المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد عبدالوهاب النهر الخالد


samirazek
30/05/2010, 21h46
محمد عبدالوهاب النهر الخالد


http://i44.tinypic.com/k9av0j.jpg



بقلم‏ ســنـاء البيـــسي

كانت وساطتي للحديث معه صديقا للطرفين هو الشاعر العذب فاروق جويدة من قال له تريد الجلوس إليك‏..‏
قال لتطلب مني ذلك بنفسها خلال سماعة التليفون‏..‏
تعجبت وأدرت رقمه وقلت آلووه يا أستاذ أنا في حاجة إلي لقائك‏..‏ فأجابني علي الفور غدا في الثامنة مساء‏..‏
ولم يدرك من حولي سر قفزاتي وتهليل سعادتي لحظتها‏,‏ لأن الموسيقار محمدعبدالوهاب كان يريد أولا أن يهضم صوتي المضطر إلي سماعه طوال حوارنا‏,‏ فإذا لم تخدش نبراتي طبلة أذنه الغالية فإنه سيجيز مروري إلي عالمه‏..‏

وهكذا وعلي رؤوس الشهود قال لي عبدالوهاب تعالي و‏..‏ بكرة‏..‏ وليس بعد بكرة ولا بعد بعده‏..‏ أي أن أحبالي الصوتية لا تحمل نشازا‏..‏ أي أنني اجتزت أشق امتحانات الشرق صعوبة وبتفوق مع مرتبة الشرف‏,‏ ولا تنسوا أبدا أنه بمجرد أن قلت الآلووه منحني موعدا لا يحصل عليه الملايين إلا بشق الأنفس‏..‏
وذهبت إلي الموسيقار صاحب الأسطوانة البلاتينية في موعدي بالضبط‏..‏ الثامنة مساء‏..‏ وكنت في الصباح قد التقيت بالكاتب الكبير توفيق الحكيم في مكتبه بالأهرام وأبلغته خبر حواري المزمع مع محسن بطل روايته رصاصة في القلب وذلك بمناسبة عيد ميلاده في‏13‏ مارس‏1910.
‏ فارتفعت ضحكة الحكيم المجلجلة معقبا‏:‏ يمكن محمد عبدالوهاب يكون مولود يوم‏13‏ وهذا شيء يخصه‏,‏ أما حكاية سنة عشرة هذه فانقلي إليه أن توفيق بيقولك يا محمد انت مولود معاه في سنة واحدة‏,‏ يعني قبل الهنا بأكثر من العشر سنوات التي قام سيادته بشطبها مدعيا أنه ساقط قيد وراح عند الدكتور يسننوه من تاني‏...‏ وطبعا لم أبلغ الموسيقار الكبير سوي سلام الكاتب الكبير‏..‏

محمد عبدالوهاب‏..‏ ابن عطفة الجداوي المبلطة بالحجر والنشع في الشعراني الجواني‏,‏ ربيب اللوحة الشعبية الناطقة بالزغاريد والعديد والصوات والآهات والنداءات وعيل تايه يا أولاد الحلال‏,‏ وسط زحام الخلق وبيوت الناس المتساندة علي آخر رمق قبل السقوط والردم وعربات الكبدة والسمين ودوامات التراب قبل ومن بعد أمشير والغسيل الناضح بالبوتاس وبنات بلد يخطرن بالخلخال العجب والملاية اللف وعيون كحيلة تبرق من تحت البراقع علي جانبي عروسة الأنف الذهب‏,‏ وصوت المؤذن في جامع الشعراني يصل للسمع صوفيا متماوجا خاشعا وصفيحة الماء بخمسة تعريفة ...
فالبيت ذو المطرحين وعفشة الميه بإيجاره الشهري أربعون قرشا لم يعرف الماء إلا بعد أن ينقله إليه الصغير الأريب النحيف الرهيب الألثغ عاشق الدندنة ومص القصب حاملا زاده من حنفية الميدان ليصل مسرعا يخب في قبقابه وقد غرق جلبابه‏...‏ وعلي نفس السرعة وعلي مدي ثلاثين عاما ظل النحيل يقطع المسافات والسدود والجبال والأهوال ليصل‏..‏ ووصل‏..‏

