عرض مشاركة واحدة
  #163  
قديم 07/08/2011, 03h00
بلقيس الجنابي بلقيس الجنابي غير متصل  
مواطن من سماعي
رقم العضوية:307333
 
تاريخ التسجيل: octobre 2008
الجنسية: عراقية
الإقامة: عرائش الكروم هناااكـ
المشاركات: 799
Post رد: رؤى ونظرات في قصيدة حانة الأقدار

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صالح المزيون مشاهدة المشاركة
رؤى ونظرات في قصيدة حانة الأقدار



للشاعر المبدع طاهر أبو فاشا


إن تحليل قصيدة لشاعر عملاق مثل طاهر أبو فاشا ليس بالأمر اليسير حتى على أعظم النقاد مهارة وأكثرهم دُربة ... وذلك لأن الدراسة المتأنية لعمل أي شاعر واستقراء إبداعاته تحتاج منا إلى سبر أغواره للوقوف على بواعث انفعالاته التي حدت به لأن يكتب ويقول فَيفتِك ... وأنى لنا ذلك ؟؟
فقصائد الشاعر أبو فاشا مؤلمة الحواشي ملتهبة المعاني ضاربة في الوجدان ... تحس وأنت تقرؤها بهمس الشاعر في أذنيك وكأنه ذلك الجَرْس الخفي الذي يخاطبك بأفكاره وهو صِنْوُك .. فيحذرك تارة ويبشرك أخرى ثم يستجديك مرة ويأمرك مرات ثم يحنو عليك ويُعَنِّفُك وكل ذلك على نسق نضيد مُتوارٍ خلف كلماته وبين سطوره ... لله در أبيه إنه الشاعر !! إنه شاعر الليالي ...
والليالي هو عنوان أحد دواوينه حيث يقول :
والليالى بعد هذا أنا منها وهي مني
اسألوني أنا عنها واسألوها هي عني
بعد أن جاوزت سبعين وما زلت أغني
وعندما طلبت مني شاعرتنا السيدة بلقيس والأستاذ الرائع الباشا قمر الزمان تحليل قصيدة حانة الأقدار انتابني شعور من القلق غريب .. لم يحتمله فؤادي الكليم لاسيما وأنني منذ فترة ليست بالقصيرة أعيش وقلبي الخفاق حالة هدنة حذرة لايبغي فيها أحدنا على الآخر ليستريح كلانا من عناء الأشواق والمواجيد
لم عدنا أولم نَطْوِ الغرام
وفرغنا من حنين وألـم
ورضينا بسكون وسلام
وانتهينا لفـراغ كالعدم
ولكن الحظ أبى علي إلا أن ينكأ جراحي المندملة في ذاكرة المشاعر ويقذف بي إلى عتبات تلك الحانة لمنادمة الأقدار من جديد ... ولا بأس في ذلك فأحياناً تختبئ اللذة خلف أطياف الألم كمن يشتار العسل وهو طروب بلسعات النحل الحانية ليهنأ في الختام برشفة من ذلك الشهد المصفى ... فلعلها تنسيه أشواك الطريق الوعرة الموصلة إلى حانة الأقدار ...
والشكر كل الشكر لأستاذتي بلقيس وأستاذي الباشا لأنهما أعاداني إلى تلك الأشواق والترانيم ..
حقيقة وكما أسلفت فقصائد شاعرنا أبو فاشا مُتقِدةُ المعاني والتراكيب وهي ليست متاحة للدارسين والقراء بشكل موسعٍ كبير, وذلك لندرتها من حيث الطباعة والتجميع , ومما يزيد الأمر تعقيداً على الناقد أيضاً أن هذه القصيدة من قصائده بالذات يكتنفها كثير من الغموض والشفافية في آن واحد ويحس قارئها بأنها نسج بديع محكم حبكته لنا يد الأقدار ليحجب عنا ماتوارى خلف غياهب تلك النفس البشرية المعذبة من كوامن وأسرار ليست مما يذاع حتى على أقرب الأصدقاء والخلطاء ولا تقف القصيدة عند هذا الحد فحسب بل تتجاوز تلك المرحلة الضبابية حتى تصل إلى مرحلة الكف عن الذات والتكتم عن النفس فتقف حائراً أمامها ليس لك معينٌ سواها فهي وحدها من تمنحك لفهمها جرعات من التأمل تبعاً لما آلت إليه حالتك من الوجد والتأثر فجرعة إثر جرعة وصورة خلف صورة إن سمحت لك بذلك واتخذتك نجياً وذلك دأبها متشابه في التناول والتشخيص مختلف في العلاج والتضميد .. فكلٌُ حسب مشاعره وجراحه فهناك من يقرأ فيها الأمل وهناك من يعرف منها الألم وهناك من يرتمي إلى كلماتها طائعاً فتأسره ويهنأ بذلك القيد الرحيب وهناك من يفر منها هارباً من شخوص أشجانه ...
وأرى أن النقد حقيقة ربما يكون مختلفاً بعض الشئ مع هذه القصيدة إجلالا لها ورهبة منها فلا أريد تشويهها بالدراسة المنهجية من اللغة والنحو والعروض والأسلوب والصور والتراكيب إلخ بقدر ما أود التركيز على ما استتر خلف تلك المقاصد والمعاني من الصور الغيبية والنداءات المحزنة والصراع الفتاك بين مظالم هذه الحياة القاسية ولوعة التسآل والحنين إلى الهوى والحبور فقصيدتنا هذه غريبة الأطوار والمسالك التي مازال سر إبداعها مخبوءً لدى الشاعر حتى قضى ذلك السر بانتهائه ومغادرته لحانة الحياة التي ربما كان يعبر عنها بحانة الأقدار ...

