رد: قطرات من مداد قلم الشاعر السمعجي كمال عبد الرحمن
( 6 )
شارع واسع و هادىء .. يقع أمام ( بيتزا هت ) في أول الهرم ، لحظات ،
و سأجد نفسي في مغارة علي بابا ، تلك التي حدثني عنها غازي كثيرا ،
فهناك ما هو أغلى و أثمن من الذهب و المرجان و الياقوت .. هناك اسطوانات نادرة بالمئات .. تحمل تراثا لا تعرفه الميديات .. و جرامافونات
( سينييه ) .. و نوادر لم يطلع عليها إنس و لا جان منذ العشرينيات
كان البواب في استقبالنا ، و تقدَمَنا حتى باب المغارة .. طـَرَقات بسيطة على الباب كانت بالنسبة لي بمثابة ( إفتح يا سمسم ) ..
فتحت لنا الخادمة بلباسها الريفي ، و أشارت لنا بالدخول إلى الصومعة ..
بينما وقف الدكتور محمد الباز بهيئته المهيبة ، و ملامحه التي ذكرتني ب ( بيتهوفن ) في البورتريه الشهير الذي أبدعه الألماني جوزيف كارل شتيلر
إستقبلنا الدكتور الباز بترحيب حار و تلقائي .. و خطونا نحو ( الصومعة ) أو البرج النائي في سماوات الفن .. و بدأتُ أتأمل المكان بمجرد جلوسي ،
بينما مستضيفـُنا ، يضع إحدى نوادره ( اسطوانة ل أسما الكمسارية )
في واحد من الجرامافونات التي احتلت الأركان ..
صالة ( هُول ) واسع ، برز أحد أركانه على شكل محراب ، و قد تدلت من منتصفه مشكاة فضية ، بينما استقرالجرامافون الفخيم في الزاوية المقابلة ، يقابله على استقامته جرامافون آخر ، يمنح شعورا بالسيميترية و التوافق الجمالي ..
و أخذنا نتمايل طربا مع كوكبةٍ من مطربي الزمن الجميل .. بينما الأستاذ الآلاتي يتحدث عن جماليات الإيقاعات و المقامات
أما الدكتور الباز ، فقد بدا و هو يغمض عينيه طربا و نشوة ، أنه
تلاشى من المكان ، و انخطف في عوالم أخرى لا ندري عنها شيئا !!
جاءت جلسته على الكرسي المجاور ، و همس لي الرجل المتيم بالاصالة قائلا : أتعرف ..تلك هوايتي الوحيدة ، فأنا عاشق لأصيل الغناء و قديمه ، و ذائقتي توقفت عند الستينات ..
ذائقة صائبة ، نعم .. الستينات ..ألم يتضاءل الإبداع منذ تلك الحقبة ، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه من غثاثة !
__________________
رد: قطرات من مداد قلم الشاعر السمعجي كمال عبد الرحمن
(7)
و أسعدني الحظ بالاطلاع على ذلك الألبوم المتخم بما أعرف و ما لا أعرف من أسماء المطربين القدامى ، و الذي يمثل ( ببلوجرافيا ) تحوي أسماء مقتنيات الدكتور الباز من الأسطوانات .. و أخذت أتأمل أسماء الأغاني و المطربين ، أ َذكر :
عبد اللطيف البنا # يوسف المنيلاوي # عبد الحى حلمي # فوزية المسيري # سكينة حسن # أحمد عبد القادر # عباس البليدي # زينب المنصورية # منتهى الوحيدة # نادرة أمين # بدرية سعادة # رتيبة أحمد # سيدالصفطي# أبو العلا محمد # نرجس المهدية # ودودة بدر# ثرياقدورة # أمينة العراقية # خيرية السقا # فاطمة سري# محمود صبح # مديحة عبد الحليم # نجاة علي # الشيخ محمد سليم # زكي مراد # لور داكاش # سليمان أبو داوود # نعيمة المصرية # شافية أحمد # ليلى حلمي # صالح عبد الحى # منيرة المهدية # أسما الكمسارية # فتحية أحمد # سرينا المصرية
أما أباطرة عرش الغناء و سلاطينه فلهم نصيب الأسد في مقتنيات المغارة و في مقدمتهم محمد عبد الوهاب ..
