* : سيد درويش (الكاتـب : auditt05 - آخر مشاركة : tarab - - الوقت: 23h45 - التاريخ: 03/04/2026)           »          الفنان الراحل غريد الشاطئ 1942-2005 (الكاتـب : صـالـح - آخر مشاركة : salmeen83 - - الوقت: 20h54 - التاريخ: 03/04/2026)           »          أغـاني مجهولة .. من المؤدي ؟ (الكاتـب : ابوحمد - آخر مشاركة : لؤي الصايم - - الوقت: 19h21 - التاريخ: 03/04/2026)           »          الفنان أحمد عبدالكريم (الكاتـب : بو بشار - آخر مشاركة : salmeen83 - - الوقت: 19h19 - التاريخ: 03/04/2026)           »          أغاني منوعة بأصوات لبنانية (الكاتـب : esb_a - آخر مشاركة : لؤي الصايم - - الوقت: 19h18 - التاريخ: 03/04/2026)           »          فتى دمشق(بهجت الاستاذ) (الكاتـب : ADEEBZI - آخر مشاركة : لؤي الصايم - - الوقت: 19h14 - التاريخ: 03/04/2026)           »          27 فبراير 1963 الكويت في سينما الاندلس*هجرتك*ظلمنا الحب*هو صحيح* (الكاتـب : ahmedk - آخر مشاركة : Dr. Taha Mohammad - - الوقت: 17h44 - التاريخ: 03/04/2026)           »          حفل اذاعة الاغانى النادر فى الخميس الأول من كل شهر (الكاتـب : حازم فودة - آخر مشاركة : Dr. Taha Mohammad - - الوقت: 17h38 - التاريخ: 03/04/2026)           »          أعمال بصوت رياض السنباطي (الكاتـب : سماعي - آخر مشاركة : نور عسكر - - الوقت: 17h23 - التاريخ: 03/04/2026)           »          عبد اللطيف التلباني- 6 فبراير 1936 - 2 فبراير 1989 (الكاتـب : Talab - آخر مشاركة : محمد الصباح - - الوقت: 16h16 - التاريخ: 03/04/2026)


العودة   منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل > صالون سماعي > ملتقى الشعر و الأدب > نتاج الأعضاء .. القصص والروايات

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 05/11/2008, 15h47
الصورة الرمزية د أنس البن
د أنس البن د أنس البن غير متصل  
رحمه الله
رقم العضوية:688
 
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

@ فى باحة القصر وبعد صلاة العشاء صفت موائد الطعام .. ابتهاجا بالنصر على الراوندية والقضاء على فلولهم واستئصال شأفتهم .. كانت فرحة الناس غامرة بهذا النصر فهؤلاء وأمثالهم من أصحاب البدع والزنادقة أشبه بالأورام الخبيثة فى جسد الإسلام .. يتخذون الإسلام واجهة يختبئون وراءها وهم أكثر عداء له وأشد خصومة ولددا عليه من أعدائه المعروفين الظاهرين ..
كانت الموائد على هيئة دوائر متفرقه تتوسطها المائدة الرئيسية التى أعدت لأمير المؤمنين وكبار رجال الدولة .. بدت كأنها شمس فى فلكها تحيط بها الكواكب .. جلس الخليفة المنصور ومن حوله الأمراء وقادة الجيش وكبار أعوانه .. وعلى الموائد المحيطة به جلس الجند والحراس والجلاوزه وهم صغار الحجاب .. ومن حولهم عامة الناس وكلهم فى انتظار أن يبدأ أمير المؤمنين الطعام حتى يمدوا أيديهم إليه .. لم يكن من الجائز لأحد مهما كانت منزلته أن يضع يده فى الطعام قبل أمير المؤمنين ..
ظلوا يرقبونه وهو ساكن مكانه لا يتحرك منه شئ سوى عيناه وهما تدوران فى رأسه على الحاضرين يتأمل وجوههم متفرسا فيها كأنه يبحث عن أحد منهم بعينه .. كان يبدو قلقا رغم سعادته بالقضاء على طائفة الراونديه وفجأة صرخ فيمن حوله متسائلا فى حدة .....
ـ أين الفارس الملثم الذى كان يقاتل معنا .. كيف لا أراه هنا بيننا يشاركنا فرحة النصر العظيم ؟!.
أخذ يكرر السؤال مرة بعد أخرى , والقوم ساكنون كأن على رؤوسهم الطير لا يجرؤ واحد منهم أن ينبس ببنت شفه ..
ــ ألم تسمعوا قولى ؟!. أقول أين الفارس الملثم .. هل ابتلعته الأرض أم كان شبحا هذا الذى رأيته فى ساحة القتال !. لم لا يجيبنى أحد منكم !. هل خرستم جميعا !. تكلم يا كبير الحجاب أنت آخر واحد رأيته أخبرنى إلى أين ذهب ؟!.
ــ لا علم عندى يا مولاى .. ما كادت المعركة تنتهى .. حتى اختفى فجأة كما أتى ..
عاد الصمت يخيم مرة أخرى على المكان .. وأخيرا قطع هذا الصمت الكئيب القائد الكبير أبو الخصيب .. أحد المقربين من المنصور قائلا بصوت مرتعش خائف . إنه يعرف غضب المنصور وما يتبعه من ويلات ومصائب لمن يتعرض له ....
ــ مولاى أمير المؤمنين إذا أذنت لى ؟!.
ــ نعم يا أبا الخصيب .. تكلم .. هل تعرف هوية هذا الملثم .. هل تعلم عنه شيئا ؟!.
ــ أجل يا أمير المؤمنين .. أعرف ؟!.
ــ وتعرف مكانه ؟!.
ــ أجل يا مولاى ..
ــ فيم الصمت إذن ؟!.
ــ سأتكلم يا مولاى ... لكن !.
ــ لكن ماذا يا رجل , تكلم إن كنت تعلم شيئا ؟!.
ــ الأمان يا مولاى ..
ــ الأمان !. لمن . لك أنت ؟!.
ــ بل له يا مولاى .. الأمان وسيكون هنا فى الحال بين يديك طوع أمرك ورهن إشارتك ..
رد المنصور مستنكرا ....
ــ أعطيه عهدا بالأمان .. ويكون طوع أمرى ورهن إشارتى !. ماذا تعنى أيها القائد .. أفصح عما يعنيه كلامك هذا . لم يطلب الأمان .. أهو من أعدائنا !. لقد كان يقاتل صباح اليوم كالأسد الهصور .. ليس هذا فحسب !. بل كان يقوم على حمايتنا والزود عنا.. إن عيناه لم تغفل عنا لحظة واحده !! لقد أبلى أحسن البلاء .. إنى والله لفى عجب من كلامك هـذا !!..
ــ الأمان يا مولاى .. وستقف على حقيقة كل شئ ؟!.
ــ أعطيناه الأمان .. أشهدكم أيها القوم أن هذا الفارس الذى لا أعرف هويته آمن وأنه من حلفائنا . هل يرضيه هــذا يا أبا الخصيب ؟!.
خرج أبو الخصيب على الفور .. بينما سادت همهمة بين الجالسين لم تهدأ إلا بعد أن رجع ومن ورائه الفارس الملثم .. ساد الصمت والسكون مرة أخرى لم يقطعه إلا صوت المنصور وهو يقول آمرا ....
ــ من أنت ؟!. إكشف اللثام عن وجهك أيها الفارس الهمام حتى نتعرف عليك ويراك القوم ..
أخذ المنصور يدقق النظر فى وجه الفارس بعد أن كشف اللثام .. ظل يتفرس فى ملامحه طويلا مدققا .. وإذا به يتذكره بعد أن مرت لحظات كأنها دهر والقوم كلهم فى ترقب .. وأخيرا قطع الصمت قائلا بنبرات هادئة أخذت تعلوا شيئا فشيئا ....
ــ من أرى أمامى . أنت ؟!. بعد كل هذه السنوات الطوال معن بن زائدة الشيبانى !. بشحمه ولحمه يقف أمامى .. آه لو ظفرت بك يا معن قبل اليوم عشر سنوات وأنا أبحث عنك .. كنت والله أعد لك ميتة .. ما ذاقها أحد من قبل .. لكم تمنيت أن أبعث بك إلى حيث يرقد الخرسانى وابن هبيره فى قاع جهنم ..
فى تلك اللحظة جثا معن على ركبتيه مطرقا رأسه قائلا فى ذل وانكـسار ....
ــ مولاى أمير المؤمنين .. والله ما أخفانى عنك كل هذه السنوات إلا حيائى من لقائك وخوفى من غضبك .. وهأنذا الآن بين يديك .. راض بما تحكم به على ..
ــ إنهض أيها الفارس .. أنسيت أنا أعطيناك الأمان .. ثم إنك أبليت اليوم أحسن البلاء وأزلت ببسالتك وزودك عنا ما كنت أحمله من غضب عليك ..
ــ خادمك المطيع يا مولاى ورهن إشارتك .. أنا لم أفعل إلا ما هو واجب على كل جندى من جنودك تجاهك يا مولاى ..
ــ دعنا من هذا الآن .. وأخبرنى بما كان من أمرك ..
ــ عندما كنت فى صفوف الأمويين أقاتل مع يزيد بن هبيره لم يكن ذلك عن عداء منى لكم يا مولاى كما ظننتم .. ولكن عدائى كان لأبى مسلم .. لم أقصد أبدا مقاومة ثورتكم ضد بنى أميه ..
ــ كيف ذلك وما سبب عدائك للخرسانى كما تزعم ؟!.
ــ كنت أعلم عن غدره ودهائه الكثير .. وكنت على يقين أيضا من أنه يبنى مجده هو .. وأن بلاءه معكم لم يكن إلا وسيلة يصل بها إلى تحقيق أطماعه .. إن الله تعالى ألهم مولاى أمير المؤمنين فأدرك هذه الحقيقة .. وتخلص منه قبل أن يبلغ مراده ويتم كيده ..
ــ لم إذن قتلت القائد قحطبة بن شبيب ؟!.
ــ الله وحده يعلم أنى برئ من هذه التهمة يا مولاى .. وهذا الذى جعلنى أختفى عنكم كل هذه السنين .. كنت أعلم مدى حبكم وإعزازكم لهذا القائد العظيم ..
ــ إذا لم تكن أنت قاتله فما هى حقيقة الأمر ؟!.
ــ الحقيقة يا مولاى التى لا يعرفها أحد سواى والله شاهد على صدق قولى أن قاتل حبيب بن قحطبه هو رفيقه وصاحبه حرب بن سالم .. طعنه وألقى به فى نهر الفرات كى يتخلص منه .. ثم ما لبث أن لقى حتفه هو الآخر بعد ذلك .. لينطوى معه هذا السر إلى الأبد ..
ــ أواثق أنت من كلامك هذا ؟!.
ــ أجل يا مولاى والله ما قلت لك غير الصدق .. لقد طمست هذه الحقيقة وضاعت .. إلا أن أبا مسلم الخائن وجدها فرصة لكى يتخلص منى للأبد فألصق بى هذه التهمة كذبا وزورا .. وحرك تلك الوشاية الظالمه كى تصل إليك ..
ــ أجل . أجل أعتقد أنك صادق فيما تقول .. كم قلت لشقيقى الراحل أن يأخذ حذره من هذا الثعلب القادم من خراسان .. غير أنه كان يحمد له بلاءه معنا فى ثورتنا ضد آخر حكام بنى أميه .. ومع ذلك كنت على يقين أنه ينتظر فرصة مواتية ليثب على كرسى الخلافه .. أيها الفارس معن بن زائده لتعلم أنك من اليوم صرت فى عداد رجالنا المخلصين .. وأن تتولى إمارة اليمن .. كما أمرنا لك بعشرة آلاف درهم ..
إنتهزها أحد الجالسين فرصة وكان من أولئك الشعراء المداحين الذين يرتجلون الشعر فى هذه المناسبات .. هب واقفا وهو ينظر للمنصور قائلا ...
ــ هل تأذن يا مولاى أن أنشدكم شيئا مما نظمته من شعر فى أبا الوليد معن بن زائدة الشيبانى ؟!.
ــ لا بأس يا ابن أبى حفصه .. أسمعنا ما نظمته ..
ــ السمع والطاعة يا أمير المؤمنين .........
معن بن زائدة الذى زيدت به ؛ شرفا على شرف بنو شيبان ..
ما زلت يوم الهاشمية معلنا ؛ بالسيف دون خليفة الرحمن ..
فمنعت حوزته وكنت وقائه ؛ من كــل وقــع مهند وسنان ..

يتبع إن شاء الله ........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06/11/2008, 09h06
الصورة الرمزية د أنس البن
د أنس البن د أنس البن غير متصل  
رحمه الله
رقم العضوية:688
 
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
افتراضي


(5)
عودة لحكايات السفر

@ إقترب الليل وأرخى سدوله لما توارت الشمس فى مغربها .. فى نفس اللحظة التى وصلت فيها القافلة أبواب مدينة عسقلان حيث تقع بالقرب من بيت المقــدس .. وعلى مشارفها حط المسافرون رحالهم ونصبوا خيامهم .. طلبا للراحة والتزود بالماء والطعام ..
وأمام إحدى الخيام بعد أن صلى الجميع صلاة العشاء .. جلس عبيد الله الأزدى مطرقا وراح فى تفكير عميق .. وإلى جواره جلست أم حبيبه تضع وليدها فى حجرها .. وهى تحاول فى رفق أن تطعمه شيئا من الخبز المبلل بالثريد الدافئ .. وأمامهم وضعوا بعض الجمرات المتأججة يلتمسون بها شيئا من الدفئ .. بينما القمر يغمر أرجاء المكان بشعاعات نوره الفضية .. فيزيده سحرا وجمالا وبهاء وروعه .. وبينما هم على تلك الحال إذ التفتت أم حبيبة إلى أبيها قائلة ........
ــ كم سنمكث هنا .. فى عسقلان يا أبى ؟!.
ــ أعتقد أننا سنواصل رحلتنا بعد الغد .. ريثما ينتهى الشيخ أبو سعيد ومن معه من أمورهم التجارية فى سوق المدينه .. كما أخبرنا قبلا ..
ثم استطرد مبتسما ....
ــ إيه .. تتعجلين الوصول إلى الديار ؟!.
تنهدت قائلة .....
ــ يعلم الله يا أبت .. كم أنا فى شوق للقاء الأهل والأحباب .. أعوام مضت على كأنها دهر .. مذ فارقتهم إلى غزه !.
ــ حقا ما تقولين يا ابنتى .. ما أقسى الفراق .. وما أمرَ النوى .. خصوصا عليكن بنات حواء .. لا تحتملنه طويلا !.
سكتت ولم تعقب بعد أن شرد خيالها بعيدا .. وهى تتذكر الديار ومن فيها من أهل وأتراب .. وبعد أن مرت لحظات من الصمت .. لم يكن يسمع خلاله غير أصوات متداخلة آتية من الخيام المجاورة .. إختلط فيها الكلام بالضحك بالغناء .. إلتفت الشيخ قائلا لابنته وهو يومئ برأسه ناحية صغيرها .. الذى سكن صراخه .. وبدأ يخلد إلى النوم والراحه .....
ــ أخيرا هدأ أبو عبد الله من الصراخ .. له يومان لم يذق للنوم طعما ولا يجد للراحة من آلامه سبيلا .. هو نائم الآن .. أليس كذلك ؟!.
ــ بلى يا أبت .. أفاده كثيرا ذلك الدواء الذى جاءه به الشيخ أبو سعيد شيخ القافله .. بعد أن عرف علته وسبب صراخه ..
ــ أجل .. هؤلاء التجار يحتاطون لمثل هذه الأمور الطارئة .. فيحتفظون معهم بمثل هذه الأعشاب والأمزجة والأخلاط النافعه .. التى يحتاجها المسافرون فى رحلاتهم .. إذا أصاب أحدهم مكروه .. والحمد لله أن وجدنا دواء ولدنا فى حوزته ..
لم تعقب أم حبيبه .. واكتفت بهز رأسها قبل أن تلتفت ناحية أبيها قائلة ...
ــ أبت ؟!.
ــ إيه يا ابنتى ؟!.
ــ هل حدثت فتن أخرى .. بعد فتنة الراونديه ؟!.
ــ وأى فتن !. إنها فتن كقطع الليل .. إيه منذ متى توقفت الفتن والحروب والدسائس !. إن نيرانها لم تنطفئ ولم تخمد جذوتها بعد منذ الفتنة الكبرى .. التى راح ضحيتها ثالث الراشدين عثمان بن عفان .. ومن بعده على بن أبى طالب بعد أن قتله أحد الخوارج المارقين .. بعدها تفرق المسلمون إلى شيعة وخوارج .. ومنهما خرجت وستخرج فرق كثيره .. لا هم لهم إلا التقاتل والتناحر من أجل الوثوب على كرسى الخلافه ..
ــ كيف ذلك يا أبت ؟!.
ــ وقعت أحداث رهيبة فى العراق وفى أرض الحجاز .. راح ضحيتها رجال عظام من آل بيت النبوه وسالت فيها دماء زكية طاهره !.
ــ كما حدث فى موقعة كربلاء منذ حوالى مائة عام .. لسيد الشهداء الحسين بن على ومن معه من أل البيت ..
ــ تماما يا ابنتى تماما ..
ــ وما الذى حدث فى العراق والحجاز ؟!.
ــ بعد أن نجح العباسيون فى ثورتهم منذ حوالى عشرين عاما .. بايع الناس لأبى العباس الملقب بالسفاح .. إلا أبناء عمومته بنو طالب العلويين بزعامة محمد .. المعروف بالنفس الزكيه وكذلك أخوه إبراهيم ..
قاطعته متسائلة ......
ــ أليسا من أحفاد على بن أبى طالب ؟!.
ــ بلى يا ابنتى .. إنهما أبناء عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب .. المهم .. ظل السفاح يتودد إليهم مخافة أن يصطدم بهم لصلة القربى من ناحية .. ولشرفهم ونسبهم من ناحية أخرى .. إلا أنهم ظلوا متشبثين بحقهم فى الخلافة واستمروا فى بث دعوتهم سرا .. إلى أن تولى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسى الثانى .. والمعروف عنه شدة الحذر والدهاء ..
ــ شدة الحذر والدهاء ؟!.
ــ أجل .. كان ولا يزال حتى اليوم شديد الحذر عظيم الدهاء .. لا ينتظر وقوع الأمر بل يحتال له قبل وقوعه .. إن له عبارة شهيرة تقول : ليس العاقل الذى يحتال للأمر الذى وقع فيه ليخرج منه , لكن العاقل من يحتال للأمر الذى غشيه حتى لا يقع فيه ..
ــ وماذا فعل يا أبى ؟!.
ــ بدأ يراقب تحركات أبناء عمه فى حذر شديد .. ويتحين الفرصة تلو الأخرى آملا أن يظفر بهم فى قبضة يده .. بالحيلة والدهاء إلى أن كان يوم ……


