المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشوار عبد الوهاب وعبد الحليم


MUNIR MUNIRG
05/06/2009, 16h30
المشوار بين عبد الوهاب وعبد الحليم كيف بدأ وانتهى؟
قبل اليوم الذي أكتب فيه هذه الحلقة من “شارع النجوم” أمضيت عشر سهرات رمضانية في مختلف الفنادق والمطاعم في القاهرة، وفي كل سهرة، وحسب ما أصبح عادة الآن أنّ السهرة تمتد حتى السحور وأحياناً حتى مدفع الإمساك، وكان البرنامج الفني يتألّف من عشرة مطربين شبان على الأقل، بعضهم وصل إلى الشهرة، والبعض الآخر يأمل في الوصول إليها عن طريق الليالي الرمضانية!.
وفي كل سهرة رمضانية كانت هناك ظاهرة واحدة تتكرر في كل الأمكنة!.
يبدأ المطرب، أي مطرب، في الغناء ومعه فرقته الموسيقية التي ترافقه بعزف صاخب لا يتمكن معه المستمع من فهم الكلام الذي يغنّيه المطرب، ولا يستطيع أن يعرف إذا كان صوته جميلاً أم لا، ويروح يغنّي ويغنّي، والناس مشغولون عنه بالتحدث مع بعضهم، أو بتناول الطعام، وحتى عندما ينتهي من الأغنية فإن أحداً لا يصفّق له، فيضطر هو إلى طلب التصفيق، ويظل يردّد عبارات أصبحت متداولة بين جميع مطربي الجيل الجديد: “صفّقوا له” أو “زقفة كبيرة قوي” أو “صفّقوا معايا” أو “حنغنّي مع بعض”!.
ولكن الحال كله يتغيّر فجأة بمجرّد أن يغنّي المطرب، أي مطرب، أغنية ما للعندليب الراحل عبد الحليم حافظ، فإن الساهرين عندئذٍ يأخذون في الاستماع إليه، والتصفيق له والغناء معه لجمال صوته، أو حلاوة مظهره، أو نسبة الصخب في موسيقاه، وهكذا يتأكّد النجاح بالنسبة لجيل المطربين الشبان!.
وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور أيضاً، فإنني أعود من جديد إلى أوراقي القديمة لأستلهم منها بعض الذكريات عن العندليب الأسمر الراحل، وقد اقترب موعد ذكرى رحيله الذي كان في الثلاثين من شهر آذار “مارس” 1977، ولكي أقوم أيضاً بـ: “مسح” الأضرار التي أصيب بها الغناء العربي منذ رحيله، وأبرز هذه الأضرار هو ظهور هذا العدد الضخم من المطربين، ليس في مصر وحدها بل وفي العديد من الأقطار العربية، وهو ما لم يكن ممكناً أن يتحقّق، إلاّ للمطربين الذين يملكون حلاوة الصوت والأداء فعلاً!.
وتُذكّرني أوراقي القديمة بأنني سمعت بإسم عبد الحليم حافظ لأول مرة في عام 1952..
ان سيدة من قريبات الملياردير السوري الراحل أكرم العجة التقيت بها في سهرة بيروتية، قالت لي:
ـ هناك مطرب جديد في القاهرة اسمه عبد الحليم حافظ، سوف يلمع كثيراً، لأن عبد الوهاب سوف يحتضن موهبته..
وقلت لها بدهشة:
*ومن أين لك هذه المعلومات الفنية؟
فقالت:
ـ انني عدت أمس من القاهرة، وخلال وجودي هناك أقام “عمو” أكرم العجة سهرة غنّى فيها المطرب الجديد، وسمعه الموسيقار محمد عبد الوهاب لأول مرة..
وبعد أيام قليلة كنت في القاهرة، وزرت الموسيقار الكبير، وكان أول سؤال وجهته إليه هو:
*هل صحيح انك اكتشفت مطرباً جديداً اسمه عبد الحليم حافظ؟
ردّ الموسيقار:
ـ لا، ما حصلش، ولكنني سمعته في سهرة أقامها صديقي أكرم العجة في قصره في: “غاردن سيتي”، وكان صاحب الدعوة قد قال لي انه يريد أن يُسمعني مطرباً جديداً، فجاملته وحضرت السهرة واستمعت إليه..
سألته:
*وما رأيك به؟!
أجاب:
ـ هو شجي الصوت، ويتمتّع بميزة سوف تفتح أمامه أبواب النجاح..
قلت:
*وما هي هذه الميزة؟
قال الموسيقار محمد عبد الوهاب:
ـ ان عنده ثقة كبيرة بنفسه، لقد كنت أتوقّع أن يتهيّب الغناء أمامي، ولكنه احتضن عوده، وغنّى أمامي وهو هادئ الأعصاب، وحتى عندما غنّى إحدى أغنياتي، فإنه غنّاها بطريقته الخاصة وليس بطريقتي، وفضلاً عن ذلك فإنني لاحظت بأنه على قدر كبير من الذكاء والثقافة، بالرغم من أنه لم يؤتَ من العلم إلاّ قليلاً!.
قلت له:
*وهل سوف تكتشفه؟
فأجاب الموسيقار:
ـ انني فعلاً وقّعت معه عقداً على بطولة فيلم من إنتاجي..
قلت:
*إذاً، ستبدأ التلحين له!.
فأجاب:
ـ لا.. انني سأنتظر إلى أن يغنّي من ألحان غيري..
قلت له:
*ولكنّ لحناً منك قد يدفعه خطوات كبيرة إلى الأمام..
فابتسم الموسيقار وقال لي:
ـ انت عارف اني ما بحبش المغامرة، وأحب أن ألعب عالمضمون!.
وبعد هذا الحديث بيني وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب بأيام قليلة، تعرّفت بالصدفة على المطرب الجديد عبد الحليم حافظ في سهرة اجتماعية ذهب إليها مع صديقه الموسيقار كمال الطويل، وكان ما زال بعد في سن الشباب أيضاً!.
وتبادلت مع عبد الحليم حديثاً قصيراً، ونقلت إليه الكلام الذي سمعته عنه من الموسيقار محمد عبد الوهاب، ولأن الناس كانوا كثيرين حولنا، فإنه سألني:
ـ انت نازل فين؟
قلت:
*في فندق “كونتننتال” في ميدان الأوبرا!.
والبيت الذي كنّا نسهر فيه كان في شارع “رمسيس”، الذي كان اسمه سابقاً: “شارع الملكة نازلي”، فقال لي:
ـ إيه رأيك اننا نتمشى مع بعض حتى الفندق بعد السهرة ونتكلم..
ورحّبت بالفكرة!.
وفعلاً وبعدما انتهت السهرة عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ويومها لم تكن السهرات تطول إلى أكثر من هذا الوقت، تمشّيت مع عبد الحليم باتجاه الفندق، بعد أن رفض كمال الطويل فكرة المشي على الأقدام لأن المسافة في نظره كانت طويلة، وتركنا وذهب في سيارة زميله الموسيقار أحمد فؤاد حسن!.
وسألني عبد الحليم ونحن نتمشّى:
ـ هل لمست من عبد الوهاب أنه جاد في الرأي الذي قاله عني..
فأجبته:
*ألم يوقّع معك عقد بطولة لفيلم من إنتاجه!.
فقال:
ـ وهو قد حدّد لي أجراً قدره خمسمائة جنيه، ودفع منها مائة جنيه كعربون!.
قلت ضاحكاً:
*وهل تعتقد أن عبد الوهاب يمكن أن يغامر بدفع مائة جنيه في عملية غير مضمونة!.
فقال:
ـ لا، ولكن الذي جعلني لا أفرح بهذا العقد هو أنه لم يحدّد لي فيه موعد البدء بإنتاجه..
فقلت:
*ربما كان يريد أن يأخذ الوقت الكافي للتنفيذ..
وأطلق عبد الحليم ضحكة ذكية ثم قال لي:
ـ بالرغم من أن ظهوري في فيلم من إنتاج الموسيقار محمد عبد الوهاب هو بالنسبة لي حلم بعيد المنال، إلاّ أنني سأحاول أن تكون لي بداية سينمائية في فيلم آخر، فإن عبد الوهاب لا يغامر، انه غامر من قبل بتقديم المطرب جلال حرب في بطولة فيلم، وقدّم أيضاً إبن شقيقه سعد عبد الوهاب في بطولة عدّة أفلام، ولم يحقّق أي منهما النجاح الذي كان يتوقّعه عبد الوهاب..
ثم أضاف:
ـ وأنا عندما التقيت الأستاذ عبد الوهاب في سهرة صديقنا أكرم العجة، لم أطلب منه أن يلحّن لي أية أغنية، كما يفعل أي مطرب جديد يلتقي به، لأنني متأكد من أنه لن يلحّن لي إلاّ عندما أنجح، إنه أشبه بكاتب كبير لا يحب أن تنشر مقالاته إلاّ في جريدة منتشرة..
رئيس تحرير "الموعد" الراحل محمد بديع سربيه،