في لقائنا شربنا الشاي بالنعناع في كوب خمسينة صغير لا يسند جوانبه صنف من الحلوي داخل عجائنها أو أغلفتها‏,‏
وكان صاحب الجندول يتركني فجأة ليمارس رياضته اليومية بالمشي داخل الصالون ليخرج منه إلي الطرقة الطويلة ويعود لي من آخرها وعلي فمه العبارات تتباعد وتتقارب‏,‏ وقطع حديثنا مرات رنين تليفون المعجبات من أركان الخريطة العربية‏..‏

ولم تكن السيدة نهلة القدسي بالدار وإنما ظل إشعاع وجودها منعكسا علي جلستنا‏,‏ وكيف لا ورنين الترنك يأتي بصوتها مرات يسأل عن بيبي وصحته وكيف يمضي وقته‏..‏ ويهمس عبدالوهاب لها ثم يعود لنا ومازالت ملامحه هائمة في دنيا الود والوجد‏..‏ و‏..‏ كان الدكتور يومها منتشيا بوجود ضيفته الحسناء ذات العيون الزرق ( ميادة الحناوى) المقيمة في بيته والتي منحها اسمه ميادة عبدالوهاب وطيلة سهرتنا يطري لنا صوتها‏,‏ ويشرح لنا تفردها‏,‏ وينبئنا بحفل كبير يعلن فيه اكتشافه لها‏...‏
لكن ميادة لم يأت لها حفل فقد عادت إلي قواعدها في الشام بعدما سقط عنها الانتساب لعبدالوهاب وعادت إلي الحناوي ثانية لتشرق بعدها بكثير من جديد علي ألحان وكلمات بليغ و‏..‏ أنا بعشقك أنا كلي لك أنا عمري لك‏.‏

محمد عبدالوهاب دعامة لغتنا العربية الجميلة العازف بالفصحي علي أوتار الحنجرة الذهبية عندما تسلل بالقصيدة الفصحي لأفلامه السبعة من إخراج محمد كريم

فلمعت قصيدة بشارة الخوري الأخطل الصغير في أول أفلامه الوردة البيضاء عام‏1933‏ ليشدو‏:‏
يا حبيبي أكلما ضمنا في الهوي مكان ‏/‏ أشعلوا النار حولنا فغدونا لها دخان‏
‏ قل لمن لام في الهوي هكذا الحب قد أمر‏/‏ إن عشقنا فعذرنا أن في وجهنا نظر‏

وفي فيلم دموع الحب عام‏1935‏ غني لشوقي سهرت منه الليالي ولأحمد رامي أيها الراقدون تحت التراب‏,‏

ويأتي فيلم يحيا الحب عام‏1938‏ ليطربنا أعظم من غني لنا عندما يأتي المساء التي يحملنا فيها علي أنغام الهويني‏:‏
هل تري يا ليل أحظي منك بالعطف عليا‏/‏ فأغني وحبيبي والمني بين يديا‏

ويمنحه الخلد أمير الشعراء شوقي عندما يكتب له في يوم سعيد عام‏1940‏
سجي الليل حتي هاج بي الشعر
والصبا والجمال ملك يديك‏/‏ أي تاج أعز من تاجيك‏..‏
نصب الحسن عرشه فسألنا‏/‏ من تراها فدل عليك

ويستمر العقد الفريد بشعراء الفصحي ليغني عبدالوهاب في فيلم رصاصة في القلب قصيدة الطلاسم لإيليا أبوماضي‏:‏
جئت لا أعلم من أين لكني أتيت‏,‏ ولقد أبصرت أمامي طريقا فمشيت‏,‏ وسأبقي سائرا إن شئت هذا أم أبيت‏,‏ كيف جئت كيف؟‏!‏ لست أدري‏!!!,‏

وأمام نورالهدي وليلي فوزي في لست ملاكا يغني لكامل الشناوي قصيدته الخطايا‏:
‏ حطمتني مثلما حطمتها فهي مني وأنا منها شظايا‏