@ فى حديقة القصر الفسيحة الرحبة وتحت ظلال أشجارها الوارفة حول مائدة ممتدة عامرة .. تعلوها أنواع مختلف ألوانها من الطعام والشراب والفاكهه .. جلس الخليفة المنصور فى صدارة المكان وعن يمينه ولده محمد المهدى ولى العهد الذى تولى إمارة خراسان .. وعلى يساره جلس كبير الحجاب الربيع بن يونس .. وكاتب الديوان أبو أيوب الموريانى وبصحبته شاب إسمه جعفر .. فى حوالى الخامسة والعشرين من عمره يعمل مساعدا له فى ديوان الكتابة والرسائل .. فى الجهة المقابلة جلس قادة الجيوش يتقدمهم القائد الكبير أبو الخصيب .. وإلى جواره خالد بن برمك والى الخراج .. وآخرون من رجال البلاط العباسى ..
كان المنصور قد أعد هذه المائدة العامره لمناسبة انتصار جيوشه وفتوحاتهم المتلاحقة فى طبرستان والديلم وقرماسين .. وبينما الجالسون مستغرقون فى تناول طعامهم .. أخذ المنصور يتفقد من حوله كعادته وهو يجول ببصره فيهم حتى وقعت عيناه أخيرا على ذلك الشاب جعفر الذى يجلس بجوار كاتب الديــوان .. لم يكد يتجاوزه بعينيه حتى أعاد النظر إليه مرة أخرى مدققا ومتفرسا فى ملامحه .. فى الوقت الذى بدأت علامات من الشك تظهر على وجهه وهو يلوك على مهل لقمة الطعام فى فمه كأنها لا تعرف طريقها إلى جوفه .. ولسان حاله يردد قائلا .....
ــ أمر عجيب حقا !. أمعقول هذا !. لعله يكون هو .. لا ..لا .. غير معقول ..
ألقى بهواجسه وظنونه جانبا ثم عاد يستأنف طعامه مرة أخرى .. دون أن يشعر به أحد من الجالسين إلا ذلك الداهيه الربيع بن يونس .. الذى كان يرقبه كعادته من طرف خفى .. محاولا قراءة أفكاره ومعرفة ما يدور داخل رأسه .. حتى يكون مهيأ للرد فى أى وقت بالإجابة المناسبة التى تروق لمولاه ..
وبينما القوم مستغرقون فى تناول طعامهم وكل واحد منهم غارق فى الأصناف المكدسة على المائده أمامه .. فاجأهم المنصور وهو ينظر ناحية القائد أبا الخصيب قائلا له مداعبا .. وعلى شفتيه ابتسامة ذات مغزى ....
ــ كيف حالك أيها القائد .. لعلك الآن أحسن حالا بعد الذى جرى لك فى طبرستان فى الأيام الماضيه !.
ضج الحاضرون جميعا بالضحك وعلت أصواتهم .. إلا ولى العهد لم يشاركهم ضحكاتهم .. بدا عليه أنه خالى الذهن عن هذه الحادثة لا يعلم عنها شيئا .. لم يفهم مغزى سؤال أبيه لقائده ولماذا ضج الحاضرون بالضحك .. وأخيرا نظر إلى أبيه متسائلا .. وقد علت الدهشة وجهه مما يجرى حوله ...
ــ ما الذى حدث فى طبرستان يا أبت .. وما الذى جعل القوم يضحكون هكذا ؟!. إنى مذ توليت إمارة خراسان إنقطعت عنى الأنباء .. ويبدو أنه قد فاتنى الكثير منها !.
إلتفت المنصور إلى أبى الخصيب قائلا له ...
ــ ما قولك أيها القائد .. ولى العهد يود أن يسمع حكاية حصن طبرستان .. وما جرى لك فيه ..
أجاب مرتبكا وهو يجاهد فى إخفاء ابتسامة خجلى ......
ــ مولاى !. هذه الواقعة سردتها أكثر من مرة حتى مللت..
رد المنصور وهو لا يزال ضاحكا .....
ــ وستعيد سردها الآن .. ألم تسمع لقول ولى العهد ..
ــ أمرى إلى الله .. سأعيد سردها .. من أجل عيون ولى العهد ..
سكت برهة وهو يتنحنح قليلا .. ثم أردف قائلا موجها كلامه لولى العهد ...
ــ إسمع يا سيدى .. بعد أن نقض الأصبهبذ حاكم طبرستان العهود والمواثيق التى قطعها على نفسه .. ألا يتعرض لأحد من المسلمين وقتل عددا كبيرا منهم غدرا وظلما .. قمنا بحصار حصنها كما أمر مولاى أمير المؤمنين ..
قاطعه ولى العهد وهو يلوح بيده ....
ــ كل هذا أعلمه .. ما هى الحكاية التى جرت فى الحصن .. وأضحكت الحاضرين جميعا هكذا ؟!.
ــ لا تعجل يا ولى العهد .. سأخبرك بالحكاية كلها وستضحك أنت أيضا مثلهم .. لما طال حصارنا وأعيتنا السبل فى اقتحامه وفتح أبوابه .. قلت لرجالى إن هذا الحصن المنيع لن نستطيع اقتحامه إلا إن أعملنا الحيله .. قالوا أية حيلة تلك التى ستفتح حصنا منيعا كهذا .. قلت لهم مزقوا ملابسى وأزيلوا شعر رأسى ولحيتى .. واضربونى ضربا مبرحا من ذلك الذى يترك علامات زرقاء وحمراء على الجسد .. ثم دعونى أدخل طبرستان ولسوف أفتح لكم باب الحصن بإذن الله ..
ــ هل فعلوا ذلك ؟!.
ــ أجل يا مولاى.. إستنكروا فى بادئ الأمر أن يهينوا قائدهم .. لكنهم امتثلوا فى النهاية وضربونى ومزقوا ملابسى .. حتى صرت فى حالة مزرية وصورة منكره ..
ــ هيه .. وكيف تم لك فتح الحصن إذن .. وأنت على هذه الحالة المزرية المنكره ؟!.
ــ كيف ستكون حيلة إذن !. سأخبرك بكل شئ .. كما تم خطوة خطوه . بعد أن فعل بى أصحابى ما فعلوا وهم فى دهشة من أمرى .. ذلك لأنى لم أعرفهم خطتى .. دخلت إلى طبرستان متسللا حتى وصلت إلى أبواب القصر الذى يقيم فيه حاكمهم الأصبهبذ .. فلما رآنى رجاله …..
قاطعه متلهفا ....
ــ ماذا فعلوا ؟!.
ــ أمسكوا بى وأخذوا يلاحقونى بأسئلتهم ..
ــ عن أى شئ ؟!.
ــ سألونى عن حالى .. ومن أكون ومن أين قدمت ..
ــ هل أجبتهم ؟!.
ــ لا .. لم أجبهم !.
ــ لم .. لم تجبهم على أسئلتهم ؟!.
ــ كنت أريد مقابلة حاكمهم “ الأصبهبذ “ نفسه ..
ــ هل سمحوا لك بلقائه ؟!.
ــ أجل .. لم يسع رجاله إزاء صمتى .. إلا أن يدخلونى عليه أخيرا ..
ــ هيه .. وما الذى دار فى هذا اللقاء ؟!.
ــ لما أدخلونى عليه ورآنى على هذه الصورة المزرية سألنى عن حالى ومن أكون .. قلت له وأنا أصطنع الخوف والبكاء .. إن المسلمين قد ضربونى وأهانونى وفعلوا بى ما ترى ..
ــ بالطبع سألك عن سبب ذلك ؟!.
ــ أجل سألنى .. فادعيت أنى أدين بملتهم وقلت له إن قومى قد اطلعوا على حالى وأدركوا أن هواى معكم لأننى أعتنق ملتكم وأعتقد فى آلهتكم ..
ــ هل صدق مزاعمك ؟!.
ــ لقد أتقنت تمثيل الدور تماما .. حتى أنه أخذ يهدئ من روعى وفرح بى وأكرمنى .. وأوصى رجاله بى خيرا .. فلما وثقت وأيقنت أنه قد أمن جانبى أخذت أظهر له النصح وأتفانى فى خدمته وأقوم على مصالحه .. حتى أصبحت من المقربين لديه ومن خاصة رجاله الذين لهم حق الاقتراب من أبواب الحصن وفتحها وغلقها فى أى وقت .. وهى مهمة لا توكل إلا للمقربين بالمناوبه ..
ــ هيــه .. ثم ماذا ؟!.
ــ ظللت على هذه الحال بضعة أيام .. إلى أن كانت ليلة من الليالى كتبت مكتوبا إلى رجالى الذين كانوا لا يزالون مرابطين خلف الحصن .. أعلمتهم فيه أننى قد ظفرت بالحيله وسأفتح لهم باب الحصن فى ليلة كذا بعد منتصف الليل .. وطلبت إليهم أن يكونوا على مقربة منه ..
ــ وكيف أرسلت المكتوب إليهم ؟!.
ــ علقته فى سهم وأرسلته ناحيتهم .. ولما انتصف الليل فتحت باب الحصن بعد أن تأكدت من أن أحدا لا يرانى .. وأن رجال الأصبهبذ فى غفلة من أمرى .. وعندئذ دخل رجالنا وقتلوا كل من كان بالحصن .. وتم لنا أخيرا الاستيلاء عليه ..
ــ وحاكمهم “ الأصبهبذ “ .. ماذا جرى له ؟!.
ــ ذلك الظالم خائن العهود نال جزاءه العادل الذى يستحقه على غدره وقتل شر قتله .. تلكم يا سيدى حكاية الحصن ..
فى نفس اللحظة وبينما الجميع يتضاحكون من حكاية الحصن .. ويطلقون نكاتهم وتعليقاتهم الساخرة .. تقدم أحد الحراس من المنصور وأسر فى أذنه كلمات .. هز المنصور رأسه موافقا وبعد برهة عاد الحارس وبصحبته شيخ وقور تبدو عليه أمارات الشرف والرفعه .. ما كاد المنصور يلمحه داخلا من بعيد .. حتى رفع صوته بالتحية قائلا له فى ود مصطنع يخفى وراءه كراهية دفينة ..........
ــ أهلا ومرحبا بابن عمومتنا وسندنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب .. تفضل هنا إلى جوارى يا ابن العم العزيز ..
شكره الشيخ وهو يخفى ابتسامة ساخرة وراء شفتين كليلتين .. كان يعلم أن هذا ودا مصطنعا يخفى وراءه حقدا دفينا .. ما إن جلس حتى أقبل المنصور عليه تاركا الطعام .. وهو يبدى له الكثير من الود والترحيب وبعد مقدمات كثيرة قال له فى غير اكتراث وكأنه يسأل سؤالا عابرا ....
ــ أين ولديك يا أبا عبد الله ؟!.
ــ أظنك تسأل عن محمد وإبراهيم ؟!.
ــ تماما تماما .. أين هما الآن يا ترى وإلى أى بلدة رحلا ؟!. أراهما قد استوحشا منى .. ليتهما يأمنا لى فأنا لا أحمل لهما فى نفسى أى ضغينة أو عداء أبدا .. فهما أبناء عمومتى ونحن جميعا فى نهاية الأمر أبناء جد واحد .. أليس كذلك يا أبا الحسن ؟!.
رد الشيخ قائلا وفى عينيه نظرة ساخرة بعدما فهم السر من وراء هذه الحفاوة المصطنعة .. وتأكدت لديه هواجسه ومخاوفه ساعة أرسل إليه ...
ــ بلى يا أمير المؤمنين .. جدنا هاشم بن عبد مناف ..
سكت برهة وأردف .....
ــ لكن !. ألهذا أرسلت فى طلبى ؟!.
ــ لا . لا بالطبع .. لكنه سؤال عابر يا ابن العم .. أردت أن أؤكد لك من خلاله أنى لا أحب أن يحمل لى أحد من أهلنا أى عداء أو ضغينه ..
ــ هل تصدقنى يا أمير المؤمنين إذا قلت لك .. أنه ليس لى بهما ولا بموضعهما فى البلاد علم .. لقد خرجا من يدى إلى حيث لا أعلم إلى بلاد الله الواسعه ..
رد المنصور متظاهرا أنه يصدقه ....
ــ أجل . أجل أعلم أنهما خرجا إلى بلاد الله الواسعه .. وأعلم أنك صادق فى قولك لكنك تستطيع أن تعرف مكانهما .. هذا أمر ليس بالعسير عليك يا ابن العم .. وعلى أية حال وحتى أثبت لك حسن نيتى فإنى على استعداد إن أردت الآن .. أن أكتب إليهما كتابا بالأمان .. وسأشهد عليه كل الأمراء والقاده .. ما قولك ؟!.
أجابه الشيخ متهكما وقد عزم على مواجهته بعد هذه المراوغات ....
ــ كتابا بالأمان !. عن أى كتاب تتحدث وأى أمان هذا الذى تدعيه !. أتظن أنى نسيت ما فعلته مع ابن هبيره أو ما فعلته مع ساعدك الأيمن ورجلك الأول أبى مسلم الخرسانى .. لعلك لست فى حاجة إلى أن أذكرك بما فعلته بعد ذلك مع عمك عبد الله بن على .. أنسيت أنك قتلته بعد أن استدرجته وأعطيته الأمان هو الأخر .. كل واحد من هؤلاء غدرت به .. بعد أن أعطيته الأمان قبل أن يأتى إليك .. لتجهز على حياته !.
وقبل أن يسترسل الشيخ فى رمى سهامه التى أصابت الحاضرين بالوجوم .. قاطعه المنصور والشرر يتطاير من عينيه وقد تملكه غضب عارم ....
ــ مه أيها الشيخ الخرف .. يبدو أن طول صبرى عليك قد أنساك نفسك . إنك لا تعرف شيئا .. أنا لم أقتل إلا الخونة والمارقين الطامعين .. لقد نالوا جميعا ما يستحقونه جزاء ما قدمت أيديهم ردعا لهم وعبرة لأمثالهم .. هيا أخبرنى بمكان ولديك قبل أن أجهز على حياتك أنت الآخر ؟!. لقد صبرت عليك كثيرا ويكاد صبرى أن ينفذ .. تكلم ؟!.
ــ وإن أبيت .. ماذا أنت فاعل يا ابن العم ؟!. إعلم أنى لا أهابك .. حتى لو أمرت بقتلى الآن .. ووالله الذى أرسل محمدا بالحق .. لو كانا تحت قدمى هاتين .. ما دللتك عليهما ولا رفعت عنهما قدماى.. حتى لو وضعت سيفك هذا على عنقى !.
ــ هل جننت أيها الرجل .. كيف سولت لك نفسك أن تخاطبنى بهذه الوقاحة وذلك التحدى ؟!.
ــ لن أرد على سبابك وتطاولك على شيخ هرم مثلى .. لكنى سأقول لك كلمة أخيرة وبعدها افعل ما تشاء .. إنى علمت ساعة أرسلت إلى سوء نيتك .. وأعلم أنك خائف منهما وأنك تتربص بهما .. أنسيت يوم بايعت ولدى محمد مع أهل الحجاز على خلع مروان بن محمد !. أنسيت أنك أنت الذى أهدرت البيعة وتنصلت من عهدك ؟!.
إستشاط المنصور غضبا وهب واقفا .. وقد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه وهو يصرخ فيه .....
ــ رغمت أنفك أيها الأحمق .. خذوا هذا المخرف إلى السجن .. ضعوه فى مكان لا يسمع فيه آذانا أو يعرف فيه الليل من النهار .. لا تجعلوا أحدا يصل إليه أو يكلمه .. أما أنا .. فسأعرف كيف أصل إلى مكان ولديك .. وسيكونا فى قبضتى هاتين .. رضيت أم أبيت !.
لم يشأ الربيع الداهية أن يضيع هذه الفرصة التى سنحت له ليبث سمومه من مخزون الكراهية الدفينة فى قلبه للبيت العلوى كله .. مال برأسه على المنصور وهو يقول هامسا ....
ــ أرى يا مولاى إذا إذنت لى .. أن تجمع كل أبناء الحسن وعشيرته وتضعهم فى الحبس معه .. إن هذا سوف يستثير ولديه ويعجل بظهورهما من مخبئهما وعندئذ !…..
قالها وهو يبتسم ابتسامة ماكرة صفراء ذات مغزى .. هز المنصور رأسه موافقا وانتظر إلى أن اقتاد الحراس الشيخ إلى محبسه ثم انتحى بالربيع جانبا وقال له ....
ــ أرسل بعضا من عيوننا إلى يثرب ومكه والعراق وخراسان ليتحسسوا أخبار هذين الهاربين .. أريد منكم أن تضعوا أيديكم عليهما فى أسرع وقت ودون تأخير .. أسمعت يا أبا الفضل .. فى أسرع وقت !.
ــ أمر مولاى .. إن هى إلا أيام قليله .. ويكونا تحت قدميك…………

@ إستمر عبيد الله الأزدى يحكى لابنته ..............