و كانت متعتي بالغناء عبر بوق الجرامافون الذي يشيع صوتا ً له نكهته الخاصة ، و المداخلات الفنية لأستاذنا الآلاتي ، تكتمل بحواري مع الدكتور الباز ، و التدفق المعلوماتي الهائل للدكتور أسامة ..
إستمعنا إلى اسطوانتين ، أثارتا الضحك و الدهشة معا ، الأولى تحتوي على وصلة ( رَدح ٍ ) ساخنة بين امرأتين ، و أعتقد أنها تعود للعشرينيات ،
و الثانية ( زفة الـ.....)، و أخذ كل منا يدلي برأيه في هاتين الاسطوانتين ..
غير أن د. أسامة القفاش ، أخذ يؤكد بحماس على ضرورة تأصيل مثل هذه الأعمال باعتبارها جزءا من تراثنا ، و تحدَّثَ فيما يشبه ( التنظير ) عن وجوب تجاهل الترفع الزائف ، فيما يخص بعض الألفاظ و الإيحاءات ،التي تعودنا أن ضعها في خانة ( خدش الحياء ) ، و أخذ يضرب أمثلة ً بمُغنين غربيين من عدة دول ، و في حقب زمنية مختلفة .. هذا الرجل ( موسوعة ) تمشي على قدمين !!
كان الحضور قد تشرف ب ( مريم ) إبنة الدكتور الباز ، تلك العصفورة الصغيرة التي جاءت تحلق في عالم ( الخشونة ) ، بمعالمه الرجولية من شوارب و سجائر، و صلعاتٍ لامعة .. و هفت نسائم البراءة الطفولية في محيط المكان ، و هى تحيي ضيوفها ، و تقول في خجل أنها تحب غناء
( فايزة أحمد ) ، فابتهج الجميع ، ومن يدري ، لعل جيلا جديدا في عمر مريم (7سنوات تقريبا ً) ينجح في استرداد ذائقة الفن الأصيل !!
__________________
رد: قطرات من مداد قلم الشاعر السمعجي كمال عبد الرحمن
( 8 )
و انطلق جرس باب ( الصومعة ) ، و جاء الدكتور الباز ، ليبشرنا بقدوم الدكتور راضي .. حامل أختام كنوز السلطنة ، و كبير ياوران الغناء ، و ألقاب أخرى عرفته بها ، كبير الظرفاء .. العمدة ..
تذكرتُ ساعتها ، أولَ موقع تحسستُ خطاىَ نحوه في الغناء ( سواري ) ، و الذي كان يقدم الكثير من تـُحَفِهِ الغنائية تحت مسمي ( إهداء خاص من الدكتور راضي حامد ) .. و أذكر أنني راسلت الأستاذ سامر ( المسئول عن سواري ) لأكثر من مرة ، و حملته أمانة تحياتي لهذا الرجل الذي لا أعرفه سوى من إهداءاته لنوادر الغناء ..
الدكتور راضي .. رجلٌ ذو ( كاريزما ) و حضور طاغ ، نبرات صوته واضحة ، و يتحدث في ثقة و قوة ، و يملك خزائنا من الخبرات الفنية الغنائية و الموسيقية ، حتى التفاصيل الصغيرة ( ما وراء كواليس الفن ) يعرفها.. بما فيها الحالة الإجتماعية و الاقتصادية لكثير من أساطين الغناء و نجومه ..
