمن دون رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حديث يخالفه لم ألتفت إلى ما خالفه . وحديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أولى أن يؤخذ به ..
ــ هل يذهب صاحبنا هذا المذهب ؟.
ــ تقصد شيخنا مالك بن أنس إمام دار الهجره ؟.
ــ أجل ..
ــ نعم ذهب هذا المذهب فى بعض العلم وتركه فى بعض لقول واحد من الصحابة أو لقول بعض التابعين أو لرأى نفسه . ثم يقول فى بعض ما ذهب إليه من المختلف فيه : الأمر المجتمع عليه عندنا ولا يجوز ادعاء الإجماع بالمدينه أو فى غيرها . وفى قول الذى ادعى فيه الإجماع اختلاف . ولا يجوز القول أيضا بأن الناس اجتمعوا على شئ إلا إذا التقى أهل العلم وأقروا بما اجتمع عليه الناس . أو يقولوا فى أقل القول لا نعلم من أهل العلم مخالفا فيما قلتم اجتمع الناس عليه . أما أن تقولوا اجتمع الناس وأهل المدينة معكم يقولون ما اجتمع الناس على ما زعمتم أنهم اجتمعوا عليه فأمران أسأتم النظر بهما لأنفسكم وعندى أمثلة كثيرة تدلك على صحة ما أقول ..
ــ هل تفصلها لنا يا سيدى حتى نزداد تفقها فى أمور ديننا ؟.
ــ سأوردها للناس وأعرفهم بجلية الأمر فى حينه حتى ينتبهوا قبل رين الغفلة إن شاء الله ..
ــ ليتك تنير بصيرتى وتجلى لى هذا الغموض الآن ولو بمثال واحد يا سيدى ؟.
ــ سأضرب لك مثالا الآن بسجود القرآن . ماذا تقولون فيه ؟.
ــ نقول اجتمع الناس على أن سجود القرآن إحدى عشرة سجده ليس فى المفصل ( السور التى آياتها قليله ) منها شئ ..
ــ وهذا قول مالك أليس كذلك ؟.
ــ بلى ..
ــ أى الناس أجمع على أن لا سجود فى المفصل وقد روى هو عن النبى "صلى الله عليه وسلم" أنه سجد فى "إذا السماء انشقت" . وأن أبا هريرة وهو من الصحابه سجد فيها وأن عمر بن عبد العزيز وهو من التابعين أمر القراء أن يسجدوا فيها . أليس هو نفسه عمر بن عبد العزيز الذى تجعلون قوله فى مسألة اليمين أصلا من أصول العلم مع أنه يخالف فيها سنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ثم تجدونه يأمر بالسجود فى هذه السورة ومعه سنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ورأى أبى هريرة . فتتركونه ولم تسموا أحدا خالف هذا وتزعمون أن الناس اجتمعوا أن لا سجود فى المفصل . يا ليت شعرى من هؤلاء المجتمعون الذين لا يسمون فإنا لا نعرفهم ولم يكلف الله أحدا أن يأخذ دينه عمن لا يعرفه ..
ــ الحقيقة يا سيدى أنى سمعت نفرا ممن يجلسون إلى شيوخ الزاوية المالكيه مثل أشهب بن عبد العزيز والقاضى عيسى بن المنكدر . يثرثرون بكلام فهمت منه أنهم يعترضون على بعض الآراء لك ويقولون إنك تخالف ما هم عليه وما تعلموه على يد شيوخهم ..
ــ يريدون المناظرة إذاَ . لا بأس فليس أحب إلينا من إظهار الحق وبيانه حتى لو كلفنا ذلك ما لا نطيق ..
صمت برهة ثم أردف قائلا بعد أن مد يده إلى خزانة كتبه وأخرج كتابا منها .....
ــ أتدرى ما هذا الكتاب يا أبا حامد ؟. إنه الكتاب الذى حدثتك عنه فى بداية اللقاء . دونت فيه مسائل الخلاف بينى وبين أستاذى ومعلمى مالك بن أنس . كتبته كما كتبت قبل ذلك المسائل التى اختلف فيها فقهاء العراق ..