ــ فى تلك اللحظة كان أحد الحراس يتسلل خارجا من أبواب القصر دون أن يراه أحد .. متخذا طريقه لا يلوى على شئ إلى حيث يختبئ محمد وأخوه إبراهيم عن عيون المنصور .. بعد أن التقطت أذناه هذا الحوار من مكانه الذى كان قابعا فيه .. كان هذا الرجل من عيون الثوار الهاربين والمندسين فى بلاط المنصور وحاشيته .. ينقل إليهم أولا بأول أخبار القصر وما يدور فيه من فتن ودسائس ...............
وفى مكان يقع وسط صحراء الجزيرة العربيه يبعد بضعة أميال عن المدينة المنوره .. وفى شعب من شعاب جبال رضوى جهينه الذى يقع شمال شرقى المدينه .. إتخذ الثائران محمد وإبراهيم أبناء عبد الله بن الحسن مع باقى إخوتهما وأهلهما ونفر من رجالهما مخبأهم .. داخل كهف آمن من كهوف هذا الجبل بعيدا عن عيون المنصور وأعوانه وجواسيسه .. وفى داخل الكهف جلسوا جميعا يتحلقون رجلا بدينا .. تغلب عليه السمره مهيب الطلعة سمح الوجه فى منتصف العقد الخامس من عمره .. له سطوة ومهابة تفرض نفسها للوهلة الأولى على كل من يخاطبه أو تقع عليه عينه ..
إنه محمد بن عبد الله بن الحسن حفيد الامام على كرم الله وجهه وهو الملقب بالنفس الزكيه .. وإلى جواره جلس أخوه إبراهيم .. كان رغم نحافته بعض الشئ فتيا قويا يتميز ببشرة بيضاء مشربة بسمرة خفيفه يناهز الأربعين من عمره ..
إلى جوارهما جلس أخواهما "يحي" شابا فتيا مفتول العضلات فى العشرين من عمره .. وأصغر الثوار "إدريس" وهو صبى تخطى العاشرة من عمره بقليل .. ومن حولهم جلس جمع من الأهل والأنصار يناقشون أمرهم ويتدبرون أحوالهم .. إبتدر أحد الجالسين قائلا فى حدة وضيق ..........
ــ إلى متى نظل هكذا ونحن على هذه الحال لا يستقر لنا مكان ولا تلاقينا أرض .. ونحن هاربون مطاردون من بلد إلى بلد ومن كهف لآخر كأننا شرذمة من القتلة المجرمين أو من الخارجين على شرع الله ؟!.
رد عليه آخر .....
ــ أجل لابد أن نضع نهاية لهذا الأمر .. إننا لا نكاد نذهب إلى مكان حتى نسارع بالرحيل إلى غيره .. ما كل هذا الذل والهوان !. أدعاة باطل نحن أم دعاة حق ؟!.
أجابه ثالث .....
ــ بل نحن أصحاب حق ودعوتنا دعوة صدق .. وآن لنا أن نسترد أخيرا حقنا الشرعى الذى اغتصبه منا بنوا العباس ..
كان ذلك الحوار الصاخب يدور بين الجالسين .. بينما زعيمهم محمد "النفس الزكيه" يستمع إليهم مطرقا رأسه صامتا وهو ينكت الأرض بعود من الحطب فى يمناه .. وعيونهم ناظرة إليه فى انتظار ما يعقب به على كلامهم .. بعد برهة من الزمن كأنها دهر .. رفع رأسه قائلا فى نبرات هادئة واثقة مطمئنه ......
ــ لقد جئنا إلى المدينة أيها الرجال واخترنا هذا المكان الآمن بعد كل ما عانيناه ونحن مطاردون فى بلاد الله الواسعه .. لنتدبر أمرنا فى روية وأناة بعيــدا عن عيون وجواسيس المنصور .. ذلك الداهيه الذى اتخذ الهاشمية مقرا له .. وتعلمون جميعا أنه يعتقد اعتقادا جازما ومن قبله أخيه السفاح أنهم الورثة الشرعيون للخلافه .. إستنادا لزعمهم القائل أن جدهم العباس هو الوريث الشرعى لرسول الله [صلى الله عليه وسلم ] .. وحجتهم فى ذلك أنه لم يبق إلا هو على قيد الحياه من أعمام النبى [صلى الله عليه وسلم ] بعد وفاته ..
قال إبراهيم معقبا .......
ــ هناك أمرا آخر لم تشر إليه يا أبا على ..
ــ ماذا تريد أن تقول يا إبراهيم ؟!.
ــ أنسيت يا أخى أنه هو الذى يردد دائما أن الفضل يرجع إليه فى الانتقام من قتلة أجدادنا وآلنا بنوا على بن أبى طالب .. وأنه هو الذى أفلح فى القضاء على آخر حكام بنى أميه متجاهلا ومتناسيا عن عمد أن هذا كله كان بفضل نصرتنا وتأييدنا ودعمنا !.
ــ كيف أنسى ذلك والمنصور نفسه ومن قبله أخيه السفاح قد نقضا العهد الذى اتفق عليه بنوا هاشم فى الأبواء ..
ــ أجل عقد البيعة لك عند نجاح الثوره !.
رد أحد الجالسين معقبا ......
ــ لم تكن إلا خدعة وحيله ليحصلوا على تأييدنا ونصرتنا لثورتهم .. وأن تظل جبهة بنى هاشم صلبة متماسكة لا انقسام فيها .. ريثما يحققون مأربهم وهو الوثوب على كرسى الخلافه ..
قال آخر ......
ــ أجل لقد جعلوا منا جسرا يعبرون عليه إلى كرسى الخلافه .. سحقا لهم !. لابد أن نسترد حقنا المسلوب وننتقم منهم حتى لو كانت أرواحنا هى الثمن .. لن نضن بها أبدا فى سبيل تحقيق هذا الهدف !.
قال محمد “ النفس الزكيه “ ............
ــ أيها الرجال تعرفون أننا وإن كنا قليلون عددا وعتادا منهم وربما يتمكنون منا .. غير أن أتباعنا فى شتى البلاد كثيرون وكلنا جميعا مستعدون لبذل أرواحنا والتضحية بأنفسنا ولن تتوقف مسيرتنا أبدا .. سيكمل أبناؤنا وأحفادنا مسيرة عمنا الحسين التى حمل لواءها من بعده زيد وولده يحي ..
فى تلك الأثناء دخل أحد الحراس المكلفين بمراقبة الجبل .. توجه إلى كبير القوم قائلا وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثه ......
ــ سيدى .. أرى أحد الفرسان قادما وحده من بعيد ..
ــ من يكون ؟!.
ــ لم أتبين ملامحه بعد .. لكنى رأيته يرفع الراية الخضراء المتفق عليها !.
ــ لابد أنه أحد رجالنا جاء يحمل أنباء لنا .. تأكد من هويته أيها الحارس ثم أدخله فى الحال ..
سأل إبراهيم وقد بان عليه القلق ........
ــ ما الذى حدث يا ترى لابد أن أمرا خطيرا وقع بالعراق !.
رد محمد قائلا .....
ــ بعد قليل نعرف كل شئ ..
بعد برهة دخل الحارس مرة ثانية وهو يقول .....
ــ القادم يا سيدى هو إبن صفوان رجلنا فى قصر الهاشميه ..
رد محمد فى لهجة آمره .......
ــ ماذا تنتظر أيها الحارس .. أدخله فى الحال ..
إبتدره محمد قائلا .....
ــ تعال يا ابن صفوان واجلس هنا إلى جوارى‏ .. لقد قطعت رحلة طويلة شاقه .. وأعتقد أنك فى حاجة للراحة والطعام !.
ــ معذرة يا سيدى فإنى كنت أسابق الزمن وأنا فى الطريق إليكم .. فالوقت يمر سريعا والأحداث تتلاحق .. وما جئت من أجله إلى هنا لا يحتمل الانتظار !.
سأل إبراهيم الذى كان أكثرهم قلقا ولهفه ..........
ــ خيرا يا ابن صفوان .. ماذا وراءك ؟!.
ــ سيدى .. لابد من مغادرة هذا المكان فى الحال قبل أن يحاط بكم ..
ــ ماذا تعنى .. أفصح ؟!.
ــ لقد أرسل المنصور إلى والدكم عبد الله بن الحسن وأخذ يتودد إليه فى لــؤم ودهاء ليأتى له بكما .. وحاول مستعينا بالحيلة ومعسول القول أن يستدرجه لمعرفة المكان الذى تختبئون فيه ..
ــ هيه .. ثم ماذا ؟!.
ــ باءت كل محاولاته بالفشل !.
قال محمد معقبا وقد ظهر عليه الضيق والهم .....
ــ لعله أظهر وجهه الأخر الذى يخفيه وراء قناع من الزيف والباطل .. بعد أن جرب الحيلة والخديعه .. تلك وسيلته دائما .. ما أخبثه .. ما ألعنه !.
ــ تماما يا سيدى . هذا هو ما حدث منه فلم يكد والدكم يصرخ فى وجهه قائلا له إنه لن يأتى بكما ولو كنتما تحت قدميه حتى غلى الدم فى عروقه وهاج وماج .. ثم أمر به إلى السجن ومعه باقى الأهل والأنصار !.
رد محمد .....
ــ إنه ما فعل ذلك إلا ليستفزنا .. وليعجل بخروجنا مــن مخبئنا هذا !.
رد ابن صفوان قائلا ......
ــ تماما يا سيدى وسمعت المنصور أيضا وهو يأمر الربيع بن يونس أن يرسل كتابا بعزل أمير المدينه محمد بن خالد القسرى .. وأن يختار بدلا منه صعلوكا من الصعاليك حتى يكون طوع أمره ورهن إشارته فى كل ما يأمره به ..
ــ هل تعرفت على اسمه ؟!.
ــ أجل يا سيدى .. إنسان وضيع لا خلاق له أعرفه .. إسمه رياح بن عثمان المرى ..
صمت قليلا وأردف قائلا ........
ــ وأنا فى طريقى إلى هنا .. علمت كذلك من بعض رجالنا فى المدينه أنه بدأ فى التحرى والبحث .. وأنه قد توصل فعلا إلى بعض الخيوط التى توصله إلى مكانكم !.
أطرق محمد قليلا .. ثم رفع رأسه موجها كلامه لمن معه ...........
ــ إسمعوا جيدا أيها الرجال والأنصار . وانتبهوا لكلامى فسأشرح لكم الآن خطة الخروج من هنا ..
بدأ يخط بعود من الحطب فى يده خطوطا متباينة أمامه على الرمال ويشرح لهم خطته ………………
----------
@ إستأنفت القافلة رحلتها من عسقلان بعد أن مكثت بها بضعة أيام .. وأخذت طريقها سابحة فى بحر الصحراء المترامى حيث تبدو من بعيد سلسلة من الجبال الشامخه .. وبعد أيام من المسير المتواصل مرت القافله بمحاذاة مدينة البتراء والتى تعرف أيضا بالرقيم .. سألت أم حبيبة أباها عنها فأجابها وهو يشير بيده .....
ــ إنها مدينة أثرية قديمة مهجورة لا يسكنها أحد ولا حياة فيها .. سوى بعض الأحجار القديمه المتناثرة هنا وهناك وبنايات أثرية من بقايا حضارة الأنباط التى اندثرت منذ زمن بعيد ..
قال ذلك ثم عاد يكمل لابنته وهو راكب دابته بقية أحداث ذلك الصراع الذى كان دائرا بين الخليفة المنصور وأبناء عمه العلويين الطالبيين ....
ــ لم يكد ذلك الصعلوك الذى ملكه المنصور زمام الأمور فى المدينه .. حتى أخذ يبطش وينتقم من كل واحد ينتمى أو يناصر العلويين .. إلى أن امتلأت بهم سجون المدينة جميعها ..
ــ كلهم يا أبت ؟!.
ــ أجل يا ابنتى .. كلهم حتى أنه كان لمحمد "النفس الزكيه" ولد إسمه على أرسله إلى مصر بعيدا عن عيون المنصور حتى لا يقع فى قبضته .. لم يسلم هو الأخر من بطشهم ولم يفلت من قبضتهم .. إقتادوه من هناك فى غلظة وأتوا به إلى الهاشمية وألقوا به فى السجن مع المقبوض عليهم .. وفى تلك السجون قتلوا بعضهم غيلة وتركوا الآخرين يموتون صبرا .. كان من بين ضحاياهم عبد الله بن الحسن والد الثوار الذى لقى حتفه داخل السجن ..
سألت فى أسى ولوعه ....
ــ وماذا كان مصير محمد النفس الزكيه وبقية إخوته ؟!.
ــ إبراهيم فإنه توجه إلى البصرة وظل مختبئا هناك فى انتظار أن تأتيه الاشارة من أخيه بالظهور فى الوقت المناسب ..
ــ ومحمد النفس الزكيه هل فعل شيئا أم ظل فى مكمنه ؟!.
ــ خرج فى نفر من أتباعه فى جنح الظلام متسللا بين الجبال وفى دروبها الوعره .. متخذا طريقه إلى يثرب بعد أن أعلم كل واحد من أهله وأتباعه بما سوف يفعله .. وبالفعل حدث ما كان يتوقعه ويحسب حسابه ..
ــ ماذا تعنى يا أبى .. هل أمسكوا به ؟!.
ــ لا ليس بعد .. لكن ذلك الصعلوك أبو رياح المرى الذى تولى إمارة المدينه استطاع معرفة مكانه الذى يختبئ فيه .. وعلى الفور أخذ معه حشدا كبير من الجند وتوجه إلى شعب رضوى جهينه باحثا عن الثوار .. إلا أنهم أفلحوا فى الافلات منهم قبل أن يصلوا إليهم بفترة وجيزه ..
ــ هيه .. وماذا بعد يا أبت ؟!.
ــ بعد مطاردات مثيرة بين الجبال والوديان .. إستطاع محمد "النفس الزكيه" أن يصل إلى المدينة وأن يدخلها مع أتباعه .. دون أن يشعر به أحدا من أعدائه ..
ــ من المؤكد أنه قام بالإختفاء فى المدينه ؟!.
ــ على العكس .. ما كاد أنصاره من أهل المدينة يعلمون بوصوله ووجوده داخلها .. حتى توافوا عليه من كل مكان وتجمعوا من حوله .. كانوا حوالى ثلاثمائه من أشد الرجال .. وعلى الفور توجه الجميع إلى سجون المدينه وأخرجوا من بقى فيها منهم على قيد الحياه .. ثم يمم الجميع بعد ذلك صوب دار الامارة وحاصروها .. وألقوا القبض على ذلك الصعلوك الذى أتى به المنصور وسط تكبير الناس وتهليلهم .. ولم يمض غير يومين إلا والمدينة كلها قد دانت له بالولاء .. وتمت له السيطرة على زمام الأمور فيها تماما وفى اليوم التالى ………………