حانــة الاقدارعربدت فيها لياليهـا

ودارالنــــــور والهــــــوى صاحي
هذه الازهار كيف تسقيها وساقيها
بهــــــا مخمــــــور كيف يــا صاح


ترى ماالذي كان يود أن يخبرنا به شاعرنا من وراء هذه الكلمات ؟؟ أهو الأسى والضجر من مفارقات هذه الحياة الكئيبة وعربدة أقدارها ؟ أم التأمل والبحث عن ذلك المكان البعيد الهادئ الذي يأسو الجراح ويهدهد القلوب حتى وإن كان ملتحفاً بالوهم وأقنعة الخيال ؟ أم كان ينزع إلى التفلت من أغلال الصواب وقيود الشهوات ؟ أم .. أم !! لست أدري فهناك الكثير والكثير من الاحتماليات المحتجبة خلف معاني الشاعرعلى أية حال ذلك هو الشعر الذي يأسر العقول ويفتن الخواطر ويحرك الأحاسيس لما يحتويه من المعاني والصور الثرة حمالة الأوجه والمقاصد وكأنه يعيد إلى مسامعنا قول الشاعر أبي الطيب :
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
وربما استطاع قراء هذه القصيدة من المتذوقين العاشقين إيجاد العديد والعديد من المقاصد والمعاني التي يلحظونها بعين حالهم وباستقراءات أنفسهم التي تتطابق مع ذواتهم لنخلص في النهاية إلى روضة من المبتغيات والمقاصد والاحتمالات المخبوءة خلف نجوم هذه الكلمات لنخلص في النهاية إلى تسجيل مرجعية في حالات النفس البشرية لدى الشعراء ...
كما أنني أستبعد أن يكون الشاعر بهذه القصيدة أراد أن يسوق لنا بعضاً من تجاربه الفارغة ! لأنه أسمى من ذلك فهو خبير متبصر بحقائق الأمور وأظنه ممن يرى النتيجة في الحدث قبل وقوعه !
والذي أميل إليه أن شاعرنا أبو فاشا اتخذ من الرمزية له مركباً ليَعبُر بنا هذا الموقف الأليم وليصف لنا حالة من حالات الصراع ما بين العقل والوجدان يُعلمُنا من خلالها مراحل التيه والحيرة الفتاكة التي ربما كان يمر بها خلال أزمة نفسية حادة اعترته وهو في ريعان شعوره وميعة هواه ... ويؤكد ذلك حسب وجهة نظري سيرة الشاعر وحياته العملية على الصعيد الشخصي والاجتماعي .. وهنا أذكر أن معرفة الشاعر ودراسة سيرته الشخصية تعتبر من أهم الأدوات لفهم نصوصه ! فشاعرنا كان طالباً في معهد الزقازيق الديني الأزهري وقد شكل هذا المعهد النزعة الدينية الغامرة لدى الشاعر أيّما تشكيل وقد ظل شاعرنا مزهواً محاطاً بتلك التعاليم التي زرعها في داخله أساتذته العظماء النابهون والتي لازمته طيلة حياته وقد عمل بالمعهد الديني ثم كان سكرتيراً في وزارة الأوقاف كذلك فإنه ينتسب إلى أسرة عريقة من الأسر المحافظة الملتزمة التي يصعب عليها تقبل فكرة العبث واللهو في مسارب الحياة وكل ذلك ربما كان من شأنه أن يُلجِئ الشاعر إلى التخفي خلف معالم تلك الشخصية التي تنشد الدعابة والارتياح في حانة من الحانات لتشتري الهوى وتبيع الرشاد أو لعله رغب في أن يتخفى فيكون الظل المحاكي لشخصية ذلك العاشق المجهد الحيران الذي راح ينشد دواءه بين أدوية الراح وأنامل الألحان وعبق الندامى فهو يصف لنا حانة من الحانات ربما كانت حقيقية تبيع الأماني والهوى وربما كانت حانة تختلف إليها الأقدار من كل تصريفٍ وقضاء لتدفع الناس من كُوَّتِها كلٌ في طريق ! والأمر سواء فلا خيار مع الحانات فهي الحاكمة المتصرفة وكأنها نحو الشجون تقودنا ركابا !

