أصدقائي الكرام في المنتدى العريق....
أعود اليكم بعد ثمانية سنوات من الانقطاع بعد أن وضعت أول تحليل لأغنيتين للسيدة ام كلثوم في هذا المنتدى...
قد كان تحليلي للأغاني تحليلا بسيطا مبني على فهمي الطفيف للموسيقى وعشقي الجبار لام كلثوم وفرقتها...وها أنا الان بعد سنوات عدة...وبعد اتمامي للقب أول في دراسة الموسيقى وألة القانون...ولقب ثاني في العلاج النفسي عن طريق الموسيقى...أعود اليكم متواضعا بمحاولة تحليل عدة من أغاني العمالقة...لكن الان رهبتي ازدادت...وثقتي في نفسي قلت...لأنه مع السنوات وبعدما تعلمت التدقيق في الموسيقى وفي الحالات النفسية الناتجة عن سماع موسيقى وكلمات أغاني وصوت ام كلثوم...اصبحت ادرك اكثر كم هو صعب تحليل هذه الظواهر الجبارة الخلابة التي انتجها عمالقة انعم عليهم الله بأندر المواهب... فهذه الموسيقى وهذا الفن ليسا شيئا عابرا في هذه الدنيا... انهما اختراع كان لا بد ان يخترع لتستمر الحياة في اندفاقها... فنسمي الشتاء شتاء لان به مطرا ولو لم يكن المطر فلا فرق بينه وبين الصيف... والبركان بركانا لان به نار ولو لم تكن لكان جبلا...والموسيقى تسمى موسيقى لأنه قبل حوالي قرن... ارسل لنا ربنا ام كلثوم...
"ويا قلبه اللي طول عمره...ما داق الحب وحلاوته"... وأنا اضيف...ويا قلبه اللي طول عمره لم يعرف ام كلثوم ولم يهيم في بحر هواها... ولم ينتشي على نغمات "أمل حياتي" عندما شعر بالحب للمرة الاولى... ولم يستمع الى "بعيد عنك" عندما هجره محبوبه للمرة الاولى... ولم يبكي على ظلال "الأطلال" بعد أعوام من لقاء حبيب قد فرق الزمان بينهما عندما انطفأت نار المودة والقرب...
فهي ترافقنا...نحن الكلثوميين... ترافقنا في الصباح وفي المساء وفي المنام... ليست اغانيها لوحدها...صوتها وظلها هما اللذان يدخلان ويتغلغلان في الأعماق ويصبحان ريشة ترسم ملامحنا في كل فترة من فترات العمر..
ما قدمه هذا المنتدى العظيم هو تقدمة ذهبية لا تقدر بمال ولا بميراث...لقد قدم لنا هذا المنتدى الفرصة لتجديد ما هو أقدم...فبعدما سمعت رباعيات الخيام مرات عديدة وحفظت لحنها وكلامها حفظا وافيا... تصورت ان هذه هي رباعيات الخيام...وانها لو تغيرت نغمة واحدة فيها لما بقيت رباعيات الخيام...لكن أصحاب المنتدى الكرام قدموا على مدار سنوات عدة تقدمة خرافية من الحفلات العديدة للأغاني التي كان وقعها على الكلثوميين كأنه خيال...فأدركت كم كنت مخطئا في حق ام كلثوم... لأنها تقدر ان تغني الرباعيات نفسها في مئتي حلة... وجميعها ان جمعناها وقسمناها...قد تلمح لنا...نحن المستمعون البسطاء...عن عبقرية الرباعيات...
لكل حفلة قصة... ولكل تفريدة وتجويدة سبب...فأم كلثوم تختار الصمت في هذه اللحظة لسبب...وتختار ان تدخل مقام البيات في ارتجال بدل مقام الكرد لسبب أخر...هذه التصرفات ليست إضافة جماليات...ولا سلطنة... انها دراسة عميقة لنفسية الجنس البشري وللحاجة الملحة للجمهور في سماع هذا أو ذاك... دراسة التي طورتها ام كلثوم... تستحق مقابلها الفي شهادة دكتوراه... بدون استعانتها بجامعات...ولا مكتبات...ولا حواسيب... كتبتها على سطور الأثير بمنديلها...وقدمت اطروحتها في سماء مصر...فصوتها لا يزال يملأ...ويملأ... ما فرغناه نحن من محتواه...وما هبطناه بموسيقانا الحديثة...وبكلامنا السطحي... د. أم كلثوم البلتاجي... ايتها العبقرية العظيمة... شكرا لك على ملأ حياة كل منا بطيف من الاحاسيس والمشاعر من أرقها الى أقساها...