@ تصل بنا أحداث الصراع بين أبناء العم إلى قلب المدينة المنورة .. وفيها قامت مسيرة كبيرة قادها محمد "النفس الزكيه" ومن حوله أتباعه وأنصاره صبيحة اليوم التالى على وصولهم إلى المدينه .. حمل أنصاره الألوية والرايات وتوجهوا شطر المسجد النبوى .. ومن خلفهم جموع غفيرة من أهلها فيهم الشيوخ والشباب والنساء والصبيه ..
كانوا يفدون من كل ناحية وأعدادهم تزداد شيئا فشيئا كلما مضت المسيرة فى طريقها .. وهم يرددون فى صوت واحد هادر "لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد" .. كانت هتافاتهم المدوية فى هذا الموكب المهيب تهز أرجاء المدينة وتزلزل جنباتها وتشق أصداؤها عنان الفضاء .. وقبل أن يصلوا كان المسجد قد امتلأ عن آخره بجموع كبيرة من الناس .. يتقدمهم الوجهاء والأعيان وشيوخ القبائل والعشائر ..
وسط هذه الجموع إندس أحد عيون المنصور وهو جاسوس يعمل بأجر معلوم دراهم معدوده .. شأنه شأن غيره ممن كلفهم المنصور بنفسه لمثل هذه المهام .. ينقل الأخبار الهامة إلى البلاط وعلى قدر وأهمية ما يحمله من معلومات تكون مكافأته .. كان رجلا سمجا توشى ملامحه أنه من ذلك النوع الذى يجيد التنصت والتسمع .. وتبدو على مخايله واضحة جلية علامات الوضاعة والخسه والنذاله .. جلس مرهفا سمعه لكل كلمة تقال من حوله متظاهرا أنه يشارك القوم فرحتهم وسرورهم .. وهو يسجل فى ذاكرته كل كلمة تصل إلى مسامعه من الجالسين من حوله ..
صعد محمد "النفس الزكيه" على منبر رسول الله [
صلى الله عليه وسلم ] .. واستهل الحاضرين خطابه فى تؤدة ورويه .......
ــ "بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين أما بعد : أيها الناس يا أهل يثرب يا أبناء المهاجرين والأنصار .. إنى والله ما خرجت بين أظهركم وأنتم عندى أهل قوة أو بأس .. لكنى اخترتكم لنفسى لأن أحق الناس للقيام بهذا الدين أنتم أهل المدينه أبناء المهاجرين والأنصار .. ووالله ما جئت إلى هنا إلا ولى فى كل مصر من الأمصار بيعه .. أيها الناس لقد أمرنا بعزل ذلك الصعلوك الذى جاءوا به أميرا عليكم وأن يبقى فى محبسه إلى أن نرى فيه أمرنا .. كذلك أمرنا أن يتولى إمارة المدينة عثمان بن محمد بن الزبير .. وأن يقوم على أمر الشرطه عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردى ......
إستمر محمد "النفس الزكيه" يلقى بيانه والقوم كلهم منصتون إليه .. لا يرفعون أعينهم عنه وقد علت وجوههم البهجة وعمهم الفرح والسرور .. إلا ذلك الجاسوس الذى كان مندسا بينهم .. تسلل فى خفة خارج المسجد بعد أن سمعت أذناه ما سمعت دون أن يشعر به أحد من الجالسين من حوله .. ثم ركب دابته وانطلق يعدو بها لا يلوى على شئ قاصدا طريق العراق .. بدا سعيدا مبتهجا بالجائزة التى تنتظره فى مقابل ما يحمله من أنباء هامة .. لم يسبقه إليها أحد إلى بلاط المنصور ..
----------
@ خرج الناس من المسجد النبوى بعد أن انتهى الثائر من إلقاء بيانه وهم فى حيرة من أمرهم .. كانوا فى قرارة أنفسهم يتمنون مبايعته خليفة للمسلمين .. لكن أسقط فى أيديهم فقد سبق لهم إعطاء البيعة للمنصور بأيمان مغلظة لا سبيل لهم إلى نقضها أو الرجوع عنها .. وبعد مداولات إتفقوا فيما بينهم أن يختاروا نخبة من بينهم يمثلون الأعيان وشيوخ القبائل والعشائر .. يأتون لهم بالفتوى من شيخ المدينة وإمامها مالك بن أنس ..
وفى مساء اليوم نفسه توجهت تلك النخبة من شيوخ المدينة وأعيانها إلى دار الفقيه مالك بن أنس .. وعلى باب الدار خرجت إليهم جاريته السوداء التى كانت تقوم على خدمته .. سألتهم عن مطلبهم .. أجابها كبيرهم على الفور ......
ــ جئنا نلتمس لقاء الشيخ .. فى أمر هام وضرورى ..
وقبل أن تفتح الجارية فهما للرد عليه استدرك قائلا .....
ــ نعلم أن هذا اليوم ليس يوم الفتوى .. إلا أن الأمر هام أيتها الجاريه ولا يحتمل الإنتظار للغد ..
ما كان منها إلا أن عادت أدراجها داخل الدار تستأذن سيدها وهم لا يزالون وقوفا بالباب .. ذلك أن شيخ المدينة وإمامها أعد نظاما ثابتا وحدد أياما وساعات معينة يلتقى فيها بالناس ليجيب على أسئلتهم .. وأياما أخرى للدرس وتعليم الحديث .. كان لا يسمح أبدا بتغيير هذا النظام الصارم ولا يأذن لأى أحد أن يقطع عليه خلوته إلا فى الملمات .. وعلى هذا النهج عاش حتى آخر أيامه ..
طال وقوفهم خارج الدار ينتظرون إلى أن عادت الجاريه مرة أخرى وفتحت الباب لهم الى قاعة الانتظار .. وفى داخل القاعة جلسوا فى انتظار الشيخ وهم يتحدثون فيما بينهم بأصوات خافتة يتداولون أمرهم ..
وبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل فى حوالى الأربعين من عمره .. تكسو صفحة وجهه وتتراءى سمات الصالحين الأتقياء وتعلوه المهابة والوقار .. سلم الشيخ عليهم ورحب بهم وكان يعرفهم .. ثم سألهم عن حاجتهم فأجابه كبيرهم ......
ــ جئناك يا شيخ المدينة مفوضين من أهلها جميعا .. لتفتينا فى أمر هام حير القوم جميعهم .. واتفق الرأى على أنه لن يفتينا ويخرجنا من حيرتنا إلا إمامنا وشيخنا مالك بن أنس !.
ــ لابد أنه كذلك حقا .. فأنتم تعرفون أن اليوم ليس يوم الفتيا !.
ــ نعلم ذلك يا شيخنا .. إلا أن الأمر عاجل وخطير ولا يحتمل الإنتظار للغد .. ولولا ذلك ما سمحنا لأنفسنا أن نقطع عليك خلوتك !.
ــ لعلكم أتيتم من أجل محمد بن الحسن .. سمعت أنه ظهر بالمدينة البارحه ؟!.
ــ أجل أيها الشيخ .. وطلب منا أن نبايعه ..
ــ وماذا بعد ؟!.
ــ كما تعلم .. نحن فى رقابنا بيعة للخليفة أبى جعفر المنصور ..
ــ أجل أعلم .. ما الأمر إذن ؟!.
ــ نحن فى حيرة يا شيخنا الجليل .. هل نبايع لابن الحسن أم نبقى على بيعتنا للخليفة المنصور ؟!.
ــ ما رأيكم أنتم .. هل ترغبون فى البيعة له ؟!.
ــ أجل نرغب فى ذلك .. غير أن بيعتنا وأيماننا للخليفة المنصور تمنعنا وتقف حائلا أمام إرادتنا ..
ــ هل بايعتم للمنصور أيها القوم بإرادتكم ورغبتكم .. أم أنكم أعطيتم البيعة آنذاك مكرهين ؟!.
ــ الله وحده يعلم أنا حلفنا مكرهين وبايعنا مرغمين وكان ذلك ضد إرادتنــا ..
ــ وأنا أقول لكم ليس على مستكره بيعه .. قال رسول الله [
صلى الله عليه وسلم ] "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وقال " ليس على مكره يمين" . هيا قوموا فبايعوا لمحمد بن عبد الله بن الحسن .. واتركونى هنا وحدى فى خلوتى ..
قال ذلك ثم أخذ يتمتم فى سره وهو فى طريقه إلى داخل الدار .....
ــ الله وحده يعلم ما ستفعله بى هذه الفتوى ..


@ تسعة أيام مرت على هذه الأحداث المتلاحقه التى جرت على أرض المدينه المنوره منذ دخول العلويين إليها ... كان الأمر خلالها قد استتب لهم تماما .. على الجانب الآخر فى مدينة الهاشميه مقر إقامة المنصور .. وبينما الحراس يروحون ويغدون فى نوبة حراستهم ليلا تحت أضواء المشاعل أمام أبواب قصر الخلافه .. إذا بهم يلمحون شبحا قادما من بعيد وهو يتسلل حثيثا على دابته مستترا بالظلام ..
أخذت ملامحه تظهر وتتميز شيئا فشيئا كلما اقترب براحلته من أسوار القصر .. إنه الرجل الذى خرج متسللا من المسجد النبوى .. على مقربة من باب القصر أوقفه أحد الحراس طالبا إليه النزول من فوق ظهر راحلته .. أمره بغلظة ألا يتحرك من مكانه وبدأ يسأله فى جفاء وحده .......
ــ من أنت أيها الغريب .. وما الذى أتى بك إلى هنا فى تلك الساعة المتأخرة من الليل .. تكلم ؟!..
كان يبدو من هيئته وكذلك من زيه أنه كذلك .. غريب عن البلاد .. إلتفت الرجل من حوله فزعا وقد بوغت بهذه المقابلة الجافه .. التى لم يعتد على مثلها من قبل .. هاله أن يرى عددا من الحراس الأشداء يتحلقونه وهم يحدجونه بنظراتهم الناريه .. متحفزون للقضاء عليه إن تحرك من مكانه خطوة واحدة للأمام .. وأيديهم على مقابض سيوفهم ...
أخذ يدور بعينيه عليهم ويردد النظر إليهم واحدا بعد الآخر .. لمح الشر فى عيونهم فعاد ينظر إلى محدثه .. قال بصوت لاهث وقد بدا عليه الإعياء والتعب من طول السفر .......
ــ أرجوكم .. أيها الحراس .. أريد شربة ماء أولا .. فإنى قادم من سفر بعيد .. لى تسعة أيام وأنا أكابد مشقة السفر .. وقد نفد الماء منى ...
سأله أحدهم ساخرا منه وقد تصوره مخبولا .......
ــ وما الذى أتى بك إلى هنا أيها الصعلوك ؟!..
وعاجله آخر .......
ــ ولماذا تكبدت كل هذه المشقة كما تزعم ؟!..
ــ مهلا أيها الحراس .. لا تسخروا منى ...
ــ لم إن شاء الله ؟!..
ــ لأنى أحمل أنباء هامة لأمير المؤمنين ...
إرتفعت ضحكاتهم الساخره .. بينما عاجله أحدهم بقوله ......
ــ أنباء هامه !.. معك أنت .. هيــه .. وماذا تريد ؟!..
ــ لا أريد منكم شيئا .. أريد مقابلة أمير المؤمنين ...
ــ أميــــــر المؤمنين .. هكذا !.. من تظن نفسك ؟!..
ــ أجل .. وفى الحال .. ما خطبكم .. لماذا تنظرون إلى هكذا ؟!.. ألا تعرفون من أكون ؟!..
ــ من تكون !!.. صعلوك من الصعاليك .. أم تظن نفسك القائد موسى بن كعب جئتنا متخفيا ؟!..
إرتفعت ضحكات الحراس .. واستمرت تعليقاتهم الساخرة دون أن يردوا على تساؤلاته .. وهم يتغامزون على هيئتة المزرية وثيابه الرثه .. ساخرين أن يجرؤ صعلوك مثله على طلب لقاء أمير المؤمنين .. وفى ذلك الوقت المتأخر من الليل .. أخذ ينظر إليهم متعجبا من ضحكهم واستهزائهم .. لم يفهم له سببا فى بادئ الأمر .. فعاجله أحدهم قائلا وهو يناوله قربة الماء ليشرب منها .......
ــ خذ إليك قربة ماء بحالها .. إشرب وارتوى كما تشاء يا .. يا صاحب الأنباء الهامه !..
واستمرت تعليقات الحراس الساخرة .. وهو يكاد أن يلتهم قربة الماء .......
ــ أى أنباء تلك التى يحملها صعلوك مثلك ؟!.. ثم أين لك بأمير المؤمنين فى هذا الوقت المتأخر من الليل .. من المؤكد أنك لا تعى ما تقول !..
وقال آخر .......
ــ هيا اشرب الماء .. وارجع على الفور من حيث أتيت .. وإلا ....
قاطعهم وهو يمسح بقايا الماء بكمه من على فمه .. موجها كلامه لهم فى استعطاف .. بعد أن شرب وارتوى .......
ــ أنتم لا تعرفون شيئا عن حقيقة الأمر .. ولا تدركون أهمية ما جئت من أجله .. لابد لى من لقائه الآن .. الأمر جد خطير !..
ــ إسمع أيها الرجل .. لا تصدع رؤوسنا بترهاتك .. عليك بالانتظار حتى صباح الغد .. أمير المؤمنين لا يلتقى بأحد فى جوف الليل .. مهما تكن الأسباب ...
رد عليه بلهجة حادة قاطعة مستنكرا قوله .......
ــ أقول لكم أنباء هامه تسخرون منى وتقولون ترهات !.. ثم كيف أنتظر إلى صباح الغد ؟!.. أى غد أيها الحراس .. إنكم بالقطع لا تدركون خطورة الأمر .. لن أتحرك من مكانى هذا .. ولا تضطرونى أن أصرخ بأعلى صوتى مناديا على أمير المؤمنين !..
رأى الحراس إصراره .. فتبادلوا نظرات ذات مغزى .. ثم أشار إليه أحدهم أن يتبعه وقد ظهر الضيق على وجهه .. حتى إذا بلغا فناء القصر صعد معه بضع درجات .. ثم سارا فى ردهة طويلة إلى أن وصلا إلى نهايتها .. إستدار إليه الحارس قائلا فى لهجة آمره .......
ــ إنتظر هنا .. فى هذا المكان حتى آتيك .. الويل لك إن تحركت من مكانك هذا خطوة واحده ...
عاد بعد قليل وهو يشير إليه أن يتبعه مرة أخرى .. حتى وصل به إلى غرفة الحارس الخاص لأمير المؤمنين .. وعلى باب الغرفة سأله الحارس وهو لا يزال يتثاءب .......
ــ من أنت أيها الرجل .. وماذا وراؤك ؟!..
ــ أنا يا سيدى الحسين بن صفر من بنى عامر .. لى تسعة أيام أكابد فيها مشقة السفر من يثرب إلى أن وصلت إلى هنا .. وأريد لقاء أمير المؤمنين الآن ...
ــ لم ؟!..
ــ الأمر هام وعاجل ...
حدجه بنظرة حادة مستنكرا .. فاستدرك الرجل قائلا .......
ــ لا تعجب يا سيدى .. أمير المؤمنين يعرفنى جيدا .. سترى بنفسك عندما تسمح لى بلقائه ...
ــ أى أنباء تلك !.. هلا أفصحت لى عنها أيها الرجل ؟!..
ــ معذرة يا سيدى .. لا أستطيع أن أفصح لك عنها قبل أن أخبر بها مولاى أمير المؤمنين .. ستعرف كل شئ عندما يلقانى ...
ــ إذن عليك بالإنتظار إلى صباح الغد .. الخليفة متعب هذه الليله ...
ــ أرجوك يا سيدى .. إن ما عندى لا يحتمل الانتظار لصباح الغد .. يكفى أن أقول لك إن البلاد فى خطر !..
أخذ ينظر إليه بازدراء وهو يضم شفتيه فى ضيق .. ثم أمره فى جفاء أن يتبعه .. حتى وصل به إلى غرفة المنصور .. لما رآه عرفه .. ابتدره قائلا .......
ــ خيرا يا عامرى .. ماذا وراءك .. وما الذى دعاك لأن توقظنى فى هذا الوقت المتأخر من الليل ؟!..
ــ أنباء مهمة يا مولاى المنصور ...
نظر إليه متسائلا فأردف على الفور .......
ــ خرج محمد بن عبد الله بن الحسن ومن معه من مخبئهم .. وهو الآن فى المدينه منذ عشرة أيام ...
هز المنصور رأسه ثم قال .......
ــ أخيرا خرج هذا المتمرد من جحره .. هيه وهل قدم معه كثيرون ؟!..
ــ حوالى مائتين وخمسين من أهله وأنصاره ...
ــ هل تحركوا فى المدينة .. أم لا يزالون قابعين فى إحدى أوكارها ؟!..
ــ إنهم يا مولاى اقتحموا السجون وأخرجوا كل من بداخلها .. وعزلوا أمير المدينه رياح بن عثمان .. وولوا مكانه واحدا آخر من رجالهم .. ها هى يا مولاى أسماء كل من ولاهم المناصب ...
قال ذلك وهو يخرج لفافة من جيبه .. تناولها المنصور وألقى بها إلى جواره دون أن يفتحها .. ثم سأله فى لهجة حازمة جافه وقد بدا عليه الوجوم والضيق .......
ــ هل رأيته بعينيك .. أم سمعت من غيرك سماعا ؟!..
ــ لا يا مولاى .. رأيته بعينى رأسى هاتين .. وإلا ما كنت أصررت على لقائك يا مولاى فى هذا الوقت المتأخر من الليل .. ليس هذا فحسب يا أمير المؤمنين !..
ــ ماذا أيضا ؟!..
ــ لقد استمعت إليه .. وهو يخطب بالناس جالسا على منبر رســول الله [
صلى الله عليه وسلم ] ...
ــ ماذا سمعت ؟!..
ــ طلب من القوم أن يبايعوه أميرا للمؤمنين ...
ــ ثم ماذا ؟!.. هل تمت له البيعه ؟!..
ــ لم يبايعوه إلا بعد أن أرسلوا جماعة منهم للقاء شيخ المدينه مالك بن أنس لأخذ رأيه ...
ــ بماذا أجابهم ؟!..
ــ أفتاهم أن يبايعوا له .. وأحلهم من بيعتهم لك ...
ــ كيف يفتيهم بذلك ولى فى أعناقهم بيعه ...
ــ هلا أعفيتنى من الإجابة يا مولاى ...
ــ تكلم يا رجل ...
ــ قالوا له أنهم بايعوا مكرهين .. فقال لهم .. ليس على مستكره يمين ولا بيعــه !..
سكت المنصور هنيهة ثم أخذ يحدث نفسه والأسى يغمره .......
ــ تفرقت الظباء على خراش ؛ فلم يدرى خراش ما يصيد .. لعن الله من أيقظ الفتنة من مهدها .. أهلكت نفسك وأهلكت من معك أيها الطامع فى الخلافه .. أما أنت يا شيخ المدينه فلسوف يكون لى معك شأن آخر .. لابد أن تلقى جزاء رعونتك وتطاولك علينا ...
قال ذلك ثم التفت إلى كبير الحراس آمرا .......
ــ تحقق من صحة هذه الأنباء .. فإن كانت كما يدعى هذا العامرى أعطه عن كل يوم مر عليه فى السفر ألف دينار .. وإلا فالويل له ………………
****
@ فى صبيحة اليوم التالى اتخذ المنصور مجلسه .. وقد بدا متجهما عابس الوجه وعن يمينه جلس ولــى العهد .. بينما وقف بين يديه وزيره وكاتب ديوانه أبو أيوب الموريانى فى انتظار ما يأمره به .. لم يمض إلا قليل حتى التفت المنصور إلى كاتبه قائلا بعد أن خرج عن صمته .......
ــ إجلس أبا أيوب واكتب هذه الرسالة .. أكتب ما نمليه عليك ...
ــ رسالة !.. لمن يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ لهذا المتهور الذى طال اختفاؤه .. ثم ظهر أخيرا بالمدينة ليثير الفتن والقلاقل وينازعنا أمرنا ...
ــ تقصد محمد بن عبد الله بن الحسن يا مولاى ؟!..
ــ أجل .. سأبعث إليه بهذه الرسالة عساه أن يرجع عن غيه ونزعات نفسه .. يعلم الله أنى لا أريد قتله إلا أن يضطرنى لذلك ويدفعنى إليه دفعا !..
كان ولى العهد الأمير محمد المهدى يرقب أباه وينصت باهتمام إليه وهو يملى على كاتبه .......
ــ بسم الله الرحمن الرحيم ....... "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض .. ذلك خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم .. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" صدق الله العظيم ..... ولك على عهد الله وميثاقه وذمة رسوله [
صلى الله عليه وسلم ] .. إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وأهلك ومن اتبعكم على دمائهم وأموالهم .. وأعطيك ألف ألف درهم وكل ما سألت وأنزلك من البلاد حيث تشاء .. وأطلق سراح كل من فى السجون .. وجه إلى من أحببت من رجالك يأخذ لك من العهد والميثاق ما يرضيك .. والسلام ...
وضع ريشته جانبا وهو ينظر للمنصور متسائلا فقال له .......
ــ ضع خاتمنا عليها وادفع بها إلى أحد رجالنا المخلصين .. ليحملها إلى المدينة فى التو والحين ...
ــ خيرا فعلت يا أبى بوركت والله .. ليته يمتثل !..
قالها ولى العهد ممتنا وهو يقوم من مكانه متقدما ناحية أبيه .. وقد ظهر الارتياح عليه متصورا أنه يجنح للسلم .. ظن ذلك لقلة خبرته بأمور المناورات ومكائد القصور .. وهو بطبعه لم يكن يميل إلى العنف فى معالجة المشاكل والتصدى لها .. لغلبة الحلم والتسامح على طبيعته ...
رد المنصور قائلا .......
ــ إسمع يا ولدى سأقول لك شيئا ..
ــ نعم يا أبت ..
ــ لتعلم أن ولد على بن أبى طالب لاحظ لهم فى هذا الأمر .. كما أننا لم نغتصب منهم حقا كما يزعمون ويدعون ...
قال ذلك ثم نهض قائما وأخذ يمشى رويدا وهو يردف قائلا ......
ــ وإلا .. ما الذى جعل جدهم الحسن بن على يرتضى الصلح مع معاويه .. وتنازل عن الخلافة طواعية رغم أن القوم قد بايعوا له ؟!.. إنه ما فعل ذلك إلا لكى يطفئ نيران الفتنه ويحقن الدماء .. أليس هو القائل لأخيه الحسين بن على لما رآه متحمسا للقتال ....... "إنى هممت أن أحتجزك فى دار مغلقة حتى أفرغ من الصلح" .. ألم يفعل ذلك ؟!..
رد خالد بن برمك معقبا .......
ــ بلى يا أمير المؤمنين .. فعل ذلك حقا .. وإليه الاشارة فى قول النبى [
صلى الله عليه وسلم ] "إن ابنى هذا سيد يصلح بين فئتين متنازعتيــن" ..
لم يشأ الربيع أن يضيع هذه الفرصة أيضا دون أن يدلى بدلوه .. هو صائد ماهر يعرف متى يرمى شباكه ويلتقط صيده .. قال فى خبث ودهاء ......
ــ وأنت الذى تمد يدك الآن بالسلام يا مولاى .. مع أنك تستطيع القضاء عليه وعلى كل من معه بإشارة من سبابتك ...
ــ أجل .. صدقت يا كبير الحجاب .. لقد ظن أن لن نقدر عليه .. لكن هيهات هيهات .. إنه عنيد مكابر مثل عمه الحسين .. لا حول ولا قوة إلا بالله ...


