هذا ما نشره احد اعضاء منتدى الكرامه
عن فرقة الطنبورة
ولاحظوا كمية المغالطات فيه
كما نرفق صورة زكريا ابراهيم
في سنوات الثمانينات كانت الضمة قد اختفت تماما، إلا حين يجود الدهر ويجمع المشتاقين لليلة من الزمن القديم، على الأقل لم تعد طقسا في حياة المدينة؛ بورسعيد. وكأن السمسمية قد فرغت من مقاومة الغزاة وتفرغت للم ’النقوط‘ وتوزيع ’التحايا‘ على مَعلّمين الانفتاح الصغار والكبار في أفراحهم ولياليهم، ولملأ تقارير النشاط في قصور الثقافة وقطاعات الفنون الشعبية التابعة للدولة، فانفض من حولها الصحبجية الذين وجدوا أنفسهم غرباء عن هذا الجو الجديد، بعد أن استحال تحقيق ما كانوا ينشدونه منها؛ أن ’يتحظّوا‘ و’يتبسَطوا‘.
على هذه الخلفية تحرك الشاب زكريا إبراهيم، العائد لبلاده في مطلع الثمانينات، بعد سنوات التهجير وما بعد التهجير (الدراسة والجندية)، ليرصد هذا الانهيار، ويفجع بانسحاب تراث الضمة (بالأساس) والسمسمية (التي وإن بقيت ففي إطار تجاري يهدد جوهرها الفني التاريخي) من مغانيهما ومرتعه بحي العرب وشارع أبو الحسن. وكان عزاؤه في بقاء عشرات الفنانين الوارثين لفنون الضمة والسمسمية، من أجيال 56 وما قبلها ومن جيله هو، جيل تهجير 67، ولكن بعيدا أو في فرق متواضعة تكونت أيام التهجير الثاني (مثل العبور وشباب النصر) في محافظات المهجر. ولكن سيظل ما ورثوه حبيس صدورهم، وسينقطع بموتهم، الذي أوشك كبارهم عليه.
كان زكريا قد قرر أن يبدأ في جمع هؤلاء الحفظة والمؤدين القدامى ومن يصلح ليتلقى عنهم من الشباب، ولم يتحمس له أو يساعده أحد ولا جهة حكومية. كان بالنسبة لجماعة المثقفين والفنانين والمسئولين الحكوميين ’مثقفا حالما‘، وبالنسبة لفرق السمسمية و’النحّيتة‘ (أي الأفراد الذين يلقّطون رزقهم في المناسبات) زبونا قصير اليد، لن يدفع. كان ما يبحث عنه زكريا شخص على معرفة بأوساط الصحبجية وقدرة على استقطابهم وكسب ثقتهم.
على نفس الخلفية عاد إمبابي عبد الله (ريس الضمة القديم) ليصل إلى ما وصل إليه زكريا، فيلجأ، ومعه صديقه (وغريمه) رجب عبد الله وأحمد نصر (الشهير بحمام) وسعد أبو الشحات وأحمد وليم والداشن وأبو العربي أحمد وصلاح الحصري وغيرهم، لحل جديد بالنسبة لهؤلاء الفنانين الهواة المستقلين؛ قصر الثقافة. وهناك لم تجد أدوارهم (وهي في معظمها أدوار ضمة) قبولا، لقدمها وغرابتها وسط القوالب الرائجة للسمسمية آنذاك، وتارة لأنها تشبه "الترانيم الكنسية" حسبما قيل لهم، فانسحبوا من جديد.
وفي 1988 نجح زكريا في إقناع عازف السمسمية محمد الشناوي بمشروعه. وتوجه الشناوي لمجموعة إمبابي عبد الله، فبدأت بهم الفرقة؛ بسبعة أفراد في البداية – إضافة للشناوي وزكريا نفسهما (وهم: إمبابي، رجب، حمام، الليبرتي، ميمي، مجاهد، علي عوف).