ــ متى كتبته ؟.
ــ فى العام الماضى ..
أخذته الدهشة قائلا ........
ــ يااااه حول كامل ولا تخرج به علينا ؟.
ــ أجل ترددت كثيرا فى إظهار ما فيه على الملأ . ليس خوفا من تلك القلة القليلة من بعض الحمقى الذين يسيئون للشيخ بتعصبهم الأعمى ورعونتهم . بل أدبا وحياء من الشيخ أن أظهر خلافه ؟.
ــ لكن آن الأوان إذن لإظهاره على الملأ يا سيدى ..
ــ لا لن أخرج به على الناس الآن يا أبا حامد . أخشى أن أتجاوز بهذا الفعل واجبى نحو شيخى ومعلمى وأكره أن أفعل ذلك قبل أن أستخير ربى أولا والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ..
@ لم تكد تمض أيام على هذا اللقاء حتى خرج الشافعى بكتابه على الناس بعد أن استخار ربه واطمأنت نفسه إلى أن حق العلم وأمانته أولى من حق العلماء والشيوخ . كان يهاب شيخه حتى وهو فى عالمه الآخر وذكرياته معه لا تزال حاضرة فى قلبه تلح عليه كلما جاءت مناسبة له أو حديثا عنه . قال غير مرة لتلاميذه وأصحابه
ــ ما هبت أحدا قط هيبتى من مالك ..
لكن ما الحيله وهو يعلم أن أستاذه فى نهاية الأمر بشر يجتهد رأيه فيخطئ ويصيب ككل البشر . وله مع ذلك أجرا إذا أخطأ وأجران إذا أصاب . أخرج الشافعى من عباءته علوما ما سمع بها أهل مصر من قبل غيرت كثيرا من مفاهيمهم حول أركان الإسلام مثل الصلاة والزكاة والحج وما يتعلق بها من فروع وتفصيلات . أيضا ما يتعلق بسائر التكاليف والتشريعات والأقضيه ..
ظل أياما على هذا المنوال يتحامل على نفسه ذاهبا كل يوم إلى زاويته يطعم الناس علومه ويرشدهم إلى الصواب فى أمور دينهم . حتى غلبه المرض وأقعده فلم يجد مناصا من البقاء فى داره رغما عنه لا يستطيع حراكا . وبعد أيام بدأت الآلام ترتحل عنه شيئا فشيئا وأخذ يستعيد بعضا من قواه التى افتقدها أياما طويلة مرت عليه كأنها دهر من الزمان ..
فى تلك الأثناء زاره صديق عمره عبد الله بن عبد الحكم ومعه ولده محمد . كان الشافعى يكن لهذا الفتى مودة خاصة ويحبه كأحد أبنائه . حتى أنه تحامل على نفسه وهو لا يزال عليلا قبل أيام وذهب ليعوده لما علم بمرضه فلما رآه راقدا فى فراشه يكابد مشقة المرض حزن فى نفسه عليه حزنا شديدا ورجع إلى داره مهموما كاسف البال . مضت أيام قلائل وجاء الولد برفقة أبيه بعد أن عوفى من مرضه ليعود أستاذه وشيخه . رآهما الشافعى وهما لدى الباب فهب من فراشه وهو يشعر بالعافية تسرى إلى بدنه قائلا
ــ أهلا ومرحبا بالأحباب ..
هرع إليه صديقه ليعيده إلى فراشه وهو مشفق عليه فقال له الشافعى
ــ دعنى أيها الصديق والصاحب لقد برئت لتوى من علتى لرؤية ولدى محمد بعد أن عافاه الله وصرف عنه ما كان فيه ..
ثم أنشد مرتجلا :
مرض الحبيب فعدته .. فمرضت من حذرى عليه ..
وأتى الحبيب يعودنى .. فبرئت مـن نظـرى إليه ..