وفي هذه المناسبة وهي تحليل اغنية "جددت حبك ليه"... شكرا لك على ولاءك وايمانك في رياض السنباطي وأحمد رامي...لأنه لو لم تختاري...لما كنا رأينا هذه اللوحة الخلابة التي تدخل وتبعثر الوانها في فضاء الخيال...
يبدأ رياض السنباطي المقدمة الموسيقية بثلاث نغمات في مقام ليس معروفا في هذه المرحلة وهو يحوم بين العجم والكرد والنهوند بلا مرساة...لم يختارها عشوائيا...لان ما يحبكه رياض في المقدمة الموسيقية هو تلميحا لمادة ستبعث بروح جديدة مرة أخرى في المقاطع التالية...لقد اختار ان يبدأ من الصول المنخفض (القرار) ثم دو صعودا...مي صعودا...والعودة الى دو... ( صول دو مي دو)... تعزفها الفرقة جميعا (tutti)....ويستمر اللحن...
يعاد المقطع مرة أخرى وفيه من روح الحيرة والضياع...فأنا شخصيا اشعر ان الموسيقى محتارة في هذا اللحظات وليست لها نغمة جلوس وأساس...بعد الإعادة يتولى القانون عزف نغمة اللا بيمول لوحده (دقيقة 3:40) مع تلوينات عبده صالح الخلابة...
هذه نغمة اللا بيمول أيضا سيداتي وسادتي لم يختارها رياض هنا محض صدفة فسأشرح عن الشعور المرافق اليها في نهاية الاغنية... ثم ينقل لنغمة الصول وبعدها الفا...نزولا...وتستمر الفرقة في انهاء الجملة الموسيقية بسرعة أكبر حتى نشعر بأن الموسيقى علقت عند نغمة الري ولم تجد منزلا وثباتا (4:46) وتعزفها الفرقة tremolo =عندما تعزف فرقة الكمان النغمة الواحدة مع تحريك سريع جدا للقوس....
وانا اعتقد ان رياض قصد الحيرة وعدم الثبات في هذا المقطع ولم يدع المستمع يرتوي من المقام بصورة كافية لهدف التشويق...
ثم يدخل الايقاع بعد دقيقة (4:46) .في نفس الجملة اللحنية (صول دو مي دو) وأحيانا تسمع (دو مي دو) ...في قالبا ايقاعيا يدعى ostinato وهو جملة ايقاعية ولحنية تعزف كخلفية للحن أساسي أخر...
يعزف القانون الصولو خاصته ويبدأه أيضا (صول دو مي صول)...وتستمر الفرقة في العزف...يلمح رياض هنا بعدة تلميحات...فيستعمل اللا بيكار...والفا دياز...في الجمل اللحنية...وهذه كلها نغمات تلمح للمقامات التي ستستعمل فيما بعد...
بعدها تصمت الفرقة وتسلم اللحن من نغمة الدو العالية لعازف الكمان... ورياض أيضا هنا يا جماعة لم يترك لي مجالا للشك !! لقد وضع للكمان صولو قصير من مقام الأثر كرد...وهو مقام صعب للهضم إذا ظهر فجأة عند الغناء...لكن عمنا رياض لا يثقل على جمهوره...فلمح له الان لكي يستعمله بسهولة فيما بعد عند غناء الست...
وننتبه عند الصولو ان الفرقة تعزف مع الكمان نغمة واحدة فقط !! وهي اللا بيمول (6:34)... هذه اللا الغريبة التي سلط عليها رياض الضوء في جميع المواضع...
بعد انتهاء الصولو تبدأ الفرقة بعزف ostinato مشابه للايقاع في المقطع الذي سبقه لكن مع بعض التغييرات...لقد نقل رياض هنا بين مقامي النوا أثر (استعمل الفا دياز) والنهوند الحساس.... في هذه الموسيقى نوع من الغضب والسرعة والعتاب...ينقل رياض بعدها برمشة عين لجملة التسليم للغناء...
جملة حساسة رقيقة تؤلم القلب من رقتها في لحنها وعزفها... وينهي اللحن في الصول القرار من مقام الكرد...