سألت عن الحب أهل الهـــــوى

سقاة الدموع ندامى الجــــــوى
فقالو حنانك من شجـــــــــــوه
ومن جده بك او لهــــــــــــــوه
ومن كدر الليل أو صفـــــــــوه
سلى الطير أن شئت عن شدوه
ففي شدوه همسات الهـــــــوى
وبرح الحنين وشرح الجــــوى



أيكة الأطيار في أغانيها لشاديها

على الأغصان ثــــــــــورة الراح ِ
يا غريب الدار مِلْ بنا فيها نناجيها
مع الندمان واتـــــرك اللاحـــــــــي



ورحت إلى الطير أشكو الهوى

وأسأله سر ذاك الجـــــــــــوى
فقال حنانك من جمــــــــــره



ومن نهيه فيك أو أمــــــــره

ومن صحو ساقيه أو سُكـره
سلى الليل إن شئت عن ســره
ففى الليل يُبعث أهل الهـــــوى
وفى الليل يكمن سر الجــــوى



دوحة الأسرار يا لياليها بواديها

هنا يلقاك صبح أفـــــــــــــــراح ِ
دائر دوار في بياديها يساقيها
على ذكــــــــــــــراك بين أقداح



ومع الليل تكبر المأساة فينكمش الضمير وأراه سائراً متجهاً إلى تلك الحانة وكأنني أسمع صيحاته في تلك الطريق الشائكة مردداً قول ناجي :
فرأيت فيما أبصرت عيني
ملهى أُعد ليبهج الناسا
يجلون فيه فرائد الحسن
ويباع فيه اللهو أجناسا
لم لاتذوق كؤوسهم شفتي
إن الحِجا سُمّي وتدميري
في ذمة الشيطان فلسفتي
ورزانتي ووقار تفكيـري
وسريعاً تقوده خطاه مضطرباً إلى أجواء تلك الحانة حانة الشفاء والنقاهة أو ربما كانت حانة الشقاء والندامة فلا أحد يعلم عن سورة الكأس إن تأججت في الشفاه واتخذت طريقها إلى القلوب قبل العقول فماذا تكون النتيجة ؟ لاأحد يعلم ... عجيبة تلك الكؤوس ! كم تحتوي من المتناقضات والأسرار ؟ يشربها الحيارى في مجلس واحد فتضل بعضهم وتهدي البعض (إلى مبتغاه ... احتراس) ويرشفها الصديقان فتأسر أحدهما وتطلق العنان للآخر وشاعرنا كان جاهلاً بما سيؤول إليه أمره لأن خيله لم تكن قد اعتادت السبق في تلك المضامير الثملة أو ربما كان شاعرنا مكبل الإرادة مسلوب الأفق يرسف في قيود الهوى وأغلال الرغبات ؟ لست أدري على أية حال هو أيضاً لم يكن يدري بعدُ ماذا تخبئ له الأقدار في تلك الحانة من المفارقات العجيبة ولكنه بما بقي له من رمق أخير كان مستعداً لتقبل أسوأ الحالات وأجمل اللحظات في آن واحد ... وكان بما لديه من رغبة جامحة وأمل جارف وفضول مستعر كان يهيئ نفسه إما لنصر مؤزر في حربه مع المجهول أو لهزيمة نكراء قد اعتاد عليها منذ صباه ... فجراحه لم تزل رطبة ندية تقاوم هجمات الاندمال وهو لم يزل صادياً يشتهي الري والخلاص ويطمع في الانعتاق من الحيرة والتيه متطلعاً إلى الحقيقة والخلود فطفق يسأل أهل تلك الحانة عن الحب والهوى بلهفة الغريب واستحياء اليتيم لعله يجد عندهم ما يطفئ لظى السؤال ولكن أهل الهوى في حانتهم تلك لم يجيبوه بل أحالوه للطير ليخبره بموجدات العشق والغرام وهذا أمر متوقع كان بالحسبان إذ كيف لهم أن يجيبوه وهم المخمورون الثمالى ؟ ألم يصفهم الشاعر بقوله : هذه الازهار كيف تسقيها وساقيها بها مخمور؟ فربما كانوا في حالة من الوجد لم تسمح لهم بإجابته أوربما ضنوا عليه بأسرار الهوى رحمة بفؤاده الغض الذي يلوح لهم من وراء عينيه الدامعتين وربما عمدوا إلى ادعاء الجهل لرغبتهم في أن يكتشف الشاعر بنفسه الإجابة عن تساؤلاته في الحب ... فما كان منهم إلا الإلماح له بأن الحب والهوى قرينان للدموع والجوى لايكادان يفترقان كالطير الذي لايستطيع مفارقة شدوه وغنائه فهما متلازمان إلى الأبد ومن غناء الأطيار تنبعث الراحة والسلوان ومع ترانيمها العذبة وشدوها الطروب تتكشف همسات الهوى ويعلن برح الحنين وشرح الجوى ! ولكن الامر جاء بالعكس ولم يجبه أحد على سؤاله حتى في تلك الأيكة الثملة بالأغاني والتغاريد ففهم عجزها عن إجابته لأنها صرفته إلى الليل الحكيم ... فمضى عنها وتركها هانئة وادعة تطرب لتلك الأقدار في أمرها ونهيها وكأنها لاتكترث لأي شئ سوى أنها لاتريد أن تصحو من تلك النشوة المحببة فتنحدر من الحلم الوثير إلى الواقع المرير !
وراح مسرعاً ينشد الليل ليخبره عن سر الهوى ففي الليل يبعث أهل الجوى وفي الليل تشرق شمس الهوى ...

ولما طوانى الدجى والجـــوى

لقيت الهوى وعرفت الهـــوى
ففى حانة الليل خمَـــــــــــارُه
وتلك النجيمات سٌمّْــــــــــارُه
وهمس النسائم أســـــــــراره
وتحت خيام الدجى نـــــــــاره