@ بينما قافلة المسافرين تواصل رحلتها إلى الحجاز .. وعبيد الله الأزدى يقص على ابنته ما جرى من أحداث فى أرض الخلافة فى السنوات القليلة الماضيه .. كان الأهل فى مكة يترقبون بفارغ الصبر قدومه إليهم مصطحبا معه ابنته وولدها .. وقد استبد بهم القلق على طول غيابهم ...
وفى الدار التى يعيشون فيها بشعب الخيف .. جلست أم عبد العزيز زوجة عبيد الله الأزدى وحدها فى أحد أركانها .. وأمامها الرحى تطحن بها قليلا من الشعير لإعداد بعض الخبز .. كانت امرأة صابرة صامدة هادئة الطبع قليلة الكلام .. تنطق ملامح وجهها بالطيبة والسماحه .. لا تكف يدها عن العمل الدؤوب فى أمور الدار رغم كبر سنها .. وعنها ورثت ابنتها أم حبيبه هذه الخصال وتلك الطباع ...
وبينما هى على هذا الحال والعرق يتصبب منها غزيرا .. تمسح ما تراكم منه بكم جلبابها .. إذا بولدها على أصغر أبنائها والذى بلغ العشرين من عمره يفتح باب الدار قادما .. ما إن سمعت أمه وقع خطواته التى تعرفها جيدا .. حتى رفعت رأسها وهى لا تكف يدها عن حركتها الرتيبه .. سألته بطيبتها المعهودة وابتسامتها الصافيه .. وإن لم تخل لهجتها من رائحة لوم وعتاب .......
ــ أهذا أنت يا على .. أين كنت غائبا طوال اليوم يا ولدى .. لقد تأخرت على غير عادتك ؟!..
ألقى بنفسه على إحدى الوسائد طلبا للراحة .. ثم رد قائلا وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثه .. بعد أن شرب جرعة من الماء .......
ــ إيــــــه يا أمى .. ألتقط أنفاسى أولا .. ما أشد سخونة الهواء خارج الدار .. يوم صيفى قائظ عل غير العاده .. بعد أن صليت صلاة الظهر عند الكعبه .. ذهبت إلى أخى سليم فى دكان العطارة ومكثت عنده بعض الوقت أساعده فى عمله ........
قاطعته قبل أن يسترسل .......
ــ منذ متى وأنت تذهب إلى دكان العطاره .. لكم طلبت منك مرات أن تساعده وكنت تأبى .. ما الذى جد فى الأمر يا ترى ؟!..
ــ أبدا يا أمى .. لكنه اشتكى لى غير مرة من تكدس البضاعة وعدم ترتيبها .. ولم أتركه إلا وقد انتهينا من ترتيبها وتنسيقها فى أماكنها .. وإزالة الغبار المتراكم عليها .. حتى يعرف أبى بعد عودته أنه سافر وخلف وراءه رجالا .. أليس كذلك يا أمى ؟!..
ــ هيه .. وبعد أن انتهيت من مساعدة أخيك فى الدكان .. إلى أين ذهبت ؟!..
ــ أنسيت يا أمى !.. ذهبت بعد ذلك إلى دار أخى عبد العزيز لأطمئن على صحة ولده عمر .. ألم تطلبى إلى ذلك ؟!..
ــ بلى يا ولدى .. بارك الله فيك يا على .. كيف حاله الآن .. لعله برئ من تلك الحمى اللعينه ؟!..
ــ إنه لا يزال نائما فى فراشه .. لكنه الآن أفضل ...
رفعت الأم رأسها للسماء وأخذت تتمتم ببعض الأدعية .. ثم عادت لما كانت عليه .. مرت لحظات من الصمت قبل أن يقطعه على متسائلا .......
ــ أماه ؟!..
ــ نعم يا ولدى ...
ــ ألا تلاحظين أن غيبة أبى قد طالت .. كيف ترين ذلك الغياب ؟!.. مضى عليه أكثر من شهرين منذ رحيله إلى غزه .. ليأتى بشقيقتى أم حبيبه وولدها ؟!..
ــ أنسيت يا بنى أنها رحلة شاقة وسفر طويل .. كما أنه مرتبط بقافلة التجار التى سافر معها .. أليس كذلك ؟!..
ــ بلى يا أمى أعلم ذلك تماما .. لكنى أذهب كل يوم أتلمس من السوق أخبار القوافل القادمة من الشام أو من مصر دون جدوى !..
إبتسمت قائلة .......
ــ لا تعجل يا ولدى لا تعجل .. أنتم هكذا أيها الشباب هذه الأيام لا صبر لديكم أبدا .. إن هى إلا أيام يا ولدى ويصل الجميع إن شاء الله .. أبوك وأم حبيبه وولدها محمد بن إدريس ...
ثم أردفت قائلة وهى تتنهد فى أسى .......
ــ يرحمك الله يا إدريس .. كان رجلا صالحا يا ولدى .. اللهم بارك لنا فى ولده محمد .. وأوصله ومن معه سالمين إلينا ...
...........
@ أخيرا وصلت قافلة المسافرين إلى مشارف ميناء أيله "ميناء إيلات أو العقبه" .. وعلى مرمى البصر ظهرت للمسافرين مياه الخليج بألوانها الزرقاء الصافيه .. وعلى صفحتها الهادئة الرائقه إنعكست أشعة الشمس الذهبية فزادتها بهاء وجمالا وروعه .. إستمر الشيخ يواصل قصة الثوار وابنته تنصت له فى شوق وشغف .. كانت متلهفة لمعرفة نهاية هذا الصراع .......
ــ وحمل البريد رسالة العهد والأمان إلى المدينه .. قام رسول الخليفة المنصور بتسليمها بنفسه لمحمد النفس الزكيه ...
قاطعته فى لهفة .......
ــ لعله استجاب لما جاء فيها يا أبت ؟!..
ــ هيهات .. إنها قضية آبائه وأجداده .. لم يكد يقرأ رسالة الأمان حتى تملكه الغضب .. وقام من فوره بكتابة رسالة عاجله يرد بها على المنصور ...
ــ كيف كانت رسالته ؟!..
ــ رسالة غاضبة .. تعبر عن مرارة أليمة وإصرار على مواصلة النضال .. كل كلمة فيها سهم قاتل ...
ــ وكيف كانت إجابة المنصور يا ترى ؟!..
ــ سأخبرك بكل شئ .. إسمعى يا ابنتى بقية الحكايه ………………

@ أمسك المنصور رسالة الثوار وبدأ يتلو ما فيها والربيع واقف إلى جواره ينصت باهتمام وترقب "بسم الله الرحمن الرحيم ....... إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين .. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض" .. وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذى عرضت على .. فإن الحق حقنا .. وإنما ادعيتم هذا الأمر بنصرتنا وتأييدنا .. وأن أبانا عليا كان الإمام .. فكيف ترثون ولايته وولده أحياء .. وليس لأحد مثل نسبنا أو شرفنا .. نحن لسنا من أبناء اللعناء أو الطرداء أو الطلقاء .. واعلم أننى أولى بالأمر والعهد منك .. أما عن الأمان المزعوم .. فأى أمان وعهد هذا الذى تعطينيه.. أمان ابن هبيره .. أم أمان الخرسانى .. أم أمان عمك ؟!..
إستطاع الثائر ببراعة منطقه وقوة حجته .. أن يسدد سهامه القاتلة التى انطلقت من سطور رسالته إلى سويداء قلب المنصور .. ما كاد يصل فى قراءته إلى هذا الحد منها .. حتى قبض عليها بغيظ وحنق قبل أن يكمل ما فيها .. كورها فى قبضته وهو يهب واقفا عاقدا ما بين حاجبيه .. وهو الذى قليلا ما يغضب أو يثور .. بل يرى دائما رابط الجأش .. لكنه يواجه رسالة فيها همزات ولمزات وتعريض بالأنساب والأصهار .. وبعد أن مرت لحظات من الصمت والترقب .. إنبرى الربيع بن يونس قائلا فى نبرات كساها ثياب الغضب الثائر ....... معذرة يا مولاى .. لقد تعدى هذا المارق حدوده .. لم يعد لدينا مقدرة للصبر عليه أو إمهاله أكثر من هذا .. لابد من تأديبه وإنزال أشد العقاب به ...
قاطعه المنصور قائلا .. وقد بدا كالأسد الجريح وهو يخرج حروف الكلمات من بين أسنانه بطيئة كأنما يحادث نفسه .......
ــ لم يبق فى قوس الإحسان منزع .. إخترت الحرب إذن أيها الدعى .. لا بأس .. سألقنك درسا لن تنساه ما حييت .. إن كتبت لك النجاة من بين يدى ..
ثم نظر إلى الربيع متمما .......
ــ أرسل الليلة رسالة لابن أخى القائد عيسى بن موسى .. أطلب إليه أن يجهز أربعة آلاف جندى بالسلاح والخيل والميره .. يتقدمهم المشاة الرماة وحملــة الرماح وفرسان السيافة والنباله .. وأن يتوجه بهم من فوره إلى المدينه .. أما أنت .. فعليك أن تعد العدة من الآن لإغلاق كافة الطرق المؤدية إلى المدينه .. وأهمها طريق الشام .. تأكد من ذلك بنفسك يا كبير الحجاب .. كى لا يصل إليهم أى مدد من طعام أو شراب ...
ثم أردف قائلا يتمتم فى سره دون أن يسمعه أحد .......
ــ إنها لفرصة مواتية أصيب بها هدفين برمية واحده .. أتخلص من هذا العلوى المارق .. وابن أخى عيسى بن موسى الذى ينازع هو الآخر فى ولاية العهد .. أجل .. بذلك يكون الطريق ممهدا تماما لولدى محمد المهدى .. ثم لولديه موسى وهارون من بعده ...
كان الربيع الداهيه يحاول بنظراته الثاقبه .. أن يخترق الحجب إلى أغوار عقل المنصور .. وهو يرسلها من طرف خفى .. إرتسمت على شفتيه إبتسامة غامضة وهو يقول لنفسه .......
ــوالله لقد فهمت مرادك وما ترمى إليه .. أيها الثعلب الداهيه ...