هذه الجملة هي من اشراك رياض وخدعه الموسيقية...فبسهولة يمكن للعازف ان يدخل تسليم أغنية "غلبت اصالح في روحي"...لماذا يا رياض؟؟ .... لا اعلم...لكنني استمتع الان وانا اكتب عن العبقرية في هذا التلحين...
تبدأ الست الغناء "جددت حبك" ونحن في إيقاع الوحدة...لكن!! قبل أن تسأل المحبوب "ليه؟"...هنالك لحظة صمت...ان تأملتها جيدا قد تدوم عمرا...مملوءة بفراغ الوحدة والام...حتى إيقاع الوحدة يقف مضربا معها ويصمت....
حتى تعاتب الست بصوتها المثقل من الحزن: "ليه؟؟؟"...
نعم انه مقام النهوند الحساس...لقد اختار رياض من ارق واروع المقامات في التعبير عن الحزن والعتاب...
"حرام عليه"...وتعيدها عدة مرات للتأكيد على أنه "حرام عليه !!!"... وتعيش ام كلثوم الحالة الحزينة حتى يمكنك ان تتخايل عبر صوتها انها تعيش قصة الألم هذه بنفسها!...وتطلب من محبوبها ان يبقي قلبها "غافل عن اللي راح"...وان لا يجدد الحب...
ما أجمل هذه الصورة يا رامي...ما اروعك...
في علم النفس تقسم النفس الداخلية الى أجزاء...فهنا رامي يتحدث عن الانسان وقلبه كانهما شيئان منفصلان...يحاول الانسان ان يكف الصراع مع قلبه عن طريق التلاعب به...فيفعل كل شيء لكي يغفل القلب عن اوجاعه....ويجعل رامي من الانسانية بعد ثالث...وهو ان يطلب الانسان من محبوبه الابتعاد لكي لا يستيقظ القلب ميقظا معه جراحه...
تستمر ام كلثوم في الغناء بطريقة العتاب المثقل المليء بالحزن والضعف من مقام النهوند "ده الهجر وانت قريب"....وتعيد "قريب مني" بلمحة من مقام النهوند المرصع...لتزيد اللوعة..
وهنا ! "لكن بعادك ده عني" تتغير ملامح الست...ويتغير المقام....هنا العتاب امتزج مع الغضب... والمقام اصبح مقام النوا أثر كما نوهت في المقدمة الموسيقية....
طريقة العتاب في هذا المقطع جدا عبقرية بملائمتها للموسيقى ونفسية الانسان..."ده الهجر وانت قريب مني...كان فيه امل لوصالك يوم" فالفراق في الفترة التي يكون فيها الحبيب قريبا يبقي للإنسان امل ولكنه يبقيه ضعيف امام الحب في نفس الوقت...وهذا الضعف والحزن سمعناه في صوت الست...
لكن عندما يطول البعد ويصبح الحرمان ممزوجا بالغضب وليس الحزن هنالك نسمع نبرة الغضب في صوت الست ومقام النوا أثر... "لكن بعادك ده عني خلى الفؤاد منك محروم!!"..
نقلة الى مقام البيات.....غير متوقعة....فرياض لم يستعمله في المقدمة ولم يلمح لقدومه ابدا....وما اجمله من زائر...لان عند مقطع البيات يقوم الجمهور ليهتف من الذهول والاستمتاع بالحبكة اللحنية...
لكن الان... لن اكمل التحليل حتى اسمع الردود....
لاعرف ان كان تحليلي ممتعا او طويلا او مملا....وبعدها بأذن الله سأكمل ...
فى عز الانسجام والاستمتاع بالتحليل يا أ / أمير ... فاجئتنى بهذه الجملة ... من فضل أكمل تحليل هذه الرائعة .. اللى سمعت أن زوجة أحمد رامى زعلت منه لما سمعتها أول مرة ..
تحية طيبة،
قرأت بإمعان ما ورد في المقال المتعلق بأغنية جددت حبك، واستفدت الكثير. لذا، يسرني أن أقدم زجيل التشكرات لصاحب المقال. الهدف من كلمتي ليس مناقشة ما ورد في ثنايا المقال من معلومات، بل عرض ما أثار اهتمامي في أغنية جددت حبك، سواء على مستوى الكلمة، أو اللحن، راجيا أن يكون في ذلك فائدة.