كانوا خليطا من أقطاب الضمة والهواة، وكان زكريا يؤجر الآلات التي يحتاجونها، وقبل الجميع (فيما عدا الشناوي، مشرفهم الفني) أن يعملوا كمتطوعين، بتمويل زكريا لاحتياجات التدريب والانتقال ولوازم ’الحظ‘ التي لابد منها..إلخ، وهي أشياء مرهقة ماديا لشخص في قدرة زكريا آنذاك. وكان زكريا يسعى لضم المزيد والمزيد من الأعضاء غاضا البصر عن حجم ونوع الموهبة وروح الفريق عند الفرد، في سبيل أن يكسب دماء جديدة في وقت ضيق. وهكذا نشأت فرقة بورسعيد للتراث الشعبي.
وبمساعدة فؤاد صالح، الشاعر وعضو مجلس إدارة نادي المسرح ببورسعيد (مسئولا عن الثقافة) أقامت الفرقة في النادي بروفاتها، المفتوحة للجمهور، السبت والأربعاء من كل أسبوع ( وهو التقليد الذي سيستمر طويلا ولن يقطعه إلا انقطاع الفرقة نفسه)، وأصبح نادي المسرح (معقل البرجوازية البورسعيدية آنذاك) مقرهم الأول.
كان من الصعب على البرجوازية وجو الانفتاح اللامع أن يتقبلا منظر الصنايعية والحرفيين، القادمين من أعمالهم بملابس غير نظيفة تماما وبنفس بساطتهم وتلقائيتهم التي غنوا بها في المخانات والشوارع وقعدات الحظ، وكان على من يصعد للمسرح أن يكون نجما وفنانا لا سباكا ربما أصلح لك حوض المطبخ من يومين! فتجاوز رئيس مجلس إدارة النادي (أمين الجندي رئيس حزب الوفد ببورسعيد وقتها) سلطات مسئول الثقافة، وطلب من زكريا ورجاله مغادرة النادي، فغادروه قبل أن يتموا عاما به.
انتقلت الفرقة البائسة لنادي خريجي المدارس الصناعية ببورسعيد، وهو مكان يشبه القهوة البلدي، مغلق وضيق، ومعبأ بضجيج التليفزيون والمشاهدين والشاربين ولاعبي الدومينو والطاولة والكوتشينة، وفي نفس المساحة كان على أعضاء الفرقة أن يعملوا! فلما استحال استمرار ذلك، تركوه بعد 4 بروفات فقط.
نحن الآن في عام 1991، وهو والعام الذي انتقلت به الفرقة لمقر حزب التجمع، وكان زكريا الموشك على الإفلاس قد باع شقته وافتتح ورشة مفاتيح لتمويل الفرقة. وفي الحزب تجمعت كل العوامل المثبطة، فقد أراد مسئولو الحزب إدارة الفرقة كلجنة من لجانهم، وتذويبها داخل أنشطتها الحزبية؛ طلبوا من زكريا أن يعمل بشيء آخر عندهم غير الفرقة التي سيتولاها شخص آخر، هكذا! وأثار قلق فناني الفرقة البسطاء وجود المخبرين الدائم في مقر الحزب مما حولهم فجأة لجبهة ضد الحكومة لمجرد ارتباطهم بالحزب، وتزامن كل ذلك مع مؤامرات المنافسين (من فرق وأفراد) داخل بورسعيد، على رأسها فرقة قصر الثقافة التي دأبت على تأليب الجهات الحكومية عليهم. ثم حدث أن اتهم محمد الشناوي بالسرقة، وفر إلى ليبيا، وبقيت المشكلة المزمنة وهي قلة الموارد المادية أمام ’احتياجات‘ الأعضاء خصوصا (والذين لم يتقاضوا مقابلا ماديا حتى الآن). وعندما حان وقت إحدى البروفات، لم يحضر سوى زكريا وميمي، فكانت البروفة الأخيرة. مثل معظم الفرق في العالم تفككت الفرقة، مع الفارق؛ فقد انهارت قبل أن تبدأ، وترك زكريا بورسعيد يائسا ليشارك صديق له إدارة تجارته بالقاهرة.