وفى كل شيئ يلوح الهـــــوى

ولكن لمن ذاق طعم الهـــــوى


ما أحوج الشاعر إلى الليل ... إنه عالم من السحر والفتون يبعث الأماني مشرقة خلف سحائب الأسى والأنين فتتراءى تلك الصور راقصة لتبعث في النفوس أمل اللقاء ودفء الظنون إنه النور الساطع المسلط على لغة المشاعر وصياغة الأحاسيس وتناول الأحلام إنه الذروة الصافية والعمق المسكر وذلك مادفع بالشاعر بغية اكتمال الصورة لديه أن يمر مابين ليلة وسواها من أمام تلك الحانة آخذاً معه حقيبة ملآى بالنسيان والسذاجة ليتزود بهما إن انتصرت عليه تلك الحانة ونجحت في التقامه لجوفها ... فهو لايدري ماذا سيفقد بالداخل !
نعم كان يمر في كل ليلة بخطى جبانة بطيئة تثقلها سلاسل الأعراف وحجارة المبادئ وقد كان يلاحظ في كل مرة يمر فيها من أمام تلك الحانة الثملة أن بابها النشوان يراوده عن حزنه وآلامه ويلوح مغرياً له برتاجه , فيمضي الشاعر عنه مسرعاً يرمقه بطرف خفي ورغبة متوارية تحت وقع خطواته المكابرة ولكن الباب بحكم خبراته الليلية كان ماكراً لدرجة كبيرة فقد كان يلاحظ نظرات الشاعر الظامئة عندما يحدق به ولاغرابة في ذلك لأنه كان يعمل في وظيفة جريئة إنه يعمل (باب حانة) ذلك كان مسمى وظيفته وقد اختير لهذه الوظيفة لأنه من أسرة عتيقة امتهنت التجارة مع الحانات والأفئدة فأبوه وجده كانا شجرتين قديمتين في كرمة تلك البلدة وكانا على صلة معتقة بمعصرتها ... وتوالت الشهوات واستبد الفضول فتكرر المرور وعلا صوت الهوى بداخله وكأنه نشط من وقار وهو يردد :
ســـألثم كل شيء في طريقي
وأســقط كل شيء من حسابي
وأُخرِس كل صوت من ضميري
وأشــطب كل رشد من كتابي
أنا الأيــام آذتنـــي ودوما
تتابعنـي بألحـاظٍ غِـضــاب
وســـوف أذيقها ماجرعتني
فقد كشــرت عن سُمّي ونابي
فلا لمبادئي ســــأبيع عقلي
لعاطفتـي ... وأنعم بالتغابـي
هذا ما استقر في وجدان الشاعر لأنه كان تواقاً لخوض تلك التجربة بعد عدة صراعات مع ذاته اليائسة المتردية وبقي له أن يدعو الليل معه ضيفاً على تلك الحانة ليعرف ما استتر من أسرار الهوى والجوى فأذاب نفسه مع الليل والتحف بظلامه وكأنه نديمه الحميم وأخذ يحاوره ويسارره ويتنادمان ويتناجيان غير مبالين بهجمات الدقائق وطعنات الساعات وذلك ما كانت تصبو إليه روح الشاعر أن يكون الليل نديمه في تلك الحانة الذاخرة بكل لون وفصل وبكل نكهة وعبير وبكل صدفة وتدبير وكأنما انطوى ذلك العالم الكبير في عتباتها المتواضعة الساهرة ولم يلبث أن جلس هو وصديقه على إحدى الأرائك القلقة تقابلهما نافذة تطل على شرفة الأماني لتمنع فضول النسمات ومن خلفهما جدار مخلص أمين يحرسهما من تلصص الهموم والآلام ...
