وأبدا الرحله أو قل الإبحار فى بحر الظلمات مع الزجال السكندرى محمد على غالب . ولد سنة 1886 بالإسكندريه لأب هو على بك غالب كان يعمل ضابطا بالجيش أيام ثورة عرابى , وبعد انتهاء الثوره عمل مدرسا للغة الإنجليزيه بمدرسة رأس التين الثانويه .
حصل محمد على الإبتدائيه فى الحاديه عشره من عمره وأتم دراسته الثانويه فى المدرسه التوفيقيه ثم فى كلية فيكتوريا . وكان لخاله الشاعر والصحفى محمود حلمى الأثر الكبير عليه فى تشجيعه وتنمية الإتجاه الأدبى فيه لما لاحظ نهمه فى قراءة كل ما تقع عليه عيناه من كتب الأدب , وفى الخامسة عشره نظم أول زجل له وكان له نصيبا من النشر على يد خاله .
بعد ذلك ألحقه أبوه بالجامعه فى المملكه المتحده لدراسة الهندسه وفيها حصل على البكالوريوس والماجستير , وكان وجوده فى تلك البلاد سبيلا له للتعرف على الأدب افنجليزى والفرنسى مما وسع مداركه وأكسبه ملكة فى التعبير السلس الجميل , ولأن لديه نزعة وطنيه إشترك فى لندن فى تأسيس الجمعيه المصريه التى كان لها دور كبير فى مناصرة قضية استقلال مصر . وقبيل الحرب العالميه الأولى عاد المهندس محمد غالب من لندن الى مصر بعد أن نال شهادة الملوكيه وعضوية المجمع الهندسى بانجلترا , وعقب عودته إلتحق بالحكومة وتوفى أبوه بعد ان ترك له ثروة كبيره وأراضى زراعيه واسعه فى المنوفيه , وكان لهذه الثروه الثر الكبير عليه فى تفرغه لشئون الأدب وفنون الشعر والإستقالة من العمل الحكومى . تزوج من كريمة حسن حارس باشا التى عاشت معه ربع قرن من الزمان لم ينجب منها وعند وفاتها حزن عليها حزنا شديدا ولازمه هذا الحزن الى أن مات , لكنه اضطر للزواج مع تقدم السن وكثرة المراض وأنجب من زوجته الثانيه إبنته أمينه , الى أن توفى رحمه الله فى 4 فبراير عام 1950 وهو فى الرابعه والستين من عمره .
بدأ الكتابة فى الصحافه فكتب لصحيفة الكشكول وروزا اليوسف والأهرام والصباح وغيرها حتى أصدر اخيرا مجلة أسماها النجوم , وفى تلك الحين تعرف على السيده أم كلثوم وهى تخطو اولى خطواتها فى سلم المجد والشهره , كتب الكثير من الأغانى للمطربين والمطربات فى ذلك الوقت كان أشهرها أغنية السيده نجاة على "سر السعاده شفتيك" .
إمتازت أزجاله بالنظم الدقيق واختيار اللفظ المناسب بعيدا عن أى شبهة إسفاف أو حشو فارغ حتى وهو ينقد أو يهجو وكان يطعم أزجاله ببعض كلمات من الفصحى , وامتاز كذلك الى جانب جمال تشبيهاته وخفتها بروح الفكاهة والدعابه
ومن أعمال محمد غالب أقدم هذه النماذج التى تبين مدى اهتمامه ومعرفته بحياة الطبقات الشعبيه وإلمامه بمفرداتها ونمط الحياة فيها رغم نشأته فى بيئة أرستقراطيه , يقول فى أحد أعماله الذى يعتبر رواية كامله منظومه :
أحمد محمد ابن عمك صالح ولد صبى مرين حلنجى وقارح رجله اليمين بيزك بيها وسارح عقله ف غرام بنت ابراهيم "دريه"
***
دريه بنت صغيره وملفوفه
متكحله وعينها الشمال مطروفه
بين العطوف ف الحلوجى معروفه
طول النهار ف الحاره رايحه وجايه
***
لو صدفه يوم مرت قصاد دكانه
لعب لها شنبه وجز اسنانه
والأدهى لو ضحكت يزيد ف جنانه
ينسى الزبون بين الصابون والميه
***
وتموت ف أكل النبق والسنطاوى
وطول حياتها تحب لعب الحاوى
ومن الروايح عندها والجاوى
والمسك فى صندوقها ربع وقيه
***
وعندها خلخال ودبله وساعه
من غير عقارب أصلها ف بلاعه
عتر عليها احمد ف كيس ... وبتاعه
من فوق غطاها مدوره وملويه
***
ويستمر فى روايته المنظومه قائلا .....