في 1992، كانت تطلعات زكريا التجارية الجديدة تحبط. وفي العام نفسه التقى بنجيب الجويلي المسئول بفرقة الورشة المسرحية، ذات السنوات الخمس وقتها، وحدثه زكريا عن أحلامه الفنية المهيضة، وعن مشروع الفرقة الذي ضرب في مقتل، وعن دراسة له نشرت بمجلة "الثقافة الجديدة" عن الفن الشعبي ببورسعيد، وسمع زكريا في المقابل عن تجربة الورشة مع مؤسسة فورد، المنظمة الأمريكية الغير حكومية، وطلب منه الجويلي إطلاعه على دراسته ليقدمها لكريستينا ديفيز مسئولة المؤسسة. ومع الأمل الجديد الذي راوده، ترك زكريا التجارة والقاهرة وعاد لبورسعيد، وبعد أسبوع واحد من عودته بدأ في جمع الفرقة من جديد، وضم دماء جديدة (مثل مرسي لاشين وجمال عوض والسيد الجيزاوي)، وحدّث صحبجيته الأوائل عن حيثيات تفاؤله، وحطت الفرقة الرحال بنادي العمال.
بعد مشاكل أثارها أحد أعضاء الفرقة، الذي تركها بعد ذلك، تركت الفرقة نادي العمال. لكن فؤاد صالح انتخب ليتولى موقعا أكثر تأثيرا في مجلس إدارة نادي المسرح، فأعاد الفرقة للنادي، حيث أقامت الفرقة أول حفل لجمهور بورسعيد على الإطلاق، لمدة ثلث ساعة بمناسبة تخريج دفعة من طلبة فرع معهد الموسيقى العربية بالمحافظة.
وفي ربيع 1993، زارت كريستينا ديفيز، بصحبة حسن الجريتلي مدير فرقة الورشة، بورسعيد وشاهدت حفلا للفرقة في حديقة مطعم الكَستَن، وسرت بما رأت.
إلى هنا فإن فرقة بورسعيد للتراث الشعبي هي فرقة محلية ببورسعيد. وكان التجريب لا يزال جاريا، حيث أن الفن الموروث بدائي ولابد من تطويره ليناسب شروط المسرح وهو جو جديد على هذا الفن، فمثلا كانت قفلات أدوار الضمة موسيقيا بدائية وضعيفة، فحدث ما نسميه بلغتنا التوزيع الموسيقي.
تزايد أعضاء الفرقة ببطء، ولم يكن لدى بعضهم شيء حقيقي، وافتقر البعض لروح الجماعة، وسيطر عليه التفكير كنجم في الفرقة، كما مات الثلاثة الكبار (وليم والقط وأبو الشحات على الترتيب) أوائل التسعينات، فكان لابد أن يجري ضم شباب ورجال باستمرار وإشراكهم في ورشة مكثفة ممتدة، لتُجمع النصوص من مدائح نبوية وأدوار عشق وأغاني عمل ومقاومة وفكاهة ووصف للحياة لليومية، لتُحفظ وتُجرّب باحتمالاتها التي لا حصر لها مع بنوك الاستلاف والآلات وشتى أشكال الأداء، ولتجرى عملية الحذف والإضافة والتعديل والتأليف والارتجال في عملية إحياء حقيقي لتحطيم ’المتحفية‘ التي جمدت الفن الشعبي.
لكن كل ذلك كان معطلا مع انشغال الفرقة بمجرد البقاء على قيد الحياة، و باستنزافها في مشاكل غير فنية – في الوقت الذي من المفترض أنها تعمل تحت لافتة "إنقاذ التراث" وليس إنقاذ نفسها!
نحو ذلك الزمن، كانت مشكلتا جمع النصوص وموت المؤدين الكبار تخف حدتهما، لتبرز حدة وتر السمسمية المعدني! فقد كان لتلك الأوتار الخمسة ذلك التأثير الرتيب المنوّم. وحدث أن استمع زكريا لأول مرة لصوت آلة طنبورة الزار السوداني، ففكر جديا في إشراكها إلى جوار السمسمية لتحدث التوازن والتنوع المطلوب. أصبح زكريا زبونا على الزار، فكسب الود والثقة، حتى استطاع خلال عام أن يستأذن أصحابها في شرائها (بـ 150 جنيها) وإخراجها بالتالي من أجواء الزار المقدسة، كانت الطنبورة تلف في ملاءة بيضاء ولا ترى إلا أثناء العزف، وتبخر وتعلق عليها المسابح.