1. المقدمة الموسيقية التي نسج أنغامها الأستاذ رياض السنباطي تُعبر عن إدراكه العميق لنفسية الكائن الإنساني المغمور بروح الحيرة والهيام بسبب الحب، وليس فحسب عن الوضعية الخاصة للشاعر أحمد رامي في علاقة عشقه للسيدة أم كلثوم. فالأستاذ رياض السنباطي يظهر هنا مثل تولستوي (Léon Tolstoï)، ودوستويفسكي (Dostoïevski)، وغيرهم من الأدباء الذين يسكنهم هاجس البشرية جمعاء. واختار أن يُلمّح لهذه الحيرة بالتحويلات العابرة التي أطعم بها مقام النهاوند، مثل الللا بيكار، والفا دياز التي أضفت جمالية خاصة على الصولو كمان تعبيرا عن مقام أثر كرد، والعودة للفا بيكار تعبيرا عن الكرد. والجميل في هذا أنه اختار ابتداء من الكوبليه الثاني جملة ايقاعية (دو منخفِض، مي بيمول، دومنخفض، وسكتة)، يطلق عليها ostinato (أي الثابت، والمستمر)، معزوفة من طرف الفرقة الموسيقية كلحن خلفي مواكب لللحن الأساسي.
2. وبعد السفر بالمستمع في أجواء نغمية وايقاعية مركبة، ومُعبرة عن ملامح الروح التي تعبر عنها القصيدة، أنهى المقدمة بجملة في غاية الرقة والاحساس. بدأها بنغمة الدو المنخفض، أي قرار مقام النهاوند، وأنهاها بالياكاه، أي بالصول قرار لتبدأ السيدة أم كلثوم غناءها «جددت حبك» على نغمة الدو قرار. ومما يوحي بعمق الفلسفة التأويلية عند السنباطي، أنه مباشرة بعد تأكيده على نغمة الدو وضع سكتة رهيبة قبل كلمة ليه، ثم كرر هذه الكلمة ثلاثة مرات للتعبير عما هو جوهري في القصيدة، أي السؤال ليه جددت حبك ؟
3. وتزيد شدة التساؤل عندما لحن كلمات «يا هل ترى قلبك مشتاق يحس لوعة قلبي»، وجاء ذلك مرصّعا على مقام البياتي على النوا، مما أضفى بهاء خاصا على هذه الأغنية. لماذا ؟ لأنه انتقل من العتاب، والحزن الذي عبر عنه مقام النهاوند في كلمات «ده الهجر وانت قريب...كان في أمل لوصالك يوم»، وعرّج على مقام شد عربان الذي هو نوع من الحجاز في غناء «لكن بعادك ده عني خل الفؤاد منك محروم»، ووصل الذروة الطربية مع البياتي على النوا في «يا هل ترى» التي تسلطنت بها السيدة أم كلثوم بأساليب لحنية مختلفة نظرا للطّعم المشرقي الأصيل لهذا المقام.
4. وفي الكوبليه الطربي الذي يقول «أنا لو نسيت اللي كان وهان علي الهوان»، اختار السنباطي مقام الراست. لكن عبقرية الأستاذ السنباطي سطعت لما استهل هذا الكوبليه بلازمة موسيقية في منتهى الابداع على مقام السوزناك، أي الحجاز على النوا (الصول). وجاءت مفاجِئة، نظرا لطابعها الصُّراخي، والسريع الذي يبدأ في الدو جواب، وينتهي في الصول (نغمة الصول). ويمكن أن نتساءل لماذا اختيار السوزناك ؟ حسب بعض الموسيقيين مقام السوزناك يمكن تشبيهه بعروسة البحر، التي لها نصف أدمي والنصف الثاني من السمك. أي أن مقام الراست جِدعه وفرعه من مقام الراست (السي نصف بيمول، والمي نصف بيمول)، وعندما نحول الفرع إلى حجاز (السي بيكار واللا بيمول) يطلق عليه السوزناك. وقد تبدو هذه الإزدواجية غير طبيعية، لكنها معبرة عن الكلمات التي فيها صرخة في نهاية الكوبليه «أنت ظالمني وأنا راضي». أنت جاءت عالية، معبرة عن المرأة، وراضي عن الرجل الذي يقبل هذا الوضع لأن القلب ظنين بالحب.
تلك إذن بعض ملامح الابداع في التأليف الموسيقي عند الأستاذ رياض السنباطي، والتي أسهمت في تلقيبه بملحن المعاني.