@ مضت الأيام تترى على هذه الأحداث العصيبة .. ورحى الحرب دائرة على أشدها بالمدينة بين الثوار وجند الخليفة المنصور .. وبينما هو فى حجرته الخاصة يجلس متكئا فى استرخاء طلبا لراحة بدنه من عناء أعباء الحكم وإلى جواره زوجته "أروى" تتجاذب معه أطراف حديث ودود .. فى لحظات صفاء وهما يحتسيان شرابا دافئا أمامهما فاجأها المنصور متسائلا .......
ــ أروى .. أتدرين أكثر ما أتمناه حقا ؟!..
ردت متسائلة وعلى شفتيها ابتسامة ساحره .......
ــ حقق الله أمانيك يا أمير المؤمنين .. ما الذى تتمناه يا أبا عبد الله ؟!..
ــ أتمنى أن يكون على بابى أربعة رجال .. لا يكون عليه أعف منهم ...
ــ تقول أربعة رجال .. أربعة فحسب يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ أجل .. إنهم يا أروى أركان الملك .. ولا يصلح الملك إلا بهم ...
ــ صدقت يا أبا عبد الله .. إن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم .. إن نقصت واحدة تداعى ...
ثم أردفت متسائلة .......
ــ من تعنى بهؤلاء الأربعة يا ترى ؟!..
ــ أحدهم قاض .. لا تأخذه فى الحق لومة لائم !..
ــ والثانى ؟!..
ــ الثانى صاحب الشرطه .. ينصف الضعيف من القوى .. أما الثالث .. فصاحب خراج يستقصى فى عمله ولا يظلم الرعيه !..
ــ لم يبق إلا الرابع ؟!..
سألته أروى .. رد عليها وهو يعض على سبابته متأوها متحسرا .......
ــ آه من هذا الرابع !.. إنه صاحب البريد .. يكتب إلى بالخبر الصحيح عن هؤلاء جميعا ...
ضحكت أروى ضحكة عالية .. وهى ترتد برأسها إلى الوراء فى دلال .. ثم قالت معقبة .......
ــ ما أبلغ حكمتك وجلاء بصيرتك يا أمير المؤمنين .. والله لم تنس أحدا .. لا حرمك الله من هؤلاء الأعوان الأربعة أبدا ...
صمتت قليلا وقالت .......
ــ كلامك هذا يذكرنى بذلك اليوم .. الذى كانت فيه خصومة بينى وبينك حول كتاب الصداق .. وطلبت إلى أن أختار بنفسى القاضى الذى يحكم بيننا .. أتذكر ذلك اليوم يا أبا عبد الله ؟!..
أجابها ضاحكا .......
ــ هل هذه أيام تنسى .. لقد اشترطت على فى كتابك ألا أتزوج عليك ...
صمت قليلا وأردف .......
ــ لم تختارى من بين جميع القضاه إلا قاضى مصر .. غوث بن سليمان .. كما أنك أصررت أيضا .. أن توكلى عنك فى مجلس القضاء واحدا من خدمك .. لم أنسى يومها أن هذا القاضى طلب منى فى حزم أن أنزل عن مجلسى .. وأجلس على الأرض .. إلى جوار خادمك سواء بسواء .. أيقنت ساعتها أنه سيحكم لصالحك ...
بادلته الضحك وهى تقول فى أنوثة ودلال .......
ــ مع هذا لم تغضب منه .. بل أمرت له بجائزة .. أليس كذلك ؟!..
ــ ليس هذا فحسب .. بل طلبت إليه بالحاح أن يتولى قضاء الكوفه .. لكنه اعتذر وأصر على أن يظل قاضيا على مصر .. كان قاضيا عظيما حقا .. ليت كل القضاة عندنا مثله ...
صمت برهة كان يحتسى خلالها رشفة من الشراب .. ثم قال .......
ــ سأقص عليك حكاية حدثت لى ذات يوم مع إحدى نسائى .. ما دمنا فى ذكر القضاة وأحوالهم ...
ــ تكلم يا أبا عبد الله .. كلى آذان صاغيه ...
ــ حدث يوما .. أن اختلفت مع الكرديه ...
ــ أم ولدك جعفر الأصغر ؟!..
ــ أجل .. هى بعينها .. وكعادتى سألتها من ترضين حكما بيننا ؟!.. ردت قائلة ....... لا أرضى بغير حكم فقيه الكوفه ...
ــ تقصد أبو حنيفه النعمان بن ثابت ...
ــ نعم إنه هو .. يا له من فقيه .. إسمعى ما جرى وما كان من أمره معنا ……
كان الشيخ أبو حنيفه جالسا فى صدر المجلس .. أمامه الخليفة المنصور بينما جلست زوجته الكردية من وراء ستار .. بدأ الشيخ مجلس القضاء موجها كلامه للزوجه .......
ــ ما هى خصومتك يا سيدتى ؟!..
ــ أمير المؤمنين لا يعدل بينى وبين زوجاته ...
ــ ما قولك يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ لى سؤال أود أن أسأله ...
ــ سل ما بدا لك ...
ــ كم يحل للرجل من النساء ؟!..
ــ يحل له من النساء أربعا ...
ــ وكم يحل له من الإماء ؟!..
ــ ما شاء له منهن .. ليس لذلك من عدد !..
نظر المنصور لزوجته قائلا .......
ــ أسمعت يا هذه .. كلام الشيخ ؟!..
ــ بلى قد سمعت .. ولا قول عندى بعد قوله !..
رد أبو حنيفة معقبا .......
ــ مهلا يا أمير المؤمنين .. لقد أحل الله ذلك لأهل العدل .. فمن لم يعدل .. أو خاف ألا يعدل .. فينبغى له ألا يجاوز الواحده .. قال تعالى "ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" .. ينبغى علينا أن نتأدب بآداب الله .. ونتعظ بمواعظه ……
@ وصل المنصور إلى هذا الحد .. فالتفتت إليه أروى متسائلة فى فضول .......
ــ ماذا فعلت يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ أمسكت على لسانى ولم أعقب .. ولما طال صمتى .. قام الشيخ وخرج عائدا إلى داره .. أتدرين ما الذى حدث بعد ذلك ؟!..
هزت رأسها بالنفى فرد قائلا .......
ــأرسلت الكردية إليه هدية كبيرة !..
ــ هدية كبيره ؟!..
ــ نعم أرسلت إليه خمسين ألف درهم وجارية ودابه .. إلا أنه أبى متعففا وردها إليها قائلا .......
ــإنما ناضلت عن دينى !..
ردت بإعجاب قائلة .......
ــياله من شيخ ورع تقى .. إنه يستحق أن يكون قاضى القضاه !..
إبتسم قائلا .......
ــ يعجبنى فيك ذكاؤك أيتها الحسناء .. كأنك تقرأين ما يدور برأسى ...
ــ ماذا تعنى ؟!..
ــ لقد عزمت على ذلك فعلا ...
ــ متى تفعل يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ بعد أن أفرغ من مشاكلى مع بنى على .. وأنتهى من بناء بغداد والرصــافه ...
ثم أردف قائلا .......
.. لكن هيهات .. ليته يقبل ...
ــ كيف يا أمير المؤمنين !.. هل يأبى منصبا جليلا كهذا ؟!..
ــ ما الذى يمنعه .. إنها ليست أول مرة يرفض القضاء .. لكنى على كل حال سأبذل قصارى جهدى لإقناعه .. ولن أمكنه من تكرار ما فعل قبل عشرين عاما مع الأمويين ...
ما كاد ينتهى حتى سمعا طرقا خفيفا على باب الغرفة .. قال .......
ــ من بالباب ؟!..
ــ أنا يا مولاى .. الربيع بن يونس هل تأذن لى بالدخول ؟!..
ــ أدخل يا أبا الفضل .. ماذا عندك ؟!..
دخل وسلم .. ثم أقبل على المنصور بوجه متهلل .. سأله عما وراءه فقال .......
ــ مالى لا أسر يا مولاى وقد جاء البريد بالبشرى .. تم القضاء على الفتنة بالمدينه .. ودانت لكم بالولاء مرة ثانية !..
ــ وزعيمهم محمد "النفس الزكيه" ؟!..
ــ قتل وكل من كان معه .. بعد أن قاتلوا باستماتة ويأس .. غير أن أخويه يحي وإدريس لاذا بالفرار .. ولم يستطع رجالنا أن يتعرفوا على مكانهما !..
رد قائلا وقد ظهر على وجهه الحزن والهم .. رغم الأنباء الساره .......
ــ لا عليك منهما .. إنهما فتيان صغيران لا يملكان من الأمر شيئا .. ولا يحسب لمثلهما حساب .. وماذا عن أخيه إبراهيم ؟!..
ــ جاءت الأنباء تفيد بظهوره فى البصره .. وأنه يعد جيشا كبيرا يتوجه به إلى الكوفه !..
زادت همومه وهو يهز رأسه قائلا .......
ــ إنه حتما قادم إلى هنا .. إلى الهاشميه ...
ــ ما الذى يخيفنا منه يا أمير المؤمنين .. فليأت إن شاء ومتى شاء .. ليلقى مصير أخيه وأنصاره ويلحق بهم ؟!..
رد فى لهجة يائسة .......
ــ ليس الأمر هكذا يا أبا الفضل .. أنسيت إن رجالى مشتتون فى البلاد .. يحاربون فى الحجاز وأفريقيه والأهواز والرى ...
قال ذلك ثم سكت قليلا .. رفع رأسه قائلا للربيع فى حزم .......
ــ أرسل للقائد حميد بن قحطبه .. يجهز ثلاثة آلاف جندى بالعتاد على أن يكون جيشه فى المقدمه .. وعندما يصل القائد عيسى بن موسى .. أطلب إليه أن يتوجه على رأس خمسة عشر ألف جندى ويبقى فى المؤخره .. ثم يستعمل الحيلة بعد ذلك ...
ــ أية حيلة يا مولاى ؟!..
ــ يوقد نارا عظيمة عندما يصير على مقربة من خصومه .. كى يظنوا أن رجالنا كثيرون .. فيقع فى قلوبهم الرعب !..
فى تلك الأثناء دخل أحد الجلاوزه "الحجاب" قائلا .......
ــ مولاى أمير المؤمنين .. المنجم نوبخت بالباب .. طالبا الإذن بالمثول أمامكم .. يبدو من هيئته وكلامه أنه فى عجلة من أمره !..
ــ ماذا تنتظر أيها الأحمق .. لا تتركوه ينتظر أكثر من هذا .. أدخلوه فى الحال لعلنا نجد لديه ما يزيل عنا الكئآبة .. أو تنشرح به صدورنا !..
ــ أمر مولاى ...
ابتدر المنجم قائلا لدى دخوله .. وهو يبالغ فى الإنحناء والتعظيم ......
ــ مولاى أمير المؤمنين .. أطال الله عمرك وأعلى فى العالمين ذكرك ...
ــ ماذا وراؤك أيها المنجم ؟!..
ــ الخير كله يا مولاى .. جئتك بالبشرى ...
ــ أية بشرى يا رجل .. تكلم ؟!..
ــ أبشر يا مولاى بالنصر المبين والفوز العظيم ...
ــ عن أى انتصار تتحدث أيها المنجم ؟!..
ــ سوف ينتصر جيشك بإذن الله على إبراهيم الطالبى . كما انتصر من قبل على أخيه .. سترى رأسه بعينيك عما قريب .. هنا .. وفى هذا المكان !..
ــ كيف يكون لى ذلك كيف أيها المنجم ؟!.. وقد علم إبراهيم وعورة جانبى وقلة رجالى .. إنه لم يجترئ على المسير من البصره إلى هنا .. إلا بعد اجتماع أهلها على الخلاف والمعصية كدأبهم !..
إبتسم المنجم الداهيه إبتسامة ذات مغزى .. وهو يقول فى ثقة وتؤده .....
ــ أنا واثق من نبوءتى يا أمير المؤمنين .. وأؤكد لك أنها صادقه .. إن هى إلا أيامامعدودات.. وتأتيك رأس إبراهيم إلى هنا !..
أخذ المنصور يهز رأسه فى يأس مرددا .......
ــ لا .. لا .. مستحيل هذا الذى تدعيه .. لا أكاد أصدق !..
ــ أمير المؤمنين .. هل كذبت نبوءآتى لك من قبل ؟!..
ــ أبدا .. وهذا من أعجب الأمور .. لذلك جعلتك مقربا منى بعد أن بشرتنى بالخلافة وأنا فى سجن الأمويين !..
ــ وهذه المرة أيضا يا مولاى .. لن تكذب نبوءتى .. إننى أحادث النجوم وتحادثنى بما لديها .. إن بحوزتى علوم الهرامسه والحسابات والجداول .. وعلى أية حال .. أنا مستعد لأن تضعنى فى السجن حتى تتحقق بنفسك من صدق ما أقول .. أيكفى هذا منى يا مولاى ؟!..
ــ وإن لم تصدق نبوءتك .. ماذا أفعل بك ؟!..
ــ أقتلنى على الفور !..
ــ والله لأفعلن .. أما إذا أصدقتك النجوم .. فسأقطع لك ألفى "جريب" على ساحل نهر جوبر .. تكون ملكا خالصا لك ...

يتبع إن شاء الله ........................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09/11/2008, 08h39
الصورة الرمزية د أنس البن
د أنس البن د أنس البن غير متصل  
رحمه الله
رقم العضوية:688
 
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
افتراضي

@ مضت القافلة فى طريقها تقطع دروب الصحراء .. ماضية فى مسالكها التى يعرفها المسافرون .. إلى أن وصلت إلى مكان .. بدت فيه من بعيد بعض البنايات المتناثرة الصغيره .. نظرت أم حبيبه إلى أبيها متسائلة ....... أين نحن الآن يا أبى .. وماتلك البنايات التى تبدو للعين من بعيد ؟!..
أجابها ضاحكا .......
ــآه يبدو أن طول غيابك فى بلاد الشام .. أنساك ديارنا .. لقد صرنا على مقربة من بدر .. إنها محطتنا الأخيرة .. وأظن أننا سنحط رحالنا فيها وننصب خيامنا للراحة والتزود بالماء .. كما أخبرنا الشيخ أبو سعيد ...
ــ إذن لم تبق إلا أياما قليله .. ونكون فى قلب مكه ؟!..
ــ أجل يا ابنتى .. كانت بحق رحلة شاقه ...
ــ أشق منها ما سمعته منك عن تلك الأحداث الدامية التى جرت فى بلادنا .. فى الأعوام الماضيه ...
ــ ألم أقل لك يا ابنتى ألم أقل لك ؟!..
ــ لكنك لم تخبرنى بعد .. هل صدقت نبوءة المنجم !..
أجابها فى أسى وقد بدا شارد الفكر .......
ــنعم يا ابنتى .. صح ما قاله هذا المنجم اللعين .. قتل إبراهيم وكثيرون ممن كانوا معه .. مع أن المعركة كانت لصالحهم فى أول الأمر .. واستطاع رجاله أن يهزموا جيش حميد بن قحطبه الذى كان بالمقدمه .. وكاد أن ينتصر على جيش عيسى بن موسى الذى كان بالمؤخره .. كان جيشه يتراجع أمام بأس العلويين وشدة مراسهم .. وتصميمهم على النصر أو الشهاده !..
ــ ما الذى جرى إذن وقلب موازين المعركه ؟!..
ــ لا أدرى يا ابنتى .. سبق الكتاب بما هو كائن .. وشاءت إرادة الله ذلك .. لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه !..
عادت تسأل والحزن يغمرها .......
ــوأمير المؤمنين المنصور .. ماذا فعل بعد أن علم بانتصار جيوشه ؟!..
ــ عجيب والله أمر هذا الرجل ...
ــ كيف يا أبت ؟!..
ــ رغم شدة كراهيته لأبناء عمومته .. وحرصه على ألا يمكن أيا منهم من الإقتراب من كرسى الخلافه .. إلا أنه لما علم بذلك .. وجاءوا له وهو فى مجلسه برأس الشهيد إبراهيم بن عبد الله .. أخذ يبكى قائلا وهو ينظر لرأس الشهيد .....
ــ والله لقد كنت لهذا كارها .. ولكنك ابتليت بى وابتليت بك .. يعلم الله أنى أوصيت القائد عيسى بن موسى قبل أن يخرج لقتالهم وقلت له ....... يا عيسى إنى بعثتك إلى ما بين هذين ( وأشار إلى جنبيه) .. فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك ولا تقتله ...
صمت المنصور برهة .. وأردف قائلا فى أسى .......
وألقت عصاها واستقر بها النوى ؛ كما قر عينا بالاياب المسافر ........
ولما دخلت أفواج الناس عليه مسلمين ومهنئين بالنصر .. لم يعبأ بهم إلى أن دخل عليه شيخ وقور وهو يقول له .......
ــأعظم الله أجرك فى إبن عمك يا أمير المؤمنين .. وغفر له ما فرط فى حقك !..
رد المنصور قائلا وقد اصفر لونه .......
ــإجلس يا أبا خالد .. هكذا يكون الكلام ...
----------
@ إستمر عبيد الله الأزدى قائلا.......
ــكانت هذه أول كلمة عزاء تقال له .. رغم عداوته الشديده لأبناء عمه .. كان ينتظر عزاء الناس قبل تهنئتهمبانتصار جيوشه .. مع حرصه على هذا النصر .. إلا أنه كان حزينا لمقتل إبراهيم ...
مرت لحظات من الصمت .. قطعه الأزدى قائلا ليغير مجرى الحديث .......
ــفى الوقت الذى كانت تدور فيه هذه الأحداث الدامية فى الحجاز والبصره والكوفه .. كان العمل يجرى على قدم وساق فى إقامة مدينة بغداد .. مكان قرية إسمها العتيقه ...
ــ سمعت أنها مدينة بديعة ورائعة الجمال يا أبى ...
ــ أجل يا ابنتى .. ما أروعها .. المنصور اختار بنفسه هذه القرية ليبنى مكانها مدينة بغداد ...
ــ لم ؟!..
ــ لاعتدال مناخها وتوسطها بين نهرى دجلة والفرات .. كما أمر بجلب البنائين المهره والصناع والفعله .. من مصر والشام والكوفه وبلاد الديلم .. ووضع بيده أول حجر فى بنائها .. فى وقت إختاره له المنجم نوبخت .. حيث كانت الشمس كما يقولون فى برج القوس ...
ــ لم أفهم .. ما الذى يعنيه ذلك ؟!..
ــ فى لغة النجوم كما يزعمون ..معناه طول بقائها وكثرة عمرانها .. يقال إن المنصور هو الذى قام برسم المدينة على شكل دائرة .. ووضع تصميما لطرقها وجعل لها ثلاثة أسوار .. لكل سور منها ثمانية أبواب غير متقابله .. وفى وسطها أنشأ قصر الذهب ومسجد الخلافه .. لكن كانت هناك مسألة لا تزال تؤرق المنصور .. وتملك عليه فكره وقلبه !..
ــ أى مسألة تلك يا أبى .. وقد تحققت أمنيته وأنشأ هذه الحاضرة الكبيره .. على هذا التصميم البديع ؟!..
ــ كان يشغله كثيرا أمر اختيار الرجال المناسبين لتولى المناصب الهامه .. كان يريد أن يولى القضاء والخراج وديوان الحسبة والمظالم أخلص الرجال وأتقاهم .. إلى أن كان يوم ………………