جاءت 1994، وهي سنة الأحداث المصيرية في تاريخ الفرقة. وقعت الفتنة الكبرى داخل الفرقة، عندما أُطلقت إشاعة تفيد بتقاضي زكريا أموالا من إسرائيل والـ CIA! وأن الأمن المصري يلاحقه بينما يستعد هو للهروب، واشتعلت الإشاعة داخل الوسط الثقافي المهيأ لتصديق كل ما يعني العمالة والخيانة عندما يتعلق الأمر بتلقي دعم أجنبي، وبخاصة أمريكي. خرجت الفرقة مرة أخرى وللأبد من نادي المسرح، في جو عدائي شديد من الجميع حول زكريا، ومن داخل الفرقة نفسها التي تدهورت إدارتها في يد زكريا مع تصاعد الفتنة.
أخذ زكريا فرقته، وخرج من المدينة وعبر القناة ليصبح في بورفؤاد، تحديدا في كافتيريا يملكها أحد معارفه، كافتيريا القصبي. وهناك عقد الاجتماع التاريخي مع أعضاء فرقته، وتركز حول ثلاث نقاط: حسم مسألة الإشاعات، انتماء الأعضاء للفرقة، الإعلان عن أول حفلة خارج المدينة منذ زمن طويل بقصر ثقافة العاشر من رمضان بالشرقية (وهي التي سعى زكريا إليها سرا مع مدير القصر لإنعاش فنانيه). ففي هذه المرحلة التي يسميها زكريا مرحلة "مش رايحين العقيرة" (وهو تعبير بورسعيدي شعبي عن الفشل الكبير المتوقع لشخص أو شيء، أطلقه على الفرقة منافسوها – والعقيرة نجع فقير في المنزلة)، في هذه المرحلة، عرف زكريا أن الفرق تعيش "على عجل العربيات" (على حد قوله) أي أنها إذا تحركت باستمرار لتحيي حفلات هنا وهناك وشعر أعضاؤها بالطلب عليهم، خفت حدة اهتمامهم وتأثرهم بالصغائر والمعوقات، ليشعر الواحد منهم بـ ’الفنان‘ داخله أكثر ويرعاه، لذا انطلق في الخروج بالفرقة هنا وهناك للقاهرة والأقاليم، على حسابه الشخصي.
وفي القصبي استمر لقاء الفرقة مرتين أسبوعيا؛ سبت وأربعاء، كبروفة يحضرها محبو هذا الفن. وتصاعد إيقاع الأحداث في حياة الفرقة؛ عرضت الفرقة في الهناجر، وكان اللقاء بمحمد الوزيري عازف السمسمية الإسماعيلاّوي ذائع الصيت واتفاقه مع زكريا على محاولة تكرار تجربة الفرقة في الإسماعيلية. وفي أبريل تم اقتحام الوسط الفني والثقافي بالقاهرة بحفل ناجح في الأتيليه. وكانت آلة الطنبورة قد أُشركت في مارس من العام نفسه لأول مرة بعد توليفها عربيا وزيادة الأوتار من 5 لـ7 وتبديل الحوي بمفاتيح، وعزف عليها محمد الشناوي (الذي كان قد عاد من ليبيا ونفذ ما عليه من أحكام)، ثم العربي جاكومو وهو في الأصل عازف الطنبورة (السنجق) في الزار السوداني. وتغير اسم الفرقة إلى ما عرفت به منذ ذلك الوقت؛ فرقة الطنبورة. وأحيت الفرقة عيد النصر، في الشارع لأول مرة، بمشاركة فنانين من السويس والإسماعيلية على رأسهم الوزيري. تبعه الاحتفال بشم النسيم في شارع أبو الحسن أيضا، تحت عنوان مهرجان السويس الشعبي الأول للسمسمية (ردا على مهرجان قصر الثقافة الذي تجاهلهم).