يمكن أن نُشبه السنباطي بعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) الذي يولي أهمية بالغة للمعنى الذي يكمن وراء سلوكات الناس في حياتهم الاجتماعية. وهو يختلف بهذا الصدد عن عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (Durkheim) الذي يَعتبر أن الإنسان يخضع لقهرية النظام القيمي المهيمن في المجتمع، والذي يتم استبطانه وتبنّيه من طرف الفرد عبر التنشئة الاجتماعية.
فحسب ماكس فيبر، الإنسان فاعل، وليس مفعول به، وله القدرة على تأويل تصرفاته. فعلى سبيل المثال، إذا قمت بزيارة أحد أقاربك، فليس فحسب احتراما للأعراف العائلية، بل قد تكون لك في هذه الزيارة أغراض ومقاصد شخصية محضة. فالسنباطي هو الآخر فيلسوف المعنى، وقضى عمره في تأويل النصوص الشعرية موسيقيا مستمتعا، وممتعا باكتشاف المعاني التي تكتنزها حسب سياقاتها.
والمثير للانتباه أن الشاعر أحمد رامي يظهر وكأنه، حالة خاصة لا تتطابق مع نظرية ماكس فيبر، بحيث أنه في الآن ذاته فاعلٌ ومفعولٌ به. كيف ذلك ؟
فاعل لأنه بفعل تكوينه بجامعة السوربون، وتمكنه من العديد من اللغات (الفارسية، والتركية، والإنجليزية، والفرنسية علاوة على العربية، والدارجة المصرية) أسدى الكثير من الخدمات لبلده كمتخصص في علم المكتبات، وللفكر بصفة عامة، ولاسيما في ميداني الفن السنيمائي، والأدبي. فهو صاحب الأصل في الأغنية التي تعنينا هنا، أي صاحب الكلمة القوية التي تعكس منظوره للعلاقات الإنسانية، ولاسيما منها البيْن شخصية (interpersonnelle). فهو عندما يقول مثلا «يا هل ترى»، فإنه ينتقل بنا من الاستفسار «يا ترى» الشائع عند الناس إلى التساؤل، والاستفهام، أي لما هو مركب وإشكالي، ويثير الجدل والتأمل من أجل فهم المخفي واللاشعوري. فهو بذلك يمارس جيولوجيا لغة القلوب. بمعنى أنه يُعبّر عن قلق وجداني، واضطراب نفسي، ويرغب في معرفة إن كانت العلاقة بين الإثنين، والأشواق متبادلة، ومتماثلة، وغير محفوفة بالمخاطر في المستقبل. هذا المعنى هو الذي أدركه السنباطي وصوره في ثوب موسيقي يبهر المستمع.
يمكن القول الشيء ذاته بخصوص اختيار الشاعر لكلمة «يشعلل النار» التي هي كلام غير مألوف، والذي لا يعني فحسب إيقاد النار (أي نار الأشواق)، بل يرمز أيضا للالتهاب والالتهام. وهذا وصف دقيق ينفُذ لأعماق ما يغلي في القلب، أو ما يسميه الضلوع، من مشاعر وأحاسيس مدفونة.
ولا داعي للاستكثار هنا من الأمثلة التي تُبيِّن عبقرية الشاعر أحمد رامي في نحت معالم عالم العلاقات العاطفية، وتُقدِّم الدليل على قوة الفعل الشعري في أعماله.
وفي المقابل، يبدو أنه أيضا «مفعول به». وأقتصر هنا بمثال واحد : «يشعلل النار والأشواق اللي طفيتها أنت بإديك». فعملية إشعال النار، وإطفاء لهيبها مصدره ليس هو الشاعر، بل الطرف الآخر المخاطَب في القصيدة. وبالرغم من هذا الظلم، فالشاعر يبدو أن ليس بوسعه إلا الاستكانة والرضى، وقبول الاحتراق بلهيب الحب والعشق. والأستاذ السنباطي، بحكم تملكه لناصية الغوص في الكلام الشعري لاكتشاف دلالاته الملهمة للتلحين، أدرك طبيعة هذه العلاقة التراتبية والسلطوية، وفجَّر المخزون العاطفي الذي تحمله كلمة إيديك في قفلة مطولة ناذرة في الموسيقى العربية.
عبد الكريم ساعة بن عمارة
جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء
مع خالص المودة وبالغ التقدير