كتبوا الكتاب يوم نحس فى الخماره
وشهوده كانوا اتنين من الحماره
مأذون حارتهم جاب معاه صفاره
ماسك فى إيده رغيف وإيد شمسيه
***
كان يومها يوم اغبر ما طلعت شمسه
ربطوا العريس وبيخلعوا له ضرسه
يا ويله من يوم دا اللى يصبح عرسه
زيك يا صالح يستاهل تعزيه
***
حتى يصل الى الزفه فيقول ......
الزفه هلت بالعروسه الويكا
والنقرزان والطبل والمزيكا
حسب الله يضرب من شطارته السيكا
تطلع حجاز والواحده ناقصه شويه
***
الزفه هلت بالعروسه الكاينه
والوقعه سوده من يوميها وباينه
وام العروسه تقول يا ناس مش هاينه
بنتى العزيزه تسكن الفوطيه
***
الزفه هلت والعروسه معاها
تلاتين جدع وفتوه جم وياها
يتيمه من غير أب .. مين يرعاها
ف الزفه غير ضريب عصا وروسيه
***
دخلوا العروسه والعريس بالغاره
بالصدفه فيه ميتم فى راس الحاره
قامت حريقه وكم ضرب صفاره
يوسف محمد عسكرى الداوريه
****
رحلتنا الثانيه ونحن نبحر فى بحر الظلمات أو النسيان مع الزجال الكبير اسماعيل صبرى ...
ولد اسماعيل صبرى فى 16 فبراير 1854 فى بيئة مرفهة أرستقراطيه , وبدأ نظم الشعر وهو طالب فى الثانويه حيث نشرت له مجلة "روضة المدارس" وعمره 16 سنه مقطوعات رقيقه من الشعر ظهر منها نبوغه المبكر فى هذا الفن . سافر الى فرنسا لدراسة الحقوق سنة 1872 ونال شهادة الليسانس فى 1878وعمره 24 وعشرون عاما .
وكان كسائر المرفهين من أبناء جيله يستمع الى المشاهير من أهل المغنى والطرب , لكنه كان لا يعجبه بعض ما كانوا يتغنون به من أعمال تحمل هبوطا وضعفا فى المعنى وركاكة فى اللفظ واختلالا فى النظم , وفى إحدى الليالى وأثناء استماعه إلى الفنان الكبير محمد عثمان , عرض عليه بعض أصحابه أن ينظم له بعض الأغانى التى تناسب قدر وعظمة هذا الفنان الكبير بدلا من تلك الكلمات الضعيفه التى كان يتغنى بها , قبل العرض على الفور وأدهشهم أنه قام بنظم كلمات أول أغنية له لمحمد عثمان فى نفس الجلسه لكن اشترط عليهم أن يتغنى بها فى نفس الليله , لم يشأ محمد عثمان ان يضيع تلك الفرصه ووافق على الفور مبديا سعادته , واختلى اسماعيل صبرى بنفسه فترة خرج بعدها حاملا معه قصاصة من الورق مكتوب فيها هذه الكلمات الجميله باللغة الدارجه وكانت للمناسبه أول منظومة له بالعاميه والتى صارت بعد ذلك من أشهر الأدوار التى تغنى بها محمد افندى عثمان "قدك أمير الأغصان" والتى تغنى بها أغلب رواد الغناء فى ذلك العصر :
قدك أمير الأغصان من غير مكابر وورد خدك سلطان على الأزاهر والحب كله أشجان يا قلبى حاذر والصد ويا الهجران جزا المخاطر **** يا قلبى أدى انت حبيت ورجعت تندم صبحت تشكى ما لقيت لك حد يرحم صدقت قولى ورأيت ذل المتيم يا ما نصحتك ونهيت لو كنت تفهم **** أعرض لحسنك أوراق واكتب وادون أبات صريع الأشواق واحسب واخمن هجر وصبابه وفراق يا رب هون وارحم قلوب العشاق دا شئ يجنن
****
ومع مقطوعة اخرى للزجال الكبير اسماعيل صبرى قيل أنه نظمها وهو طالب يقول فيها :
خلى صدودك وهجرك واطفى لهيبى ووجدى
ساعة وصالك وقربك أغلى من العمر عندى
****
بصدى إنتم رضيتم وهان عليكم بعادى
وانتم قطعتم ودادى الله يصبر فؤادى
وكان رحمه الله يحب نظم المواويل وكذلك الإستماع إليها , ومن مواويله ذلك الموال الشهير الذى تغنى به كل الواد من عظماء الطرب , وقد راعى فيه الجناس التام :
فى ظل اهداب عيونك ورد خدك قال وحسن يوسف ميراث عنه لوجهك آل والشمس ويا القمر من حسنهم لك آل لو قلت للصب قول : كال الملاح جندى ولى الجمال أجمعه من غير مشارك ـ قال
****
وقد توفى اسماعيل صبرى باشا فى 21 مارس عام 1923 بعد أن حصل على لقب الباشويه للمناصب الرفيعة التى تقلدها عن عمر يناهز 69 سنه , وجاء أنه أقيم له مهرجان تأبين كبير فى مدرسة دار العلوم بالمنيره إشترك فيه جميع شعراء مصر وكان لقاء كما قيل يشبه سوق عكاظ من كثرة وجمال ما ألقى فيه من قصائد فى مناقبه ....