كنا قد نجحنا في إثناء الدكتور أسامة عن الإنصراف لموعد مهم ، و استبقيناه معنا لنصف ساعة ، إلا أن الموبايل ( المُلِحّ) ، لم يترك لنا أو له
فرصة أخرى ، فانصرف بعد وعد بلقاء في أقرب فرصة ، تاركا ً نفحات
ثقافته ( الحادة ) تعبق في المكان ، مدعومة ً بكيس الفستق الكبير الذي
أفرَغه في ( البونبونيرة ) ، و تركنا ( نتفـستق ) أثناء تحليقنا في سماوات الشدو التي تفتح مداها عبر بوق الجرامافون الفخيم ..
و كأن ( ميكروفونا ) خفيا يتنقل بين الحضور ، قد استقر عند الدكتور راضي .. فتعلقت العيون به ، و هو يتحدث عن حفلات الأوبرا ، ورئيس دار الأوبرا الذي يعرفه شخصيا .. حتى الدكتور ناصر الانصارى ، صاحب الكتاب الشهير( حُكام مصر ) ، و رئيس دار الأوبرا السابق ، هو صديق له ..
وتحدث عن غناء جيل الوسط .. و حفلات الغناء التي تنطلق من الجامعة والتي كان و ما زال يرعاها ....
و شاركه الجميع فرحته بالتخلي عن ( العكاز ) الذي أشار به عليه الطبيب المعالج ، إثر حادث عارض ..
و انطلق الحديث بعد ذلك عن ( الإبَر ) المستخدمة في تشغيل الأسطوانات ،
و شارك في حديث ( الإبر ) الدكتور راضي و الدكتور الباز و الأستاذ الآلاتي و المهندس محمد علي.. و بدا أنهم يعرفون ( أرقامها ) و كفاءتها ، و أين تباع ، كنت مندهشا للغاية لخبرتهم في مثل هذه التفاصيل !
و كان حوار د.راضي مع المهندس محمد علي شيقا للغاية ، و هما يتناولان محمد قنديل اجتماعيا ، فهما يعرفان أسرته ، و بيته ، و حفلاته التي غنى فيها داخل مصر و خارجها .. فكنت بمثابة تلميذ ، يتعلم من أساتذة أخلصوا لهوايتهم .. فإذا تحدث ( الآلاتي ) عن الموسيقي و المقامات ، أصغى الجميع ، و إذا تحدث د. راضي عن ( أصحاب الكار ) ، و ملفاتهم النادرة ، و ملابسات حياتهم اجتماعيا و فنيا ً ، أصغى الجميع ،
أما الدكتور الباز ، فقد أخذ يقص مغامراته التي خاضها و يخوضها ، للحصول على الدرر النادرة ، و هناك شخصية تستحق وقفة طويلة و متأملة ، تحدث عنها الدكتور الباز ( الحاج جرجس ) .. و الذي يستحق أن تـُفرد له صفحات تروي تاريخه الطويل مع مقتنيات نوادر الطرب ..
__________________
رد: قطرات من مداد قلم الشاعر السمعجي كمال عبد الرحمن
( 9 )
و أثناء تلك الحوارات الدافئة ، إتصل الدكتور أدهم عثمان ، و أخذنا نتناوبُ موبايل الأستاذ غازي ، الذي يحمل صوت الدكتور أدهم ، و تحدثتُ معه مغمورا بسعادة لا حد لها ، و ليس في ذهني سوى مداخلاته المتميزة بخفة الدم ، و رشاقة العبارات ، و أشعاره المبهجة .. وأطمئننتُ على صحته ، متمنيا ًله عاجل الشفاء ، و أعربت له عن افتقادي لوجوده بيننا ..
و لم تمض دقائق ، حتى حمل الهاتف تحيات الأستاذ سيد المشاعلي ، و أسفه لعدم الحضور ، و لم يسعدني الحظ بالتحدث إليه ..