وينعكس سمو الكلمات علي وجه الريحاني في غزل البنات مع عاشق الروح فتنزلق الدمعة العبقرية التي أقنعها الغناء بأن عشق الجسد فان‏..‏

تلال من سؤال وسؤال‏,‏ وجواب كان أجدي من ذكر السؤال‏,‏ حيث قال وأجاب عبد الوهاب‏,‏ وكثيرا ما تركنا ليكمل رياضة المشي لألتف وحدي بثنيات سؤال بلا جواب‏..‏

في كل عصر أغير جلدي مثل الثعابين رغم أني لست ثعبانا‏,‏ فالعصور تختلف وعبد الوهاب باق‏,‏ وهو الذي غني فيك عشرة كوتشينة‏,‏ وهو الذي غني ياجارة الوادي‏,‏ وهو الذي غني الجندول‏,‏ وهو الذي غني النهر الخالد‏,‏

وربما يكون عيبا وميزة أنني لا أتوقف ولكني أعيش عصري مع احتفاظي بإحساسي المصري والعربي‏...‏
أرضاني لقب اللواء محمد عبدالوهاب مثلما يأتي شخص ليقول لك انت كويس تقوم ترد عليه كتر خيرك‏,‏ والرئيس السادات طلب مني لكي أعتاد علي لقب اللواء أن يبعثني إلي القشلاق لمدة‏3‏ أو‏4‏ أيام‏,‏ لكني ما إن سمعت كلمة قشلاق لم ألبس البدلة الميري إلا في التصوير فقط‏...‏
لست امتدادا لسيد درويش فالمقتضيات التي أوجدته غير التي أوجدتني‏,‏ والشيخ سيد لم يكن معلما لي ولكن كان ملهما‏...‏

الموسيقي الشرقية لم يكن بها فكر قبل سيد درويش فقد كانت عبارة عن صوت حلو وجلسة أنس بالليل وخلقة طعمة معاهم وناس تريد الانبساط‏,‏ ويتنكدوا ليه أو يسمعوا ما ينكد عليهم ليه‏..‏
حتي الكلام الحزين كان يقال بلحن مفرح وانبساط للآخر مثل‏:‏ زعلان ليه؟ أهو كده زعلان‏,‏ وتعلو الشعشعة وزعلان ليه؟‏!‏ كده كده زعلان‏.....‏
فيه نقل وفيه اقتباس وفيه التأثر‏,‏ فالنقل جزء أنقله وأضعه كما هو مثلما فعلت في‏:‏ كان عهدي عهدك في الهوي يا نعيش سوي يا نموت سوي‏,‏ وكان جزء من رواية عايدة لفيردي‏,‏ انبسطت منها قوي ونقلتها بالكامل‏,‏ أما الاقتباس فأن تقدم ما يمثل العمل الذي أعجبت به أو شبيها له وأنا لم أقتبس أبدا‏...‏
أهم حاجة عندي في رحلاتي علي المركب كرسي أمده علي السطح‏,‏ من وراء السور طبعا‏,أقعد عليه كل ما أكون فايق طول ما أنا مش في السرير‏,‏ ومافيش في الدنيا أحلي من السرحان في اللانهائية اللي هي تعبئة للفكر والخيال وانطلاقة في الأفق العريض‏,‏ والإنسان دايما يسرح في حاجتين البحر والنار ولما ييجي واحد يسألني سرحان في إيه؟‏!‏ أقول له ماأعرفش وحقيقي ما أعرفش‏!...
‏ كنت نحيلا في طفولتي حتي أنه قد صدرت شهادة بوفاتي وأنا في الثانية من عمري‏,‏ وأفقت وهم يغسلونني استعدادا للدفن‏,‏ وربما كانت تلك الشهادة سببا في وسوستي وخوفي البالغ علي صحتي‏...‏
وورثت الخوف الشديد أيضا من أمير الشعراء شوقي‏,‏ وربما الفنان جبان بطبعه‏,‏ ولكن شوقي كان خوافا جدا‏,‏ وكان يحرص عندما يمشي في الشارع أن يمشي أمامي وأنا أمشي خلفه‏,‏ ولعله كان يتصور أنني أقوم بحراسته بهذه الطريقة‏,‏