@ وذات يوم تهيأ للخروج من داره قاصدا زاويته فى مسجد الفسطاط العتيق بعد أن أقعده المرض أياما . نادى على ولده الذى صار له من العمر عشرون عاما كاملة يتعجله للذهاب معه كعادته مذ جاء إلى مصر وبالذات فى الأيام الأخيرة لما اشتد المرض عليه وأنهك قواه لم يعد قادرا على الخروج وحده دون مساعدة ولده . كان يتخذه تكأة يستند على كتفيه فى الطريق ..
ــ هيا بنا يا أبا عثمان لقد تأخر بنا الوقت يا ولدى ..
جاءه صوته ملبيا من داخل الدار ولم يلبث أن خرج عليه مسرعا وهو يحكم رداءه حول خاصرته . وقبل أن يأخذ بيد أبيه ليخطو به خارج الدار توقف الشافعى مكانه وهو يحملق فى وجهه الذى بدا مهموما كئيبا على غير عادته ثم قال له
ــ مالك يا أبا عثمان أراك مهموما حزينا . و تبدو عليك آثار السهد والأرق . مالك يا ولدى , صارح أباك ؟.
قال ذلك بعد أن استدار جالسا وأشار لولده أن يجلس إلى جواره فى ردهة الدار ليحكى له عما أهمه وأرق جفونه . قال متلعثما بعد أن ظل يراوغ ويتعلل بعلل واهية :
ــ الحقيقة يا أبت أنى سمعت بالأمس كلاما عليك أثار ضيقى وحنقى وعز على أنى لم أقتص من قائله بل عففت لسانى من الرد عليه ..
تبسم الشافعى قائلا فى هدوء وسكينه
ــ ما هى الحكاية يا أبا عثمان ؟.
ــ كنت بالأمس أسير فى سوق القناديل فمررت على جماعة يجلسون أمام أحد الدكاكين متحلقين حول شيخ الزاوية المالكيه ..
ــ من فيهم ؟. آه ,فهمت. لعله أشهب بن عبد العزيز ؟.
ــ أجل يا أبت ..
ــ إيه .عجيب أمر هذا الشيخ . ما أخرجت مصر أفقه منه لولا طيش ورعونة فيه . المهم أكمل يا ولدى ..
ــ لما رآنى رفع صوته وقال كأنه يحدث من حوله ليسمعنى …………
ــ أتحسبون هذا الحجازى المدعو محمد بن إدريس فقيه حقيقة ؟. إنه ليس بفقيه البته كما يدعى ويروج له أصحابه . إنه يتخبط فى أقواله ويتطاول على شيخه ومعلمه ثم يدعى ويقول مداريا : ما أحدا أمن على من مالك بن أنس . كيف يدعى ذلك الإفك فى ذات الوقت الذى ينشر على الملأ كتابه الذى ملأه بأباطيله وافتراءاته على معلمه ؟……………
ضحك الشافعى قائلا ...
ــ أهذا ما أحزنك يا ولدى وأغمك وأرقك ؟.
قال ذلك ثم ربت على كتفيه قائلا ...
ــ يا ولدى …
إنى نشأت وحسادى ذوو عدد .. رب المعارج لا تفنى لهم عددا ..
رد ولده فى الحال معقبا وقد بدا ضيق الصدر رغما عنه ...
ــ تدعوا الله يا أبت لحسادك والحاقدين عليك أن يبقيهم ويزيدهم عددا ؟.
إتسعت ابتسامة الأب قائلا ...
ــ ولم لا أفعل يا أبا عثمان ؟. كل ذى نعمة محسود . يا ولدى دعائى لهم بالبقاء والزيادة هو دعاء منى إلى الله تعالى أن يبقى على ما أولانى من نعم وأن يزيدنى منها . ألم يأمر النبى "صلى الله عليه وسلم" أن يطلب الزيادة فى العلم لما قال له “ وقل رب زدنى علما “ هل أمره بالزيادة من شئ آخر بخلاف العلم ؟.
هز الإبن رأسه ساكتا دون أن يعقب فأردف الأب ...