وفي تلك السنة المشحونة نفسها قررت فورد منحة مالية للفرقة. وانقلبت الأمور في صالح الطنبورة تماما؛ تمكنت من تأجير محترفين، ومن امتلاك بل وتطوير آلات، فجاء الحصري، وحلت كاسات وصاجات سامي عبد النبي محل ملاعق الطعام التقليدية (في 1995)، مع المثلث والطبلة والدهلة والرق (المشتركة من البداية)، ثم دخلت آلات النفخ ممثلة في منصور حسين على الكوَلة (في 1996). وأصبح أعضاء الفرقة فنانين محترفين ومحترمين بمرتبات ثابتة.
في 1996، تحول "عجل العربيات" فجأة إلى أجنحة طائرات!
كان حسن الجريتلي قد سعى لإقناع محمد المطالسي مدير معهد العالم العربي بباريس لدعوة الفرقة لمهرجان أنوار مصر، وسافرت الفرقة للخارج لأول مرة، واشتركت في المهرجان وقدمت حفلا نجح نجاحا كبيرا على جميع المستويات. سافر من الفرقة ومعها 15: زكريا، إمبابي، رجب، حمام، الجيزاوي، ميمي، مرسي لاشين، جمال عوض، جمال فرج، القصبي (صاحب الكافتيريا)، غانم، الشاذلي، الحصري، سامي عبد النبي، وإبراهيم نصر (شقيق حمام).
وفي العام التالي، انتقلت الفرقة لمقر آخر امتلكته تقريبا ببورفؤاد، وهو السادس والأخير في عمر الفرقة حتى الآن؛ كافتيريا النجمة. وأصبح هناك المزيد من "العجل " والأجنحة (عمّان وجرش وفلورنسا)، واللقاءات الصحفية بل والأفلام التسجيلية، وأولها فيلم لقناة ARTE الألمانية-الفرنسية من إخراج مصطفى الحسناوي، التونسي، الذي انبهر بالفرقة في باريس، و الفيلم قائم على مادة حفلة معهد العالم العربي وتصوير للفرقة بموطنها بورسعيد.
وأمام الطلب الكبير، ومجهود الفرقة المرهق ألغيت للأبد بروفات السبت (التي تحولت هي وبروفة الأربعاء لحفلتين فعليتين كل أسبوع). وعلى أية حال استمر يوم الأربعاء كلقاء أسبوعي منتظم بين أعضاء الفرقة وبينها وبين محبيها، مجانا. يتدفق المعجبون بدون تأكيد على حجز أو ميعاد، من القاهرة والأقاليم ومن خارج مصر، على تلك القهوة، ليستمتعوا بساعات متواصلة من الضمة والسمسمية والحظ في مواجهة شاطئ القناة، حتى مطلع الفجر، ولا يدفع الواحد منهم سوى ثمن ما يشرب، في انتظام جديد على الفرقة التي اضطربت أحوالها كثيرا، مما جعل أعضاء الفرقة يقولون أن حفلة الأربعاء أصبحت ’صلاة جمعة‘.
ولم تدخل الطنبورة الأوبرا قبل عامين، في 1999، وهو المكان الوحيد الذي تربح فيه ماديا من حفلاتها. ثم تعاقدت على حفل شهري مجانا للجمهور (أول خميس من كل شهر) في بيت الهرواي، مع صندوق التنمية الثقافية، وبتمويلها. وفي ذلك العام بأوروبا صدر أول تسجيل لموسيقى الفرقة على اسطوانة بعنوان Simsimiyya of Port Said من إنتاج معهد العالم العربي بباريس وتوزيع Harmonia Mundi وتحتوي على تسجيل لحفلة المعهد 1996 بباريس، بعد أن تعثر إنتاجها طول الوقت، وطرحت الاسطوانة للبيع على الإنترنت (في مواقع أهمها أمازون) بمتوسط 18 يورو، ما يعد دخولا للفرقة في عصر العولمة والإنترنت
تنسجم كل الروافد أخيرا وتتكون حالة الفرقة التي أعطتها طابعها المميز، وستؤدي الفرقة بعد حين أعمالا من تأليفها وتوزيعها، وستشترك مع فنانين وفرق أخرى في عروض تدمج بين الموسيقات والفنون المختلفة (مع الجاز الشرقي والفرنسي ومع رقص التنورة..إلخ)، ويتفاهم الفنانون أكثر ليصبح عرضهم حضرة وقعدة حظ ومسرحا شعبيا به الفرجة على الرقص والتمثيل والالتحام بالجمهور.