أو أنني أستطيع أن أحميه إذا جاء أحد من الخلف وأراد الاعتداء عليه‏,‏ وكان يخرج من بيته ويمشي وهو يزن كالنحلة‏,‏ فقد كان ينظم الشعر وهو يمشي‏,‏ ومن عادته عندما يصل إلي ميدان التحرير أن يدخل دورة المياه ثم يستأنف سيره في شارع سليمان باشا إلي نادي محمد علي‏,‏ وذات يوم مشينا في نفس الطريق‏,‏ فمشي من خلفنا شابان يتعقباننا فأسرعنا ليسرعا هما بالتالي من خلفنا‏,‏ وعندها جري شوقي وأنا أرمح من خلفه لكن الشابين لحقا بنا واعترضا طريقنا ليسألانا عن اسمينا فقلناهما لهما فنظر الأول للثاني قائلا‏:‏ مش قلت لك لا مؤاخذة و‏..‏ قرأنا في صحف الصباح أن البوليس قبض علي شابين يتربصان في شارع سليمان باشا لقتل عبدالخالق ثروت باشا‏!...‏
أولي زوجاتي كانت تكبرني بعشرين سنة‏,‏
أرملة واسعة الثراء دخلها لا يقل عن‏70‏ ألف جنيه وهو ما يساوي الملايين الآن‏,‏ تزوجتها في عام‏1930‏ وبقيت زوجة لي علي مدي‏12‏ عاما وكانت تقيم في قصر عظيم تدعو إليه الوزراء والأمراء وكبار الدولة‏,‏ وقد حرصنا أنا وهي علي أن يبقي أمر الزواج سرا حتي لا ينتزع أشقاء زوجها أولادها منها‏,‏ وكانت أنثي وأستاذة بمعني الكلمة وأيامها معي أسعد سنوات حياتي‏,‏ علمتني كيف أقتصد من أرباحي وأكون ثروة
(اشتري عبدالوهاب في عام‏1959‏ وقف طاهر باشا بميدان العتبة‏,‏ ودفع‏35‏ جنيها لكل متر) ــ وكيف أنتقي ملابسي وكيف أفتح صالونا في بيتي‏,‏ وكانت تسافر إلي أوروبا كل صيف وتأخذني معها إلي مدينة كارلسباد‏,‏ حيث ينابيع الشفاء المعدنية‏,‏ وقد أحببت فيها أمي وأختي وحبيبتي وصديقتي وزوجتي‏...‏

خطر علي بال شوقي أن يقول لي‏:‏ مرة يارب تموت يا محمد‏..‏ فانزعجت أسأله‏:‏ أعوذ بالله ليه؟‏!‏ فابتسم قائلا‏:‏ لأني سأنظم فيك قصيدة أمجدك فيها‏,‏ ولم يكتب شوقي لوفاتي‏,‏ وإنما كتب لي كي أعيش‏...‏
أؤمن بالكلمة ثانيا والنغمة أولا‏,‏ فالكلمة محلية والنغمة عالمية‏,‏ وقد يفاجئني خاطر أو معني أو فكرة فأعبر عنها باللحن ثم أعرض اللحن علي شاعر ليكسوه بالكلمات‏,‏ وفي كثير من الأحيان يصادف الشاعر توفيقا‏,‏ وفي أحيان قليلة يخونه التوفيق فتجيء بعض التعبيرات مسلوقة‏,‏ والعبرة في النهاية ليست في المسلوق والمستوي وإنما ببراعة الطباخ في إعداد الطعام وبراعة السفرجي في تقديمه‏,‏ وأحاول في ألحاني أن أقوم بدور الطباخ والسفرجي‏.‏