ــ ما دمت تعلم هذا فلم الحزن والغضب ؟.
ــ يا أبت هذا الذى قاله لم يحزننى وإن أساءنى وأغضبنى . إنما الذى أحزننى هو ما سمعته منه بعد ذلك ..
ــ ماذا سمعت منه يا ابن الشافعى ؟.
ــ بعد أن فرغ من شتائمه وإهاناته رفع يديه للسماء وأخذ يدعو عليك قائلا ... اللهم أمت الشافعى ولا تجعل له مقاما بيننا وإلا ذهب علم مالك ..
رد الشافعى مبتسما وهو يتهيأ للقيام من مجلسه استعدادا للخروج :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت .. فتلك سبيل لسـت فيها بأوحد ..
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم .. لئن مت ما الداعى على مخلد ..
هات ذراعك يا أبا عثمان لأتكئ عليها وهيا بنا إلى الدرس لقد مضت أيام لم أخرج فيها إلى الناس . سنعرج فى البداية على دار السيدة نفيسه نسلم عليها ونسألها الدعاء قبل أن نمضى إلى مسجد أهل الرايه أو تاج المساجد كما يسميه المصريون . هيا يا ولدى وإياك أن تلتفت مرة أخرى لمثل هذا الصغار أو تشغلنك أمثال تلك الترهات عن علومك ودروسك ..
@ بلغت سمعة الشافعى أطراف البلاد فى الشمال والجنوب فكانت ترد عليه وفود القبائل من صعيد مصر وشمالها يحكمونه فى قضاياهم ,وتأتيه الرسائل منهم يستفتونه فى أمور دينهم آخذين منه حكم الشرع فيما يشكل عليهم من قضاياه . جاءه ذات مرة جماعة من صعيد مصر يسألونه عن قول الله عز وجل : "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" قال لهم ...
ــ لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا . وهو دليل على أن أولياءه يرونه يوم القيامه ..
سأله كبيرهم وقد تهللت أساريره من إجابة الشيخ ...........
ــ هل تدين بهذا يا سيدنا ؟.
ــ والله لو لم يوقن ابن إدريس أنه يرى ربه فى المعاد لما عبده فى الدنيا ..
وفى ذات مرة جاءه رجل , سأله الشافعى عن حاجته فقال له .............
ــ مسألة فى الميراث ..
ــ هات مسألتك ..
أعطاه رقعة مكتوبا فيها :
رجل مات وخلف رجلا .. ابن عم ابن أخى عم أبيه
أجابه الشافعى فى الحال مرتجلا :
صار مال المتوفى كاملا .. باحتمال القول لا مرية فيه ..
للذى خبرت عنـه أنه .. ابن عم ابـن أخى عم أبيه ..
وكان مجلسه لا يخلو من طرف ودعابات تفرضها أسئلة البعض من الظرفاء . كانوا يعرفون عن الشافعى موهبته فى الشعر وسرعة بديهته فى الرد . من هذه المرات أتاه أحد المصريين يقول :
ماذا تقول هداك الله فى رجل .. أمسى يحب عجوزا بنت تسعين ؟.
إبتسم الشافعى قائلا :
نبكى عليه فقد حق البكاء له .. حب العجوز بترك الخرد العين ..
@ وجاء أحد الناس إلى مجلسه ذات مرة وسأله ..........
ــ أى الأعمال عند الله أفضل ؟.
ــ ما لا يقبل عمل إلا به ..
ــ وما ذاك ؟.
ــ الإيمان بالله الذى لا إله إلا هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا ..
ــ سمعنا أنك تقول أن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص ؟.
تفرس الشافعى فيه برهة وقد لاحظ تململ أصحابه منه لمعرفتهم به وبنهجه الشاذ وأفكاره الضاله ثم سأله .........
ــ وما تقول أنت فيه ؟.
ــ أقول أن الإيمان قول يكفى فيه الإقرار باللسان والتصديق بالقلب أما الأعمال فإنها شرائعه ..