ودارت الكؤوس بين الندامى لتعزف على أوتار القلوب فتخرج وفوداً من الألحان تتسلل من كل المقامات ولا اضطراب ولا نشاز .. والشاعر بين ذلك كله يتأمل بإحساس مفرط متوقد مايدور حوله من مشاعر شتى لم يكن يوماً ليتخيلها قط .. وبدا قلبه خافقاً بالحب نابضاً بالحياة واستطاع في ذلك المجلس الندي أن يتوصل إلى رؤية الصورة المخبوءة خلف كل صورة مثّلت ومثَلت أمامه وتمكن كذلك من النفاذ إلى النقيض المتواري خلف كل وجه من الوجوه ومشاهدته على حقيقته فكانت تفرحه صورة ويبكيه نقيض تسعده قيمة ويهدمه مبدأ ! وهكذا تمكن من الوصول إلى السرائر وما أجمله وما أقساه من شعور ! لقد سقطت الأقنعة وبدأت الوجوه تختلف شيئاً فشيئاً لتعكس وتشف عن الملامح الحقيقية للروح المختبئة خلف أديم الجسد وأصبغة التطبع ... وهكذا كان غارقاً في الاستقراء والتأمل سابحاً مع تلك الرؤى حتى إذا سكر السقاة وهدأ الضجيج وثارت العواطف وسكنت العقول وبدأت النجيمات بالانسحاب من مواقعها بعد أن أدت عملها على الوجه الأكمل وأرسلت الشمس بعضاً من ومضاتها لتوقظ الباب النائم فيأذن لها بالدخول وحان الوداع ... عند ذلك كان لابد لليل من الرحيل فقد فرغت الدنان وترنحت الأقداح فمضى الشاعر يعانق الليل ويصطحبه مودعاً للباب ليقول له :
أيها الليل الجميل كنت أراك منذ زمن بعيد ولكني لم أعرفك عن كثب ولم ألحظ سحرك وجمالك إلا بعد أن رافقتك في هذه الرحلة العميقة .. في كل مساء كنت تأتي لتلفني بعباءتك المشرقة لتأخذني إلى عوالمك البكر ولكني لم أكن ألحظ من تلك العباءة إلا مايسد عيني عن تلك المباهج والفتن التي تملأ الأفق ! ولكني عندما تجاوزت حدود آلامي وسدود أحزاني عبرت رغم عباءتك إلى واحة الأمل ورياض الأماني فكل ذلك كان بداخلي ولكن مشكلتي أنني لم أكن أعلم أنه بداخلي لأنني لم أعتد خوض غمار التجارب ... فضحك الليل وبدأ يجرجر أذياله بالانسحاب مبتعداً عن الشاعر شيئاً فشيئاً قائلاً له : إن الهوى يانديمي الأليف منثور مترامي على جنبات الزمن وأعتاب الحياة فهو في كل يوم يعانق الفجر ويداعب الغروب ولكن من منا يلمحه بقلبه ويستشعره بوجدانه ؟ وهنا نجد الشاعر قد اشترط حالة حكيمة بليغة لاقتباس ذلك الهوى وشرطه ذاك ينحصر في ذات الرائي وفي أعماق المخامِر ... وكأن الشاعر يريد أن يكمل لنا رؤيته في تلك القصيدة ويقول لنا في ختام قصيدته :