ونسرق عبدالوهاب من الإطالة للإيجاز ليسمعنا إجاباته الفالس والتانجو السريعة‏..‏

*‏ يقظتك صباحا؟‏!‏
‏-‏ أفتح عيني وأمد يدي إلي مفتاح الراديو‏.‏

*‏ تغادر السرير مباشرة؟
‏-‏ أتمطي فيه ما لا يقل عن ساعتين

*‏ في فترة التمطي؟
‏-‏ أشرب فنجان تيليو‏.‏

*‏ ندمت علي أخطائك؟
‏-‏ لا‏.‏

*‏ تكذب؟
‏-‏ للمجاملة‏.‏

*‏ أفضل الأصدقاء؟
‏-‏ من يراعي راحتي ويمدحني‏.‏

*‏ حيوانك المفضل؟
‏-‏ المعزة

*‏ تكتم أسرارك؟
‏-‏ لا‏.‏

*‏ وأسرار الآخرين؟
‏-‏ أكتمها‏.‏

*‏ مظهرك يعكس جمودك‏.‏
‏-‏ الإنسان جسد وروح والجسم هو الوعاء‏,‏ وأنا وعائي جامد وروحي متحركة‏.‏

*‏ أهدرت كرامتك في الأغاني؟
-‏ زي إيه‏.‏

*‏ الهوان وياك معزة‏..‏ مغالاة في الذل‏.‏
‏-‏ أنا لا أسميه ذلا بل ضعفا والضعف دليل الإنسانية‏.‏

*‏ أمك ثم أمك ثم أمك‏..‏ هكذا مشاعرك؟
‏-‏ أجمل فرصة عندما طلبت مني السيدة زينات الجداوي أن أقوم بتلحين أغنية لعيد الأم فكانت ست الحبايب اللحن الذي غنته فايزة أحمد‏..‏
كانت أمي تحب أن تسمعني وأنا أرتل القرآن أكثر من سماعي وأنا أغني للحب‏,‏ كانت أسعد لحظاتها حينما أجلس بجوارها علي السرير وأرقيها بالآيات القرآنية وأهمس في أذنها بكلام الله‏.‏ أمي لم تخرج في حياتها سوي ست أو ثماني مرات‏,‏ فالبيت الذي تدخله لا تخرج منه إلا إلي بيت آخر‏,‏

وأذكر أنها عاشت في بيت العباسية ولم تر الشارع لمدة عشر سنوات‏,‏ ثم انتقلت إلي بيت مصر الجديدة لتبقي فيه‏15‏ سنة لم تخرج منه إلا مرة إلي مستشفي هليوبوليس ثم عادت إليه‏,‏ وكلما حاولت أن آخذها للإقامة معي في بيتي بالزمالك كانت تفضل المكوث في بيتها‏...‏ كانت الحنان الكبير الذي يظللني في كل لحظة‏,‏ حتي بعد وفاتها عندما خرجت لتشييع جنازتها ظهرا مصمما علي إراحة جثمانها في نفس يوم وفاتها تبعا لأمنيتها‏,‏ ومشيت في ميدان الجامع والشمس تلفح رأسي خلف نعشها‏,‏ وفجأة توقف النعش وتراجع قليلا حتي أصبحت أسير في ظلاله‏,‏ واحتوتني أحضانها لآخر مرة فقد كانت تعلم أنني أتعب من الشمس‏.‏

*‏ والشيخ عبدالوهاب أبو عيسي والدك؟
‏-‏ نقل لي أمير الشعراء نبأ وفاته ونحن في فندق شاهين بمصيف عالية في لبنان ولم أستطع التغلب علي دموعي‏,‏ وكان أول شيء فكرت فيه هو إلغاء الحفل الغنائي في نفس الليلة في صالة شاهين‏,‏ وتم استدعاء المتعهد لنقل رغبتي في الإلغاء‏,‏ ولكي يسري أمير الشعراء عني اصطحبني لزيارة طه حسين الذي كان مقيما علي بعد مائة متر في فندق الجبيلي‏,‏ وعندما علم الدكتور طه بمصابي من شوقي التفت نحوي متسائلا‏:‏ وما العلاقة بين الغناء ووفاة الوالد؟ ورد شوقي‏:‏ علشان الراجل حزين‏..‏ فعاد طه حسين ليسأل‏:‏ وهل خلق الغناء للفرح فقط؟‏!‏ ثم التفت مستطردا‏:‏ لو لم تغن اليوم إذن متي تغني؟