ولد الشيخ عبد الله لهلبها فى مدينة إسنا بالصعيد , هاجر الى اماكن كثيره حتى استقر به المقام فى مدينة المنيا حيث تزوج وأنجب فيها , وكان الناس يقبلون عليه ويحبون مجالسته لصلاحه واعتقادهم انه رجل مبروك وكان كثير منهم يضيفه عنده أياما وشهور , وكان فى زمانه أحد أرباب هذا الفن وهو الشيخ النجار الذى كانت تربطه بالشيخ لهلبها صداقة مصدرها إعجابه به وكانت بينهما مراسلات حيث يكتب له الشيخ لهلبها بعض المواويل من الفن المعروف عند أهل الصعيد "بالواو" ومن تلك المواويل ذلك الموال الشهير :
آن الأوان يا حبيب قلبى وعدا فات عامين وشهرين على الفرشه وعدا وفات وطبيب لجراح مضيعنى وعدا فات يا ريت طبيبى ما جا عندى لا راش لى حكم دواه نار تكوى الجرح وأذى له من سو بختى عاودنى ومن دواه راش لى وفز منطور ولفح الخرج وعزاله ولا حد جانى من احبابى ولا راشلى أنا قلت يا ناس ما بيش جراح عايزا له هو الذى كان سبب سقمى وعدا فات
******
ومن مواويله أيضا ذلك الموال الجميل ويبدو فيه جمال استخدام الجناس :
سر يا نسيم يمة احبابى وسليهم وقل لهم خلهم فى الحب سال ليهم فى القرب والبعد انا برضه أسليهم راح النسيم للحبايب بالعجل جانى أنا ف غرامهم شهد لى الإنس والجان ع البعد والقرب أهواهم واسليهم
الشيخ أحمد عاشور سليمان , من مواليد القاهره فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر , تعلم بالأزهر الشريف واتجه لمجال الأدب والفكاهه حيث وجد فى الصحافة ما يشبع ميوله ويرضيها , إشترك فى تحرير بعض الصحف الأسبوعيه مثل جريدة "الأرنب" و "بابا غلو" أى البغبغان , ثم اتجه بعد ذلك لنظم الأغانى منافسا لواحد من أبناء جيله الأعلام وهو الشيخ محمد الدرويش , نالت أغانيه حظا من الشهرة حيث تناولها بالغناء مشاهير ذلك العصر من أشهرها ذلك الدور الذى شدا به أكثر من واحد من رواد وأساطين الطرب وهو دور يا قمر دارى العيون , يقول فيه :
يا قمر دارى العيون أصل جرح القلب لحظك واللى زاد عندى الشجون يا حبيبى ورد خدك فى هواك الروح تهون نور عيونى قلبى حبك العذاب فى الحب هين بس لو يرضى الحبيب أما هجره شئ يجنن شئ يزيد النار لهيب إن شكيت نار المحبه وقت هجران الحبيب الوفا من بعد بعده هوه دا أحسن طبيب
****
ومن أعماله التى اشتهرت أيضا الدور الذى يقول فيه :
أنظر لحسن الحبيب واعشق كماله دا كل كامل أصل نادر مثاله قبل ما تصاحب وتعشق شوف خصال الحب أوفق وان عجب والرب وفق نلت شئ ما حد ناله الأدب للحلو زينه من كده إحنا هوينا لا ملام والله علينا حبنا نحمد خصاله والزمان أنصف وساعد لا حسود يقدر يعاند الحبيب طبعه مهاود يا جماله ... يا جماله
كان ضابطا بالجيش المصرى , وكان يحاول نظم الشعر والزجل أثناء وظيفته كلما سمح له الوقت , فلما أحيل الى التقاعد تفرغ للنظم خاصة الزجل لحب الناس لهذا اللون وإقبالهم عليه , وشجعه على ذلك معاصروه من كبار الزجالين أمثال الشيخ عاشور والشيخ الدرويش والشيخ الالاتى والشيخ لهلبها والشيخ رمضان حلاوه .