لم يلبث التعامل مع الحكومة أن كشف عن حقيقة موقفها مما آمن به زكريا وفنانوه الشعبيون. فقد كان الأمر أشبه بأن تكون موظفا أو متعاقدا على تقديم ’نمرة‘ أو ’أوردر‘. فتم إنهاء التعاقد مع وزارة الثقافة، بعد 14 شهرا و14 حفلة في بيت الهراوي، وتوقف الحفلات الشهرية المجانية في القاهرة.
ويتواصل تحقيق الطنبورة للانتصارات الفنية والجماهيرية، بالمزيد من الدعوات لمهرجانات في بلاد العالم، ويتأكد طابعها الاحترافي والعالمي في 2000 بحصولها على الجائزة الأولى أمام 8 فرق من القارات الخمس في مهرجان الأغنية والموسيقى الشعبية بماريفيل في مونتريال كندا. وفي إطار التخطيط لمركز يرعى فرقة الطنبورة وغيرها ويوثق ويجمع الموسيقى الشعبية المصرية، كان زكريا إبراهيم قد زار مركز تراما بالخرطوم في العام السابق، للاستفادة من تجربة مديره علي الضوي. وينجح الآن في افتتاح مركز المصطبة للفنون الشعبية المصرية، ليضمن الكثير من الاستقلال والإنتاج والتنظيم والتمويل الذاتي إلى جانب المنحة التي ساعدت الطنبورة والمركز أيضا. وفي العام نفسه قام المركز بتجميع فرقة في السويس بعد سنوات من الاستجابات الضعيفة. وبعد إلغاء محافظ بورسعيد لحفلات عيد النصر وشم النسيم (ويشهد الأخير طقس حرق اللنبي)، استمرت الطنبورة التي قويت شوكتها وشعبيتها، في إقامة الأول في الشارع والثاني في النجمة، بدون تصريح.
بدأ العمل الكبير لزكريا والفنانين من صناع السمسمية في غضون ذلك؛ فمع سمسمية الخمسة أوتار رسد المعروفة، صنعت سمسمية وأكثر بإمكانية لعب مقامات الصبا والحجاز والبياتي وسمسمية بعشرة أوتار لعزف جميع المقامات. لتصبح الفرقة ورشة على مستوى صناعة وتطوير الآلات نفسها، وتنتقل إلى نقطة أبعد كثيرا من مجرد الحفاظ على التراث.
في سبتمبر 2000 دخلت الطنبورة سوق الكاسيت (وهو تطور غريب بعد طرح اسطوانتها الأولى على الإنترنت) بألبوم نوح الحمام والذي يوزع محليا في مدن القنال وفي منافذ محدودة بالقاهرة (على رأسها مركز المصطبة نفسه)، ولكن الفرقة تعتمد على البيع المباشر في حفلاتها، وسيضاف لذلك ألبوم آخر صدر في 2004؛ أهوى قمر (على كاسيت واسطوانة هذه المرة). وكان رباعي السمسمية قد تم إنجازه فأقيم له عرض تجريبي في عيد ميلاد زكريا في 2002. وظهر بعدها ببضعة أسابيع للجمهور واكتسب الجو السمعي للفرقة ثراء دائما.
ثم كان 2004 هو العام الذي شهد أول حفل بالرباعي المزدوج double quartet المكون من كوارتيت السمسمية وكوراتيت الجندوه (وهي آلة مندثرة منذ نصف قرن من نفس العائلة، أعاد زكريا اكتشافها وأشرف على تطويرها على غرار ما حدث مع السمسمية والطنبورة). كما دخلت فيه الفرقة عصر الفضائيات بفيديو كليب "شفتوشي" (وإن كان لا يذاع تقريبا في أي محطة!).