ولما طوانى الدجى والجـــوى



لقيت الهوى وعرفت الهـــوى



وفى كل شيئ يلوح الهــــوى



ولكن لمن ذاق طعم الهــــوى


ليخبرنا أن الليل أجابه بقوله :
أغادرك الآن وأنا سعيد بك لأنك أدركت الهوى ولقيته مطوياً بداخلك قبل أن تنشده عند سواك في الخارج وذلك لأنك قبل كل شئ أردت معرفة الهوى فبحثت عنه ولو لم تقدم الإرادة لم تكن لتعرفه حتى الآن وبعد أن طلبته بحثت عنه فوجدته وبقي لك أن تذوقه فتعتاد حلاوته وتدمن أشواكه وقد ذقناه سوياً في هذه الليلة الهانئة وثق تماماً أنك لن تضيعه بعد الآن فمن ذاق منه رشفة واحدة لن ينساها مدى الحياة !


نعم
نعم يا المزيون نعم
أنا والله في حال
تأمل صوفي وعشق الهي وجداني
وسعادة بلا حدود
انت سيفونية عشق
عزفت على اوتار قلبي وشرايين روحي

مثل إنا اعطيناك الكوثر واكثر
نشوة وما زال للحديث بقية

وددتُ شُكرك اولاً لاعود والحال يجرفني بإسناد روعة ما أقرأ الآن .
تجليات روحانية رحمانية والعشق الممنوع جمعت الشمس والقمر يا صالح الله الله الله


الملفات المرفقة
نوع الملف: mp3 حانة الأقدار- وحي بلقيس.mp3‏ (2.94 ميجابايت, المشاهدات 59)
__________________
الْحَمــــد لِلَّه رَب الْعَالَمِيــن
...
دگعد ياعُراق شِبيكـ
مُو انْتهَ الِلي على الكلْفات ينخُونكْ
رد مع اقتباس