ــ ما اسمك يا رجل ؟.
ــ إسمى حفص الفرد ..
رد الشافعى فى لهجة ساخرة لاتخلو من حدة واستنكار ..............
ــ بل حفص المنفرد . علمت ساعة وقعت عينى عليك أنك من أهل الأهواء وأصحاب البدع أولئك القائلين بخلق القرآن . أفى هذا الذى تدعون إليه كتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمه وواجب على الناس البحث فيه ؟.
ــ لا . إلا أنه لا يسعنا خلافه ..
ــ قد أقررت على نفسك الخطأ أين أنت من الكلام فى الأخـبار والفقه ؟.
رد فى لهجة مستفزة وهو يكتم ضيقه وتبرمه ..........
ــ دعنا من هذا وأخبرنى أنت عن الإيمان ؟.
ــ الإيمان عمل لله والقول بعض ذلك العمل ..
ــ صف لى ذلك حتى أفهمه ؟.
ــ إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات منها التام المنتهى والناقص البين نقصانه والراجح الزائد رجحانه ..
ــ ما الدليل على ذلك ؟.
ــ إن الله فرض الإيمان على جوارح بنى آدم فقسمه فيها وفرقه عليها . ليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى . فمنها أمير جوارحه وسيدهم قلبه الذى يعقل به ويفهم ويفقه وعيناه وأذناه ويداه ورجلاه وفرجه ولسانه ورأسه . وسمى الله تعالى الطهور والصلوات إيمانا فى كتابه فى قوله تعالى مبشرا المسلمين أنه يقبل صلاتهم التى صلوها إلى بيت المقدس قبل تغيير القبله : “ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيـم “ . فمن لقى الله حافظا لصلواته وجوارحه لقيه مستكمل الإيمان . ومن كان لشئ منها تاركا لقى الله ناقص الإيمان ..
ــ هذا عن إتمام الإيمان ونقصانه فما الدليل على أنه يزيد ؟.
ــ قول الله جل ذكره : "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا . فأما اللذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون . وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافـرون" ولو كان هذا الإيمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة لم يكن لأحد فيه فضل واستوى الناس وبطل التفضيل . لكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنه وبالزيادة فيه تفاضلوا بالدرجات عند الله وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار . كل امرئ على درجة سبقه لا ينقصه الله حقه ولا يقدم مسبوق على سابق ولا مفضول على فاضل . ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه للحق آخر هذه الأمة بأولها ..
@ ولم يكن الشافعى يستنكف أو يجد حرجا فى إعلان آراء وأحكام فى مصر تخالف ما كان يقول به قبل ذلك فى الحجاز والعراق . لم يتمسك برأى أو يتعصب لفتوى ,بل غير كثيرا من آرائه وفتاواه السابقه . من ذلك أن شيخا طاعنا فى السن سأله ذات مرة ............
ــ يا إمام إنى رجل بلغت من العمر أرذله وأجد مشقة كبيرة فى صوم شهر رمضان . هل لمثلى أن يفطر ؟.
ــ الشيخ الذى تلحق به مشقة شديدة إذا صام وأن يجهده الجهد غير المحتمل . وكذلك المريض الذى لا يرجى برؤه لا صوم عليهما أبدا لقوله تعالى ‘‘ وما جعل عليكم فى الدين من حرج ‘‘ ..
ــ وهل على فدية إذا أفطرت ؟.
ــ كنت أقول من قبل وأنا بالحجاز أنه لا فدية عليهما لأنه سقط عنهما فرض الصوم كالصبى والمجنون تماما وهو قول مكحول وربيعة ومالك وأبا ثور . لكن ثبتت لدى أدلة أقوى تجعلنى الآن أقول بوجوب الفديه وهى مدٌ من طعام لكل يوم برا أو تمرا أو شعيرا أو غيرها من أقوات البلد . به قال طاوس وسعيد بن جبير والثورى والأوزاعى وذلك لقول ابن عباس رضى الله عنهما : "من أدركه الكبر فلم يستطع صيام رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح" . وقال ابن عمر رضى الله عنهما : "إذا ضعف عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا" . وروى أن أنس بن مالك رضى الله عنه ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم ..