رغم كل شيء قدمت الطنبورة مئات العروض داخل مصر: كل سبت وأربعاء (مع انقطاعات إجبارية) ثم كل أربعاء في مقار مختلفة ببورسعيد (في النجمة ببورفؤاد حاليا وبانتظام منذ سبع سنوات)، وسنويا في عيد النصر وشم النسيم (في الشارع وفي النجمة)، ثم أول خميس من كل شهر في بيت الهراوي فالتاون هاوس، وفي الأوبرا والهناجر ومعرض الكتاب والجيزويت وكايرو جاز كلوب والمركز الثقافي الفرنسي وقصر الغوري وبيت السحيمي ونقابة الصحفيين وزينب خاتون والمسرح القومي ومسرح الجمهورية وساقية الصاوي بالقاهرة الكبرى، وفي محافظات أخرى؛ البحيرة، الإسكندرية، دمياط، المنصورة، الإسماعيلية، السويس، الشرقية، الجيزة، الفيوم، المنيا، سوهاج، أسوان. ونحو عشرين حفلة خارج مصر؛ في عمّان وجرش وبيروت وفلورنسا والسويد ولندن وباريس ومونبلييه وكندا وسويسرا وباماكو.
وفي 2003 استعادت الفرقة لقاءها الشهري بجمهور القاهرة من خلال تعاقد مع Town House لإقامة حفل مجاني للجمهور أول خميس من كل شهر (بتمويل الفرقة). لكن هناك حدث دال، فقد أقامت الفرقة حفلتين مدفوعتين في مسرح الجمهورية وساقية الصاوي (ثمن التذكرة 10 جنيهات في الأخيرة)، وكان غياب الجمهور صادما؛ فقد رأى أنه يشاهد الطنبورة في التاون هاوس كل شهر وبالمجان فلماذا يدفع في حفلات أخرى؟ وبسبب هذا الموقف كان قرار الفرقة المحزن في 2004 بإلغاء الحفلات المجانية الشهرية بالقاهرة، ربما ليعرف الناس أنهم لا يأخذون فنا رخيصا، وأن "القفة أم ودنين يشيلوها اتنين"؛ فعلى الجمهور أن يدعم ما يحبه ويؤمن به.
والآن تسمع من يتحفظون صراحة على التمويل الأمريكي (المستقل والمدار جيدا) للفرقة، بينما لا يطرح أحد البدائل أو يتقدم بمبادرة لدعم هذه الفرقة التي تقدم فنها بالمجان تقريبا، ولم يترك أعضاؤها إلى الآن مهنهم وحرفهم البسيطة، ولا ينتقد أحد رعاية الوزارة لفرق مثل رضا والفرقة القومية للفنون الشعبية التي تقدم package يحاكي رقصات وموسيقى وغناء الشعب المصري، على حساب فرق من نوعية الطنبورة. كما أن أحدا من المتحفظين (المكتفين بالتحفظ في أفضل الأحوال) لا يشرح مخاوفه من رعاية فورد – التي لا يخفى أن الطنبورة تغني في ظل دعمها: "المصري الفدائي لطفي البربري / حارب ف الكويت الحلف العسكري / دخل عليهم بترلا / موت له منهم كام شلة (...)"!