وفى سنة 1900 أصدر مجله فكاهيه
بعنوان "حمارة منيتى" وكان إقبال الناس عليها دافعا له لمهاجمة كثير من الشخصيات البارزه وزاد فى ذلك حتى أنه تطاول على الإمام محمد عبده وحكم عليه بالسجن 6 أشهر بسبب ذلك , ودفعته هذه الحادثه لاستخدام أساليب التوريه والرمز فى هجومه حتى يفلت من المسئوليه
ومع ذلك ضاقت به السلطه وقتها وانتهى الأمر بإغلاق جريدته
بعد ذلك رحل الى الإسكندريه ثم عاد الى القاهره
وافتتح مقهى صغيرا سماه "الحمصايه" بالقرب من ميدان لاظوغلى , وحاول أن يصدر جريدة أخرى باسم الحمصايه ليعاود فيها نشاطه النقدى اللاذع لكن السلطات تنبهت له وأغلقتها فى الحال
وسأقدم لحضراتكم بعضا من أزجاله منها هذا الزجل
الذى يبين حقيقة مايدور فى نفسه من احاسيس صادقه
مع شدة حرصه على عدم التصريح بذلك بشكل مباشر خوفا من المساءله التى ستؤدى به الى السجن يقول :
شكرا يا علاء إنك فكرتنى بالموضوع الجميل ده ورجعتنى له تانى
المهم إنى قعدت يوم كامل ادور على مرجعى فيه وسط الكتب بعد عملية نقل العياده والمكتبه واللخبطه اللى حصلت , والحمد لله نواصل ما بدأناه ومع
7
خليل نظير
ولد المرحوم خليل نظير فى بيت من أعرق بيوت الصعيد, بيت رفاعه باشا الطهطاوى , كان والداه مملوكين لسادة البيت وتلقى بعض التعليم مع أبناء الأسره فى طهطا , ولما بلغ سن الشباب زوجه مولاه , وبعد وفاة رفاعه باشا الكبير رحل نظير إلى القاهره والتحق بالأزهر ونال جانبا من التعليم أتاح له أن ينظم الشعر وبدأ إسمه يتردد فى الأوساط الأدبيه , عمل فى بعض المدارس الصغيره بالتدريس كسبا للعيش إلى جانب كتابة الشعر ثم الزجل لبعض المجلات , تجلت فيه موهبة الزجل أكثر من الشعر حتى صار يكتب زجلا أسبوعيا لجريدة السيف وفى الوقت نفسه يحرر مجلة طوالع الملوك ..
وفى عام 1920 توفى خليل نظير بعد أن ترك تراثا لا بأس به من الأدب والشعر , وقام صاحب جريدة السيف بطبع ديوانه الذى لاقى رواجا كبيرا , ومما يذكر أن إبنه إبراهيم كان ضمن الشباب الذين اتهموا باغتيال الضابط الإنجليزى الذى كان سردارا للجيش المصرى فى السودان السير لى ستاك سنة 1924 , وقد حكم عليه بالإعدام شنقا وبعض زملائه وعد من شهداء الوطن ..
كانت لي
تحت إوار خرائطها
خيمة
تمطر كل صباح
رجال هامتهم للشمس
نهرا للخيل الشاردة
وللبشر المصلوبين على التيه
قمرا ذاب على الرمل
يقايض ضوء النهار
بصيد النجوم
فتشهد إن فردوسها ساطعا
وتشهد أن جحيمي مقيم
قلت له:أنت الليلة ياشيخى حزين
لكنى اصعد فيك الآن
وقد أدركت مداك
شيخي:كيف تسير في الصحراء
وتترك مجراك
أنك قد جاوزت الحزن
وأثقلت على
قال: صرت أنا العبد
وصار هو مولاي