فتح الموضوع شهية جماعة العلم للسؤال والحوار . تنحنح الفتى محمد بن عبد الحكم قائلا .............
ــ ما الحكم إذن فيمن فاته الصوم أو غيره من نذر أو كفارة لعذر وأمكنه القضاء ثم أدركه الموت قبل أن يقضى ما عليه . هل يصح قيام وليه بقضاء ما عليه أم تجب الفدية فى تركته أم لا شئ عليه ؟.
ــ من فاته لعذر شئ من صيام رمضان أو نذر أو كفارة فمات على حالته التى هو فيها كالسفر أو المرض قبل إمكان القضاء فلا تدارك له بفدية أو قضاء ولا إثم عليه . لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج مثلا . أما سؤالك الذى تسأل عنه فهو حكم من فاته شئ من ذلك بعذر أو بغيره فمات قبل القضاء عليه وبعد التمكن منه أليس كذلك ؟.
ــ بلى يا سيدى الإمام ..
ــ كنت أقول من قبل فى هذا أن الوالى بالخيار إن شاء صام عنه وإن شاء أخرج عنه من تركته لكل يوم مد طعام وتبرأ ذمة الميت بأيهما فعل . إستنادا إلى حديث ورد فى ذلك عن السيدة عائشه وعبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما . لكن تبين لى بعد البحث أنهما لم يعملا به ووجدت رأيا آخر لابن عمر وابن عباس وعائشه وبه قال شيوخنا مالك وأبى حنيفه وغيرهم أنه من فاته الصوم فمات قبل القضاء وبعد التمكن فإنه يجب فى تركته لكل يوم مد من طعام ولا يصح لوليه أن يصوم عنه ..
يتبع .. إن شاء الله ...........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
التعديل الأخير تم بواسطة : د أنس البن بتاريخ 07/06/2011 الساعة 18h12
|

11/05/2011, 22h49
|
 |
عضو سماعي
رقم العضوية:575018
|
|
تاريخ التسجيل: April 2011
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
العمر: 47
المشاركات: 27
|
|
|
|
رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن
سيدى الفاضل
د انس البن
عجزت اليد عن الكتابة بعد قراءة المقدمة الجميلة فقط
وحضرتك بتتكلم عن نجم من نجوم العلم وكوكب من كواكب الاسلام
الذى انار الله به الارض بعد الانبياء والمرسلين
والله عجز العقل عن التفكير لكتابة رد يليق بحضرتك على مجهودك الجبار
وفقك الله الى ما يحبه ويرضاه
وجعله فى ميزان حسناتك
ارجو التكملة
__________________
وما من كــاتب إلا سيفنى … ويبقى الدهر ما كـتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شىء … يسرك يوم القيامه ان تراه
|

19/05/2011, 19h30
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد رمضان ماضي
بسم الله الرحمن الرحيم
أديبنا ودكتورنا الدكتور أنس
إنني علي أحر من الجمر، لترسم ريشتكم نهاية هه الملحمة ،لأطالعها من البداية للنهاية ، فلقد إعتدت القراءة المتواصلة،
فلوحة الفنان الجميلة ترى مكتملة لا مجزئة،
انني أنتظر وكلي شوق،
أدآم الله عليكم الصحة والعافية،والمزيد من الإبداع
تلميذ على باب الأدب
محمد ماضي
|
صديقى الحبيب محمد ماضى
أرجو أن تقبل شديد اعتذارى عن غفلتى التى لا أعلم لها سببا والتى جعلتنى لا أرى مداخلتك الطيبة هذه وأنا أحاول ترتيب الصفحات
لك كل الشكر والتحية على كلماتك النابعة من قلبك الطيب وأعدك أن أنتهى من تلك الصفحات فى سيرة مولانا الشافعى فى الأيام القليلة القادمة بإذن الله إن كان لنا عمر
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
|

07/06/2011, 18h23
|
 |
رحمه الله
رقم العضوية:688
|
|
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
|
|
|
|
رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن
@ فى اليوم التالى شوهد والى مصر واقفا على عتبة دار الشافعى يلتمس الإذن فى الدخول عليه ....
ــ قولى لسيدك والى مصر بالباب ..
نزل الشافعى من غرفته أعلى الدار وكلمات الترحيب بضيفه تسبقه . وبعد أن تبادلا عبارات الترحيب والمجامله قال له الوالى ....
ــ علمت بالأمس فحسب ما جرى لك من هذا الفتى الأحمق فتيان بن أبى السمح بعد أن رفع إلينا بعض أصحابك أمره وعلمنا من تطاوله عليك ما آلمنا وأثار غضبنا . لقد نال بعض جزائه الذى يستحقه وأمثاله ..
ــ ما كان على أصحابنا أن يفعلوا ما فعلوا فإنى لم آذن لهم فى شكايته ..
ــ يا إمام مصر لو لم يأتنى أحد وعلمت بما كان منه معك لفعلت فيه ما فعلت وأكثر. إنكم آل بيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لكم مكانتكم فى نفوسنا ومنزلتكم فى قلوبنا وما جئت إلى دارك إلا كى أطيب خاطرك وأعتذر لك عما فعله أولئك السفهاء ..
ــ لقد فعلوا أكثر من ذلك مع من هو خير منا وما تغير قلبه منهم بل عفا عنهم ودعا لهم وقدم العذر فقال "صلى الله عليه وسلم" : [ اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون ] . ونحن لنا فى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أسوة حسنه والحمد لله على ذلك ..
ــ بارك الله لنا فيك يا أبا عبد الله ..
ــ أما ما نقلوه عنى أو ادعوه على يا سيدى الوالى فباطل كله . إن مالك شيخنا وأستاذنا ,وليس مثلى من يقول فيه رأيا فإنه كان مقدما عند أهل العلم قديما بالمدينة والحجاز والعراق معروفا عندهم بالفضل والإتقان فى الحديث ومجالسة العلماء . لقد رأيت شيخنا سفيان بن عيينه إذا ذكره رفع بذكره وكثيرا ما حدث عنه . وكان شيخنا مسلم بن خالد الزنجى وهو مفتى أهل مكة وفقيهها فى زمانه يقول لنا : جالست مالك بن أنس فى حياة جماعة من التابعين منهم زيد بن أسلم ويحي بن سعيد وهشام بن عروه . سيدى الوالى لولا مالك وابن عيينه ما حفظ أحد أحاديث أهل الحجاز ..
ــ ليتك تزيدنى بيانا ,لم إذا خرجت على الناس بهذا الكتاب فى خلاف مالك والذى أثار كل هذا الجدل واللجاج ؟.
ــ شيخنا مالك بن أنس حبيب إلى قلبنا ,لكن الحق أحب إلينا منه وهو بشر يخطئ ويصيب ككل البشر . كنت فيما مضى ألقى بآرائى خالفت أو وافقت رأى أستاذنا من غير نقد له فلما قدمت إلى مصر لم أكن أعرف أن مالكا يخالف من الأحاديث إلا ستة عشر حديثا . نظرت فإذا هو أحيانا يقول بالأصل ويدع الفرع وأحيانا أخرى يقول بالفرع ويدع الأصل . ثم علمت أن من المسلمين قوما إذا حدثتهم بحديث لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" يعارضونه بقول إمامنا وشيخنا مالك وآخرين يقدسون آثاره وثيابه فى بعض البلدان . أدركت أن هناك خلل ما وأن الناس مقدمون على أمر خطير . إذ يعارضون بأحاديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أقوال من يصيب ويخطئ وما كان لأحد مهما تكن منزلته مع الحديث رأى . فما دفعنى لوضع هذا الكتاب والخروج به على الناس إلا واجبى نحو الدين والعلم . الواحد منا عليه أن يجتهد وأن يفهم ما يسمعه ولا يقلد أحدا كان ما كان ,فإنه من تكلف ما جهل ولم تثبته معرفة كانت موافقته للصواب غير محموده وكان بخطئه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب . فلا محمدة للمقلد ولا عذر له لأنه كحاطب ليل يقطع حزمة الحطب فيحملها دون أن يفتش فيها ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدرى . لهذا أغفل بالتقليد من أغفل منهم وعليه أن يستغفر ربه ,والله يغفر لنا ولهم ..
ــ لكنهم يأخذون عليك أنك تقول بخبر الواحد ؟.
ــ هل أنا صاحب بدعة فى هذا ؟. ألم تنقل أم سلمه لامرأة حكم السنه فى من قبلها زوجها وهو صائم . والرجل الذى نقل إلى الناس حكم القرآن فى تغيير القبله لما جاء إلى أهل قباء يقول لهم إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قد أمر أن نستقبل الكعبة بقرآن نزل فاستداروا جميعا وهم فى الصلاة إلى الكعبه . وعندما حرمت الخمر تحريما قاطعا كيف أن رجلا نقل إلى الصحابة هذا الحكم فكسروا الجرار بالمهراس دون انتظار لأن ينقل الخبر جماعه ولم يطلبوا منه أن يجئ لهم بمن يؤيد كلامه . ألم يبعث رسول الله "صلى الله عليه وسلم" اثنى عشر رسولا إلى اثنى عشر ملكا يدعوهم إلى الإسلام وولى على الناس العامل وحده بعد العامل ولم يكن لأحد أن يقول للوالى أو المبعوث أو الخليفة أو القاضى أو أمراء السرايا وهم آحاد أنت واحد ولا نأخذ منك . والولاة من القضاة يقضون فتنفذ أحكامهم ويقيمون الحدود وينفذ من بعدهم أحكامهم ..
ــ معذرة يا شيخنا ,لى تعقيب على ما تقول ..
ــ تكلم بما شئت ..
ــ إن عمر بن الخطاب لم يقبل بهذا بل كان يستوثق ويطلب أن يزكى الراوى آخر ؟.
ــ كان ذلك منه رضى الله عنه زيادة فى الحيطه . الزيادة فى التأكيد ليست مانعة أن تقوم الحجة بالواحد . قد رأيت من الحكام من يثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثه فيقول للمشهود له زدنى شهودا وإنما يريد بذلك أن يكون أطيب لنفسه ولو لم يزده المشهود له على شاهدين لحكم له بهما . ومع قولى بخبر الواحد فإنى لا أقول بأنه قطعى الثبوت كالسنة المجمع عليها فهى كالكتاب العزيز قطعية الثبوت ومن شك فيهما خرج عن الإسلام . أما خبر الواحد فإنه جاء على الإنفراد ,ولو شك فيه أحد لم نقل له تب ,بل نقول له ليس لك أن تشك إن كنت عالما كما ليس لك أن تقضى بشهادة الشهود العدول وإن أمكن فيهم الغلط ,ولكن تقضى بذلك على الظاهر من صدقهم ..
رد الوالى قبل أن يقوم مستئذنا ....
ــ بارك الله فيك يا عالم قريش وزادك علما ونفع الناس بعلومك . هل من موعظة يا إمام ؟.
ــ أيها الوالى أنظر من يكون صاحبك فإنه يحبك أو يبغضك . وانظر من يكون كاتبك فإنه يعبر عن عقلك الظاهر إلى الناس . وعف عن أموال الناس يكثر شكرهم لك وإياك والإنبساط إلى رعيتك فتذهب هيبتك ..
يتبع .. إن شاء الله ...........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
|
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
|
|
|
| أدوات الموضوع |
|
|
| طرق مشاهدة الموضوع |
العرض المتطور
|
تعليمات المشاركة
|
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts
كود HTML معطلة
|
|
|
جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 22h32.
|
|