لابد وأن تترجم حالتك النفسية اللي انت فيها النهاردة إلي غناء‏,‏ وليكن غناء حزينا مادامت مشاعرك حزينة‏..‏ وغنيت ليلتها من شعر شوقي شبكت قلبي يا عيني والليل بدموعه جاني وشاهدت الدموع في عيون المستمعين في صالة شاهين‏,‏
ولم يكن هذا هو اللقاء الوحيد بالدكتور طه فقد أصر علي الحضور إلي الإذاعة في عام‏1939‏ ليستمع إلي أدائي لقصيدة الجندول للشاعر علي محمود طه‏,‏ وصعد سلما من مائة درجة‏,‏ وبعد سماعه للموسيقي والغناء قال لي‏:‏ اليوم فقط أستطيع أن أقول ولد تلحين الكلمة العربية الفصحي‏,‏ وولد التعبير بدلا من التطريب‏.‏

وأتساءل وحدي عن السر في اختفاء بطلات أفلام محمد عبدالوهاب من بعد الوقوف كحبيبات بين يديه أمام الكاميرا؟‏!..‏ سميرة خلوصي اكتشاف المخرج محمد كريم التي لعبت دور البطولة في فيلم الوردة البيضاء عام‏1933‏ وكانت وقتها أصغر من‏16‏ سنة ولا تقدر المسئولية ورغم المجهود الجبار الذي بذله كريم معها لتبدو حزينة في بعض اللقطات فإنها كانت تجري وتضحك وتهرج فأوعز إلي سليمان نجيب وزكي رستم أن يشتركا معه في حملة شتيمة لها حيث أذهلها السباب من ناس كانوا يعاملونها بحنان فانقلبت سحنتها الضاحكة إلي عبوس ثم إجهاش بالبكاء ودارت الكاميرات لتسجل الحزن الحقيقي للبطلة التي اختفت تماما من عالم السينما من بعد الفيلم لزواجها من محمد توفيق رفعت باشا الذي تولي وزارة الحربية لعدة مرات‏,‏

وكانت البطلة الثانية التي اختفت من الإطار هي نجاة علي بطلة فيلم دموع الحب وذلك بزواجها من فؤاد الأطرش ولم تظهر بعدها سوي مرة واحدة في إحدي حفلات أضواء المدينة لتعود لعالم الظل‏,‏
وهناك سميحة سميح بطلة يوم سعيد اليونانية الأصل التي كانت تثير أعصاب محمد كريم باستهتارها وعدم محافظتها علي ملابس التمثيل فتجلس بها علي الأرض وتأكل البطيخ والمانجو‏,‏ وتهاجم البطلة الأخري إلهام حسين ــ زوجة أنور وجدي في ذلك الوقت ــ لأتفه الأسباب فكانت الأخري ترد عليها الصاع صاعين‏,‏ وانتحرت سميحة واختفت إلهام

وبعدها عرض فيلم ممنوع الحب بطولة رجاء عبده التي اعتزلت التمثيل بزواجها من أحد الأطباء‏,وكان الفيلم الأول من نوعه‏,‏ حيث عرض بمصاحبة عبدالوهاب نفسه عندما كان يضاف إلي ثمن التذكرة خمسة قروش في اليوم الذي يغني فيه علي المسرح بلحمه ودمه وليس في الشاشة فقط‏,‏ فتتوقف آلات العرض ليغني ياوابور قل لي وذلك علي مدي أكثر من ساعة بينما لا تستغرق الأغنية في الفيلم سوي ست دقائق فقط‏,

‏ أما عن فيلم رصاصة في القلب فإن بطلته راقية إبراهيم قد سافرت للعمل موظفة بالأمم المتحدة تاركة التمثيل إلي الأبد‏,‏

ومثلها نور الهدي التي أدارت ظهرها للشهرة والفن والشاشة والأغنية لتعيش حياة الظل في لبنان حتي وفاتها‏,‏ وكانت قد شاركت عبدالوهاب بطولة فيلم لست ملاكا الذي عرض في استوديو مصر في‏28‏ أكتوبر‏1946.‏

ورغم تعبير المفكر الاجتماعي جلال أمين في مؤلفه شخصيات لها تاريخ من أنه يحمل محمد عبدالوهاب في عظامه علي نحو يستحيل معه أن يخرجه منه‏,‏ بل لا يحب أن يفعل ذلك حتي لو استطاع‏,‏ إلا أنه يصف عبدالوهاب مع توفيق الحكيم بضعف في حسهما الوطني مع البعد عن الإحساس الفطري لجمهور المصريين في إنتاجهما خاصة منذ الأربعينيات‏,‏ فقد أنتج كل منهما ــ كما يقول أمين ــ في العشرينيات والثلاثينيات أشياء أكثر أصالة وأكثر صدقا وأوفي مضمونا وأقوي في الحس الوطني والاجتماعي‏,‏ فكتب توفيق الحكيم عودة الروح ويوميات نائب في الأرياف‏,‏ وغني عبدالوهاب أغاني ذات ألحان مصرية صميمة من نوع كلنا نحب القمر ومريت علي بيت الحبايب‏,‏

وكان كل منهما مرضيا عنه بصفة عامة في كل العهود وتمتعا خلالها بالتبجيل الواجب‏,‏ وكل منهما وقف إلي جانب عبدالناصر في حياته وانقلب عليه في الحدود الممكنة بعد وفاته‏,‏ وحظي كل منهما بأكبر قدر من التمجيد في عهد السادات‏,‏ فرفع السادات الحكيم إلي أعلي عليين‏,‏ ومنح عبدالوهاب الدكتوراه الفخرية وعضوية مجلس الشوري ورتبة اللواء‏,‏ وقد اتخذ كل منهما موقفا مهادنا من السلطة فيما يتعلق بمسألة الصلح مع إسرائيل‏,
‏ ورغم الانحسار النسبي لهما بين حرب السويس في عام‏1956‏ وهزيمة‏1967‏ التي كانت فيها موجة الحماسة الوطنية والثورة الاجتماعية علي أشدها في عالم الغناء ليصبح نجمه الساطع عبدالحليم حافظ‏,‏ وفي المسرح يوسف إدريس ونعمان عاشور وألفريد فرج إلا أنه ما أن استقر السادات علي أريكة الحكم وفتحت أبواب التغريب علي مصراعيها وهبت رياح الانفتاح‏,‏ حتي استرد عبدالوهاب والحكيم مجدهما السابق‏..‏ و‏...‏

ولأنني لا أحمل عبدالوهاب في عظامي فقط بل إنه يسري في دمي فقد بردت ناري التي أشعلتها قسوة هجوم أستاذنا جلال أمين علي محمد عبدالوهاب وتوفيق الحكيم عندما استعدت عنوان هجومه محمد عبدالوهاب رؤية من اليسار

إذن فهو لم يضعه في عينيه الاثنتين كما يفرض علينا فنه وتحق علينا منزلته وكما لابد له‏,‏ وإنما بص له لا مؤاخذة من الشمال‏,‏ ولا لا لا مش أنا اللي أبكي وأقول علشان خاطري وأنا وجميع شعب عبدالوهاب لنا حق معاك‏.
وإذا ما كان عبدالحليم حافظ قد نجح بصوته علي أن تأخذ ــ كما تقول ــ الأغنية الوطنية شكلها الحماسي العاطفي بعد أن حجب عبدالوهاب صوته عن الجماهير بمحض إرادته فيكفينا يا خي عظمته في أخي جاوز الظالمون المدي‏,‏
وأغنية أم كلثوم الثائرة علي باب مصر وخمسون نشيدا وأغنية وطنية لمصر تحية العلم‏,‏ وحب الوطن‏,‏ ونشيد الحرية وكذلك لمعظم البلاد العربية الإمارات والكويت والسعودية والسودان والمغرب وسوريا وعمان وفلسطين ولبنان فكيف بالله نأخذ عليه أنه لم يعش لمصر ولحب مصر وأبناء مصر‏,‏ لقد غني عبدالوهاب لرفضه الهزيمة والارتفاع فوق النكسة وغني لساعة العمل الثوري و‏..‏ قدم الأناشيد الوطنية الجماعية التي يشارك فيها أكثر المغنيين والمغنيات قولوا لمصر تغني معانا فى عيد تحريرها ‏,‏ والجيل الصاعد‏,‏ والوطن الاكبر‏,‏ وصوت الجماهير‏..‏ وقدم لنا السلام الوطني‏!!!‏

كروان الشرق‏..‏
يا سماء الشرق طوفي بالضياء واذكري أيامه في كل سماء
ناقوس القلب يدق له ويذيب الصخر تنهده بيني في الحب وبينه ما لا يقدر واش يفسده ويا روضة من غير بلابل تشفي الفؤاد العليل
يا ورد عالغصن مايل عدمت زهره الجميل يا حلم لاح لعين الساهر وتهادي في خيال عابر وهفا بين سكون الخاطر يصل الماضي بـ‏.....‏ الحاضر
أيها الراقدون تحت التراب أبدا لم أسألك الرحيلا وما أنا مجنونة كي أوقف القضاء والقدر لكن الشمس طلعت نامت وصحيت وأنا اللي طول الليل سهران لوحدي بعد أن ألقي الليل للنور وشاحه وشكا الطل إلي الرمل جراحه‏..
‏ أي سر فيك يا من غنيت للعقاد قدك المياس فاستبد به الطرب لينشر مع الصباح التالي أشعاره عنك في جريدة البلاغ‏:‏

إيـه عبـدالوهـاب إنـك شــــــاد.........يطرب السمع والحجا والفؤادا
قــد سمعـــناك ليـلــة فعلمــنا...........كيف يهوي المعذبون السهادا
بارك الله في حيــاتك للفــن.............وأبـقــــاك للمــحــــبيــن زادا

ويطمئن أمير الشعراء أحمد شوقي الموسيقار سيد درويش بأن هناك خليفة له قاصدا محمد عبدالوهاب‏:‏

لقــد استخلفـت فنـا نابغــــا......دفــع الفـــــــن إليــه بالـلـــــــواء
إن فــــي مــلـك فــؤاد بلــبــلا....لم يتـــح أمــــثـالـه للخـلـفـــــــاء

ناحل كالكرة الصغري سريصـوته ........في كرة الأرض الفضاء
يستحـي أن يهـتف الفـن بــه ........وجــمال العبـقــريات الحــياء

المصدر:salbisy@alahram.org
سمير عبد الرازق

حسن كشك
31/05/2010, 10h21
جمع وطرح وقسمه
طيب فين الضرب؟؟؟

samirazek
31/05/2010, 10h50
هو احنا فينا من الضرب؟

مش كفاية درب المهابيل اللى معايشينا فيه فى مصر

جميل سلمان
01/06/2010, 12h05
بقلم‏ ســنـاء البيـــسي

ويمنحه الخلد أمير الشعراء شوقي عندما يكتب له في يوم سعيد عام‏1940‏
سجي الليل حتي هاج بي الشعر
والصبا والجمال ملك يديك‏/‏ أي تاج أعز من تاجيك‏..‏
نصب الحسن عرشه فسألنا‏/‏ من تراها فدل عليك


شكرا اخي سمير وبارك الله فيك على نقل هذا المقال..

الصحيح ان قصيدة الصبا والجمال كتبها الاخطل الصغير بشارة الخوري وليس أمير الشعراء أحمد شوقي وجل من لا يخطأ.

semsem687
03/07/2010, 12h03
اسمحلي اني اضع اغنية النهر الخالد كاملة بعد اذنك لاني كنت دايخ عليها كاملة بالموسيقي اللي في البداية

ايمن بكر
25/01/2013, 22h44
شكرا للجهد والامانه فى نقل الصوت