@ فى سوق الحرير بمدينة الكوفه .. التى تقع بالقرب من مقر الخلافة بالهاشميه .. وفى داخل أحد المتاجر جلس شيخ متقدم فى العمر .. على وجهه سمات أهل الورع الصالحين الأتقياء يقرأ فى مصحف أمامه .. وعلى باب الدكان وقف غلامه يتحاور مع امرأة عجوز .. تعالت أصواتهما حتى وصلت إلى أسماع الشيخ بالداخل .. أغلق المصحف ونادى على غلامه مستفسرا منه عن سبب هذه الجلبه .. رد الغلام قائلا .......
ــ لا شئ يا سيدى .. العجوز تريد ثوبا من الحرير الخالص ...
ــ لم لا تعرض عليها ما عندنا .. لتختار بنفسها ما يروق لها ؟!..
ــ عرضت عليها ثيابا كثيره .. غير أنها تدعى أنه ليس معها من الدراهم ما يكفى ثمنا لما عرضته عليها من ثياب !..
ــ عجيب أمرك يا إسماعيل !.. لم لا تعطيها ثوبا يعادل ما معها من دراهم ؟!..
ــ حاولت كثيرا يا سيدى .. وجئت لها بثياب عديدة .. دون فائده !..
إبتسم الشيخ وأشار للمرأة قائلا فى تلطف .......
ــ تعالى أيتها العجوز وأخبرينى عن حاجتك .. ماذا تريدين من بضاعتنا ؟!..
ــ يا أبا حنيفه .. كل ما أبغيه ثوب من الحرير الخالص .. خاليا من الصوف .. وأن ترفق بى فى ثمنه لسنى وضعفى ...
أمسك الشيخ بأحد الثياب وقدمه لها قائلا .......
ــ إذن دونك هذا الثوب يا أماه .. أرجو أن ينال رضاك ...
أخذت تقلب فيه بإمعان وتفحص نسيجه بيد خبيرة مجربه .. ثم قالت أخيرا وهى تلقى به جانبا .......
ــ لا بأس به .. ثوب جيد حقا من الحرير الخالص .. لكن بم يفيد هذا كله .. وأنا لا أقدر على ثمنه .. إنه من تلك الأنواع الغالية الثمن ...
عادت إلى الشيخ ابتسامته مرة ثانية .. وهو يرد إليها الثوب قائلا ......
ــ كيف لا تقدرين على ثمنه يا أماه .. ألا يوجد معك أربعة دراهم .. أيتها العجوز الطيبه ؟!..
ــ أربعة دراهم فحسب .. بل معى أكثر من ذلك إن أردت ...
ــ لا .. لا أريد أكثر من أربعة دراهم .. إنها ثمن هذا الثوب الذى نال رضاك ؟!..
صرخت العجوز كأنما لدغتها حية رقطاء .......
ــ كم قلت أربعة دراهم ؟!.. سامحك الله يا أبا حنيفه وغفر لك .. إنك تهزأ بى أتسخر من عجوز .. سامحك الله !..
ــ حاشا لله أن أهزأ بك أيتها العجوز الطيبه .. حاشا لله .. إن هذا ليس من خلق المسلم ولا من آدابه .. لقد أصدقتك القول .. وهذا هو ثمن الثوب فعلا !..
ــ كيف تقول ذلك يا شيخ الكوفه !.. تبيع ثوبا يساوى أكثر من مائة درهم بأربعة دراهم .. ثم تدعىأن هذا ثمن الثوب ؟!.. مستحيل .. إلا أن تكون صدقة منك أو إحسانا .. وأنا لا أقبل هذه ولا تلك !..
ــ على رسلك أيتها العجوز .. إننى لا أسخر منك ولا أتصدق عليك .. سأبين لك حقيقة المسأله .. حتى تتأكدين من صدق قولى .. لقد اشتريت منذ أيام ثوبين بمائتى درهم .. بعت أحدهما بالثمن كله إلا أربعة دراهم .. هى ما أطلبها منك ثمنا لهذا الثوب .. تلك هى المسأله .. أفهمت أيتها العجوز الطيبه ؟!..
ردت بامتنان وهى تبتسم حياء .......
ــ معذرة يا أبا حنيفه .. لا تؤاخذنى أيها الشيخ .. بارك الله لك فى علمك وفى مالك وفى تجارتك !..
مضت العجوز لحالها وبيدها ثوب الحرير .. فى الوقت الذى كان فيه أحد الجلاوزه العاملين فى بلاط المنصور .. يسأل عن دكان أبى حنيفه وأحدهم يشير له على مكانه .. تقدم الرجل محييا ثم قال .......
ــ أريد مقابلة الشيخ أبا حنيفة النعمان بن ثابت ؟!..
أردف قائلا بعد أن عرفه الشيخ بنفسه .......
ــ مولاى أمير المؤمنين المنصور يقرئك السلام .. ويطلب منك أن تجيئه اليوم بعد صلاة العشاء .. فى قصره بالهاشميه لأمر هام ...
هز الشيخ رأسه موافقا بعدها إستدار الرجل منصرفا .. فى الوقت الذى كان فيه أحد الشباب واقفا على مقربة منه يرقب هذا الحوار .. إلتفت إلى الشيخ قائلا فى وجل وإشفاق .......
ــ ما الذى يريده منك هذا الرجل يا أبت ؟!..
ــ مثلى مثلك .. لا علم لى يا ولدى .. ألم تكن حاضرا .. وسمعت ما قاله بنفسك ؟!..
ــ بلى سمعت ...
صمت برهة ثم سأله .......
ــوهل ستذهب حقا للقاء المنصور ؟!..
ــ ما الذى يمنعنى من ذلك يا حماد يا ولدى ...
ــ أرى يا أبت ألا تفعل .. هؤلاء القوم لا يأتى من ورائهم خير أبدا ..
ــ يا ولدى طاعة أولى الأمر فرض علينا .. ما دمنا فى طاعة الله .. على أية حال إن طال بقائى عنده .. فاعلم أنه قد أصابنى مكروه !..
أجابه حماد من فوره وقد ظهر عليه الجزع .. وفى عينيه نظرة إشفاق على أبيه .......
ــ ليتك لا تذهب يا أبت .. ليتك .. أنسيت ما فعله معك يزيد بن هبيره منذ عشرين عاما .. عندما طلب منك أن تتولى القضاء !..
ــ أبدا يا ولدى .. لم أنس ما أصابنى من إهانة وأذى آنذاك .. وهل هذه أيام تنسى .. لكنها إرادة الله ومشيئته .. يا ولدى "وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله" ... صدق الله العظيم ...
@ فى المساء بعد أن صلى المنصور صلاة العشاء .. إتخذ مجلسه فى الايوان .. ومن حوله نفر من رجاله .. الربيع وخالد بن برمك وبصحبته ولده يحي الذى بلغ من العمر حوالى خمسة وعشرين عاما .. وأبو أيوب كاتب الديوان وبرفقته مساعده الفتى جعفر .. أخذ المنصور يدور ببصره فيمن حوله .. وللمرة الثانية تقع عيناه على ذلك الشاب جعفر .. عادت ترتسم من جديد علامات القلق والحيرة على وجهه مرة أخرى .. بدا وكأنه يقاوم فكرة كانت تلح عليه دائما كلما رأى هذا الشاب .. ألقى بأفكاره وهواجسه جانبا .. وعادت من جديد علامات الجد التى تظهر عليه عندما يبدأ مجلسه وقال .......
ــ أبا أيوب .. إقرأ علينا ما ورد فى بريد اليوم من كتب الثغور والأطراف ...
ــ أمر أمير المؤمنين .. وردت رسالتان .. الأولى عن أحوال حضرموت ..أرسل بها أحد عيوننا هناك .. والثانية وردت من عاملنا فى أرمينيه !..
ــ ماذا عن الرسالة الأولى ؟!..
ــ جاء فيها أن أمير حضرموت يكثر من الخروج فى طلب الصيد ببزاة وكلاب أعدها لذلك .. وأنه يهمل فى شؤون البلاد !..
ــ ياله من غبى أحمق .. أرسل إليه هذه الرسالةالتى أمليها عليك .......
ــ ثكلتك أمك وعدمتك عشيرتك.. إنا لما وليناك إنما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الصيد .. عندما تصلك رسالتى سلم الأمور لمن يأتيك .. أما أنت فالحق بأهلك فى البادية كما كنت مذموما مدحورا !..
إنتهى من كلامه ثم أمر الربيع أن يسلم هذه الرسالة لعبد الوهاب التيمى الأمير الجديد على حضرموت .. ثم قال .......
ــ هات الرسالة الثانيه !..
ــ الرسالة الثانيه .. جائتنا من عاملنا على أرمينيه .. يشكو فيها من أن الجند قد شغبوا عليه ونهبوا بيت المال عنده .. يقول إنه لا يقدر عليهم وقد عدم الحيلة معهم !..
ــ أكتب إليه .......
ــ إن عقلت لم يشغبوا ولو قويت لم ينهبوا .. هكذا يكون الوالى عقل وقوه .. وأعلمه أنه هو الآخر معزول عن الولاية منذ اليوم ...
صمت قليلا ثم قال .......
ــ خالد بن برمك جاء دورك ...
ــ طوع أمرك يا مولاى ...
ــ أخبرنا عن حالة الأسواق فى بغداد .. وعن أسعار السلع ؟!..
ــ والله يا أمير المؤمنين .. لم تشهد البلاد بشكل عام وأسواق بغداد بصورة خاصة .. أسعارا أقل من أسعار هذه الأيام ...
ــ كيف ؟!..
ــ يباع الكبش مثلا فى سوق بغداد بدرهم .. والحمل يباع بأربعة دوانق .. وكل ستين رطلا من التمر بدرهم .. أما العسل والزيت ......
قاطعه المنصور .......
ــ حسن حسن .. لا أريد أى زيادة فى الأسعار .. كما تعلمون .. أحب أن تروج التجارة فى بغداد .. وأن يكثر عمارها ...
ثم التفت عن يمينه إلى خالد بن برمك قائلا له .......
ــ بهذه المناسبة لى رغبة فى نقل القصر الأبيض وكذلك إيوان كسرى من المدائن إلى بغداد .. ما رأيك يا برمكى ؟!..
تنحنح خالد بن برمك قبل أن تنطق شفتاه.. كأنما يبحث عن إجابة مناسبة .. ثم قال أخيرا فى تؤدة وأناه .......
ــ معذرة يا أمير المؤمنين .. أرى أنه من الخير ألا تفعل ...
ــ لم أيها الرجل !.. ما الذى يمنعنى أو يحول بينى وبين ذلك ؟!..
ــ عفوا يا أمير المؤمنين .. لا شئ يحول بينك وبين ما تريد .. غير أن هذا القصر وما حوله يعد علما خالدا من أعلام الاسلام .. وفيه مصلى إبن عمك على بن أبى طالب .. ليتك تبقى عليه مكانه ...
رد المنصور مازحا وهو يضحك ملئ شدقيه .......
ــ تأبى يا خالد إلا أن تميل لأهلك العجم .. على كل حال .. سنرجئ أمر هذا القصر إلى أن تنتهى مشاكلنا مع الأكراد .. ولهذا قررت أن أوليك أمر الموصل .. فالأكراد قد انتشروا فيها وزاد تشغيبهم .. ولن يصلح أمرهم غيرك .. أما ولدك يحي .. هذا ...
نظر المنصور إليه بإعزاز وحب .. قبل أن يكمل قائلا .......
ــ فإنى قد جعلته أميرا على أذربيجان .. وإنى لعلى ثقة أنه أهل لها .. إن الناس ولدوا أبناء .. إلا ولدك يحي البرمكى .. قد ولد أبا .. إنه فتى لا مثل له .. سيكون له شأن كبير يوما بإذن الله !..
فى تلك اللحظة تقدم أحد الجلاوزه قائلا .......
ــ مولاى أمير المؤمنين .. الشيخ أبو حنيفة النعمان يتوجه قادما ناحية القصر راكبا بغلته !..
ــ لا تدعوه ينتظر .. أدخلوه فى الحال .. عندما يصل إلى الباب ...
سأل الربيع بصوت خفيض متحفظا وقد مال برأسه قليلا ناحية المنصور .......
ــ مولاى .. هل أرسلت فى طلبه .. أم أنه جاءك من تلقاء نفسه ؟!..
رد المنصور ساخرا .......
ــ من تلقاء نفسه !.. منذ متى وأبو حنيفة يأتى إلى هنا برغبته ؟!..
أجابه الربيع معقبا فى خبث ودهاء .......
ــ نعم نعم صدقت يا أمير المؤمنين .. لكنه يا مولاى فيما سمعت وعلمت من رجالى .. يردد بعض الآراء الشاذه التى تخالف صحيح السنة ورأى الجمهور !..
ــ ما هذا الذى تقوله يا أبا الفضل ؟!..
وقبل أن يجيبه دخل الحارس ومن ورائه أبو حنيفه .. رحب به المنصور فى حفاوة بالغة وأقبل عليه قائلا .. وهو يبتسم ابتسامة ماكره.......
ــ كان الربيع بن يونس كبير حجابنا .. يؤكد لنا منذ قليل أن لك بعض الآراء التى تخالف فيها السنة وقول الجمهور .. ما قولك ؟!..
ــ ألهذا أرسلت فى طلبى يا أمير المؤمنين ؟!..
ــ لا .. لا .. كان هذا حديثا عابرا قبل أن تلج الباب .. لكنى أرسلت إليك لأعرض عليك أمرا مهما آخر ...
لم يكن الربيع يتوقع وقد بدا عابسا مقطب الجبين .. أن يضعه المنصور فى مواجهة مع أبى حنيفه .. فاستأذن قائلا وهو يحاول أن يدارى حرجه الشديد .......
ــمولاى أمير المؤمنين .. سمعت أن الشيخ يخالف جدكم عبد الله بن عباس .. فى الإستثناء المنفصل فى الأيمان !..
رد المنصور قائلا .......
ــ أعرف إن جدنا يقول .. إذا حلف المرء ثم استثنى بعد يوم أو أكثر جاز له ذلك .. فهل لأبى حنيفة رأى آخر فى هذه المسأله ؟!..
رد الربيع من فوره .......
ــ أجل يا مولاى ..إنه يقول إن الإستثناء لا يجوز إلا متصلا باليمين فى نفس الوقت .. وأنه لا يصح بحال إذا صدر القول باتا فى المجلس ...
أجاب أبو حنيفه بنبرات هادئة واثقه وهو يشير برأسه تجاه الربيع .......
ــ يا أمير المؤمنين .. الربيع بن يونس .. يزعم أنه ليس لك فى رقاب جندك بيعه !..
إنتفض الربيع صارخا .......
ــ كذب .. أنا ما قلت ذلك أبدا .. إن هذا محض افتراء .. هذا الرجل لم يرد إلا الوقيعة بى يا مولاى .. دون سند من عنده أو دليل !..
ــ لا تعجل على .. أنا لم أكذب .. ولم أدع عليك بالباطل .. بل أنت الذى قلت به.. الآن .. يا كبير الحجاب .. ويشهد على قولك أمير المؤمنين ...
ثم التفت إلى المنصور قائلا .......
ــ إن قوله هذا عن الأيمان .. معناه أن القوم يحلفون أمامك مبايعين .. فإذا ذهبوا إلى منازلهم يستثنون .. فتبطل أيمانهم ويتحللون من بيعتهم .. أليس كذلك يا أبا الفضل .. ألا يعنى كلامك هذا ؟!..
ضحك المنصور بصوت عال .. وهو ينظر إلى الربيع قائلا .. وقد فهم مراد أبى حنيفه .......
ــ أنصحك يا أبا الفضل ألا تتعرض لأبى حنيفة مرة أخرى .. إنك لن تغلبه أبدا .. المهم .. نعود لما أرسلنا إليك من أجله .. تعلم يا أبا حنيفه أن شرذمة من جماعة الراوندية المارقة التى قضينا عليها قبل سنوات قد بقيت بالكوفه .. ولما كنت أخشى على الجند منهم ومن تشغيبهم .. لذلك فإنى أمرت ببناء مدينة بغداد لتكون مقرا للخلافه .. واخترت لها بنفسى مكانا بديعا معتدل الحراره يتوسط نهرى دجلة والفرات .. ولا يصل أحد إليها إلا على جسر .. حتى غدت عروس المدائن وسيدة البقاع ودار السلام .. وأود أن أجعل منها منارة وكعبة للعلوم والفنون والآداب .. وسوقا رائجة للتجاره .. لهذا أرسلت إليك يا أبا حنيفه ...
ــ لم أفهم بعد يا أمير المؤمنين .. ما شأنى بهذا كله ؟!..
ــ ستعلم الآن كل شئ .. لقد قررت أن أجعل على أعمال هذه المدينه أخلص الرجال عندى وأتقاهم .. لهذا فإنى أعرض عليك منصب قاضى القضاه ...
ــ قاضى القضاه ؟!..
ــ أجل .. حتى تراقب الأحكام .. ومن ناحية تنشئ مدرسة يتخرج منها القضاة الصالحون إلى جميع الولايات والأمصار .. ما قولك أيها الشيخ ؟!..
أخذ يمسح لحيته بأنامله منتظرا رد أبى حنيفة .. الذى قال متأدبا .....
ــ أرجوا إعفائى من هذا الشرف يا أمير المؤمنين ...
ــ ما السبب ؟!..
ــ إن صحتى لم تعد تقوى على مثل هذه المهام .. كما أن لديك من الرجال من هم أصلب منى عودا وأقدر على حمل هذه الأمانه .. ولا يخفى عليك يا مولاى أنى قد ضربت بالسياط لرفضى ذلك من قبل .. فى عهد الخليفة الأموى مروان بن محمد !..
قاطعه المنصور قائلا وهو يصطنع الرقة والنعومه .......
ــ أعلم ذلك تماما .. لكنه زمن مضى وولى .. وأنا أريدك أن تكون عونا وسندا لنا .. أريد أن ينتشر العدل فى البلاد .. ولن أجد خيرا منك لحمل هذه الأمانة والقيام بأعبائها .. وكما تعلم يا أبا حنيفه أننا افتقدنا منذ أيام قاضى البلاد .. محمد بن أبى ليلى رحمه الله ...
ــ أكرر اعتذارى يا أمير المؤمنين .. فالصحة قد ضعفت ولم يعد فى العمر بقية تعيننى .. ولا أستطيع تحمل أعباء القضاء وتبعاته .. إننى أشعر بدنو الأجل وقرب الرحيل ...
رد المنصور فى ضيق وحنق .. وقد بدأ يفقد بعضا من حلمه وسماحته التى كان يتظاهر بها .......
ــ مع ذلك لن أولى أحدا غيرك !..
ــ وأنا لا زلت على رأيى!..
ــ إنه أمر إذن لا خيار لك فيه .. أتعصى أمر أمير المؤمنين ؟!.. سبق أن أوضحت لك .. إنى محتاج إليك ...
ــ وأنا أرفض هذا الأمر .. كما أنى لا أحتاج إليك ...
ــ والله الذى لا إله غيره لتفعلن ...
ــ والله الذى لا إله غيره لن أفعل ...
رد الربيع مستنكرا قوله .. وقد وجدها فرصة سانحة للوقيعة والتشفى .......
ــ ألم تسمع أمير المؤمنين وهو يحلف .. كيف طوعت لك نفسك الحلف بعده يا هذا ؟!..
ــ أمير المؤمنين أقدر على الكفارة منى .. ولا شأن لك بما يدور بينى وبين أمير المؤمنين !..
رأى المنصور إصراره فقال فى نفسه .......
:: كم أنت عنيد أيها الرجل آخذك بالرفق واللين ربما تقبل .. أخذ يلين القول له مرة ثانية .......
ــ يا أبا حنيفه .. لم ترغب عما نحن فيه .. ليتك تصارحنى بما عندك .. إفتح قلبك لى يا رجل ؟!..
ــ أصلح الله أمير المؤمنين .. أنا فى الحقيقة لا أصلح للقضاء ...
لم يتمالك نفسه .. فانفجر بركان الغضب للمرة الثانية .. بعد أن سكت عنه الغضب وقال مستنكرا .......
ــ لا تصلح للقضاء !.. ومن يصلح إذن ؟!.. أى كلام هذا الذى تقوله يا رجل .. إما أنك لا تعى ما تقول .. وإما أنك تكذب على !..
ــ قد حكمت على أخيرا يا أمير المؤمنين أنى لا أصلح للقضاء .. فإن كنت كاذبا كما قلت فأنا لا أصلح .. إذ كيف أقضى بين الناس .. وإلا فقد أصدقتك القول !..
ــ إسمع أيها الشيخ .. إياك أن تظن أنك بهذا أوقعتنى فى حيلة من حيلك .. والله لن أدعك اليوم تخرج من هنا حتى تمتثل لأمرى .. ولو اضطررت إلى حبسك أو ضربك بالسياط .. كما فعلها معك ابن هبيرة من قبل !..
ــ إتق الله يا أمير المؤمنين .. ولا تودع أمانتك إلا من يخاف الله .. ووالله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب ؟!.. سأقولها لك صريحة ما دمت تريد ذلك .. إنى لا أستطيع أن أكون قاضيا .. ومن حولك حاشية ترغب فيمن يكرمها من أجلك .. وأنا لا أصلح لذلك ولا أرضاه .. ثم أخيرا كيف تولى قاضيا كذابا .. كما حكمت الآن بنفسك ؟!..
أخذ المنصور يحدجه بنظرات نارية غاضبة بعد أن يئس منه .. ثم صرخ فيمــن حوله قائلا .......
ــ خذوه ودوروا به فى الأسواق عساه يرجع عن رأيه هذا .. وإلا فدونه السجن والضرب بالسياط إن اقتضى الأمر ...
إلتف الحراس حول أبى حنيفه .. واقتادوه خارج الايوان وهو يردد فى صوت خفيض .......
ــ حسبى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ...
وبعد أن بلغ الباب مال الربيع على المنصور .. وأخذ يهدئ من روعه قائلا له .......
ــألم أقل لك يا مولاى .. إنه متمرد عاص .. أنا أدرى الناس بدخيلة قلبه .. إن السبب الحقيقى وراء رفضه القضاء .. والذى لم يقله لك يا مولاى .. هو حبه وولاؤه للبيت العلوى !..
أبى المنصور أن يعقب .. واكتفى بهز رأسه موافقا ...
@ بعد أيام لم يكن للناس حديث فى الكوفة كلها .. إلا عن أبى حنيفه وما جرى له .. وفى بغداد كانت قصته حديث الناس ومدار حواراتهم لأيام وبالذات فى الأسواق .. كان أمرا مألوفا أن تسمع هذا الحوار الهامس يدور بين الناس فى أسواق بغداد .......
ــ أعلمت بما جرى للشيخ الفقيه النعمان بن ثابت تاجر الحرير بالكوفه ؟!..
ــ ما الذى جرى له ؟!..
ــ يقولون إن المنصور استدعاه ثلاث مرات .. وعرض عليه أن يتولى قضاء بغداد .. أخذ يرجوه ويلح عليه فى كل مرة .. إلا أنه أبى وامتنع فى إصرار ...
ــ إنها ليست أول مرة يرفض فيها تولى القضاء .. هيه وماذا بعد ؟!..
ــ توعده أمير المؤمنين وأمر بإلقائه فى السجن .. وقيل أن الحراس أخذوا يطوفون به أسواق الكوفة .. لعل أحدا يثنيه عن رأيه .. وأخيرا ساقوه إلى السجن وضربوه مائة سوط ...
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله .. يضربون شيخا فى الثمانين من عمره وفقيها مثله يحمل علوم السلف الصالح .. ألم ينبه أحدا أمير المؤمنين لفداحة هذا الفعل ؟!..
ــ يقولون أن عم المنصور ذهب إليه غاضبا .. وصاح فى وجهه قائلا .......
ــ كيف طوعت لك نفسك ضرب شيخ جليل مثله .. وهو فى هذه السن .. لقد سللت على نفسك بكل سوط ألف سيف ...
ــ وما الذى فعله المنصور يا ترى ؟!..
ــ شعر بفداحة فعله وعظم ذنبه .. فأراد أن يعوض الشيخ بمائة ألف درهم إلا أنه ردها إليه .. ولما قالوا له خذها وتصدق بها .. قال لهم .......
ــ لا أدرى إن كانت حلالا فآخذها ………………