و يبدو أن مغارة علي بابا ، قد تضاءلت أمام مغارة الدكتور محمد الباز ،
فالمغارة الأسطورية ( على حَد علمي ) ، لم تحو ِ في سراديبها حماما ً محشوا ً ، و لا كبابا و كفته ، و لا دجاجا مشويا على الفحم ، و لا حتى صنوفا من المحاشي و المشهيات .. كل تلك الأطايب من الطعام ( و يزيد ) ، أتت على شكل جبال مرتفعة ، يغطيها ورق ( الفويل ) الفضي اللامع ، و أخذت موقعها المُقـَدَّرَ لها على السُّفرة الرخامية الكبيرة .. و همس الآلاتي : إيه يا جدعان .. دا احنا لسة ضاربين كوارع و لسان و لحمة راس و مومبار من ساعتين تلاتة
لكن ما فيش مانع برضو ....
تحلقنا حول السفرة البيضاوية ، التي كانت بمثابة ( نقلة نوعية ) بين مكانين ، و طعامين ، يفصل بينهما ساعات قليلة .. فكانتا وليمتان متخمتان بالأطايب ، الأولي لها روح شعبية ، و ضاربة بجذورها في عمق التاريخ
، و الثانية لها فخامة القصور ، و حداثة الحاضر ، و أريحية الملوك ..
و لم يتوقف أبو حسام عن دعاباته ، متغزلا ً في ( الحمام ) رمز السلام..
و لما كانت الشوكة و السكينة بمثابة ( معوق ) في مثل تلك المواقف ، فقد نحاها البعض جانبا ، و أخذ يتفاهم مع ( المحمر و المشمر ) على طريقته الخاصة ..
و انتهينا من الطعام .. وجبتان دسمتان في يوم واحد .. و وجبات دسمة فنية و ثقافية متلاحقة ، تـَترىَ على ألسنة رجال ٍمخلصين و محبين لهوايتهم ..
هواة في مقام متخصصين .. و رنوت نحو الأستاذ غازي ، الذي تغمره الفرحة بهذا الحشد ، فهو الذي يربط كل الخيوط ، و يلم شمل الأحباب ..
إنسان نقي و تلقائي و مرح .. كان قد أخذ يشارك عادل في تصفح الصور ( الهائلة ) التي يقتنيها د. الباز ، للأفلام القديمة ، و اتضحت موهبة الأستاذ عادل في التعرف على أسماء ( الكومبارس ) الذين ارتبطنا بهم وجدانيا ً ، دون أن نسعى للتعرف على أسمائهم .. و قد عرفت منه فيما بعد ، أن لديه مكتبة ضخمة ، تحوي أفلاما ً و مسرحيات ( أبيض و أسود ) ، تكفي لتدشين موقع على النت !
رد: قطرات من مداد قلم الشاعر السمعجي كمال عبد الرحمن
(10)
و حانت لحظة الإنصراف ، فهبطنا من علياء برج الهُيام و التبتل ،
تاركين وراءنا محاولات الدكتور الباز الكريمة لاستبقاءنا ساعة أخرى ، و ذكرى ( تاريخية ) بالنسبة للعبد لله ، و تبادلنا عبارات الحب و المودة الصادقة ، و تنافس الجميع على توصيلي إلى حيث أريد ، بل إن الأستاذ الآلاتي أصر على أن أبيت عنده في القناطر ، فأقسمت له مائة يمين ، أن أصدقائي ينتظرونني على ( المشربية ) ..
أما غازي ، فكان إصراره شديدا ً على استبقائي معه ، فذكرته أني ( صايع قديم ) في شوارع القاهرة التي عشت فيها ردحا ً من الزمن ، و لن أتوه !
و كان الأستاذ عادل هو آخر المودعين ، بعد أن أوصلني إلى المقهى ، حيث كان في انتظاري ( الشـِّلة ) القديمة ، و الذين تنافسوا على طرح الأسئلة حول اللقاء ..فشددتُ نفسا ً عميقا ً من مبسم الشيشة ( السالكة ) ، و سحبتُ رشفة ً من فنجان القهوة السادة ، ثم أخذت أقص عليهم نبأ ( الأحباب ) ، و تفاصيل اليوم التاريخي ، بدءا ً من مصافحة عيني لوجه ( غازي ) ، و انتهاءا ًبقبلاتي ل ( عادل ) !