لقد عانت الفرقة الأمرين من وزارة الثقافة، في الإمكانيات المقدمة لها والتقدير المادي لأعضائها والوقت المخصص لها في فعاليات الوزارة، ووصل تثبيط وزارة الثقافة لها إلى حد رفض مديرها العام بالإسماعيلية اشتراك الفرقة في مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية. وذلك كله فضلا عن غياب أي متابعة أو تغطية من قبل التلفزيون، بينما كانت الطنبورة تمثل مصر في الخارج وتصور لها الأفلام وتحصل على الجوائز. فمع إعلام رسمي موجه ومنحاز (وليته انحاز للأفضل)، ومع غياب إعلام مستقل، تظل كل نجاحات الطنبورة العالمية في حدود علم واهتمام أوساط النخبة الثقافية. ولا يزال عموم المصريين ’مُهجَّرين‘ من إرثهم الموسيقي
واخيرا نهاية ماكتبه احد اعضاء منتدى الكرامة عن فرقة الطنبورة البورسعيدية
نتعرف على بعض اعضائها
و نبدأ بالحاج زكريا ابراهيم
الاب الروحى للطنبورة
مفتش بمديرية تموين بورسعيد سابقا (ترك العمل في 1999، وظل قبلها في أجازة بدون مرتب لخمس سنوات لرعاية الفرقة). مدير مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية. حاصل على بكالوريوس الزراعة. بورسعيد، 15 أغسطس 1952
مؤسس وقائد فرقة الطنبورة، وراقص ومؤد بها، من الأدوار التي يشتهر بأدائها "صلي ع النبي". مارس فنون التراث أثناء التهجير منذ 1969 بعد الهجرة الثانية لمدن القناة، حيث انتقل مع أسرته للسنبلاوين والتحق بالمدرسة الثانوية، وأسهم في تأسيس فرقة سمسمية هناك.
في مطلع الألفية الثالثة، أسس زكريا بالتعاون مع آخرين وبدعم من مؤسسة فورد، مركز المصطبة (الذي يرعى فرقة الطنبورة وغيرها، كما يمد الجمهور والباحثين بمادة مهمة عن فنون هذه الفرق، وعن الموسيقى المصرية عموما، إضافة لنماذج الآلات التي تعزف عليها فرقه).
وهكذا ساهم زكريا بشكل أساسي في تكوين أو اكتشاف فرق شعبية أخرى، أهمها الرانجو والزار والبرامكة وحنة والصحبجية، والأخيرتان فرقتان شقيقتان للطنبورة في كل من السويس والإسماعيلية، بل وإعادة بعض الآلات للوجود وتطويرها، كالطنبورة والرانجو والجندوه. وقد قام زكريا أيضا بكتابة سيناريوهات وإخراج أفلام ونشر مقالات بحثية في مجال اهتمامه الكبير؛ وهو الموسيقى الشعبية المصرية.
محمد الشناوى
عازف سمسمية رئيسي (العازف الوحيد مع ميمي لفترة طويلة) و أول من عزف الطنبورة في الفرقة، ومشرف فني للفرقة سابقا. له دور أساسي في تجميع أول أعضاء الفرقة في المحاولة الأولى 1988، ولكن تنسب إليه إثارة الأزمة التي هددت بانهيار الفرقة نهائيا في 1994. طُرد من الفرقة. على علاقة بفن السمسمية منذ الخمسينيات وشارك في فرقة شباب النصر في السبعينيات.
يحفظ ويؤدي العديد من أدوار الضمة، وأشهرها "بدرٌ أَريد"، "كلُّ شيءٍ منك مقبولُ"، "الحمام المطوّق"، "بقَدّ الكدّ"، وأغاني السمسمية مثل "منين منين أجيبه"، وعازف مثلث. من مؤسسي الفرقة في المحاولة الأولى.
السيد عبده محمود الصعيدي (أبو عادل، السيد الجيزاوي)
بورسعيد، 21 سبتمبر 193
مكوجي
من أقدم صحبجية السمسمية، اشتهر كأحد أبرز المؤدين منذ الخمسينيات، من أشهر أدواره: "سبحان الخالق"، "العال يا ملانة"، "ليلة انسجام"، "غير أبو عادل مين أحلى"، والأغاني الوطنية مثل "بلدي يا بلد الفدائيين". وقد تم ضمه للفرقة بعد أن كان على فراش الموت، في النصف الثاني من التسعيناتمراجع بالهيئة القومية للتأمين والمعاشات انتقل من كورال في فرقة شباب النصر لينضم للطنبورة في بدايتها، يؤدي أغاني الضمة والسمسمية، وأشهرها "شفتوشي".
واسمه المكتوب بالمنتدى Wael Gaber Hassanien