يتبع إن شاء الله .........
...............
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10/11/2008, 19h34
الصورة الرمزية رايا
رايا رايا غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:29419
 
تاريخ التسجيل: May 2007
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 89
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

يقول الامام الشافعى

(ارفع الناس قدرا من لايرى قدره واكثرهم
فضلا من لايرى فضله)

لم اجد الا هذة المقولة لكى تعبر لك
د انس عن شكرنا لمجهودك فى سرد سيرةهذا العالم
والشاعر والفقيه الذى نكن له والمصريين بالذات
حب وتقدير كبير
وانت ترددت فى كتابة هذة السيرة
لانك لاترى قدرك كما تقول المقولة
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11/11/2008, 08h43
الصورة الرمزية وليدابراهيم
وليدابراهيم وليدابراهيم غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:253980
 
تاريخ التسجيل: June 2008
الجنسية: مصرى
الإقامة: مصر
المشاركات: 288
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدى الاستاذا الدكتور انس البن لااخفى عليكى تشوقى الشديد لتكريس وقتى فى الكتابة عن انبهارى بانسيابية طرحك لسيرة هذا الامام العظيم الحسيب النسيب لاهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قرئت عنه وله الكثير ولم اقراء مايساوى جمال الطرح والعرض الذى قمتم به يا سيدى الفاضل لذا من جمال ماتكتب لااريد ان اشق تواصل كتاباتك الكريمة بتعليقى عليها فما تكتبه اهم وادوم غير انى لم اتمالك حالى فانالست عاجز عن كلمات شكر ولكن عجزى عن وصف مابداخلى تجاه ماتكتب سقاك الله من كف المصطفى يوم القيامة ابنك الصغير وليد
__________________
[B]أتُرى من أفتاك بالصد عنى ،،، ولغيرى بالود من أفتاك
بإنكسارى بذلتى بخضوعى ،،، بإفتقارى بفـــــاقتى بغناك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11/11/2008, 10h36
الصورة الرمزية د أنس البن
د أنس البن د أنس البن غير متصل  
رحمه الله
رقم العضوية:688
 
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
افتراضي

الأصدقاء الأعزاء
رايا
وليد إبراهيم
كلماتكم فى حقى
وإن كانت أكثر بكثير مما أستحق

لكنى أضعها وساما على صدرى
وأدخرها ليوم يعلم الله كم ستكون

حاجتى لكل حرف منها
وأترككما وبقية الأحباب

مع بداية الجزء السادس
....................
__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها

التعديل الأخير تم بواسطة : د أنس البن بتاريخ 19/05/2011 الساعة 10h46
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12/11/2008, 17h22
الصورة الرمزية رائد عبد السلام
رائد عبد السلام رائد عبد السلام غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:79058
 
تاريخ التسجيل: September 2007
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 737
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

حلقة أخري في ذلك العقد الماسي
يادكتورنا الحبيب.....
د: أنس
ألا يعد ذلك تقصيرا من جانبكم ؟؟
لم لا يطبع هذا الكتاب
ولو علي نفقة المؤلف ؟؟
أكاد أري بعين اليقين هذا العمل وقد تحول
إلي حلقات تليفزيونية تنير لنا سهرات رمضان
فهو بعد إضافتكم لبعض الرتوش الفنية سيناريو كامل
لا يفتقر إلي شيء من لوازم الدراما الغالية التي افتقدناها
بارك الله فيك ...ونفعك كما تنفعنا

فقط تذكر نبوءة أخيك الصغير
هامش : من هم الجلاوزة؟ خدم الملوك مثلا؟
__________________
.



" اللهمَ إنكَ عَفُوٌّ كريمٌ تحبُ العفوَ فاعفُ عنَّا "
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28/12/2008, 02h40
الصورة الرمزية رغـد اليمينى
رغـد اليمينى رغـد اليمينى غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:229310
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الجنسية: مصرية
الإقامة: ممر الضوء إلى الشتات
المشاركات: 209
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن


أُستاذى الجليل و المُبدع القدير


(( د. أنس البن ))

تحية إعجاب وتقدير لشخصك الكريم ولقلمِكَ النادر الوجود والإحساس
لا أُخفيكَ سيدى الفاضل فقد مكثتُ على صفحاتك الثرية ساعاتٍ متواصلة فى شوق لمُتابعة الآحداث ،
أذهب وأعود أتكأ على قلمى..فيأبى أن يكتب شئ فإنه لن يفى حقك أمام إمتاعنا بهذه السيرة العطرة عن جليل الشأن رفيع المقدار عظيم الدرجة عند أهل العلم,

ناصر الحديث والسنة والمحدث الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع, هذا الإمام الذى يصل نسبه إلى أبن عم النبى صلى الله عليه وسلم ،يحتاج فى

مناقبه لمجلدات كان من الإئمة الفضلاء الذين لايمل من سيرته .
سوف أتناول الحديث بدايةً عن جماليات السرد القصصى فى الإعجاز والسيرة النبوية العطرة
والتى تطرقت إليها عند الكتابة بدأً من المُقدمة ونشأته
ومراحل تنقله من بلدة لآخرى لنشر رسالته الطيبة
وبين هذا وذاك وجدتُ إتصال مُكثف بالمتن القرآنى والخوض في فضاءاته الرحبة،
فقد إندمج الذهن فى فضاء سيرته وهذا هو العامل الآهم لنجاحها
فقد تحقق التلاقح والتلاحم على متن هذه الكوكبه العطره لسيرة إمامنا الجليل رحمه الله
ومن ثم نجاحها لدى المُتلقى بدليل مُتابعتها بشغف
رحم الله الامام ونفعنا الله بعلمه، وجزاك الله جنانـا من الرحمن

همسة لكَ سيدى من خلال قرأتى بين الفصول ومراحل
تطور السرد والربط المٌتقن بينهما وجدتُ هفوة أرجو أن يتسع صدركَ لها
وهو عند كتابة النبى ( ص )
فضلاً سيدى فلا ينبغى للمؤمن أن يحرم نفسهُ الثواب والآجر لِمُجرد أن يُسرع فى إنهاء ما كتبهُ
بإختصار "صلى الله عليه وسلم "بــــ ( ص ) أو ( صلعم )
حقاً علينا أن نتعبد لله بالصلاة على نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم لفظــاًَ وكتابة ..
ولآنى ألتمس لكم صفاء النية وما يحوى القلب من نقاء
والحق ما قاله الذهبى ، فإن النيات صنعة العلماء ، والِعلمُ إذا أثمر العملّ وضع صاحبه على طريق النجاة
ولتكتمل جمالية السرد عند نشرها فى مربدأدبى أوعلى الشبكة العنكبوتية على الوجه العام كانت لىّ هذه الوقفة.
وسوف أُتابع معك هذا العمل الراقى الطيب الجميل إذا سمحت لى بذلك ،،
دمت ودَام خير مِدادِكَ الوارف،،
فى رعاية الله وأمنه
،

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28/12/2008, 06h01
الصورة الرمزية د أنس البن
د أنس البن د أنس البن غير متصل  
رحمه الله
رقم العضوية:688
 
تاريخ التسجيل: March 2006
الجنسية: مصرية
الإقامة: مصر
المشاركات: 8,316
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

اقتباس:
همسة لكَ سيدى من خلال قرأتى بين الفصول ومراحل
تطور السرد والربط المٌتقن بينهما وجدتُ هفوة أرجو أن يتسع صدركَ لها
وهو عند كتابة النبى ( ص )
فضلاً سيدى فلا ينبغى للمؤمن أن يحرم نفسهُ الثواب والآجر لِمُجرد أن يُسرع فى إنهاء ما كتبهُ
بإختصار "صلى الله عليه وسلم "بــــ ( ص ) أو ( صلعم )
حقاً علينا أن نتعبد لله بالصلاة على نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم لفظــاًَ وكتابة ..

شهادة تقدير أخرى لها قيمتها تتوج رأسى
من المارده صاحبة الكلمات الندية العطره
والرأى السديد دوما
والتى افتقدنا وجودها الرائع بعرفه الذكى
سعدت كثيرا بملاحظتك المهمه
وهذا هو ما أريده من كل الأحباب
وقد قمت بتصويب ما فاتنى
إلا ما سهوت عنه عن غير قصد
أرجو المتابعه والتنبيه لأى ملاحظة أو رأى
ألف شكر
................

__________________
أحرث حقول المعرفه
لتقطف سنبلة الفهم
التى بذرتها
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04/01/2009, 20h10
ياسمين24
Guest
رقم العضوية:
 
المشاركات: n/a
افتراضي رد: عالـم قـريش ـ السـيرة الشافعـيه ـ أنس البن

السلام عليكماستاذى الجليل واعتذر لاننى سمحت لنفسى بان اقول هذا فأنه والله لشرف ان تكون سيادتك استاذا لنا ما اروع ما كتبت وانا متأكده من ان الكثيرين منا لم يكونوا يعرفون عن الشافعر غير انه صاحب مذهب الشافعيه اواكثر من هذا بقليل واقول لك يا سيدى اننى منذ بدأت اقرأ هذه السيره الرائعه التى سطرتها اقلامك وانا لا استطيع ان اتوقف فلقد كتبتها بشكل يجذب كل الانتباه والفكر لهذا النابغه لقد قرأت حوالى ثلث ما كتبت حتى الان ولا اطيق صبرا حتى اكمل ولكننى لم استطيع ان انتظر حتى اكتب لكم لاشكركم على ما تعطينا مما من الله به عليك ومما اختبأ كثيرا فى مكتبك اكمل يا استاذى فتح الله عليك وكلنا اذان صاغيه واعين مفتوحه ومتلهفه
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 01h08.


 
Powered by vBulletin - Copyright © 2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd