المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعراء العصر الجاهلى


عماد جمعة
24/11/2007, 22h32
حسان بن ثابت


نبذة من حياته


هو أبو الوليد حسان بن ثابت من قبيلة الخزرج التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز وأقامت في المدينة مع الأوس . ولد في المدينة قبل مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنحو ثماني سنين ، عاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين أخرى . شب في بيت وجاهة وشرف منصرفا إلى اللهو والشرب والغزل . فأبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي ، من سادة قومه وأشرافهم . وأمه " الفزيعة بنت خنيس بن لوزان بن عبدون " خزرجية مثل أبيه . وحسان بن ثابت ليس خزرجيا فحسب بل هو أيضا من بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فله به صلة وقرابة.
وكانت المدينة في الجاهلية ميدانا للنـزاع بين الأوس والخزرج ، تكثر فيها الخصومات والحروب ، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس ، وحسان بن ثابت شاعر الخزرج الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية ، فطارت له في البلاد العربية شهرة واسعة .
وقد اتصل حسان بن ثابت بالغساسنة ، يمدحهم بشعره ، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أعطيات بني غسان . فقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارف ظلالها . ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر ، فحل محل النابغة ، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان ، إلى أن عاد النابغة إلى ظل أبي قابوس النعمان ، فتركه حسان مكرها ، وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفة بالشعر المدحي وأساليبه ، ومعرفة بالشعر الهجائي ومذاهبه . ولقد كان أداؤه الفني في شعره يتميز بالتضخيم والتعظيم ، واشتمل على ألفاظ جزلة قوية .
وهكذا كان في تمام الأهبة للانتقال إلى ظل محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام ، والمناضلة دونه بسلاحي مدحه وهجائه .
لما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره ، هاجر إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فدخل في الإسلام . وراح من فوره يرد هجمات القرشيين اللسانية ، ويدافع عن محمد والإسلام ، ويهجو خصومهما . قال صلى الله عليه وسلم يوما للأنصار :
" ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟ " فقال حسان بن ثابت : أنا لها ، وأخذ بطرف لسانه ، وقال عليه السلام :
" والله ما يسرني به مِقْول بين بصرى وصنعاء "
ولم يكن حسان بن ثابت وحده هو الذي يرد غائلة المشركين من الشعراء ، بل كان يقف إلى جانبه عدد كبير من الشعراء الذين صح إسلامهم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على شعر حسان ، وكان يحثه على ذلك ويدعو له بمثل :" اللهم أيده بروح القدس" عطف عليه ، وقربه منه ، وقسم له من الغنائم والعطايا . إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان ، إنما كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب والأنساب . ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا . كان حسان بن ثابت لا يقوى قلبه على الحرب ، فاكتفى بالشعر ، ولم ينصر محمدا بسيفه ، ولم يشهد معركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غزوة .
مما لا شك فيه أن حسان بن ثابت كان يحظى بمنزلة رفيعة ، يجله الخلفاء الراشدون ويفرضون له في العطاء . في نفس الوقت ، فإننا لا نجد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه موقفا خاصا من الشعر ، ويبدو أن انشغاله بالفتوحات وحركة الردة لم تدع له وقتا يفرغ فيه لتوجيه الشعراء أو الاستماع إليهم . في حين نجد أن عمر رضي الله عنه يحب الشعر ، خاصة ما لم يكن فيه تكرار للفظ والمعنى . وقد روي عن كل من الخليفتين الراشدين عددا من الأبيات لسنا في صدد إيرادها .
يقول الدكتور محمد مصطفى سلام : لقد غلبت على أساليب حسان الشعرية الصبغة الإسلامية كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأحداثه والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين، كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف وسهولة المأخذ وواقعية الصورة وقرب الخيال، واكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية وذكر مآثرها وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين وبعض ما مدح به الرسول (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أو رثاهم به.
حادثة الإفك : يذهب بعض الرواة إلى أن حسان بن ثابت كان ممن خاض في حديث الإفك الكاذب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قبل إسلامه ، ونراه يعلن براءته من هذا القول الآثم بأشعار يمدحها بها مدحا رائعا مثل قوله :
حصان رزان ما تـزن بريبـة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عني قلته
فلا رفعت سوطى إلي أنامـل
ويظهر أن بعض المهاجرين وعلى رأسهم صفوان بن المعطل أثاروه في هذا الحادث ، حتى وجد وجدا شديدا فقال :
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضـة البلـد
وفاته
توفي حسان بن ثابت في المدينة المنورة سنه 54 للهجرة. قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي في النبوة وشاعر اليمانيين في الإسلام. وقال المبرد في الكامل: أعرق قوم في الشعراء آل حسان فإنهم يعدون ستةً في نسق كلهم شاعر وهم: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام.


عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ،
عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ، إلى عذراءَ منزلها خلاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَني الحَسْحَاسِ قَفْرٌ، تعفيها الروامسُ والسماءُ
وكانَتْ لا يَزَالُ بِهَا أنِيسٌ، خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
فدعْ هذا، ولكن منْ لطيفٍ، يُؤرّقُني إذا ذَهَبَ العِشاءُ
لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ، فليسَ لقلبهِ منها شفاءُ
كَأَنَّ خَبيأَةٍ مِن بَيتِ رَأسٍ يَكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وَماءُ
عَلى أنْيَابهَا، أوْ طَعْمَ غَضٍّ منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ
إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوماً، فَهُنّ لِطَيّبِ الرَاحِ الفِدَاءُ
نُوَلّيَها المَلامَة َ، إنْ ألِمْنَا، إذا ما كانَ مغثٌ أوْ لحاءُ
ونشربها فتتركنا ملوكاً، وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ
عَدِمْنَا خَيْلَنا، إنْ لم تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ، مَوْعِدُها كَدَاءُ
يُبَارِينَ الأعِنّة َ مُصْعِدَاتٍ، عَلَى أكْتافِهَا الأسَلُ الظِّماءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ، تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا، وكانَ الفَتْحُ، وانْكَشَفَ الغِطاءُ
وإلا، فاصبروا لجلادِ يومٍ، يعزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ
وَجِبْرِيلٌ أمِينُ اللَّهِ فِينَا، وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْداً يقولُ الحقَّ إنْ نفعَ البلاءُ
شَهِدْتُ بِهِ، فَقُومُوا صَدِّقُوهُ! فقلتمْ: لا نقومُ ولا نشاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسّرْتُ جُنْداً، همُ الأنصارُ، عرضتها اللقاءُ
لنا في كلّ يومٍ منْ معدٍّ سِبابٌ، أوْ قِتَالٌ، أوْ هِجاءُ
فنحكمُ بالقوافي منْ هجانا، ونضربُ حينَ تختلطُ الدماءُ
ألا أبلغْ أبا سفيانَ عني، فأنتَ مجوفٌ نخبٌ هواءُ
وأن سيوفنا تركتك عبدا وعبد الدار سادتها الإماء
كَأنّ سَبِيئَة ً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ، تُعفيِّها الرّوَامِسُ والسّمَاءُ
هجوتَ محمداً، فأجبتُ عنهُ، وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ، فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هجوتَ مباركاً، براً، حنيفاً، أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ، ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ
فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ
فإما تثقفنّ بنو لؤيٍ جُذَيْمَة َ، إنّ قَتْلَهُمُ شِفَاءُ
أولئكَ معشرٌ نصروا علينا، ففي أظفارنا منهمْ دماءُ
وَحِلْفُ الحارِثِ بْن أبي ضِرَارٍ، وَحِلْفُ قُرَيْظَة ٍ مِنّا بَرَاءُ
لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ، وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الّدلاءُ


هلْ رسمُ دارسة ِ المقامِ، يبابِ

هلْ رسمُ دارسة ِ المقامِ، يبابِ متكلكٌ لمسائلٍ بجوابِ
ولَقَدْ رَأيْتُ بِهَا الحُلولَ يَزِينُهُمْ بِيضُ الوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الأحْسَابِ
فدعِ الديارَ وذكرَ كلّ خريدة ٍ بَيْضَاءَ، آنِسَة ِ الحدِيثِ، كَعَابِ
واشْكُ الهُمُومَ إلى الإلهِ وَمَا تَرَى مِنْ مَعْشَرٍ مُتَألَبِينَ غِضَابِ
أمُّوا بِغَزْوِهِمِ الرّسُولَ، وألّبُوا أهْلَ القُرَى ، وَبَوَادِيَ الأعْرَابِ
جَيْشٌ، عُيَيْنَة ُ وَابنُ حَرْبٍ فيهِم، متخمطينَ بحلبة ِ الأحزابِ
حتّى إذا وَرَدُوا المَدينة َ وارتَجَوْا قَتْلَ النّبيّ وَمَغْنَمَ الأسْلابِ
وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بأيْدِهِمْ، ردوا بغيظهمِ على الأعقابِ
بهُبُوبِ مُعصِفَة ٍ تُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ، وجنودِ ربكَ سيدِ الأربابِ
وكفى الإلهُ المؤمنينَ قتالهمْ وَأثَابَهُمْ في الأجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ
مِنْ بَعدِ ما قَنَطوا، فَفَرّجَ عَنهُمُ تنزيلُ نصّ مليكنا الوهابِ
وَأقَرَّ عَيْنَ مُحَمّدٍ وَصِحابِهِ، وأذلَّ كلَّ مكذبٍ مرتابِ
مُسْتَشْعِرٍ لِلْكُفْرِ دونَ ثِيابِهِ، والكفرُ ليسَ بطاهرِ الأثوابِ
عَلِقَ الشّقَاءُ بِقَلْبِهِ، فَأرَانَهُ في الكُفْرِ آخِرَ هذِهِ الأحْقَاب


عرفتَ ديارَ زينبَ بالكثيبِ

عرفتَ ديارَ زينبَ بالكثيبِ كخطّ الوحيِ في الرقّ القشيبِ
تعاورها الرياحُ وكلُّ جونٍ مِنَ الوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ
فأمْسَى رَسْمُها خَلَقاً، وأمْسَتْ يَبَاباً بَعْدَ سَاكِنِها الحَبيبِ
فَدَعْ عَنكَ التذكّرَ كلَّ يومٍ، وَرُدَّ حَرارة َ الصّدْرِ الكَئيبِ
وَخَبّرْ بالّذي لا عَيْبَ فيهِ، بصدقٍ، غيرِ إخبارِ الكذوبِ
بمَا صَنَعَ المَلِيكُ غَدَاة َ بَدْرٍ لنا في المشركينَ منَ النصيبِ
غداة َ كأنّ جمعهمُ حراءٌ بَدَتْ أرْكَانُهُ جِنْحَ الغُرُوبِ
فَوَافَيْنَاهُمُ مِنّا بِجَمْعٍ كَأُسْدِ الغابِ: مُرْدانٍ وَشِيبِ
أمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ آزَرُوهُ عَلى الأعْدَاءِ في لَفْحِ الحُروبِ
بأيديهمْ صوارمُ مرهفاتٌ وكلُّ مجربٍ خاظي الكعوبِ
بنو الأوسِ الغطارفُ آزرتها بَنُو النّجّارِ في الدّين الصّلِيبِ
فغادرنا أبا جهلٍ صريعاً وعتبة َ قدْ تركنا بالجبوبِ
وشيبة َ قدْ تركنا في رجالٍ ذوي حسبٍ، إذا نسبوا، نسيبِ
يناديهمْ رسولُ اللهِ، لما قذفناهمْ كباكبَ في القليبِ
ألمْ تَجِدُو حديثي كانَ حَقَّاً، وأمرُ اللهِ يأخذُ بالقلوبِ
فَما نَطَقُوا، ولَو نَطَقوا لَقالوا: صَدَقْتَ وكُنْتَ ذا رَأيٍ مُصِيبِ


تطاولَ بالجمانِ ليلي فلمْ تكنْ

تطاولَ بالجمانِ ليلي فلمْ تكنْ تهمُّ هوادي نجمهِ أن تصوبا
أبيتُ أراعيها كأنيموكلٌ بها لا أُريدُ النّوْمَ حَتّى تَغَيّبَا
إذا غارَ منها كوكبٌ بعدَ كوكبٍ تُرَاقِبُ عَيْني آخِرَ اللَّيلِ كَوْكبا
غَوَائِرُ تَتْرَى من نجُومٍ تَخَالُها مَعَ الصّبْحِ تَتْلُوها زَوَاحِفَ لُغَّبا
أخَافُ مُفَاجَاة َ الفِرَاقِ بِبَغْتَة ٍ، وصرفَ النوى من أن تشتّ وتشعبا
وأيقنتُ لما قوضَ الحيُّ خيمهمْ بِرَوْعاتِ بَيْنٍ تَترُك الرّأسَ أشْيَبَا
وَأسْمَعَكَ الدّاعي الفَصِيحُ بفُرْقَة ٍ، وقدْ جَنَحَتْ شمسُ النّهارِ لِتَغْرُبا
وَبيّنَ في صَوْتِ الغُرَابِ اغتِرَابُهُمْ، عَشِيّة َ أوْفَى غُصْنَ بانٍ، فَطَرّبَا
وَفي الطّيرِ بالعَلْيَاءِ إذ عَرَضَتْ لَنَا، وَمَا الطّيرُ إلاّ أن تَمُرّ وَتَنْعَبَا
وكِدتُ غَداة َ البعينِ يَغْلِبُني الهوَى ، أُعَالِجُ نَفْسي أنْ أقُومَ فأرْكَبَا
وكيفَ ولا ينسى التصابيَ بعدما تجاوَزَ رَأسَ الأرْبَعينَ وَجَرّبَا
وقدْ بَانَ ما يأتي من الأمرِ، واكْتَسَتْ مَفَارِقُهُ لَوْناً مِنَ الشّيْبِ مُغْرَبا
أتجمعُ شوقاً إن تراختْ بها النوى وصداً، إذا ما أسقبتْ، وتجنبا
إذا أنبتّ أسبابُ الهوى ، وتصدعتْ عَصَا البَينِ لم تسطِعْ لِشعثَاءَ مَطْلَبا
وكيْفَ تَصَدّي المرْءِ ذي اللبّ للصِّبَا، وَلَيْسَ بمَعْذُورٍ، إذا ما تَطَرَّبَا
أطيلُ اجتناباً عنهمُ، غيرَ بغضة ٍ وَلكِنّ بُقْيَا رَهْبَة ٍ وَتَصَحُّبَا
ألا لا أرَى جاراً يُعلِّلُ نَفْسَهُ مطاعاً، ولا جاراً لشعثاءَ معتبا


قَدْ تَعَفّى بَعْدَنا عاذِبُ قَدْ تَعَفّى بَعْدَنا عاذِبُ مَا بهِ بَادَ وَلا قَارِبُ
غَيّرَتْهُ الرّيحُ تَسْفي بِهِ، وَهَزيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ
وَلَقَدْ كانَتْ تَكُونُ بِهِ طفلة ٌ،ممكورة ٌ، كاعبُ
وَكّلَتْ قَلبي بِذِكْرَتِهَا، فالهوى لي فادحٌ، غالبُ
ليسَ لي منها مؤاسٍ، ولا بُدَّ ممّا يَجْلُبُ الجالِبُ
وكأنّي، حينَ أذْكُرُهَا، مِنْ حُمَيّا قَهْوَة ٍ شَارِبُ
أكَعَهْدي هَضْبُ ذي نَفَرٍ، فَلِوَى الأعْرَافِ، فالضّارِبُ
فَلِوَى الخُرْبَة ِ، إذْ أهْلُنَا، كلَّ ممسى ً، سامرٌ، لاعبُ
فابْكِ ما شِئْتَ على ما انْقَضَى ، كلُّ وصلٍ منقضٍ ذاهبُ
لَوْ يَرُدّ الدّمْعُ شَيْئاً لَقَدُ ردّ شيئاً دمعكَ الساكبُ
لم تكنْ سعدى لتنصفني قلما ينصفني الصاحبُ
كأخٍ لي لا أعاتبهُ وبما يستكثرُ العاتبُ
حَدّثَ الشّاهِدُ مِنْ قَوْلِهِ بالذي يخفي لنا الغائبُ
وَبَدَتْ مِنْهُ مُزَمَّلَة ٌ، حلمهُ في غيها ذاهبُ

يوسف أبوسالم
25/11/2007, 02h10
أخي عماد جمعة
صباح الخير

شكرا لك على هذا المجهود الكبير لإبراز شعراء
العصر الجاهلي...
ولكن لي بعض الملاحظات أرجو أن تتقبلها استكمالا للفائدة
1- النبذة عن حياة حسان بن ثايت ..قصيرة جدا
ولا تغطي كثيرا من حياة هذا الشاعر
2- القصائد المرفقة ..
حبذا لوتم ذكر بعض الإضاءات على كل قصيدة مثل ..
المناسبة التي قيلت فيها
الظروف المحيطة بها
في أي مرحلة من مراحل حياة الشاعر قيلت
3- تم ذكر بعض المراجع في النبذه عن حياة الشاعر
لكن لم تذكر من أي مصدر جاءت هذه القصائد

4- قصيدة عرفتَ ديارَ زينبَ بالكثيبِ

أمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ آزَرُوهُ عَلى الأعْدَاءِ في لَفْحِ الحُروبِ
بأيديهمْ صوارمُ مرهفاتٌ وكلُّ مجربٍ خاظي الكعوبِ
بنو الأوسِ الغطارفُ آزرتها بَنُو النّجّارِ في الدّين الصّلِيبِ
فغادرنا أبا جهلٍ صريعاً وعتبة َ قدْ تركنا بالجبوبِ
وشيبة َ قدْ تركنا في رجالٍ ذوي حسبٍ، إذا نسبوا، نسيبِ
يناديهمْ رسولُ اللهِ، لما قذفناهمْ كباكبَ في القليبِ
ألمْ تَجِدُو حديثي كانَ حَقَّاً، وأمرُ اللهِ يأخذُ بالقلوبِ
فَما نَطَقُوا، ولَو نَطَقوا لَقالوا: صَدَقْتَ وكُنْتَ ذا رَأيٍ مُصِيبِ

من الواضح أن هذه القصيدة قيلت في العصر الإسلامي
لأن فيها ذكر للرسول ومقتل أبي جهل ..
وبذلك فأنت تتحدث هنا عن العصر الإسلامي وشعرائه
وليس عن حسان بن ثابت ..الجاهلي
أي أن هذه القصيدة ما كان يجب أن توضع ضمن أعمال
شعراء العصر الجاهلي بل الإسلامي
وتحياتي

مصطفى جابر
24/02/2008, 22h04
السلام عليكم باذن الله ساااشارك بموضوع جديد وهوعن الشعر الجاهلى وكا ن رائد لهذا الشعر الاعشى هو ميمون بن قيس كان أعمى جاهلياً قديماً أدرك الإسلام فخرج يريد الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية قيل أن أبو سفيان لقيه فسأله عن وجهه الذي يريد فقال أريد محمد فقال له أبو سفيان أنه يحرم عليك الخمر والزنا والقمار فقال: أما الزنا فقد تركني ولم أتركه ، وأما الخمر فقد قضيت منها وطراً وأما القمار فلعلي أصيب منها خلفاً قال : أبو سفيان فهل لك إلى خير : قال : ما هو ؟ بيننا وبينه هدنة فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء فأن ظهر ظهر بعد ذلك أتيته ، وأن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضاً فجمت له قريش مائة ناقة حمرا فانصرف فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فقتله . وكان يسمى صناجة العرب لأنه ذكر الصَّنج في شعره إذ شبه العود بالصنج ، وقد كثرة الألفاظ الفارسية في شعره لما كان يفد على ملوك فارس :emrose:

سمعجى
25/02/2008, 01h10
[SIZE="4"][COLOR="Purple"]الأعشى بن قيس
(... - 7 هـ = ... - 628 م)

هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضُبيعة، من بني قيس بن ثعلبة، وصولاً إلى علي بن بكر بن وائل، وانتهاء إلى ربيعة بن نزار. يعرف بأعشى قيس، ويكنّى بأبي بصير، ويقال له أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير. عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة، وفيها داره وبها قبره.

من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره. غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه. كان يغني بشعره فلقب بصنّاجة العرب، اعتبره أبو الفرج الأصفهاني، كما يقول التبريزي: أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وذهب إلى أنّه تقدّم على سائرهم، ثم استدرك ليقول: ليس ذلك بمُجْمَع عليه لا فيه ولا في غيره.

أما حرص المؤرخين على قولهم: أعشى بني قيس، فمردّه عدم اقتصار هذا اللقب عليه دون سواه من الجاهليين والإسلاميين، إذ أحاط هؤلاء الدارسون، وعلى رأسهم الآمدي في المؤتلف والمختلف، بعدد ملحوظ منهم، لقّبوا جميعاً بالأعشى، لعل أبرزهم بعد شاعرنا- أعشى باهلة، عامر ابن الحارث بن رباح، وأعشى بكر بن وائل، وأعشى بني ثعلبة، ربيعة بن يحيى، وأعشى بني ربيعة، عبد الله بن خارجة، وأعشى همدان، وأعشى بني سليم.

وأبوه قيس بن جندل هو الذي سمّي بقتيل الجوع، سمّاه بذلك الشاعر جهنّام في معرض التهاجي فقال:
أبوك قتيلُ الجوع قيس بن جندلٍ- وخالُك عبدٌ من خُماعة راضعُ
وتفسير ذلك أن قيساً لجأ إلى غار في يوم شديد الحرارة فوقعت صخرة كبيرة سدّت عليه مدخل ذلك الغار فمات جوعاً.
يفهم من قول ابن قتيبة: وكان ميمون بن قيس- أعمى، أن لقبه كما يرى- إنّما لحقه بسبب ذهاب بصره، ولعلّ الذين كنّوه بأبي بصير، فعلوا ذلك تفاؤلاً أو تلطفاً، أو إعجاباً ببصيرته القوية، ولذا ربطوا بين هذا الواقع الأليم وبين كنيته "أبي بصير" لكنّ آخرين لم يذهبوا هذا المذهب والعشى في نظرهم تبعاً لدلالته اللغوية ليس ذهاب البصر بل ضعفه، فلئن كان الأعشى لا يبصر ليلاً فلا شيء يحول دون أن يكون سليم البصر نهاراً. ومن هذه الزاوية اللغوية على الأرجح كنّي الأعشى بأبي بصير بباعث الثناء على توقّد بصيرته، وتعويضاً يبعث على الرضا في مقابل سوء بصر، ولعلّ ما جاء في شعر الأعشى حين طلبت إليه ابنته- كما قال في بعض قصائده- البقاء إلى جانبها لتجد بقربه الأمن والسلام ولتطمئن عليه بالكفّ عن الترحال وتحمل مصاعب السفر والتجوال- هو الأقرب إلى تصوير واقعه وحقيقة بصره، فهو يصف ما حلّ به في أواخر حياته من الضعف بعد أن ولّى شبابه وذهب بصره أو كاد وبات بحاجة إلى من يقوده ويريه طريقه، وإلى عصاه يتوكأ عليها، هكذا يصف نفسه فيقول:

رأتْ رجُلاً غائب الوافدي- ن مُخلِف الخَلْق أعشى ضَريراً
وأما تفسير لقب الأعشى الآخر- أي: "صنّاجة العرب"- فمختلف فيه هو الآخر، فقد سمّي- كذلك- لأنه أول من ذكر الصّنج في شعره، إذ قال:

ومُستجيبٍ لصوتِ الصَّنْج تَسَمعُهُ- إذا تُرَجِّع فيه القينةُ الفُضلُ
لكن أبا الفرج أورد تعليلاً مخالفاً حين نقل عن أبي عبيدة قوله: وكان الأعشى غنّى في شعره، فكانت العرب تسميه صنّاجة العرب. وإلى مثل هذا أشار حمّاد الرواية حين سأله أبو جعفر المنصور عن أشعر النّاس، فقال "نعم ذلك الأعشى صنّاجها".

وموطن الأعشى هو بلدة منفوحة في ديار القبائل البكرية التي تمتد من البحرين حتى حدود العراق. التي نشأ فيها أبو بصير شاعر بني قيس بن ثعلبة. وكانت دياره أرضاً طيبة موفورة الماء والمرعى بغلالها وثمار نخيلها. ولئن كان الأعشى قد رأى الحياة في بلدته منفوحة وأقام فيها فترة أولى هي فترة النشأة والفتوّة، فالراجح أنّه بعد أن تتلمذ لخاله الشاعر المسيّب بن علس، خرج إثر ذلك إلى محيطه القريب والبعيد فنال شهرة واكتسب منزلة عالية بفضل شاعريته الفذّة في المديح بخاصة والاعتداد بقومه البكريين بعامّة. فاتصل بكبار القوم، وكان من ممدوحيه عدد من ملوك الفرس وأمراء الغساسنة من آل جفنة وأشراف اليمن وسادة نجران واليمامة. ومن أبرز الذين تعدّدت فيهم قصائده قيس بن معد يكرب وسلامة ذي فائش وهوذة بن علي الحنفي.

ولقد بات الأعشى بحافز من مثله الأعلى في الّلذة التي تجسّدت في الخمرة والمرأة، في طليعة الشعراء الذين وظّفوا الشعر في انتجاع مواطن الكرم يتكسب المال بالمدح، ويستمطر عطاء النبلاء، والسادة بآيات التعظيم والإطراء حتى قيل عنه، كما أورد صاحب الأغاني: " الأعشى أوّل من سال بشعره" لكنّ هذا الحكم لا يخلو من تعريض تكمن وراءه أسباب شتّى من الحسد وسطحية الرأي وربما العصبيّة القبليّة. إن الأعشى نفسه لم ينكر سعيه إلى المال، ولكنّه كان دائماً حريصاً على تعليل هذا المسعى والدافع إليه، فلم يجد في جعل الثناء قنطرة إلى الرخاء والاستمتاع بالتكسّب عاراً فهوعنده جنى إعجابٍ وسيرورة شعر. وفي مثل هذا الاتجاه يقول لابنته مبرّراً مسعاه إلى الثروة، رافضاً الثّواء على الفقر والحرمان:

وقد طُفتُ للمالِ آفاقَهُ- عُمانَ فحِمص فأورى شِلمْ
أتيتُ النّجاشيَّ في أرضه- وأرضَ النَّبيط، وأرضَ العجمْ
فنجران، فالسَّروَ من حِمْيرٍ- فأيَّ مرامٍ له لم أَرُمْ
ومن بعدِ ذاك إلى حضرموت- ت، فأوفيت همّي وحينا أَهُمْ
ألمْ تري الحَضْرَ إذ أهلُه- بنَعُمى- وهل خالدٌ من نَعِمْ

كان الأعشى بحاجة دائمة إلى المال حتى ينهض بتبعات أسفاره الطويلة ويفي برغباته ومتطلباته فراح بلاد العرب قاصداً الملوك.. يمدحهم ويكسب عطاءهم. ولم يكن يجتمع إليه قدر من المال حتى يستنزفه في لذّته.. ثم يعاود الرحلة في سبيل الحصول على مال جديد، ينفقه في لذّة جديدة.

هذا هو الغرض من استدرار العطاء بعبارة الثناء، فكسبه النوال إنما كان لتلك الخصال التي عدّدنا، ولم يكن الأعشى في حياته إلا باذلاً للمال، سخيّاً على نفسه وذويه وصحبه من النّدامى ورفاقه في مجالس الشراب، فلا يجد غضاضة أن يحيط ممدوحه بسيرته هذه كقوله مادحاً قيس بن معد يكرب:

فجِئتُكَ مُرتاداً ما خبّروا- ولولا الذي خبّروا لم تَرَنْ
فلا تحرِمنّي نداكَ الجزيل- فإنّي أُمرؤ قَبْلكُمْ لم أُهَنْ

بحكم ما تقدّم من فعل النشأة وتكوين العرى الأولى في شخصيّة الأعشى تطالعنا في ثنايا ديوانه، وبالدرس والتحليل والاستنتاج جوانب غنيّة من عالم الشاعر نكتفي منها بلُمع نتلمس مصادرها في قصائده ومواقفه وردّات أفعاله وانفعالاته. وفي قمة ما يمور به عالمه النفسي والفكري اعتقادٌ أملاه الواقع بعبثية الحياة، وتداخل مهازلها بصلب طبيعتها التي لا تني في تشكيلها وتبدّلها بصور شتى لا تغيّر من جوهرها المرتكز على ظاهرة التلوّن وعدم الثبات والزوال. وقد ضمّن الأعشى شعره هذه التأمّلات وهو يصف الموت الذي يطوي الملوك والحصون والأمم والشعوب كمثل قوله في مطلع مدحه المحلّق:

أرقتُ وما هذا السُّهادُ المؤرّقُ- وما بي من سقم وما بي مَعْشَقُ
ولكن أراني لا أزالُ بحادثٍ- أُغادي بما لم يمسِ عندي وأطرقُ
فما أنتَ إنْ دامتْ عليك بخالدٍ- كما لم يُخلَّدْ قبل ساسا ومَوْرَقُ
وكِسرى شهِنْشاهُ الذي سار مُلكُهُ- له ما اشتهى راحٌ عتيقٌ وزنْبقُ
ولا عادياً لم يمنع الموتَ مالُه- وحصنٌ بتيماءَ اليهوديّ أبلقُ

والأعشى من كبار شعراء الجاهلية: جعله ابن سلاّم أحد الأربعة الأوائل، في عداد امرئ القيس والنّابغة وزهير فهو "بين أعلام" الجاهلية، وفحول شعرائها، وهو متقدّم كتقدّم من ذكرنا دونما إجماع عليه أو عليهم، ومع ذلك فليس هذا بالقليل:
أو ألم يُسأل حسّان بن ثابت ... عن أشعر الناس كقبيلة لا كشاعر بعينه فقال: "الزّرق من بني قيس بن ثعلبة" ولا غرو أنّه عنى في المقام الأول الأعشى أبا بصير، وهو ما أكده الكلبي عن مروان بن أبي حفصة حين أشاد بالأعشى وأحلّه مرتبة الشاعر الشاعر لقوله:
كلا أبَويْكم كان فرعَ دِعامةٍ- ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقصاً

وحدّث الرياشي نقلاً عن الشعبيّ ففضّل الأعشى في ثلاثة أبيات واعتبره من خلالها أغزل النّاس وأخنثهم وأشجعهم، وهي على التوالي:
غرّاء فرعاءُ مصقولُ عوارضُها- تمشي الهُوَيْنى كما يمْشي الوَجى الوَحِلُ
قالتْ هريرةُ لمّا جِئتُ زائرَها- ويلي عليكَ وويلي منك يا رجلُ
قالوا الطّرادُ فقلْنا تلكَ عادتُنا- أو تنزِلونَ فإنّا معْشرٌ نُزُلُ
كان الأعشى يعتبر الشرّ في الطبيعة البشرية قدراً ليس يدفع فهل غذّى فيه هذا الاعتقاد الكفاح في سبيل متع الوجود وجعله يرتضي بالتالي مصيره، وهو مصير الورى جميعاً أي حتمية الزوال.

وأوجز ما يقال في الأعشى شاعراً، أّنه صورة الرجل فيه: فقد كان جريئاً في غزله وخمرته وكانت جرأته واضحة المعالم في صدق مقالته حين يمدح أو يفتخر أو يهجو وهكذا اكتسب شعره سيرورة ونزل من القلوب منزلة رفيعة فكان أقدر الشعراء على وضع الرفيع، ورفع الوضيع، ويكفي برهاناً على الطرف الآخر خبره من المحلَّق الكلابي وهو الخبر الذي تناقلته كتب الأدب وجعلت منه مثالاً، لا لتأثير الشعر في نفوس العرب وحسب، بل ولسموّ الشاعر في صنيعه وهو ما أتاح له أن ينتزع إعجاب الأدباء والشرّاح من ناحية، وأن يتبوّأ بالتالي منزلة رفيعة في تاريخ الشعر الجاهلي، إن لم نقل في تاريخ العربي على مرّ العصور.

ولئن تعذر أن نمضي على هذا المنوال، في ثنايا شعر أبي بصير، المقدّم في نظر نفر صالح من النقّاد، على أكثر شعر الجاهليين كافة، ولا سيّما في غزله ومدائحه وملاهيه وأوصافه. ولئن كنّا نتجاوز المواقف المختلفة من سعي الأعشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة إسلامه فنحن نقف عند واحد جامع من آراء الشرّاح القدامى، نرى فيه غاية ما نرمي إليه في هذا الموضع، قصدنا قول أبي زيد القرشي في جمهرته: "الأعشى أمدح الشعراء للملوك، وأوصفهم للخمر، وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضاً".

أما ديوان الأعشى فليس أقلّ من دواوين أصحاب المعلقات منزلة عند النقّاد والرواة. عني به بين الأقدمين أبو العباس ثعلب- كما ذكر صاحب الفهرست- ثمّ عكف الأدباء على ما جمعه ثعلب، ينتقون منه القصائد والشواهد، وفي طليعة هؤلاء التبريزي الذي جعل قصيدة الأعشى اللامية "ودّع هريرة" إحدى معلقات الجاهليين كذلك اعتبرت لامية الأعشى: "ما بكاءُ الكبير بالأطلال" .. من المعلقات العشر في شرح آخر لتلك القصائد. وبين المستشرقين الذين أكبوا على شعر أبي بصير جمعاً واستدراكاً وشرحاً سلفستر دي ساسي (1826م- 1242هـ)، ثوربكه (1875م- 1292هـ)، ورودلف جاير الذي أمضى نصف قرن في صحبة الأعشى وشعره، بحيث أصدر في (1928م- 1347هـ) ديوان الشاعر القيسي في طبعة بعنوان: "الصبح المنير في شعر أبي بصير"..
أنظر في ذلك: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص293-300. وأنظر أيضاً: أعلام الزركلي.

المصدر : الوراق

hasanh
04/05/2008, 11h07
طرفة بن العبد
*هو عمرو بن العبد. و"طرفة" لقب غلب عليه. ولد في البحرين سنة 543 م، وقتل في عهد عمرو بن هند، ملك الحيرة سنة 569 م. فيكون قد عاش ستة وعشرين عاما فقط، ولهذا عرف باسم "الغلام القتيل".
وينتمي طرفة لأسرة عرفت بكثرة شعرائها من جهة الأب والأم. وكان في صباه عاكفا على حياة اللهو، يعاقر الخمر وينفق ماله عليها. ولكن مكانه في قومه جعله جريئا على الهجاء. وقد مات أبوه وهو صغير فأبى أعمامه أن يقسموا ماله وظلموه.
ولما اشتدّت عليه وطأة التمرد عاد إلى قبيلته وراح يرعى إبل أخيه "معبد" إلا أنها سرقت منه. ولما قصد مالكاً ابن عمه نهره. فعاد مجدداً إلى الإغارة والغزو.
موته
توجه طرفة إلى بلاط الحيرة حيث الملك عمرو بن هند، وكان فيه خاله المتلمّس (جرير بن عبد المسيح).
وكان طرفة في صباه معجباً بنفسه يتخلّج في مشيته. فمشى تلك المشية مرة بين يديّ الملك عمرو بن هند فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه. وكان المتلمّس حاضراً ، فلما قاما قال له المتلمّس: "يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك". فقال طرفة: "كلا"...
بعدها كتب عمرو بن هند لكل من طرفة والمتلمّس كتاباً إلى المكعبر عامله في البحرين وعمان، وإذ كانا في الطريق بأرض بالقرب من الحيرة، رأيا شيخاً دار بينهما وبينه حديث. ونبّه الشيخ المتلمّس إلى ما قد يكون في الرسالة. ولما لم يكن المتلمّس يعرف القراءة، فقد استدعى غلاماً من أهل الحيرة ليقرأ الرسالة له، فإذا فيها:
"باسمك اللهم.. من عمرو بن هند إلى المكعبر.. إذا أتاك كتابي هذا من المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً".
فألقى المتلمّس الصحيفة في النهر، ثم قال لطرفة أن يطّلع على مضمون الرسالة التي يحملها هو أيضاً فلم يفعل، بل سار حتى قدم عامل البحرين ودفع إليه بها.
فلما وقف المكعبر على ما جاء في الرسالة أوعز إلى طرفة بالهرب لما كان بينه وبين الشاعر من نسب ، فأبى . فحبسه الوالي وكتب إلى عمرو بن هند قائلاً : "ابعث إلى عملك من تريد فاني غير قاتله".
فبعث ملك الحيرة رجلاً من تغلب، وجيء بطرفة إليه فقال له: "إني قاتلك لا محالة .. فاختر لنفسك ميتة تهواها".
فقال: "إن كان ولا بدّ فاسقني الخمر وأفصدني". ففعل به ذلك.
شعره
شعر طرفة قليل لأنه لم يعش طويلاً. ولكنه حافل بذكر الأحداث، ويعكس أفكاره وخواطره بالحياة وبالموت، وتبرز فيه الدعوة لقطف ثمار اللذة الجسدية والمعنوية قبل فوات العمر.
وقد ترك لنا طرفة ديواناً من الشعر أشهر ما فيه "المعلّقة".
أما المعلقة فيبلغ عدد أبياتها (104) بيتاً وهي على البحر الطويل. ومن موضوعاتها:
1 - الغزل - الوقوف على الأطلال ووصف خولة.
2 - وصف الناقة.
3 - يعرّف نفسه ثم يعاتب ابن عمه.
4 - ذكر الموت، ووصيته لابنة أخيه أن تندبه.

لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
وُقُوْفَاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُـمْ يَقُوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّدِ
كَأَنَّ حُـدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُـدْوَةً خَلاَيَا سَفِيْنٍ بِالنَّوَاصِـفِ مِنْ دَدِ
عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيْنِ ابْنِ يَامِنٍ يَجُوْرُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْرَاً وَيَهْتَدِي
يَشُقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَـا كَمَا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلَ بِاليَدِ



طرفة الشاعر الجاهلي المبدع عانى من ظلم الأقرباء وهو أشنع ضروب الاستبداد لأنه يأتي من الأيدي التي نحبها والتي نظنّ أننا نأمن شرّها. ولم تمهله المؤامرات التي حيكت ضده كثيرا فمات في ربيع عمره عن (26) عاما، حيث قتل بوحشية لا لذنب اقترفه سوى إبداعه وإن كان بالهجاء.
سقط الشاعر ضحية لخلاف شخصي مع الملك. وإذا صحّت الرواية حول موته وأنه حمل الكتاب الذي يحوي أمراً بقتله، فإنّ هذا يدلّ على مدى عزّة النفس والثقة التي كان طرفة يتمتّع بها، وإن كانت في آخر الأمر، سبب مقتله. عن (الخيمة)

Tarek Elemary
10/05/2009, 16h53
الأعزاء رواد و أعضاء و مواطنى سماعى و خصوصا القسم الأدبى
هذه بعض من عيون الشعر العربى القديم فقط لتتملى بها عيوننا و تطرب بها أسماعنا خصوصا المبتدئين من أمثالى لتنظف آذانهم و تثرى الصورة لديهم و الأخيلة و الألفاظ و الموسيقى التى تصل للوجدان بحق و ليت كل من لديه إضافة لا يبخل بها لشاعر قد نكون نسيناه أو رأى أى منا أنه حرىٌّ بنا أن نقرأ له و هذه البداية

Tarek Elemary
10/05/2009, 16h56
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ..... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ..... لما نسجتها من جنوب وشمال
ترى بعرالارام في عرضاتها..... وقيعانها كانه حب فلفل
كاني غداة البين يوم تحملوا ..... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ..... يقولون لا تهلك اسى وتجمل
وان شفائي عبرة مهراقة ..... فهل عند رسم دارس من معول
كدابك من ام الحو يرث قبلها ..... وجارتها ام الرباب بماسل
اذا قامتا تضوع المسك منهما ..... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
ففاضت دموع العين مني صبابة ..... على النحر حتى بل دمعي محمل
الا رب يوم لك منهن صالح ..... ولاسيما يوم بدارة جلجل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ..... فقالت لك الويلات انك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ..... عقرت بعيري يا امرا القيس فانزل
فقلت لها سيري وارخي زمامه ..... ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ..... فالهيتها عن ذي تمائم محول
اذا ما بكى من خلفها انصرفت له ..... بشق وتحتي شقها لم يحول
ويوما على ظهر الكثيب تعذرت .....علي والت حلفة لم تحلل
افاطم مهلا بعد هذا التدلل.....وان كنت قد ازمعت صرفي فاجملي
اغرك مني ان حبك قاتلي.....وانك مهما تامري القلب يفعل
وان تك قد ساءتك مني خليقة.....فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وما ذرفت عيناك الا لتضربي.....بسهميك في اعشار قلب مقتل
وبيضة خدر لا يرام خبائها.....تمتعت من لهو بها غير معجل
تجاوزت احراسا اليها ومعشرا.....علي حراصا لو يسرون مقتلي
اذا الثريا في السماء تعرضت.....تعرض اثناء الوشاح المفصل
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها.....لدى الستر الا لبسة المتفضل
فقالت:يمين الله مالك حيلة.....وما ان ارى عنك الغواية تنجلي
خرجت بها امشي تجر وراءنا.....على اثرينا ذيل مرط مرحل
فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى.....بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
هصرت بفودي راسها فتمايلت.....على هضيم الكشح ريا المخلخل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة.....ترائبها مصقولة كالسنجلجل
كبكر المقاناة الباض بصفرة.....غذاها نمير الماء غير المحلل
تصد وتبدي عن اسيل وتتقي.....بناظرة من وحش وجرة مطفل
جيد كجيد الرئم ليس بفاحش.....اذا هي نصته ولا بمعطل
وفرع يزين المتن اسود فاحم.....اثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات الى العلا.....تضا العقاص في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر.....وساق كانبوب السقي المذلل
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها.....نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وتعطو برخص غير شئن كانه.....اساريع ظبي او مساويك اسحل
تضئ الظلام بالعشاء كانها.....منارة ممسى راهب متبتل
الى مثلها يرنو الحليم صبابة.....اذا ما اسبكرت بين درع ومجول
تسلت عمايات الرجال عن الصبا.....وليس فؤادي عن هواك بمنسل
الا رب خصم فيك ألوى رددته.....نصيح على تعذا له غير مؤتل
وليل كموج البحر ارخى سدوله.....علي بانواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه.....واردف اعجاز وناء بكلكل
الا ايها الليل الطويل الا انجلي.....بصبح وما الاصباح منك بامثل
فيا لك من ليل كان نجومه.....بامراس كتان الى صم جندل
وقربة اقوام جعلت عصامها.....على كاهل مني ذلول مرحل
وواد كجوف العير قفر قطعته.....به الذئب يعوي كالخليع المعيل
فقلت له لما عوى:ان شاننا.....قليل الغنى ان كنت لما تمول
كلانا اذا ما نال شيئا افاته.....ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
وقد اغتدي والطير في وكناتها.....بمنجرد قيد الاوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معا.....كجلمود صخر حطه السيل من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه.....كما زلت الصفواء بالمتنزل
على الذبل جياش كان اهتزامه.....اذا جاش فيه حميه غلي مرجل
مسح اذا ما السابحات على الونى.....اثرن الغبار بالكديد المركل
يزل الغلام الخف عن صهواته.....ويلوي باثواب العنيف المثقل
درير كخذروف الوليد امره.....تتابع كفيه بخيط موصل
له ايطلا ظبي وساقا نعامة.....وارخاء سرحان وتقريب تتفل
ضليع اذا استدبرته سد فرجه.....بضاف فويق الارض ليس باعزل
كان على المتنين منه اذا انتحى.....مداك عروس او صلاية حنظل
كان دماء الهاديات بنحره.....عصارة حناء بشيب مرجل
فعن لنا سرب كان نعاجه.....عذارى دوار في ملاء مذيل
فادبرن كالجذع المفصل بينه.....بجيد معم في العشيرة مخول
فالحقنا بالهاديات ودونه.....جواحرها في صرة لم تزيل
فعادى عداء بين ثور ونعجة.....دراكا ولم ينضج بماء فيغسل
فظل طهاة اللحم من بين منضج.....صفيف شواء او قدير معجل
ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه.....متى ما ترق العين فيه تسفل
فبات عليه سرجه ولجامه.....وبات بعيني قائما غير مرسل
اصاح ترى برقا اريك وميضه.....كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيئ سناه او مصابيح راهب.....امال السليط بالذبال المفتل
قعدت له وصحبتي بين ضارح.....وبين العذيب بعد ما متاملي
على قطن بالشيم ايمن صوته.....وايسره على الستار فيذبل
فاضحى يسح الماء حول كتفيه.....يكب على الاذقان دوج الكنهبل
ومر على القنان من نفيانه.....فانزل منه العصم من كل منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة.....ولا اطما مشيدا بجندل
كان ثبيرا في عرانين وبله.....كبير اناس في بجاد مزمل
كان ذرى راس المجيمر غدوة.....من السيل والاغثاء فلكه مغزل
والقى بصحراء الغبيط بعاهه.....نزول اليماني ذي العياب المحمل
كان مكاكي الجواء غدية.....صبحن سلافا من رحيق مفلفل
كان السباع فيه غرقى عشية.....بارجائه القصوى انابيش عنصل

Tarek Elemary
10/05/2009, 17h09
ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي ..... وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي
وَهَل يَعِمَنْ إلا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ..... قليل الهموم ما يَبيتُ بأوجالِ
وَهَل يَعِمَنْ مَن كان أحدثُ عَهدِه ..... ثَلاثِينَ شهراً في ثَلاثَة ِ أحوَالِ
دِيارٌ لسَلمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالِ ..... ألَحّ عَلَيها كُلُّ أسْحَمَ هَطّالِ
وتحسبُ سلمى لا تزالُ ترى طَلا ..... من الوَحشِ أوْ بَيضاً بمَيثاءِ مِحْلالِ
وتحسِبُ سلمى لا نزالُ كعهدنا ..... بوَادي الخُزَامى أوْ على رَسّ أوْعالِ
لَيَاليَ سَلَمى إذْ تُرِيكَ مُنْصَّباً ..... وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطال
ألا زعمت بسبابة ُ اليوم أنني ..... كبرت وأن لا يحسنُ اللهو أمثالي
وَيَا رُبّ يَوْمٍ قَد لهَوْتُ وَلَيْلَة ٍ ..... بِآنِسَة ٍ كَأنّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
يُضيء الفراشَ وجهها لضجيعها ..... كَأنيَ لَمْ أرْكَبْ جَوَاداً لِلَذّة ٍ
كأنَّ على لباتها جمرَ مُصطل ..... أصاب غضى جزلاً وكفِّ بأجذال
وَهَبّتْ لهُ رِيحٌ بمُخْتَلَفِ الصُّوَا ..... صباً وشمال في منازلِ قفّال
ومِثْلِكِ بَيضاءِ العوارِضِ طَفْلة ٍ ..... لعوبٍ تُنَسِّيني، إذا قُمتُ، سِربالي
إذا ما الضجيعُ ابتزها من ثيابها ..... تَمِيلُ عَلَيهِ هُونَة ً غَيرَ مِجْبالِ
كحِقْفِ النَّقَا يَمشِي الوَليدَانِ فوْقَه ..... بما احتسبا من لين مس وتسهال
لَطِيفَة ُ طَيّ الكَشْح غيرُ مُفَاضَة ٍ ..... إذَا انْفَتَلَتْ مُرْتجّة ً غَيرَ مِثقالِ
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ..... بيَثْرِبَ أدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
أيَقْتُلُني وَالمَشْرَفيُّ مُضَاجِعِي ..... كُمَيتٍ كَأنّهَا هَرَاوَة ُ مِنْوَالِ

Tarek Elemary
10/05/2009, 17h32
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ .....بِحَـوْمَانَةِ الـدُّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّـمِ


وَدَارٌ لَهَـا بِالرَّقْمَتَيْـنِ كَأَنَّهَـا .....مَرَاجِيْعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَـمِ


بِهَا العِيْنُ وَالأَرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَـةً .....وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ


وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً .....فَـلأيَاً عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّـمِ


أَثَـافِيَ سُفْعاً فِي مُعَرَّسِ مِرْجَـلِ .....وَنُـؤْياً كَجِذْمِ الحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّـمِ


فَلَـمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَـا .....أَلاَ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَـمِ


تَبَصَّرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِـنٍ .....تَحَمَّلْـنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُـمِ


جَعَلْـنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَـهُ .....وَكَـمْ بِالقَنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْـرِمِ


عَلَـوْنَ بِأَنْمَـاطٍ عِتَاقٍ وكِلَّـةٍ .....وِرَادٍ حَوَاشِيْهَـا مُشَاكِهَةُ الـدَّمِ


وَوَرَّكْنَ فِي السُّوبَانِ يَعْلُوْنَ مَتْنَـهُ .....عَلَيْهِـنَّ دَلُّ النَّـاعِمِ المُتَنَعِّــمِ


بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحْرَنَ بِسُحْـرَةٍ .....فَهُـنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَـمِ


وَفِيْهـِنَّ مَلْهَـىً لِلَّطِيْفِ وَمَنْظَـرٌ .....أَنِيْـقٌ لِعَيْـنِ النَّـاظِرِ المُتَوَسِّـمِ


كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ فِي كُلِّ مَنْـزِلٍ .....نَـزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّـمِ


فَـلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقاً جِمَامُـهُ .....وَضَعْـنَ عِصِيَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّـمِ


ظَهَرْنَ مِنْ السُّوْبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَـهُ..... عَلَى كُلِّ قَيْنِـيٍّ قَشِيْبٍ وَمُفْـأَمِ


فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ .....رِجَـالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُـمِ


يَمِينـاً لَنِعْمَ السَّـيِّدَانِ وُجِدْتُمَـا .....عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيْلٍ وَمُبْـرَمِ


تَدَارَكْتُـمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَـا .....تَفَـانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَـمِ


وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعـاً .....بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نَسْلَـمِ


فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِـنٍ .....بَعِيـدَيْنِ فِيْهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَـمِ


عَظِيمَيْـنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيْتُمَـا .....وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزاً مِنَ المَجْدِ يَعْظُـمِ


تُعَفِّـى الكُلُومُ بِالمِئينَ فَأَصْبَحَـتْ .....يُنَجِّمُهَـا مَنْ لَيْسَ فِيْهَا بِمُجْـرِمِ


يُنَجِّمُهَـا قَـوْمٌ لِقَـوْمٍ غَرَامَـةً .....وَلَـمْ يَهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَـمِ


فَأَصْبَحَ يَجْرِي فِيْهِمُ مِنْ تِلاَدِكُـمْ..... مَغَـانِمُ شَتَّـى مِنْ إِفَـالٍ مُزَنَّـمِ


أَلاَ أَبْلِـغِ الأَحْلاَفَ عَنِّى رِسَالَـةً .....وَذُبْيَـانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَـمِ


فَـلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُـمْ..... لِيَخْفَـى وَمَهْمَـا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَـمِ


يُؤَخَّـرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَـرْ..... لِيَـوْمِ الحِسَـابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَـمِ


وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ..... وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ


مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً .....وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ


فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا .....وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ


فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ .....كَأَحْمَـرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ


فَتُغْـلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِـلُّ لأَهْلِهَـا .....قُـرَىً بِالْعِـرَاقِ مِنْ قَفِيْزٍ وَدِرْهَـمِ


لَعَمْـرِي لَنِعْمَ الحَـيِّ جَرَّ عَلَيْهِـمُ بِ.....مَا لاَ يُؤَاتِيْهِم حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَـمِ


وَكَانَ طَوَى كَشْحاً عَلَى مُسْتَكِنَّـةٍ..... فَـلاَ هُـوَ أَبْـدَاهَا وَلَمْ يَتَقَـدَّمِ


وَقَـالَ سَأَقْضِي حَاجَتِي ثُمَّ أَتَّقِـي .....عَـدُوِّي بِأَلْفٍ مِنْ وَرَائِيَ مُلْجَـمِ


فَشَـدَّ فَلَمْ يُفْـزِعْ بُيُـوتاً كَثِيـرَةً لَدَى..... حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَـمِ


لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِلاحِ مُقَـذَّفٍ..... لَـهُ لِبَـدٌ أَظْفَـارُهُ لَـمْ تُقَلَّــمِ


جَـريءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقَبْ بِظُلْمِـهِ..... سَرِيْعـاً وَإِلاَّ يُبْدِ بِالظُّلْـمِ يَظْلِـمِ


دَعَـوْا ظِمْئهُمْ حَتَى إِذَا تَمَّ أَوْرَدُوا .....غِمَـاراً تَفَرَّى بِالسِّـلاحِ وَبِالـدَّمِ


فَقَضَّـوْا مَنَايَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصْـدَرُوا..... إِلَـى كَلَـأٍ مُسْتَـوْبَلٍ مُتَوَخِّـمِ


لَعَمْرُكَ مَا جَرَّتْ عَلَيْهِمْ رِمَاحُهُـمْ .....دَمَ ابْـنِ نَهِيْـكٍ أَوْ قَتِيْـلِ المُثَلَّـمِ


وَلاَ شَارَكَتْ فِي المَوْتِ فِي دَمِ نَوْفَلٍ .....وَلاَ وَهَـبٍ مِنْهَـا وَلا ابْنِ المُخَـزَّمِ


فَكُـلاً أَرَاهُمْ أَصْبَحُـوا يَعْقِلُونَـهُ .....صَحِيْحَـاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بِمَخْـرِمِ


لِحَـيِّ حَلالٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرَهُـمْ .....إِذَا طَـرَقَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَـمِ


كِـرَامٍ فَلاَ ذُو الضِّغْنِ يُدْرِكُ تَبْلَـهُ..... وَلا الجَـارِمُ الجَانِي عَلَيْهِمْ بِمُسْلَـمِ


سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ .....ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ


وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ .....وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ


رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ..... تُمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ


وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي أُمُـورٍ كَثِيـرَةٍ .....يُضَـرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ


وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ .....يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ


وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ..... عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ


وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ...... إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ


وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ .....وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ


وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ..... يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ


وَمَنْ يَعْصِ أَطْـرَافَ الزُّجَاجِ فَإِنَّـهُ..... يُطِيـعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْـذَمِ


وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ..... يُهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ


وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُواً صَدِيقَـهُ..... وَمَنْ لَم يُكَـرِّمْ نَفْسَـهُ لَم يُكَـرَّمِ


وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَـةٍ .....وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَـمِ


وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ..... زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ


لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ .....فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ


وَإَنَّ سَفَاهَ الشَّـيْخِ لا حِلْمَ بَعْـدَهُ..... وَإِنَّ الفَتَـى بَعْدَ السَّفَاهَةِ يَحْلُـمِ


سَألْنَـا فَأَعْطَيْتُـمْ وَعُداً فَعُدْتُـمُ .....وَمَنْ أَكْـثَرَ التّسْآلَ يَوْماً سَيُحْـرَمِ

Tarek Elemary
10/05/2009, 17h53
ألا هُـبَّي بِصَحْنِكِ ْفاصبَحِينا ولا تُـبْقِي خُـمورَ الأنْدَرِينا


مُـشَعْشَعَةً كَـأنَّ الحُصَّ فِيها إذا مـا الماءُ خَالَطَها سَخِينا

تَـجُورُ بِذي الُّلبانَةِ عَنْ هَواهُ إذا مـا ذَاقَـها حَـتَّى يِـلِينا
تَرَى الَّلحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِّرَتْ عَـلَيِهِ لِـمالِهِ فِـيها مُـهِينا
صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو وكـانَ الكَأْسُ مَجْراها الَيمِينا
ومَـا شَـرُّ الثَّلاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو بِـصاحِبِكِ الذي لا تَصْبَحِينا
وكَـأْسٍ قَـدْ شَرِبْتُ بِبَعَلْبَكٍ وأُخْرَى في دِمَشْقَ وقاصِرِينا
وإنَّـا سَـوْفَ تُدْرِكُنا المَنايَا مُـقَـدَّرَةً لَـنـا ومُـقَدَّرِينا
قـفِي قَـبْلَ التَّفَرُّقِ يا ظَعِينا نُـخَبِّرْكِ الـيَقِينَ وتُـخْبِرِينا
قِفِي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثْتِ صَرْماً لِـوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأَمِينا
بِـيَوْمِ كَـرِيهَةٍ ضَرْباً وَطَعْناً أَقَـرَّ بِـها مَـوَالِيكِ العُيُونا
وإنَّ غَـداً وإنَّ الـيَوْمَ رَهْنٌ وبَـعْدَ غَـدٍ بِـما لا تَعْلَمِينا
تُـرِيكَ إذا دَخَلْتَ عَلَى خَلاءٍ وقَـدْ أَمِنَتْ عُيونَ الكَاشِحِينا
ذِراعَـيْ عَـيْطَلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ هِـجانِ الـلَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخْصاً حَـصَاناً مِنْ أَكُفِّ اللاَّمِسِينا
ومَـتْنَىْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وطَالَتْ رَوَادِفُـها تَـنُوءُ بِـما وَلِينا
ومَـأْكَمَةً يَضِيقُ البابُ عَنْها وكَـشْحاً قَدْ جُنِنْتُ بِه جُنونَا
وسـارِيَتَيْ بِـلَنْطٍ أوْ رُخـامٍ يَـرِنُّ خَـشاشَ حُلَيْهِما رَنِينا
فَـمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ iiسَقْبٍ أَضَـلَّتْهُ فَـرَجَّعَتِ الـحَنِينا
ولا شَـمْطاءُ لَمْ يَتْرُكْ شَقَاها لَـها مِـنْ تِـسْعَةٍ إلاَّ جَنِينا
تَـذَكَّرْتُ الصِّبْا واشْتَقْتُ لَمَّا رَأَيْـتُ حُمُولَها أُصُلاً حُدِينا
فَأَعْرَضَتِ اليَمامَةُ واشْمَخَرَّتْ كَـأَسْيافٍ بِـأَيْدِي مُـصْلِتِينا
أبَـا هِـنْدٍ فَـلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْـظِرْنَا نُـخَبِّرْكَ الـيَقِينا
بِـأَنَّا نُـورِدُ الرَّايَاتِ بِيضاً ونُـصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رَوِينا
وأَيَّــامٍ لَـنا غُـرٍّ طِـوالٍ عَـصَيْنا المَلْكَ فِيها أنْ نَدِينا
وسَـيِّدِ مَـعْشَرٍ قَـدْ تَوَّجُوهُ بِتاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِينا
تَـرَكْنا الـخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُـقَـلَّدَةً أَعِـنَّـتَها صُـفُونا
وأَنْـزَلْنا البُيُوتَ بِذي طُلُوحٍ إِلَى الشَّاماتِ تَنْفِي المُوعِدِينا
وقَـدْ هَرَّتْ كِلابُ الحَيِّ مِنَّا وشَـذَّبْنَا قَـتَادَةَ مَـنْ يِـلِينا
مَـتَى نَـنْقُلْ إلى قَوْمٍ رَحَانَا يَـكُونُوا في اللِّقاءِ لَها طَحِينا
يَـكُونُ ثِـفَالُها شَـرْقِيَّ نَجْدٍ ولَـهْوَتُها قُـضاعَةَ أَجْمَعِينا
نَـزَلْتُمْ مَـنْزِلَ الأضْيافِ مِنَّا فَـأَعْجَلْنا القِرَى أنْ تَشْتِمُونا
قَـرَيْـناكُمْ فَـعَجَّلْنا قِـرَاكُمْ قُـبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونا
نَـعُمُّ أُنَـاسَنا ونَـعِفُّ عَنْهُمْ ونَـحْمِلُ عَـنْهُمُ مَـا حَمَّلُونا
نُطاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا ونَضْرِبُ بِالسُّيوفِ إذا غُشِينا
بِـسُمْرٍ مِـنْ قَنا الخَطِّيِّ لَدْنٍ ذَوَابِـلَ أوْ بِـبِيضٍ يَـخْتَلِينا
كَـأَنَّ جَـمَاجِمَ الأبْطَالِ فِيها وُسُـوقٌ بِـالأماعِزِ يَرْتَمِينا
نـشقُّ بها رُءُوسَ القوم شَقّاً ونَـخْتِلبُ الـرِّقابَ فَتَخْتَلينا
وإنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَبْدُو عَـلَيْكَ ويُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينا
وَرِثْـنا المَجْدَ قَدْ عَلِمْتَ مَعَدٌّ نُـطاعِنُ دُونَـهُ حَـتَّى يَبِينا
ونَـحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّتْ عَنِ الأَحْفاضِ نَمْنَعُ مَنْ يِلِينا
نَـجُذُّ رُءُوسَـهَمْ في غَيْرِ بِرٍّ فَـمَا يَـدْرُونَ مـاذَا يَـتَّقُونا
كَـأَنَّ سُـيوفَنَا فِـينَا وفِيهِمْ مَـخَارِيقٌ بِـأَيْدِي لاعِـبِينا
إذا مَـا عَـيَّ بِالإِسْنافِ حَيٌّ مِـنَ الهَوْلِ المُشَبَّهِ أنْ يَكُونَا
نَـصَبْنا مِثْلَ رَهْوَةَ ذاتَ حَدٍّ مُـحَافَظَةً وكُـنَّا الـسَّابِقِينا
بِـشُبَّانٍ يَـرَوْنَ القَتْلَ مَجْداً وشِيبٍ في الحُرُوبِ مُجَرَّبِينا
حُـدَّيا الـنَّاسِ كُـلِّهِمِ جميعاً مُـقارَعَةً بَـنِيهِمْ عَـنْ بَنِينا
فـأَمَّا يَـوْمُ خَـشْيَتِنَا عَلَيْهِمْ فَـتُصْبِحُ خَـيْلُنا عُصَباً ثَبِينا
وأمَّـا يَـوْمُ لا نَخْشَى عَلَيْهِمْ فَـنُـمْعِنُ غـارَةً مُـتَلَبِّبينا
بِرَأْسٍ مِنْ بَني جُشَمِ بِنِ بَكْرٍ نَـدقُّ بِـهِ السُّهُولَةَ والحُزُونَا
ألاَ لاَ يَـعْـلَمُ الأَقْـوامُ أنَّـا تَـضَعْضَعْنا وأَنَّـا قَـدْ وَنِينا
ألاَ لاَ يَـجْهَلْنَ أَحَـدٌ عَـلَيْنا فَـنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا
بِـأَيِّ مَـشِيئَةٍ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ نَـكُونُ لِـقَيْلِكُمْ فِـيهَا قَطِينا
بِـأَيِّ مَـشِيئَةٍ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ تُـطِيعُ بِـنا الوُشَاةَ وتَزْدَرِينا
تَـهَـدَّدْنا وأوعِـدْنا رُوَيْـداً مَـتَى كُـنَّا لأُمِّـكَ مُـقْتَوِينا
فـإِنَّ قَـناتَنا يَا عَمْرُو أَعْيَتْ عَـلَى الأعْدَاءِ قَبْلَكَ أنْ تَلِينا
إذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِها اشْمَأَزَّتْ وَوَلَّـتْهُمْ عَـشَوْزَنَةً زَبُـونا
عَـشَوْزَنَةً إذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّتْ تَـشُجُّ قَـفَا المُثَقَّفِ والجَبِينا
فَهَلْ حُدِّثْتَ في جُشَمِ بن بَكْرٍ بِـنَقْصٍ في خُطُوبِ الأوَّلِينا
وَرِثْـنَا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بن سَيْفٍ أَبَـاحَ لَنا حُصُونَ المَجْدِ دِينا
وَرِثْـتُ مُـهَلْهِلاً والخَيْرَ مِنْهُ زُهَـيْراً نِـعْمَ ذُخْرُ الذَّاخِرِينا
وعَـتَّـاباً وكُـلْثُوماً جَـمِيعاً بِـهِمْ نِـلْنا تُـرَاثَ الأَكْرَمِينا
وذَا الـبُرَةِ الذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ بِهِ نُحْمَى وَنحْمِي المُحْجَرِينا
ومِـنَّا قَـبْلَهُ الـسَّاعِي كُلَيْبٌ فَـأَيُّ الـمَجْدِ إلاَّ قَـدْ وَلِينا
مَـتَى نَـعْقُدْ قَـرِينَتَنا بِحَبْلٍ تَـجُذُّ الحَبْلَ أو تَقَصِ القَرِينا
ونُـوجَدُ نَـحْنُ أَمْنَعَهمْ ذِماراً وأَوْفَـاهُمْ إذَا عَـقَدُوا يَـمِينا
ونَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازَى رَفَـدْنَا فَـوْقَ رَفْـدِ الرَّافِدِينا
ونَحْنُ الحَابِسُونَ بِذِي أَرَاطَى تَـسَفُّ الـجِلَّةُ الخورُ الدَّرِينا
ونَـحْنُ الحاكِمُونَ إذَا أُطِعْنا ونَـحْنُ العازِمُونَ إذَا عُصِينا
ونَـحْنُ التَّارِكُونَ لِمَا سَخِطْنا ونَـحْنُ الآخِذُونَ لما رَضِينا
وكُـنَّا الأيْـمَنِينَ إذا الْـتَقَيْنا وكـانَ الأيْـسَرِينَ بنُو أَبِينا
فَـصَالُوا صَـوْلَةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ وصُـلْنا صَـوْلَةً فِيمَنْ يَلِينا
فَـآبُوا بِـالنِّهَابِ وبِـالسَّبايا وأُبْـنَا بِـالمُلُوكِ مَـصَفَّدِينا
إِلَـيْكُمْ يَـا بَـني بَكْرٍ إِلَيْكُمْ أَلَـمَّا تَـعْرِفوا مِـنَّا الـيَقِينا
أَلَـمَّا تَـعْرِفُوا مِـنَّا ومِـنْكُمْ كَـتـائِبَ يَـطَّعِنَّ ويَـرْتَمِينا
عَـلَيْنا البَيْضُ واليَلَبُ اليَمَانِي وأَسْـيافٌ يُـقَمْنَ ويَـنْحَنِينا
عَـلَيْنا كُـلُّ سـابِغَةٍ دِلاصٍ تَرَى فَوْقَ النِّطاقِ لَها غُضُونا
إذا وُضِعَتْ عَنِ الأبْطالِ يَومًا رَأَيْـتَ لَها جُلُودَ القَوْمِ جُونا
كـأَنَّ غُـضُونَهُنَّ مُتُونُ غُدْرٍ تُـصَفِّقُها الـرِّياحُ إذَا جَرَيْنا
وتَـحْمِلُنا غَـدَاةَ الرَّوْعِ جُرْدٌ عُـرِفْنَ لَـنا نَـقَائِذَ وافْتُلِينا
وَرَدْنَ دَوارِعاً وخَرَجْنَ شُعْثَا كَـأَمْثالِ الـرَّصائِعِ قَـدْ بِلِينا
ورِثْـناهُنَّ عَـنْ آبَاءِ صِدْقٍ ونُـورِثُـهَا إذا مُـتْنا بَـنِينا
عَـلَى آثَـارِنا بِـيضٌ حِسانٌ نُـحَاذِرُ أنْ تُـقَسَّمَ أَوْ تَـهُونا
أَخَـذْنَ عَـلَى بُعُولَتِهِنَّ عَهْدَا إذا لاقَـوْا كَـتائِبَ مُـعْلِمِينا
لَـيَسْتَلِبُنَّ أفْـراساً وبِـيضاً وأَسْـرَى فـي الحَدِيد مُقَرَّنِينا
تَـرَانا بَـارِزِينَ وكُـلُّ حَيِّ قَـدِ اتَّـخَذوا مَـخَافَتَنا قَرِينا
إذا مَـا رُحْـنَ يَمْشِينَ الهُوَيْنا كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتْونُ الشَّارِبِينا
يَـقُتْنَ جِـيَادَنا ويَـقُلْنَ لَسْتُمْ بُـعُـولَتَنَا إذا لَـمْ تَـمْنَعونا
إذا لَـمْ نَـحْمِهِنَّ فَـلاَ بَـقِينا لِـشَيْءٍ بَـعْدَهُنَّ ولاَ حَـيِينا
ظَعَائِنَ مِن بَني جُشَمِ بن بَكْرٍ خَـلَطْنَ بِـمَيَسمٍ حَسَبًا ودِينا
ومَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلُ ضَرْبٍ تَـرَى مِـنْهُ السَّواعِدَ كالقُلِينا
كَـأَنَّا والـسُّيوفُ مُـسَلَّلاتٌ وَلَـدْنا الـنَّاس طُراًّ أَجْمَعِينا
يُدْهَدُونَ الرُّءُوسَ كَمَا تُدَهْدِي حَـزَاوِرَةٌ بِـأَبْطَحِها الكُرِينا
وقَـدْ عَـلِمَ الـقَبائِلُ مِنْ مَعَدٍّ إذا قُـبَّـبٌ بِـأَبْطَحِها بُـنِينا
بِـأَنَّا الـمُطْعِمُونَ إذا قَـدَرْنا وأَنَّـا الـمُهْلِكُونَ إذا ابْـتُلِينا
وأَنَّـا الـمَانِعونَ لِـمَا أَرَدْنا وأنَّـا الـنَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينا
وأنَّـا الـتَّارِكُونَ إذا سَخِطْنا وأنَّـا الآخِـذُونَ إذا رَضِـينا
وأنَّـا الـعَاصِمُونَ إذا أُطِعْنا وأنَّـا الـعازِمُونَ إذا عُصِينا
ونَشْرَبُ إنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً ويَـشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينا
أَلاَ أَبْـلغْ بَـنِي الطَّمَّاح عَنَّا وَدُعـميّا فَـكَيْفَ وَجَـدْتُمُونَا
إذا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً أَبَـيْنا أَنْ نُـقِرَّ الـذُّلَّ فِـينا
لـنَا الـدُّنْيَا ومَنْ أمْسَى عَلَيْها ونَـبْطِشُ حَيِنَ نَبْطِشُ قَادِرِينا
بُـغَاةٌ ظَـاِلَمينَ وَمَـا ظُلِمْنَا وَلـكِـنَّا سَـنَـبْدَأُ ظَـاِلِميِنَا
مَـلأنَا الـبَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا ونَـحْنُ الـبَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِينا
إذا بَـلَغَ الـرَّضِيعُ لَنَا فِطاماً تَـخِرُّ لَـهُ الـجَبابِرُ ساجِدِينا

Tarek Elemary
10/05/2009, 17h56
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
و عمي صباحاً دار عبلة و اسلمي
فوقفت فيها ناقتي و كأنها
فدنٌ لأقضي حاجة المتلوم
و تحل عبلة بالجواء و أهلنا
بالحزن فالصمان فالمتثلم
حييت من طللٍ تقادم عهده
أقوى و أقفر بعد أم الهيثم
حلت بأرض الزائرين فأصبحت
عسراً علي طلابك ابنة محرمٍ
علقتها عرضاً و أقتل قومها
زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
و لقد نزلت فلا تظني غيره
مني بمنزلة المحب المكرم
كيف المزار و قد تربع أهلها
بعنيزتين و أهلنا بالغيلم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما
زمت ركابكم بليلٍ مظلم
ما راعني إلا حمولة أهلها
وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان و أربعون حلوبةً
سوداً كخافية الغراب الأسحم
إذ تستبيك بذي غروبٍ واضحٍ
عذبٍ مقبله لذيذ المطعم
و كأن فارة تاجرٍ بقسيمةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضةً أنفاً تضمن نبتها
غيثٌ قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكرٍ حرةٍ
فتركن كل قرارةٍ كالدرهم
سحاً و تسكاباً فكل عشيةٍ
يجري عليها الماء لم يتصرم
و خلا الذباب بها فليس ببارحٍ
غرداً كفعل الشارب المترنم
هزجاً يحك ذراعه بذراعه
قدح المكب على الزناد الأجذم
تمسي و تصبح فوق ظهر حشيةٍ
و أبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتي سرجٌ على عبل الشوى
نهدٍ مراكله نبيل المخرم
هل تبلغني دارها شدنيةٌ
لعنت بمحروم الشراب مصرم
خطارةٌ غب السرى زيافةٌ
تطس الإكام بوخد خفٍ ميتم
و كأنما تطس الإكام عشيةً
بقريب بين المنسمين مصلم
تأوي له قلص النعام كما أوت
حذقٌ يمانيةٌ لأعجم طمطم
يتبعن قلة رأسه و كأنه
حدجٌ على نعشٍ لهن مخيم
صعلٍ يعود بذي العشيرة بيضه
كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
شربت بماء الدحرضين فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الديلم
وكأنما تنأى بجانب دفها الـ
ـوحشي من هزج العشي مؤوم
هرٍ جنيبٍ كلما عطفت له
غضبى اتقاها باليدين وبالفم
بركت على جنب الرداع كأنما
بركت على قصبٍ أجش مهضم
وكأن رباً أو كحيلاً معقداً
حش الوقود به جوانب قمقم
ينباع من ذفرى غضوبٍ جسرةٍ
زيافةٍ مثل الفنيق المكدم
إن تغدفي دوني القناع فإنني
طبٌ بأخذ الفارس المستلئم
أثني علي بما علمت فإنني
سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلم
وإذا ظلمت فإن ظلمي باسلٌ
مرٌ مذاقه كطعم العلقم
ولقد شربت من المدامة بعدما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجةٍ صفراء ذات أسرةٍ
قرنت بأزهر في الشمال مفدم
فإذا شربت فإنني مستهلكٌ
مالي وعرضي وافرٌ لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىً
وكما علمت شمائلي وتكرمي
وحليل غانيةٍ تركت مجدلاً
تمكو فريصته كشدقٍ الأعلم
سبقت له كفي بعاجل طعنةٍ
ورشاش نافذةٍ كلون العندم
هلا سألت الخيل يا بنة مالكٍ
إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابحٍ
نهدٍ تعاوره الكماة مكلم
طوراً يجرد للطعان وتارةً
يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومدجج كره الكماة نزاله
لا ممعنٍ هرباً ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنةٍ
بمثقفٍ صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
ليس الكريم على القنا بمحرم
فتركته جزر السباع ينشنه
يقضمن حسن بنانه والمعصم
ومسك سابغةٍ هتكت فروجها
بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا
هتاك غايات التجار ملوم
لما رآني قد نزلت أريده
أبدى نواجذه لغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما
خضب البنان ورأسه بالعظلم
فطعنته بالرمح ثم علوته
بمهندٍ صافي الحديدة مخذم
بطلٍ كأن ثيابه في سرحةٍ
يحذى نعال السبت ليس بتوءم
يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له
حرمت علي و ليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي
فتجسسي أخبارها لي و اعلم
قالت رأيت من الأعادي غرةً
و الشاة ممكنةٌ لمن هو مرتم
و كأنما التفتت بجيد جدايةٍ
رشأٍ من الغزلان حرٍ أرثم
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي
و الكفر مخبثةٌ لنفس المنعم
و لقد حفظت وصاة عمي بالضحا
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
في حومة الحرب التي لا تشتكي
غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم
عنها و لكني تضايق مقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر و الرماح كأنها
أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم بثغرة نحره
و لبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه
و شكا إلي بعبرةٍ و تحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
و لكان لو علم الكلام مكلمي
و لقد شفى نفسي و أبرأ سقمها
قبل الفوارس ويك عنتر أقدم
وَالخَيلُ تَقتَحِمُ الخَبارَ عَوابِساً
مِن بَينِ شَيظَمَةٍ وَآخَرَ شَيظَمِ
ذُلُلٌ رِكابي حَيثُ شِئتُ مُشايِعي
لُبّي وَأَحفِزُهُ بِأَمرٍ مُبرَمِ
وَلَقَد خَشيتُ بِأَن أَموتَ وَلَم تَدُر
لِلحَربِ دائِرَةٌ عَلى اِبنَي ضَمضَمِ
الشاتِمَي عِرضي وَلَم أَشتِمهُما
وَالناذِرَينِ إِذا لَم اَلقَهُما دَمي
إِن يَفعَلا فَلَقَد تَرَكتُ أَباهُما
جَزَرَ السِباعِ وَكُلِّ نَسرٍ قَشعَمِ

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h06
عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا


بمنًى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا


فمدافعُ الرَّيَّانِ عرِّيَ رسْمُها


خلقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها


دمِنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عَهْدِ أنِيسِهَا


حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وحَرَامُهَا


رزقَتْ مرابيعَ النُّجومِ وصابَهَا


ودقُ الرواعدِ جوْدُهَا فرهامُها


منْ كلِّ سَارِيَة ٍ وغادٍ مُدْجِنٍ


وعشيَّة ٍ متجاوبٍ إرْزامُهَا


فَعَلا فُرُوعُ الأيْهُقَانِ وَأطْفَلَتْ


بالجلهتين ظباؤهَا ونعامُها


والعينُ ساكِنة ٌ على أطْلائِها


عُوذاً تَأجَّلُ بالفضَاءِ بِهَامُها


وجَلا السُّيولُ عن الطّلُولِ كأنّها


زبرٌ تجِدُّ متونَها أقْلامُها


أوْ رَجْعُ واشِمة ٍ أُسِفَّ نَؤورُهَا


كففاً تعرَّضَ فوقَهنَّ وشامُها


فوقفتُ أسْألُهَا ، وكيفَ سُؤالُنَا


صُمّاً خوالدَ ما يُبينُ كلامُها


عرِيتْ وكان بها الجميعُ فأبكرُوا


منها وَغُودرَ نُؤيُهَا وَثُمَامُها


شاقتكَ ظُعْنُ الحيِّ حينَ تحمّلُوا


فتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيَامُها


من كلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ


زوْجٌ عليه كلَّة ٌ وفرامُهَا


زُجَلاً كأنَّ نِعَاجَ تُوضِحَ فَوْقَهَا


وظِباءَ وجرَة َ عُطَّفاً آرَامُهَا


حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كأنها


أجْزَاعُ بِيشة َ أثْلُهَا وَرُضَامُهَا


بلْ ما تذكرُ منْ نوارَ وقد نأتْ


وَتَقَطَّعَتْ أسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا


مُرِّيَّة ٌ حَلَّتْ بِفَيْدَ وَجَاوَرَتْ


أهْلَ الحِجَازِ فأيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا


بمشارقِ الجبلين أو بِمُحَجَّرٍ


فَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَة ٌ فَرُخَامُهَا


فَصُوَائقٌ إنْ أيْمَنَتْ فَمَظِنَّة ٌ


فيها وحافُ القَهْرِ أوْ طِلْخامُهَا


فاقطعْ لُبانَة َ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ


ولَشرُّ واصلِ خُلَّة ٍ صَرَّامُها


واحبُ المُجَامِلَ بالجزيلِ وصرمُهُ


باقٍ إذا ضلعَتْ وزاغَ قوامُهَا


بِطَليحِ أسْفَارٍ تَرَكْنَ بقيَّة ً


منها فأحنقَ صُلْبُها وسنامُها


وإذا تغالى لحمُها وتحسَّرتْ


وتَقَطَّعَتْ بعد الكَلالِ خِدَامُهَا


فلها هبابٌ في الزِّمامِ كأنَّها


صهباءُ خَفَّ مع الجنوبِ جَهَامُها


أو ملمِعٌ وسقَتْ لأحقبَ لاحَهُ


طَرْدُ الفُحول وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا


يعلوُ بها حدبُ الإكامِ مسحَّجٌ


قَد رابَهُ عصيانُهَا ووحَامُها


بأحِزَّة ِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَا


قَفْر المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرامُهَا


حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستَّة ً


جَزءاً فطالَ صِيامُهُ وَصِيَامُها


رَجَعَا بأمرهما إلى ذي مِرَّة ٍ


حصدٍ، ونجحُ صريمة ٍ إبرامُهَا


ورمى دوابرَهَا السَّفَا وتهيَّجَتْ


ريحُ المصايِفِ سَوْمُهَا وسِهامُهَا


فتنازعا سَبِطاً يطيرُ ظلالُهُ


كدخانِ مُشْعَلة ٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا


مشمُولة ٍ غلِثَتْ بنابتِ عرْفَجٍ


كَدُخَانِ نارٍ سَاطِعٍ أسْنَامُها


فمضى وَقَدَّمَهَا وكانتْ عادة ً


منه إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقدامُها


فتوسَّطا عرضَ السَّريَّ وصدَّعا


مسجورة ً متجاوراً قُلاَّمُهَا


محفوفة ً وسطَ اليراعِ يُظِلُّها


مِنه مُصَرَّعُ غَابة ٍ وقِيامُها


أفَتِلْكَ أم وحْشِيَّة ٌ مسبوعَة ٌ


خذلتْ وهادية ُ الصِّوارِ قِوَامُها


خَنْساءُ ضَيَّعَتِ الفَريرَ فلمْ يَرِمْ


عرضَ الشَّقائِقِ طوفُها وبغامُها


لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ


غُبْسٌ كواسِبُ لا يُمَنُّ طَعَامُها


صَادَفْنَ منها غِرَّة ً فَأصَبْنَهَا


إنَّ المنايا لا تطيشُ سهامُهَا


باتَتْ وَأسْبَلَ واكفٌ من ديمة ٍ


يروِي الخمائلَ دائماً تسجامُها


يعدُو طريقة َ متنِهَا متواتِرٌ


في ليلة ٍ كَفَرَ النُّجومَ غَمَامُهَا


تجتافُ أصْلاً قالِصاً متنبّذاً


بعجوبِ أنْقاءٍ يميلُ هُيَامُها


وتُضيءُ في وَجْهِ الظلام مُنِيرة ً


كجمانَة ِ البحريِّ سُلَّ نظامُها


حتى إذا انحسَرَ الظلامُ وَأسْفَرَتْ


بكرتْ تزلُّ عن الثَّرَى أزْلامُها


عَلِهَتْ تَرّدَّدُ في نِهاءِ صَعَائِدٍ


سَبْعاً تُؤاماً كاملاً أيَّامُها


حتى إذا يَئسَتْ وأسْحَقَ حَالِقٌ


لم يُبلهِ إرْضاعُها وفِطَامُها


وتوجسَّتْ رزَّ الأنيسِ فَرَاعَها


عن ظهرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقَامُها


فَغَدَتْ كلا الفَرجَينِ تَحْسَبُ أنَّهُ


مَولى المخافة خلفُها وأمامُها


حتى إذا يئسَ الرُّماة ُ وأرْسَلُوا


غضفاً دواجنَ قافلاً أعْصامُها


فَلَحِقْنَ واعتكرتْ لها مَدْرِيَّة ٌ


كالسَّمهريَّة ِ حَدَّهَا وتَمَامُهَا


لِتذَودَهُنَّ وَأيقنتْ إن لم تَذُدْ


أن قد أحمَّ مع الحتوفِ حمامُها


فتقصدَتْ منها كَسابِ فضُرِّجتْ


بدمٍ وغودرَ في المَكَرِّ سُخَامُها


فبتلْكَ إذْ رقَصَ اللوامعُ بالضُّحى


واجتابَ أردية َ السَّرَابِ إكامُها


أقضي اللُّبانة َ لا أفرِّطُ ريبة ً


أو أن يلومَ بحاجة ٍ لُوَّامُهَا


أوَلم تكنْ تدري نَوَارُ بأنَّني


وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُها


تَرَّاكُ أمكنة ٍ إذا لم أرْضَهَا


أوْ يعتلقْ بعضَ النفوسِ حِمامُها


بل أنتِ لا تدرين كم مِنْ ليلة ٍ


طَلْقٍ لذيذٍ لَهْوُها ونِدَامُها


قَد بِتُّ سامِرَها، وغَاية تاجرٍ


وافيتُ إذ رُفِعَتْ وَعَزَّ مُدَامُها


أُغْلي السِّباءَ بكلِّ أدْكَنَ عاتقٍ


أو جَوْنَة ٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها


بصَبوحِ صافية ٍ وجذبِ كرينة ٍ


بموَتَّرٍ تأتالُهُ إبهامُهَا


بادرتُ حاجتَها الدّجاجَ بسحرَة ٍ


لأعَلَّ منها حينَ هبّ نيامُها


وغداة ِ ريحٍ قَدْ وزعتُ وَقَرَّة ٍ


إذ أصْبَحَتْ بيدِ الشَّمالِ زمامُها


ولقَد حميْتُ الحيَّ تحملُ شِكَّتي


فرطٌ، وشاحي إذْ غدوتُ لجامُها


فعَلوتُ مرتقباً عَلى ذي هَبْوَة ٍ


حَرِجٍ إلى أعلامِهِنَّ قَتَامُها


حتى إذا ألْقَتْ يداً في كافرٍ


وَأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُها


أسْهلْتُ وانتصَبتْ كجذع منيفَة ٍ


جَرْدَاءَ يَحْصَرُ دونها جُرَّامُها


رَفَّعْتُهَا طَرَدَ النَّعامِ وَشَلَّهُ


حتى إذا سَخِنَتْ وَخَفَّ عظامُها


قَلِقَتْ رِحَالَتُهَا وَأسْبَلَ نَحْرُهَا


وابتلَّ من زَبَدِ الحمِيمِ حِزَامُهَا


تَرْقَى وَتَطَعْنُ في العِنَانِ وتَنْتَحي


وِرْدَ الحمَامة إذ أجَدَّ حَمَامُها


وكثيرة ٍ غُرَباؤهَا مَجْهُولَة ٍ


ترجَى نوافِلُها ويخْشَى ذامُها


غُلْبٌ تَشَذَّرُ بالذُّحُولِ كأنَّهَا


جنُّ البديِّ رواسياً أقدامُها


أنكرتُ باطلَها وَبُؤْتُ بحقِّها


عندي، ولم يَفْخَرْ عليَّ كرامُها


وَجزَورِ أيْسَارٍ دَعَوْتُ لحتفِها


بِمَغَالِقٍ مُتَشَابهٍ أجسامُها


أدعُو بهنَّ لعاقِرِ أوْ مطفِلٍ


بذلَتْ لجيرانِ الجميعِ لحامُها


فالضيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما


هبَطَا تبالَة َ مخصِباً أهْضَامُها


تأوِي إلى الأطْنابِ كلُّ رذيَّة ٍ


مِثْلُ البَلِيّة ِ قَالصٌ أهدَامُها


ويكلّلُونَ إذا الرياحُ تناوحَتْ


خُلُجاً تمدُّ شوارعاً أيْتَامُها


إنّا إذا التقتِ المجَامِعُ لم يَزَلْ


منّا لِزَازُ عظيمة ٍ جَشّامُها


وَمُقَسِّمٌ يُعْطِي العشيرة َ حَقَّهَا


وَمُغَذْمِرٌ لحقوقِها هَضَّامُها


فضلاً، وذو كرمٍ يعينُ على النَّدى


سمحٌ كسُوبُ رغائبٍ غنّامُها


مِنْ معشرٍ سنَّتْ لهمْ آباؤهُمْ


ولكلِّ قومٍ سُنَّة ٌ وإمامُهَا


لا يَطبَعونَ وَلا يَبورُ فَعالُهُم


إِذ لا يَميلُ مَعَ الهَوى أَحلامُها


فاقْنَعْ بما قَسَمَ المليكُ فإنّمَا


قسمَ الخلائقَ بينَنا علاَّمُها


وإذا الأمانة ُ قُسِّمَتْ في مَعْشَرٍ


أوْفَى بأوْفَرِ حَظِّنَا قَسّامُهَا


فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ


فَسَما إليه كَهْلُهَا وَغُلامُها


وَهُمُ السُّعَاة ُ إذا العشيرة ُ أُفْظِعَتْ


وهمُ فوارِسُهَا وَهمْ حُكّامُها


وهمُ رَبيعٌ للمُجَاورِ فيهمُ


والمرملاتِ إذا تطاولَ عَامُها


وَهُمُ العَشيرة ُ أنْ يُبَطِّىء َ حاسدٌ


أو أن يميلَ معَ العدوِّ لئامُها

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h13
كليني لهم يا أميمة ناصب
وليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ
تطاول حتى قلتُ ليس بمنقضٍ
وليس الذي يرعى النجومَ بآئبِ
وصدرٍ أراح الليل عازب همهِ
تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ
عليَّ لعمروٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ
لوالده ليست بذات عقاربِ
حلفتُ يميناً غيرَ ذي مثنويةٍ
ولا علمَ إلا حسنُ ظنٍّ بصاحبِ
لئن كان للقبرين:قبرٍ بجلقٍ
وقبرٍ بصيداء الذي عند حاربِ
وللحارث الجفني سيد قومهِ
ليلتمس بالجيش دار المحاربِ
وثقتُ له بالنصرِ إذ قيل قد غزت
كتائبُ من غسان غر آشائبِ
بنو عمه دنيا حلق فوقهم
عصائب طيرٍ تهتدي بعصائبِ
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم
من الضارياتِ بالدماء الدواربِ
تراهنّ خلف القوم خزراً عيونها
جلوسَ الشيوخِ في ثياب المرانبِ
جوانحَ قد أيقنَّ أن قبيله
إذا ماالتقى الجمعان أولُ غالبِ
لهنّ عليهم عادةٌ قد عرفنها
إذا عرض الحطي فوق الكوائبِ
على عارفاتٍ للطعان عوابسٍ
بهنّ كلومٌ بين دامٍ وجالبِ
إذا استنزلوا عنهنّ للطعن،أرقلوا،
إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فهم يتساقون المنية ينهم
بأيديهم بيضٌ رقاق المضاربِ
يطيرُ فضاضاً بينها كلُّ قونسٍ
ويتبعها منهم فراشُ الحواجبِ
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
تورثن من أزمان يوم حليمةٍ
إلى اليومِ قد جربن كلًّ التجاربِ
تقدّ السلوقي المضاعف نسجه
وتوقد بالصفاحِ نار الحباحبِ
بضربٍ يزيل الهام عن سكناته
وطهنٍ كإيزاغ المخاضِ الضواربِ
لهم شيمةٌ لم يعطها الله غيرهم
من الجود والأحلام غيرُ عوازبِ
مجلتهم ذات الإله ودينهم
قويمٌ فما يرجون غيرَ العواقبِ
رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم
يحيون بالريحان يوم السبابِ
تحييهم بيضُ الولائد بينهم
وأكسيةُ الاضريج فوق المشاجبِ
يصونون أجسادا قديما نعيمها
بخالصة الأردانِ ،خضر المناكبِ
ولا يحسبون الحيرَ لا شرَّ بعده
ولا يحسبون الشر ضربة لازبِ
حبوتُ بها عسان إذ كنت لاحقاً
بقومي،وإذْ أعيتْ عليَّ مذاهبي

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h17
عفا ذو حُساً مِنْ فَرْتَنى ، فالفوارعُ، فجنبا أريكٍ ، فالتلاعُ الدوافعُ


فمجتمعُ الأشراجِ غيرِ رسمها مصايفُ مرتْ ، بعدنا ، ومرابعُ


توَهّمْتُ آياتٍ لها، فَعَرَفْتُها لِسِتّة ِ أعْوامٍ، وذا العامُ سابِعُ


رَمادٌ ككُحْلَ العينِ لأياً أُبينُهُ، و نؤيٌ كجذمِ الحوض أثلمُ خاشعُ


كأنّ مجرّ الرامساتِ ذيولها ، عليه ، حصيرٌ ، نمقتهُ الصوانعُ


على ظَهْرِ مِبْنَاة ٍ جَديدٍ سُيُورُها، يَطوفُ بها، وسْط اللّطيمة ِ، بائِع


فكَفْكفْتُ مني عَبْرَة ً، فرَدَدتُها على النحرِ ، منها مستهلٌّ ودامعُ


على حينَ عاتبتُ المَشيبَ على الصِّبا، و قلتُ : ألما أصحُ والشيبُ وازعُ ؟


وقد حالَ هَمٌ، دونَ ذلكَ، شاغلٌ مكان الشغافِ ، تبغيهِ الأصابعُ


وعيدُ أبي قابوسَ، في غيرِ كُنهِهِ، أتاني، ودوني راكسٌ، فالضواجِعُ


فبتُّ كأني ساورتني ضيئلة ٌ من الرُّقْشِ، في أنيابِها السُّمُّ ناقِعُ


يُسَهَّدُ، من لَيلِ التّمامِ، سَليمُها، لحليِ النساءِ ، في يديهِ ، قعاقعُ


تناذرَها الرّاقُون مِنْ سُمّها، تُطلّقُهُ طَورا، وطَوراً تُراجِعُ


أتاني ، أبيتَ اللعنَ ، أنكَ لمتني ، و تلكَ التي تستكّ منها المسامعُ


مَقالة ُ أنْ قد قلت: سوفَ أنالُهُ، و ذلك ، من تلقاءِ مثلكَ ، رائعُ


لعمري ، وما عمري عليّ بهينٍ ، لقد نطقتْ بطلاً عليّ الأقارعُ


أقارِعُ عَوْفٍ، لا أحاوِلُ غيرَها، وُجُوهُ قُرُودٍ، تَبتَغي منَ تجادِعُ


أتاكَ امرُؤٌ مُسْتَبْطِنٌ ليَ بِغْضَة ً، له من عَدُوٍّ، مثل ذلك، شافِعُ


أتاكَ بقَوْلٍ هلهلِ النّسجِ، كاذبٍ، و لم يأتِ بالحقّ ، الذي هو ناصعُ


أتاكَ بقَوْلٍ لم أكُنْ لأقولَهُ، و لو كبلتْ في ساعديّ الجوامعُ


حلَفْتُ، فلم أترُكْ لنَفسِكَ رِيبة ً، وهلْ يأثمَنْ ذو أُمة ٍ، وهوَ طائِعُ؟


بمصطحباتٍ من لصافٍ وثيرة ٍ ، يَزُرْنَ إلالاً، سَيْرُهُنّ التّدافُعُ


سماماً تباري الريحَ ، خوصاً عيونها ، لَهُنّ رَذايا، بالطّريقِ، ودائِعُ


عليهِنّ شُعْثٌ عامِدونِ لحَجّهِمْ، فهنّ، كأطرافِ الحَنيّ، خواضِعُ


لكلفتني ذنبَ امرئٍ ، وتركته ، كذي العُرّ يُكوَى غيرُهُ، وهو راتعُ


فإن كنتُ ، لا ذو الضغنِ عني مكذبٌ ، و لا حلفي على البراءة ِ نافعُ


ولا أنا مأمُونٌ بشيءٍ أقُولُهُ، و أنتَ بأمرٍ ، لا محالة َ ، واقعُ


فإنّكَ كاللّيلِ الذي هو مُدْرِكي، وإنْ خِلْتُ أنّ المُنتأى عنك واسِعُ


خطاطيفُ حجنٌ في جبالٍ متينة ٍ ، تمدّ بها أيدٍ إليكَ نوازعُ


أتوعدُ عبداً لم يخنكَ أمانة ً ، و تتركُ عبداً ظالماً ، وهوَ ظالعُ ؟


وأنتَ ربيعٌ يُنعِشُ النّاسَ سَيبُهُ، وسيفٌ، أُعِيَرتْهُ المنيّة ُ، قاطِعُ


أبى اللهُ إلاّ عدلهُ ووفاءهُ ، فلا النكرُ معروفٌ ولا العرفُ ضائعُ


و تسقى ، إذا ما شئتَ ، غيرَ مصردٍ ، بزوراءَ ، في حافاتها المسكُ كانعُ

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h24
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... و هل تطيق وداعاً أيها الرجل
غراء فرعاءمصقولٌ عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريثٌ و لا عجل
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل
ليست كمن يكره الجيران طلعتها ... و لا تراهالسر الجار تختتل
يكاد يصرعها لولا تشددها ... إذا تقوم إلى جاراتهاالكسل
إذا تلاعب قرناً ساعةً فترت ... و ارتج منها ذنوب المتن والكفل
صفر الوشاح و ملء الدرع بهكنةٌ ... إذا تأتى يكاد الخصرينخزل
نعم الضجيع غداة الدجن يصرعها ... للذة المرء لا جافٍ و لاتفل
هركولةٌ ، فنقٌ ، درمٌ مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك ينتعل
إذا تقوم يضوع المسك أصورةً ... و الزنبق الورد من أردانها شمل
ما روضةٌ من رياض الحزن معشبةٌ ... خضراء جاد عليها مسبلٌ هطل
يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزرٌ بعميم النبت مكتهل
يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ... و لا بأحسنمنها إذ دنا الأصل
علقتها عرضاً و علقت رجلاً ... غيري و علق أخرى غيرها الرجل
و علقته فتاة ما يحاولها ... و من بني عمها ميت بها وهل
وعلقتني أخيرى ما تلائمني ... فاجتمع الحب ، حبٌ كله تبل
فكلنا مغرمٌ يهذي بصاحبه ... ناءٍ و دانٍ و مخبولٌ و مختبل
صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليدٍ حبل من تصل
أ أن رأت رجلاً أعشى أضر به ... ريب المنون و دهرٌ مفندٌ خبل
قالت هريرة لما جئت طالبها ... ويلي عليك و ويلي منك يارجل
إما ترينا حفاةً لانعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى و ننتعل
و قدأ خالس رب البيت غفلته ... و قد يحاذر مني ثم ما يئل
وقد أقود الصبا يوماً فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ مشلٌ شلولٌ شلشلٌ شول
في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كلمن يحفى و ينتعل
نازعتهم قضب الريحان متكئاً ... و قهوةً مزةً راووقهاخضل
لا يستفيقون منها و هي راهنةٌ ... إلا بهات و إن علوا و إننهلوا
يسعى بها ذو زجاجاتٍ له نطفٌ ... مقلصٌ أسفل السربال معتمل
ومستجيبٍ تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل
الساحبات ذيول الريط آونةً ... و الرافعات على أعجازها العجل
من كل ذلك يومٌ قد لهوت به ... و في التجارب طول اللهو و الغزل
و بلدةٍ مثل ظهر الترس موحشةٍ ... للجنبالليل في حافاتها زجل
لا يتنمى لها بالقيظ يركبها ... إلا الذين لهم فيهاأتوا مهل
جاوزتها بطليحٍ جسرةٍ سرحٍ ... في مرفقيها ـ إذا استعرضتها ـفتل
بل هل ترى عارضاً قد بت أرمقه ... كأنما البرق في حافاته شعل
له ردافٌ و جوزٌ مفأمٌ عملٌ ... منطقٌ بسجال الماء متصل
لم يلهني اللهو عنه حينأرقبه ... و لا اللذاذة في كأس و لا شغل
فقلت للشرب في درنا و قد ثملوا ... شيموا و كيف يشيم الشارب الثمل
قالوا نمارٌ ، فبطن الخال جادهما ... فالعسجديةٌ فالأبلاء فالرجل
فالسفح يجري فخنزيرٌ فبرقته ... حتى تدافع منهالربو فالحبل
حتى تحمل منه الماء تكلفةً ... روض القطا فكثيب الغينةالسهل
يسقي دياراً لها قد أصبحت غرضاً ... زوراً تجانف عنها القود والرسل
أبلغ يزيد بني شيبان مألكةً ... أبا ثبيتٍ أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... و لست ضائرها ما أطت الإبل
كناطح صخرةً يوماًليوهنها ... فلم يضرها و أوهن قرنه الوعل
تغري بنا رهط مسعودٍ و إخوته ... يوم للقاء فتردي ثم تعتزل
تلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا ثمتلقاهم و تعتزل
لا تقعدن وقد أكلتها خطباً ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل
سائل بني أسدٍ عنا فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أبنائنا شكل
و اسأل قشيراً و عبد الله كلهم ... و اسأل ربيعة عنا كيفنفتعل
إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء و إن جاروا و إنجهلوا
قد كان في آل كهفٍ إن هم احتربوا ... و الجاشرية من يسعى وينتضل
لئن قتلتم عميداً لم يكن صدداً ... لنقتلن مثله منكمفنمتثل
لئن منيت بنا عن غب معركةٍ ... لا تلفنا عن دماء القومننتقل
لا تنتهون و لن ينهى ذوي شططٍ ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
حتى يظل عميد القوم مرتفقاً ... يدفع بالراح عنه نسوةٌعجل
أصابه هندوانٌي فأقصده ... أو ذابلٌ من رماح الخط معتدل
لازعمتم بأنا لا نقاتلكم ... إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
نحن الفوارس يوم الحنوضاحيةً ... جنبي فطيمة لا ميلٌ و لا عزل
قالوا الطعان فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشرٌ نزل
قد نخضب العير في مكنون فائله ... و قد يشيط علىأرماحنا البطل

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h36
لِـخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِـبُرْقَةِ ثَـهْمَدِ=تـلُوحُ كَباقي الوَشْمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وُقـوفاً بِـها صَـحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ=يـقولونَ لا تَـهْلِكْ أسًـى وتَـجَلَّدِ
كــأنَّ حُـدوجَ الـمالِكِيَّةِ غُـدْوَةً=خَـلا يـاسَفينٍ بـالنَّواصِفِ مِنْ دَدِ
عَـدَوْلِيَّةٌ أو مِـنْ سَـفينِ ابن يامِنٍ=يَـجورُ بِـها الملاَّحُ طَوْراً ويَهْتَدِي
يَـشُقُّ حَـبابَ الـماءِ حَيْزومُها بِها=كَـمَا قَـسَمَ الـتُّرْبَ الـمُفايِلَ باليَدِ
وفي الحَيِّ أحْوَى يَنْفُضُ المرْدَ شادِنٌ=مُـظاهِرُ سِـمْطَيْ لُـؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
خَـذولٌ تُـراعىَ رَبْـرَباً بِـخَميلَةٍ=تَـناولُ أطْـرافَ الـبَريرِ وتَرْتَدي
وتَـبْسِمُ عـن أَلْـمى كـأنَّ مُنَوِّراً=تَـخَلَّلَ حُـرَّ الـرَّمْلِ دِعْصٍ له نَدِ
سَـفَـتْهُ إيـاةُ الـشَّمسِ إلاّ لِـثاتِهِ=أُسِـفَّ ولـم تَـكْدِمْ عـليهِ بـإثمِدِ
ووجْـهٍ كـأنَّ الشَّمسَ ألْقتْ رِداءهَا=عـليه نـقيِّ الـلَّونِ لـم يَـتَخَدَّدِ
وإنِّـي لأُمْضي الهَمَّ عند احْتِضارِهِ=بـعَوْجاءَ مِـرْقالِ تَـرُوحُ وتَغْتدي
أمــونٍ كـألْواحِ الإرانِ نَـصَأْتُها=عـلى لاحِـبٍ كـأنَّهُ ظَـهْرُ بُرْجُدِ
جُـمـالِيَّةٍ وَجْـناءَ تَـرْدى كـأنَّها=سَـفَـنَّجَةٌ تَـبْرِي لأزْعَـرَ أرْبَـدِ
تُـبارِي عِـتاقاً نـاجياتٍ وأتْبَعَتْ=وظـيفاً وظـيفاً فـوْقَ مـوْرٍ مُعْبَّدِ
تَـرَبَّعتِ الـقُفَّيْنِ في الشَّولِ ترْتَعي=حـدائـقَ مـوْلِىَّ الأسِـرَّةِ أغْـيَدِ
تَـريعُ إلـى صَوْبِ المُهيبِ وتَتَّقي=بِـذي خُـصَلٍ روْعاتِ أكْلَف مُلْبِدِ
كـأنَّ جَـناحَيْ مَـضْرَحيٍّ تَـكَنَّفا=حِـفافَيْهِ شُـكَّا في العَسيبِ بِمِسْرَدِ
فـطَوْراً بِـهِ خَـلْفَ الزَّميلِ وتارَةً=عـلى حَـشَفٍ كـالشَّنِّ ذاوٍ مُجَدَّدِ
لـها فِـخْذان أُكْـمِلَ النَّحْضُ فيهِما=كـأنَّـهُما بـابـا مُـنيفٍ مُـمَرَّدِ
وطَـيُّ مَـحالٍ كـالحَنيِّ خُـلوفُهُ=وأجْـرِنَـةٌ لُـزَّتْ بـرأيٍ مُـنَضَّدِ
كــأنَّ كِـنَاسَيْ ضـالَةٍ يَـكْنِفانِها=وأطْـرَ قِـسِيٍّ تـحت صَلْبٍ مًؤيَّدِ
لـهـا مِـرْفـقانِ أفْـتلانِ كـأنَّها=تَـمُـرُّ بـسَـلْمَىْ دالِـجٍ مُـتَشَدِّدِ
كـقَـنْطَرةِ الـرُّوميِّ أقْـسَمَ رَبُّـها=لَـتُـكْتَنَفَنْ حـتى تُـشادَ بـقَرْمَدِ
صُـهابيةُ الـعُثْنونِ مُـوجَدَةُ القَرَا=بَـعيدةُ وَخْـدِ الـرِّجْلِ مَـوَّارَةُ اليَدِ
أُمِـرَّتْ يَـداها فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَتْ=لـها عَـضُداها فـي سَقيفٍ مُسَنَّدِ
جَـنوحٌ دِفـاقٌ عَـنْدَلٌ ثم أُفْرِعَتْ=لـها كَـتِفاها فـي مُـعالىً مُصَعِّدِ
كـأنَّ عُـلوبَ الـنِّسْعِ فـي دَأَياتِها=مـوارِدُ مِـن خَلْقاءَ في ظَهْرِ قَرْدَدِ
تَـلاقَـى وأَحْـياناً تَـبينُ كـأنَّها=بَـنائِقُ غُـرٍّ فـي قَـميصٍ مُـقَدَّدِ
وأتْـلَعُ نَـهَّاضٌ إذا صَـعَّدَتْ بـه=كَـسُكَّانِ بُـوصِيٍّ بـدَجْلَةَ مُـصْعِدِ
وجُـمْـجُمَةٌ مـثلُ الـعَلاةِ كـأنَّما=وَعَى المُلْتَقَى منها إلى حَرْف مِبْرَدِ
وخَـدٌّ كـقِرْطاسِ الـشَّآمِي ومِشْفَرٌ=كَـسِبْتِ الـيَماني قَـدُّهُ لـم يُجرَّدِ
وعَـيْـنانِ كـالـماوِيَّتَيْن اسْـتَكَنَّتَا=بِـكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ
طَـحورانِ عُـوَّارَ الـقَذَى فتراهُما=كَـمَـكْحولَتَيْ مـذْعورَةٍ أُمِّ فَـرْقَد
وصـادِقَتا سَـمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى=لِـهَجْسٍ خَـفيٍّ أو لِـصوْتٍ مُـنَدِّدِ
مُـؤَلَّلتانِ تَـعْرفُ الـعِتْقَ فـيهِما=كـسامَعَتَيْ شـاة بِـحَوْمَلَ مُـفْرَدِ
وأرْوَعُ نَـبَّـاضٌ أَحَــذُّ مُـلَـمْلَمٌ=كَـمِرْداةِ صَـخْرٍ في صَفيحٍ مُصَمَّدِ
وأعْـلَمُ مَـخْروتٌ من الأنْفِ مارِنٌ=عَـتيقٌ متى تَرْجُمْ به الأرضَ تَزْدَدِ
وإنْ شِئْتُ لم تُرْقِلْ وإنْ شِئْتُ أرْقَلَتْ=مَـخافَةَ مَـلْوِيٍّ مـن الـقَدِّ مُحْصَدِ
وإنْ شِئْتُ سامَى واسِطَ الكُورِ رأسُها=وعـامَتْ بـضَبْعَيْها نَـجاءَ الخَفَيْدَدِ
عَـلى مِثْلِها أمْضِي إذا قالَ صاحبي=ألا لَـيْتَني أفْـديكَ مِـنْها وأفْـتَدِي
وجـاشَتْ إلـيهِ النَّفُسُ خَوْفا وخالَهُ=مُصاباً ولو أمْسَى على غيرِ مرْصَدِ
إذا الـقَوْمُ قالوا مَن فَتَىً خِلْتُ أنَّني=عُـنيتُ فَـلمْ أكْـسَلْ ولـم أَتَـبلَّدِ
أحَـلْتُ عَـلَيْها بـالقَطيعِ فأجْذَمَتْ=وقـد خَـبَّ آلُ الأمْـعَزِ الـمُتَوَقِّدِ
فَـذَالَتْ كـما ذالَـتْ ولِيدَةُ مَجْلِسٍ=تُـرِى ربَّـها أذْيـالَ سَـحْلٍ مُمَدَّدِ
نَـدامايَ بِـيضٌ كـالنُّجومِ وقَـيْنَةٌ=تَـروحُ إِلـيْنا بـينَ بُـرْدٍ ومُجْسَدِ
رَحـيبٌ قِـطابُ الجَيِبِ منها رفيقَةٌ=بِـجَسِّ الـنَّدامَى بَـضَّةُ الـمُتَجَرَّدِ
إذا نَـحنُ قُـلنا أسْـمِعينا انْبَرَتْ لنا=عـلى رِسْـلِها مَـطْروفَةٌ لـم تَشَدَّدِ
إذا رَجَّعَتْ في صَوْتِها خِلْتَ صَوْتَها=تَـجـاوُبَ أظْـآرٍ عَـلَى رُبَـعٍ رَدِ
ومـا زالَ تَـشْرابي الخُمُورَ ولَذَّتي=وبَـيْعي وإنْـفاقي طَـريفي ومُتْلَدي
إلـى أنْ تَـحامَتْني الـعَشيرَةُ كُلُّها=وأُفْـرِدْتُ إَفُـرادَ الـبَعيرِ الـمُعَبَّدِ
رأيْـتُ بَـني غَـبْراءَ لا يُنْكُرونَني=ولا أهْـلُ هـذاكَ الـطِّرافِ المُمَدَّدِ
ألا أيُّـهذا الـزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى=وأنْ أشْـهَدَ الَّلذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي
فـإنْ كُـنْتَ لا تَـسْطيعُ دفْعَ مَنِيَّتي=فـدَعْني أُبـادِرْها بِـما مَلَكَتْ يَدِي
ولـوْلا ثـلاثٌ هُنَّ مِن عَيْشَةِ الفَتَى=وجَـدِّكَ لـم أحْـفِلْ مَتَى قامَ عُوَّدِي
فـمِنْهُنَّ سَـبْقي الـعاذِلاتِ بِـشَرْبَةٍ=كُـمَيْتٍ مـتى مـا تُعْلَ بالماءِ تزْبِدِ
وكـرِّى إذا نـادى المُضافُ مُجَنَّباً=كَـسِـيدِ الـغَضا نَـبَّهْتَهُ الـمُتَورِّدِ
وتَـقْصيُر يَـومِ الـدَّجْنِ والـدَّجْنُ=مُـعْجِبٌ بِبَهْكَنَةٍ تحتَ الخِباءِ المُعَمَّدِ
كـأنَّ الـبُرينَ والـدَّماليجَ عُـلَّقَتْ=عـلى عَـشَرٍ أو خِـرْوَعٍ لم يُخَضَّدِ
كـريمٌ يُـرَوِّي نَـفْسَهُ فـي حَياتِهِ=سَـتَعْلَمُ إنْ مُـتْنا غَـدا أيُّنا الصَّدِي
أرَى قَـبْـرَ نَـحَّامٍ بـخيلٍ بِـمالِهِ=كـقَبْرِ غَـوِيٍّ فـي الـبَطالَةِ مُفْسِدِ
تـرى جَـثْوتَيْنِ مِـن تُرابٍ عَلَيْهِما=صَـفائحُ صُـمٌّ مِـن صَفيحٍ مُنَضَّدِ
أرى الـموْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفي=عَـقـيلَةَ مـالِ الـفاحِشِ الـمُتَشَدِّدِ
أرى الـعَيْشَ كـنْزا ناقِصاً كُلَّ لَيْلَةٍ=ومـا تَـنْقُصُ الأيَّـامُ والـدَّهْرُ يَنْفَدِ
لَـعَمْرُكَ إنَّ الـموتَ ما أَخْطَأَ الفَتَى=لَـكالطِّوالِ الـمُرْخى وثِـنْياهُ باليَدِ
مَـتَى مـا يَـشَأْ يَـوْما يَقُدْهُ لحتْفِهِ=ومَـن يَـكُ فـي حَـبْلِ المنِيَّةِ يَنْقَدِ
فـما لـي أَرانـي وابْنَ عَمِّي مالكاً=مـتى أَدْنُ مِـنْهُ يَـنْأ عَـنِّي ويَبْعُدِ
يـلومُ ومـا أدْري عَـلامَ يـلومُني=كـما لاَمني في الحَيِّ قُرْطُ بنُ مَعْبَدِ
وأيْـأَسَني مِـن كُـلِّ خـيرٍ طَلَبْتُهُ=كـأنَّا وضـعْناهُ إلـى رَمْـسِ مُلْحَدِ
عـلى غـيرِ شـيْءٍ قُلْتُهُ غيرَ أنَّني=نَـشَدْتُ فـلَمْ أُفِـلْ حُـمولَةَ مَـعْبَدِ
وقَـرَّبْـتُ بـالقُرْبى وجَـدِّكَ إنَّـهُ=مـتى يَـكُ أمْـرٌ لـلنَّكيثَةِ أشْـهَدِ
وإنْ أُدْعَ لـلْجُلَى أكُـنْ مِـن حُماتِها=وأنْ يِـأْتِكَ الأعْـداءُ بـالجَهْدِ أَجْهَدِ
وإنْ يِـقْذِفوا بـالقَذْعِ عِرْضَكَ أسْقَهِمْ=بِـشُرْبِ حِـياضِ الموْتِ قبْلَ التَّهَدُّدِ
بِــلا حَـدَثٍ أَحْـدَثْتُهُ وكَـمُحْدَثٍ=هِـجائي وقَـذْفي بالشَّكاةِ ومُطْرَدي
فـلَوْ كـانَ مَـوْلايَ امْرأً هُو غَيْرُهُ=لَـفَرَّجَ كَـرْبي أوْ لأنْـظَرَني غَدي
ولـكنَّ مَـوْلايَ امـرؤٌ هُوَ خانِقي=عـلى الـشُّكْرِ والتَّسْآلِ أو أنا مُفْتَدِ
وظُـلْمُ ذَوي الـقُرْبَى أَشَدُّ مَضاضَةً=عـلى المرْءِ مِن وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
فـذَرْني وخُـلْقِي إنَّـني لـكَ شاكِرٌ=ولـوْ حَـلَّ بَـيْتِي نائياً عِنْدَ ضَرْغَدِ
فـلَوْ شـاءَ ربِّي كُنْتُ قيْسَ بن خالِدٍ=ولـو شاءَ ربِّي كُنْتُ عَمْرَو بن مَرْثَدِ
فـأصْبَحْتُ ذا مـالٍ كـثيرٍ وزارَني=بَـنـونَ كِــرامٌ ســادَةٌ لِـمُسَوَّدِ
أنـا الـرَّجُلُ الضَّرْبُ الذي تَعْرِفونَهُ=خَـشاشٌ كَـرَأْسِ الـحيَّةِ الـمُتَوَقِّدِ
فـآلَيْتُ لا يَـنْفَكُ كَـشْحي بِـطانَةً=لِـعَضْبٍ رقـيقِ الـشَّفْرَتَيْنِ مُـهَنَّدِ
حُـسامٍ إذا مـا قُـمْتُ مُـنْتَصِراً بِهِ=كَـفَى العَوْدَ مِنْهُ البَدءُ ليْسَ بَمَعْضَدِ
أخـي ثِـقَةٍ لا يَـنْثَني عَنْ ضَريبَةٍ=إذا قـيلَ مَـهْلاً قـالَ حـاجِزُهُ قَدِي
إذا ابْـتَدَرَ الـقوْمُ الـسِّلاحَ وجَدْتَني=مـنـيعاً إذا بَـلَّـتْ بِـقائِمهِ يَـدِي
وَبَـرْكٍ هُـجودٍ قَـدْ أثارَتْ مَخافَتي=بَـواديَها أمْـشي بِـعَضْبٍ مُـجَرَّدِ
فَـمَرَّتْ كَـهاةٌ ذاتُ خَـيْفٍ جَـلالَةٌ=عَـقـيلَةَ شَـيْـخٍ كـالوَبيلِ يَـلَنْدَدِ
يـقولُ وقـد تَـرَّ الوَظيفُ وِسَاقُها=أَلَـسْتَ تَـرَى أنْ قـد أتَيْتَ بِمُؤْيِدِ
وقـالَ ألاَ مـاذا تَـرونَ بِـشارِبٍ=شَـديـدٌ عَـلَـيْنا بَـغْـيُهُ مُـتَعَمِّدِ
وقــالَ ذَروهُ إنَّـمـا نَـفْعُها لـهُ=وإلاَّ تَـكُفُّوا قـاصِيَ الـبَرْكِ يَزْدَدِ
فـظَـلَّ الإِمـاءُ يَـمْتَلِلْنَ حُـوارَها=ويُـسْعَى عَـلَيْنا بِالسَّديفِ المُسَرْهَدِ
فـإنْ مُـتُّ فـانْعيني بِـما أنا أَهْلُهُ=وشُـقِّي عَـليَّ الـجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبَدِ
ولا تَـجْعَليني كـأمْرِىءٍ ليْسَ هَمُّهُ=كَـهَمِّي ولا يُـغْني غَنائي ومَشْهَدي
بَـطيءٌ عَنْ الجُلَّى سَريعٍ إلى الخَنا=ذَلــولٍ بِـأَجْماعِ الـرِّجالِ مُـلَهَّدِ
فَـلَوْ كُنْتُ وَغْلا في الرِّجالِ لَضَرَّني=عَـداوَةُ ذي الأصْـحابِ والـمُتَوَحِّدِ
ولـكِنْ نَـفَى عَنِّي الرِّجالَ جَراءَتي=عَـلَيْهِمْ وإِقْـدامي وصِدْقي ومَحْتِدي
لَـعَمْرُكَ مـا أمْـري عَـلَّي بُـغُمَّةٍ=نَـهارِي ولا لَـيْلي عَـلَيَّ بِـسَرْمَدِ
ويَـوْمٌ حَـبَسْتُ النَّفْسَ عِنْدَ عِراكِها=حِـفاظاً عَـلَى عَـوْراته والـتَّهَدُّدِ
عَلَى مَوْطِنٍ يَخْشى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَى=مـتى تَـعْتَرِكْ فيهِ الفَرائِصُ تُرْعَدِ
وأَصْـفَرَ مَـضْبوحٍ نَظَرْتُ حِوارَهُ=عَـلَى الـنَّارِ واسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِدِ
أرى الموتَ أعْدادَ الُّنفوسِ ولا أَرَى=بـعيداً غَـدًا ما أَقْرَبَ اليَوْمَ مَنْ غَدِ
سَـتُبْدِي لَـكَ الأيَّامُ ما كُنْتَ جاهِلاً=ويَـأْتيكَ بِـالأَخْبارِ مَـنْ لَـمْ تُزَوِّدِ
وَيَـأْتيكَ بِـالأَخْبارِ مَـنْ لمْ تَبِعْ لَهُ=بَـتاتاً ولَـمْ تَضْرِبْ لَهُ وقْتَ مَوْعِدِ

Tarek Elemary
10/05/2009, 18h40
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يمل منه الثواء
بعد عهدٍ لنا ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء
فالمحياة فالصفاح فأعنا ... ق فتاقٍ فعاذبٌ فالوفاء
فرياض القطا فأودية الشر ... يب فالشعبتان فالأبلاء
لا أرى من عهدت فيها فأبكي اليـ ... ـوم دلهاً و ما يحير البكاء
و بعينيك أوقدت هندٌ النا ... ر أخيراً تلوي بها العلياء
فتنورت نارها من بعيدٍ ... بخزارى هيهات فيك الصلاء
أوقدتها بين العقيق فشخصيـ ... ـن بعودٍ كما يلوح الضياء
غير أني قد أستعين على الهـ ... ـم إذا خف بالثوي النجاء
بزفوفٍ كأنها هقلةٌ أ ... م رئالٍ دويةٌ سقفاء
آنست نبأةً و أفزعها القـ ... ـناص عصراً و قد دنا الإمساء
فترى خلفها من الرجع و الوقـ ... ـع منيناً كأنه إهباء
و طراقاً من خلفهن طراقٌ ... ساقطاتٌ ألوت بها الصحراء
أتلهى بها الهواجر إذ كـ ... ـل ابن همٍ بليةٌ عمياء
و أتانا من الحوادث و الأنـ ... ـباء خطبٌ نعنى به و نساء
إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء
يخلطون البريء منا بذي الذنـ ... ـب و لا ينفع الخلي الخلاء
زعموا أن كل من ضرب العيـ ... ـر موالٍ لنا و أنا الولاء
أجمعوا أمرهم عشاءً فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ و من مجيبٍ و من تصـ ... ـهال خيلٍ خلال ذاك رغاء
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمروٍ و هل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشناءة تنميـ ... ـنا حصونٌ و عزةٌ معساء
قبل ما اليوم بيضت بعيون الـ ... ـناس فيها تغيظٌ و إباء
و كأن المنون تردي أر ... عن جوناً ينجاب عنه العماء
مكفهراً على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيدٌ صماء
إرمي بمثله جاكت الخيـ ... ل وتأبى لخصمها الإجلاء
ملكٌ مقسطٌ وأفضل من يمـ ... ـشي ومن دون ما لديه الثناء
أيما خطةٍ أردتم فأدو ... ها إلينا تشفى بها الأملاء
إن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء
أو نقشتم فالنقش يجشمه النـ ... ـاس وفيه الإسقام والإبراء
أو سكتم عنا فكنا كمن أغـ ... ـمض عيناً في جفنها الأقذاء
أو منعتم ما تسألون فمن حد ... ثتموه له علينا العلاء
هل علمتم أيام ينتهب النا ... ـس غواراً لكل حيٍ عواء
إذ رفعنا الجمال من سعف البحـ ... ـرين سيراً حتى نهاها الحساء
ثم ملنا على تميمٍ فأحر ... ـنا وفينا نبات قومٍ إماء
لا يقيم العزيز بالبلد السهـ ... ـل ولا ينفع الذليل النجاء
ليس ينجي الذي يوائل منا ... رأس طودٍ وحرةٌ رجلاء
ملكٌ أضرع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء
كتكاليف قومنا إذا غزا المنـ ... ـذر هل نحن لابن هندٍ رعاء
ما أصابوا من تغلبيٍ فمطلو ... لٌ عليه إذا أصيب العفاء
إذا أحل العلياء قبة ميسـ ... ون فأدنى ديارها العوصاء
فتأوت له قراضبةٌ من ... كلٍ حيٍ كأنهم ألقاء
فهداهم بالأسودين و أمر اللـ ... ـه بلغٌ تشقى به الأشقياء
إذ تمنونهم غروراً فساقتـ ... ـهم إليكم أمنيةٌ أشراء
لم يغروكم غروراً و لكن ... رفع الآل شخصهم و الضحاء
أيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمروٍ و هل لذاك انتهاء
من لنا عنده من الخير آيا ... تٌ ثلاثٌ في كلهن القضاء
آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا ... ءت معدٌ لكل حيٍ لواء
حول قيسٍ مستلئمين بكبشٍ ... قرظيٍ كأنه عبلاء
وصيتٍ من العواتك لا تنـ ... ـهاه إلا مبيضةٌ رعلاء
فرددناهم بطعنٍ كما يخـ ... ـرج من خربة المزاد الماء
وحملناهم على حزمٍ ثهلا ... ن شلالاً ودمي الأنساء
وجبهناهم بطعنٍ كما تنـ ... ـهز في جمة الطوي الدلاء
‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وفعلنا بهم كما علم اللـ ... ـه وما إن للحائنين دماء
ثم حجراً أعني ابن أم قطامٍ ... وله فارسيةٌ خضراء
أسدٌ في اللقاء وردٌ هموسٌ ... وربيعٌ إن شمرت غبراء
وفككنا غل امرىء القيس عنـ ... ـه بعدما طال حبسه والعناء
ومع الجون جون آل بني الأو ... س عنودٌ كأنها دفواء
ما جزعنا تحت العجاجة إذ ولـ ... ـوا شلالاً وإذ تلظى الصلاء
وأقدناه رب غسان بالمنـ ... ـذر كرهاً إذ لا تكال الدماء
وأتيناهم بتسعة أملا ... كٍ كرامٍ أسلابهم أغلاء
وولدنا عمرو بن أم أناسٍ ... من قريبٍ لما أتانا الحباء
مثلها تخرج النصيحة للقو ... م فلاةٌ من دونها أفلاء
فاتركوا الطيخ والتعاشي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي وهل ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواء
واعلموا أننا وإياكم فيـ ... ـما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
عنناً باطلاً وظلماً كما تعـ ... ـتر عن حجرة الربيض الظباء
أعلينا جناح كندة أن يغـ ... ـنم غازيهم ومنا الجزاء
أم علينا جرى إيادٍ كما نيـ ... ـط بجوز المحمل الأعباء
ليس منا المضربون ولا قيـ ... ـسٌ ولا جندلٌ ولا الحذاء
أم جنايا بني عتيقٍ فإنا ... منكم إن غدرتم برآء
وثمانون من تميمٍ بأيديـ ... ـهم رماحٌ صدورهن القضاء
تركوهم ملحبين و آبوا ... بنهابٍ يصم منها الحداء
أم علينا جرى حنيفة أم ما ... جمعت من محاربٍ غبراء
أم علينا جرى قضاعة أم ليـ ... س علينا فيما جنوا أنداء
ثم جاؤوا يسترجعون فلم تر ... جع لهم شامةٌ و لا زهراء
لم يحلوا بني رزاحٍ ببرقا ... ء نطاعٍ لهم عليهم دعاء
ثم فاؤوا منهم بقاصمة الظهـ ... ـر لا يبرد الغليل الماء
ثم خيلٌ من بعد ذاك مع الفلا ... ق لا رأفةٌ و لا إبقاء
و هو الرب و الشهيد على يو ... م الحيارين و البلاء بلاء

Tarek Elemary
10/05/2009, 19h03
تَوَهمْتُ أَني خُضْتُ مَعْرَكَةً
إِلا تَرَكْتُ الدمَا تَنْهَل كَالْمَطَر
كَمْ قَدْ عَرَكْتُ مَعَ الأَيامِ نَائِبَةً
حَتى عَرَفْتُ القَضَا الجَارِي مَعَ القَدَرِ
عُمْرِي مَعَ الدهْرِ، مَوْصُولُ بِآخِرِه
وَإِنمَا فَضْلُهُ بِالشمْسِ وَالقَمَرِ
وَيْل لِكِسْرَى، إِذَا جَالَتْ فَوَارِسُنَا
فِي أَرْضِهِ، بِالْقَنَا الخَطيةِ السمُرِ
أَوْلاَدُ فَارِسَ، مَا لِلْعَهْدِ عِنْدَهُمُ
حِفْظُ، وَلاَ فِيهِمِ فَخْرُ لِمُفْتَخِرِ
يَمْشُونَ فِي حُلَلِ الديَباجِ نَاعِمَةً
مَشْيَ البَنَاتِ، إِذَا مَا قُمْنَ فِي السحَرِ
وَيَوْمَ طَعْنِ القَنَا الخَطي، تَحْسَبُهُمْ
عَانَاتِ وَحْشٍ، دَهَاهَا صَوْتُ مُنْدَعَرِ
غَداً يَرَوْنَ رِجَالاً مِنْ فَوَارِسِنَا
إِنْ قَاتَلُوا المَوْتَ، مَا كَانُوا عَلَى حَذَرِ
خُلِقْتُ لِلْحَرْبِ أُحْمِيها إِذَا بَرَدَتْ
وَأَجْتَنِي مِنْ جَنَاهَا يَانِعَ الثمَرِ
يَا آلَ عَدْنَانَ، سِيرُوا وَاطْلُبُوا رَجُلاً
مِثَالُهُ مثْلُ صَوْتِ العَارِضِ المَطِرِ
المَوْتُ حُلْوُ لِمَا لاَقَتْ شَمَائِلُهُمْ
وَعِنْدَ غَيْرِهِمِ كَالحَنْظَلِ الكَدِرِ
وَالناسُ صِنْفَان، هَذَا قَلْبُهُ خَزَفُ
عنْدَ اللقَاءِ، وَهَذَا قُد مِن حَجَرِ

امحمد شعبان
10/05/2009, 19h47
يا طارق يا ولدي :
- قد يتساءل القارئ : من هم شعراء هذه القصائد النكرات ؟ : ولئن كانت فئة منا قد درس بعضها فإن السواد الأعظم من المطلعين لا يعرفون عنها شيئا أما كان من الأولى التعريف بها وبأصحابها واحدة واحدة قبل عرضها ؟ مثلما فعل - وعلى الأقل - الأخ الكريم عماد جمعة في موضوعه شع راء العصر الجاهلي ؟
- ثم إن هذا العمل الذي أقدمت عليه ليس بهيٌن لأنه من الضروري الحتمي شرح الكثير من العبارات وشكل الكثير من المفردات المعقدة لفظا ومعنى وهذا عمل مرهق لا أراك قادرا عليه ثم هو مطروق قبلك من غيرك .
- ولست أدري ما حملك على طرح الموضوع بهذا النمط العقيم ؟
- وإني أنصحك بالسباحة على الشاطئ ولا تغوصنٌ في أعماق المحيطات فإني والله مع خبرتي الطويلة في هذا المجال وامتلاكي للمعلٌقات السبع وغيرها من الشعر الجاهلي والشعر الحديث ودراستي للأدب وتاريخ الأدب العربي لا آنس من نفسي الكفاءة على طرق هذه المواضيع التي تستعصي عليٌ لأن هذا عمل له أهله وخبراؤه .
قلت لك هذا إخلاصا لك ورأفة بحالك .
والسلام .

علاء قدرى
10/05/2009, 20h02
صديقى و اخى الشاعر طارق العمرى
بعد السلام و التحية و الشكر و التقدير لما تقدمة لنا من اعمال جليلة
لى رجاء و قد سبق ان قلت ان هذا العمل من اجل اظهار محاسن المفردات و اللغه فى الشعر الجاهلى ؛و على ما اعتقد
انه مقدم( للمبتدئين) و الحقت بهم تواضعا ؛و زورا شخصكم الكريم؛و هنا لى وقفه ان سمحت مسامعكم الجميلة
اولا : انت لست من المبتدئين
ثانيا: مفردات اللغة فى العصر الجاهلى بقدر رفعتها؛و جمالها الا انها تستحيل دون شرح على من يعشقون الشعر؛و ليسوا من الشعراء(امثالى)
فما كان احرى بكم و بالشعراء المبدعين فى منتدانا الرائع ان يشرحوا لنا بيتين بيتين؛و بيان ما فى الابيات من معانى جميلة ؛و مقاصد تستعصى على الفهم؛حتى تكون الاستفادة تامة و كاملة؛لرفع مستوى القراء المبتدئين امثالى؟

هذا مجرد اقتراح تقبلة بصر رحب؛و انا اعرف انى القى على كاهلكم ثقلا عظيما
لك من خالص التقدير و الاحترام

Tarek Elemary
10/05/2009, 20h22
يا طارق يا ولدي :


- قد يتساءل القارئ : من هم شعراء هذه القصائد النكرات ؟ : ولئن كانت فئة منا قد درس بعضها فإن السواد الأعظم من المطلعين لا يعرفون عنها شيئا أما كان من الأولى التعريف بها وبأصحابها واحدة واحدة قبل عرضها ؟
- ثم إن هذا العمل الذي أقدمت عليه ليس بهيٌن لأنه من الضروري الحتمي شرح الكثير من العبارات وشكل الكثير من المفردات المعقدة لفظا ومعنى وهذا عمل مرهق لا أراك قادرا عليه
- ولست أدري ما حملك على طرح هذا الموضوع بالمنتدى ؟ : فدارسو الشعر الجاهلي أو مدرٌسوه لا تعوزهم المصادر التي يرومون قصدها للإفادة أو الاستفادة
- وإني أنصحك بالسباحة على الشاطئ ولا تغوصنٌ في أعماق المحيطات فإني والله مع خبرتي الطويلة في هذا المجال وامتلاكي للمعلٌقات السبع وغيرها من الشعر الجاهلي والشعر الحديث ودراستي للأدب وتاريخ الأدب العربي لا آنس من نفسي الكفاءة على طرق هذه المواضيع التي تستعصي عليٌ
قلت لك هذا إخلاصا لك ورأفة بحالك
والسلام

يا سيدى إن لم يكن فى كل هذا الأمر سوى مرورك و مخاطبتك لى بولدى و ياله من شرفٍ و تكريم فهذا و الله حسبى
أما ما سردت سيادتكم و أسهبت و شرحت فلا خلاف عليه و لكننى فى المقدمة اوضحت الهدف الذى رجوته من وجود هذه الأصول و كأنها لحفظ السلالة
كان هدفى أن نمر عليه و نقرأه كموسيقى ونظم و سجع و صور للتعلم حتى و لو لم نفهم المعنى اللفظى و لا الظروف والملابسات لكل شاعر بل و كل معلقة أو قصيدة
قد أكون أخفقت و لكن حتى الشرح و التعريف بهم متوفر و متاح .
ومع الفارق الكبير فهو مجرد مثل فكثير من قارئى القرآن و مرتليه تعبداً لا يعون ولا يعرفون معناه -أقول مع الفارق الكبير- ومع هذا يحسون بصفاء نفس و حالة إيمانية جميلة
ثالثا أقول مع الفارق فالقارئ للشعر الجاهلى يستحضر موسيقى الشعر العمودى و بحوره و الدخول فى جوه الفنى
و شكرى لسيادتكم بما يليق
و تقبل تحياتى

Tarek Elemary
10/05/2009, 20h28
1
هب من نومه يهب هبا : إذا استيقظ ،الصحن : القدح العظيم والجمع الصحون ، الصبح: سقي الصبوح ، والفعل صبح يصبح ، أبقيتالشيء وبقيته بمعنى ، الأندرون : قرى بالشام يقول : ألا استيقظي من نومك أيتهاالساقية واسقيني الصبوح بقدحك العظيم ولا تدخري خمر هذه القرى
2
شعشعت الشراب : مزجته بالماء ، الحص : الورس ، وهونبت في نوار أحمر يشقه الزعفران . ومنهم من جعل سخينا صفة ومعناه الحار، من سخن يسخن سخونة ، ومنهم من جعله فعلا من سخي يسخى سخاء ، وفيه ثلاث لغات : إحداهن ما ذكرنا ، والثانية سخو يسخو ، والثالثة سخا يسخو سخاوة يقول : اسقنيهاممزوجة بالماء كأنها من شدة حمرتها بعد امتزاجها بالماء ألقي فيها نور هذا النبتالأحمر ، وإذا خالطها الماء وشربناها وسكرنا جدنا بعقائل أموالنا وسمحنا بذخائرأعلاقنا ، هذا إذا جعلنا سخينا فعلا وإذا جعلناه صفة كان المعنى : كأنها حالامتزاجها بالماء وكون الماء حارا نور هذا النبت . ويروي شحينا ، بالشين المعجمة ،أي إذا خالطها الماء مملوءة به . والشحن : الملء ، والفعل شحن يشحن ، والشحين بمعنىالمشحون كالقتيل بمعنى المقتول ، يريد أنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء كثيراتشبه هذا النور
3
يمدح الخمر ويقول : انها تميل صاحبالحاجة عن حاجته وهواه إذا ذاقها حتى يلين ، أي إنها تنسي الهموم والحوائج أصحابهافاذا شربوها لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم
4
اللحز : الضيق الصدر ، الشحيح البخيلالحريص ، والجمع الأشحة الأشحاء ، الشحاح أيضا مثل الشحيح ، والفعل شح يشح والمصدرالشح وهو البخل معه حرص يقول : ترى الانسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لمالهفيها ، أي في شرائها ، إذا أمرت الخمر عليه ، أي إذا أديرت عليه
5
الصبن : الصرف ، والفعل صبن يصبن يقول : صرفت الكأس عنا يا أم عمرو وكان مجرى الكأس على اليمين فأجريتها على اليسار
6
يقول : ليس بصاحبك الذي لا تسقينهالصبوح هو شر هؤلاء الثلاثة الذين تسقيهم ، أي لست شر أصحابي فكيف أخرتني وتركتسقيي الصبوح
7
يقول : ورب كأس شربتها بهذه البلدةورب كأس شربتها بتينك البلدتين
8
يقول : سوف تدركنا مقادير موتنا وقدقدرت تلك المقادير لنا وقدرنا لها ، المنايا : جمع المنية وهي تقدير الموت
9
أراد يا ظعينة فرخم ، والظغينة : المرأة في الهودج ، سميت بذلك لظعنها مع زوجها ، فهي ، فعيلة بمعنى فاعلة ، ثم أكثراستعمال هذا الأسم للمرأة حتى يقال لها ظعينة وهي في بيت زوجها يقول : فقي مطيتكأيتها الحبيبة الظاعنة نخبرك بما قاسينا بعدك وتخبرينا بما لاقيت بعدنا
10
الصرم : القطيعة ، الوشك : السرعة ،والوشيك : السريع ، الأمين : بمعنى المأمون يقول : فقي مطيتك نسألك هل أحدثت قطيعةلسرعة الفراق أم هل خنت حبيبك الذي نؤمن خيانته ؟ أي هل دعتك سرعة الفراق إلىالقطيعة أو الخيانة في مودة من لا يخونك في مودته إياك
11
الكريهة : من أسماء الحرب ، والجمعالكرائه ، سميت بها لأن النفوس تكرهها ، وإنما لحقتها التاء لأنها أخرجت مخرجالأسماء مثل : النطيحة والذبيحة ، ولم تخرج مخرج النعوت مثل : امرأة قتيل وكف خضيب . ونصب ضربا وطعنا على المصدر أي يضرب فيه ضربا ويطعن فيه طعنا قولهم : أقر اللهعينك ، قال الأصمعي : معناه أبرد الله دمعك ، أي سرك غاية السرور ، وزعم أن دمعالسرور بارد عليه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب هذا القول وقال : الدمع كله حارجلبه فرح أو ترح. وقال أبو عمرو الشيباني : معناه أنام الله عينك وأزال سهرها لأنأستيلاء الحزن داع إلى السهر ، فالإقرار عل قوله إفعال من قر يقر إقرارا ن لأنالعيون تقر في النوم وتطرف في السهر . وحكى ثعلب عن جماعة من الأئمة أن معناه : أعطاك الله مناك ومبتغاك حتى تقر عينك عن الطموح إلى غيره وتحرير المعنى : أرضاكالله ، لأن المترقب للشيئ يطمح ببصره اليه فاذا ظفر به قرت عينه عن الطموع إليهيقول : تخبرك بيوم حرب كثر فيه الضرب والطعن فأقر بنو أعمامك عيونهم في ذلك اليوم ،أي فازوا ببغيتهم وظفروا بمناهم من قهر الأعداء
12
أي بما لا تعلمين من الحوادث يقول : فان الأيام رهن بما لا يحيط علمك به أي ملازمة له
13
الكاشح : المضمر العداوة في كشحه ،وخصت العرب الكشح بالعداوة لأنه موضع الكبد ، والعداوة عندهم تكون في الكبد ، وقيلبل سمي العدو كاشحا لأنه يكشح عن عدوه فيوليه كشحه ، يقال : كشح عنه يكشح كشحا يقول : تريك هذه المرأة إذا أتيتها خالبة وأمنت عيون أعدائها
14
العيطل : الطويل العنق من النوق ،الادماء : البيضاء منها ، والأدمة البياض في الإبل ، البكر : الناقة التي حملت بطناواحدا ، ويروى بكر بفتح الباء ، وهو الفتي من الإبل ، وبكسر الباء على الروايتين ،ويروى : تربعت رعت ربيعا ، الأرجاع : جمع الأجرع وهو والمكان الذي فيه جرع ، والجرع : جمع جرعه ، وهي دعص من الرمل . المتون : جمع متن وهو الظهر من الأرض ، الهجان : الابيض الخالص البياض يستوي فيها الواحد والتثنية والجمع ، وينعت به الابل والرجالوغيرهما ، لم تقرأ جنينا : لم تضم في رحمها ولدا يقول : تزيل ذراعين ممتلئتين لحماكذراعي ناقة طويلة العنق لم تلد بعد أو رعت ايام الربيع في مثل هذا الموضع ، ذكرهذا مبالغة في سمنها ، أي ناقة سمينة لم تحمل ولدا قط بيضاء اللون
15
رخصا : لينا ، حصانا: عفيفة يقول : وتريك ثديا مثل حق من عاج بياضا واستدارة محرزة من أكف من يلمسها
16
اللدن : اللين ، والجمع لدن ، أي تريكمتني قامة لدنة ، السموق : الطول ، والفعل سمق يسمق ، الرادفتان والرانفتان : فرعاالأليتين ، والجمع الروادف والورانف ، النوء : النهوض في تثاقل ، الولى : القرب ،والفعل ولي يلي يقول : وتريك متني قامة طويلة لينة تثقل أردافها مع ما يقرب منهاوبذ لك وصفها بطول القامة وثقل الأرداف
17
المأكمه : رأس الورك ، والجمع المآكميقول : وتريك وركا يضيق الباب عنها لعظمها وضخمها وامتلائها باللحم ، وكشحا قد جننتبحسنه جنونا
18
البلنط : العاج ، السارية : الاسطوانة، والجمع السواري ، الرنين : الصوت يقول : وتريك ساقين كاسطوانتين من عاج أو رخامبياضا وضخما يصوت حليهما ، أي خلاخيلهما ، تصويتا
19
قال القاضي أبو سعيد السيرافي : البعير بمنزلة الانسان والجمل بمنزلة الرجل والناقة بمنزلة المرأة : والسقب بمنزلةالصبي ، والحائل بمنزلة الصبية ، والحوار بمنزلة الولد ، والبكر بمنزلة الفتى ،والقلوص بمنزلة الجارية الوجد : الحزن ، والفعل وجد يجد ، الترجيع : ترديد الصوت ،الحنين : صوت المتوجع يقول : فما حزنت حزنا مثل حزني ناقة أضلت ولدها فرددت صوتهامع توجعها في طلبها ، يريد أن حزن هذه الناقة دون حزنه لفراق حبيبته
20
الشمط : بياض الشعر ، الجنين : المستور في القبر هنا يقول : ولا حزنت كحزني عجوز لم يترك شقاء حظها لها من تسعةأبناء إلا مدفونا في قبره ، أي ماتوا كلهم ودفنوا ، يريد أن حزن العجوز التي فقدتتسعة بنين دون حزنه عند فراق عشيقته
21
الحمول : جمع حامل ، يريد إبلها يقول : تذكرت العشق والهوى واشتقت إلى العشيقة لما رأيت حمول أبلها سيقت عشيا
22
أعرضت : ظهرت ، وعرضت الشيئ أظهرته ،ومنه قوله عز وجل :"وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا" وهذا من النوادر ، عرضت الشيئفأعرض ، ومثله كببته فأكب ، ولا ثالث لهما فيما سمعنا ، اشمخرت : ارتفعت ، أصلتالسيف : سللته يقول: فظهرت لنا قرى اليمامة وارتفعت في أعيننا كأسياف بأيدي رجالسالين سيوفهم .. شبه الشاعر ظهور قراها بظهور أسياف مسلولة من أغمادها
23
يقول : يا أبا هند لا تعجل عليناوأنظرنا نخبرك باليقين من أمرنا وشرفنا ، يريد عمرو بن هند فكناه
24
االراية : العلم ، والجمع الراياتوالراي يقول نخبرك باليقين من أمرنا بأنا نورد أعلامنا الحروب بيضا ونرجعها منهاحمرا قد روين من دماء الابطال . هذا البيت تفسير اليقين من البيت الأول
25
يقول : نخبرك بوقائع لنا مشاهير كالغرمن الخيل عصينا فيها الملك فيها كراهية أن نطيعه ونتذلل له ، الأيام : الوقائع ،الغر بمعنى المشاهير كالخيل الغر لا شتهارها فيما بين الخيل . قوله أن ندين ، أيكراهية أن ندين فحذف المضاف ، هذا على قول البصريين ، وقال الكوفيون : تقديره أن لاندين ، أي لئلا ندين ، فحذف لا
26
يقول ورب سيد قوم متوج بتاج الملك حامللاحجئين اليه قهرناه ، أحجرته : الجأته
27
العكوف : الاقامة ، والفعل عكف يعكف ،الصفون : جمع صافن ، وقد صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبكهالرابع يقول : قتلناه وحبسنا خيلنا عليه وقد قلدناه أعنتها في حال صفونها عنده
28
يقول : وأنزلنا بيوتنا بمكان يعرف بذيطلوح إلى الشامات تنفي من هذه الأماكن أعداءنا الذين كانوا يوعدوننا
29
القتاد : شجر ذو شوك ، والواحدة منهاقتادة ، التشذيب : نفي الشوك والأغصان الزائدة والليف عن الشجر . يلينا : أي يقربمنا يقول : وقد لبسنا الأسلحة حتى أنكرتنا الكلاب وهرت لانكارها إيانا وقد كسرناشوكة من يقرب منا من أعدائنا ، استعار لفل الغرب وكسر الشوكة تشذيب القتادة
30
أراد بالمرحى رحى الحرب وهي معظمهايقول : مت حاربنا قوم قتلناهم ، لما استعار للحرب اسم الرحى استعار لقتلاها اسمالطحين
31
الثفال : خرقة أو جلدة تبسط تحت الرحىليقع عليها الدقيق ، اللهوة : القبضة من الحب تلقى في فم الرحى ، وقد ألهيت الرحىأي القيت فيها لهوة يقول تكون معركتنا الجانب الشرقي من نجد وتكون قبضتنا قضاعةأجمعين ، فستعار للمعركة اسم الثفال ، وللقتلى اسم اللهوة .. ليشاكل الرحى والطحين
32
يقول : نزلتم منزلة الأضياف فعجلنالكم قراكم كراهية أن تشتمونا ولكي لا تشتمونا ، والمعنى : تعرضتم لمعاداتنا كمايتعرض الضيف للقرى فقتلناكم عجالا كما يحمد تعجيل قرى الضيف ، ثم قال تهكما بهمواستهزاء : وذلك خشية ان تشتمونا ، أي قريناكم على عجلة كراهية شتمكم إيانا إناخرنا قراكم
33
المرداة : الصخرة التي يكسر بهاالصخور ، والمرادة ايضا الصخرة التي يرمى بها ، والردى الرمي والفعل ردى يردي ،فاستعار المرداة للحرب ، الطحون : فعول من الطحن . مرداة طحونا أي حربا اهلكتهم اشدإهلاك
34
يقول : نعم عشائرنا بنوالنا وسبيلناونعف عن اموالهم ونحمل عنهم ما حملونا من أثقال حقوقهم ومؤنتهم ، والله أعلم
35
التراخي : البعد ، الغشيان : الإتيانيقول : نطاعن الابطال ما تباعدوا عنا ، أي وقت تباعدهم عنا ، ونضربهم بالسيوف إذااتينا أي اتونا ، فقربوا منا ، يريد ان شأننا طعن من لاتناله سيوفنا
36
اللدن : اللين ، والجمع لدن يقول : نطاعنهم برماح سمر لينة من رماح الرجل الخطي ، يريد سمهرا أي نضاربهم بسيوف بيضيقطعن ما ضرب بها ، توصف الرماح بالسمهرة لأن سمهرتها دالة على نضحها في منابتها
37
الأبطال : جمع بطل وهو الشجاع ،الوسوق : جمع وسق وهو حمل بعير ، الأماعز : جمع الأمعز وهو المكان الذي تكثر حجارتهيقول : كأن جماجم الشجعان منهم أحمال ابل تسقط في الأماكن الكثيرة الحجارة ، شبهرؤوسهم في عظمها باحمال الأبل ، والارتماء لازم ومتعد ، وهو في البيت لازم
38
الاختلاب : قطع الشيء بالمخلب وهوالمنجل الذي لا أسنان له ، الاختلاء : قطع الخلا وهو رطب الحشيش يقول : نشق بهارؤوس الأعداء شقا ونقطع بها رقابهم فيقطعن
39
يقول : وان الضغن بعد الضغن تفشوآثاره ويخرج الداء المدفون من الافئدة ، أي يبعث على الانتقام
40
يقول : ورثنا شرف آبائنا قد علمت ذلكمعد فنحن نطاعن الأعداء دون شرفنا حتى يظهرالشرف لنا
41
الحفض : متاع البيت ، والجمع أحفاض ،والحفض البعير الذي يحمل متاع البيت ، من روى في البيت : على الأحفاض ، أراد بهاالأمتعة ، ومن روى : عن الأحفاض ، اراد بها الابل يقول : ونحن إذا قوضت الخيام فخرتعلى أمتعتها نمنع ونحمي من يقرب منا من جيراننا ، أو ونحن إذا سقطت الخيام عن الابلللاسراع في الهرب نمنع ونحمي جيراننا إذا هرب غيرنا حمينا غيرنا
42
الجذ : القطع يقول : نقطع رؤوسهم فيغير بر ، أي في عقوق ، ولا يدرون ماذا يحذرون منا من القتل وسبي الحرم واستباحةالأموال
43
المخراق : معروف ، والمخراق أيضا سيفمن خشب يقول : كنا لا نحفل بالضرب بالسيوف كما لايحفل اللاعبون بالضرب بالمخاريق أوكنا نضرب بها في سرعة كما يضرب بالمخاريق في سرعة
44
يقول : كأن ثيابنا وثياب أقراننا خضبتبأرجوان أو طليت
45
الاسناف : الاقدام يقول : إذا عجز عنالتقدم قوم مخافة هول منتظر متوقع يشبه ان يكون ويمكن
46
يقول : نصبنا خيلا مثل هذا الجبل أوكتيبة ذات شوكة محافظة على أحسابنا وسبقنا خصومنا ، أي غلبناهم . وتحرير المعنى : إذا فزع غيرنا من التقدم أقدمنا مع كتيبة ذات شوكة وغلبنا ، وإنما نفعل هذا محافظةعلى أحسابنا
47
يقول : نسبق ونغلب بشبان يعدون القتالفي الحروب مجدا وشيب قد تمرنوا على الحروب
48
حديا : اسم جاء على صيغة التصغير مثلثريا وحميا وهي بمعنى التحدي يقول : نتحدى الناس كلهم بمثل مجدنا وشرفنا ونقارعأبناءهم ذابين عن أبنائنا ، أي نضاربهم بالسيوف حماية للحريم وذبا عن الحوزة
49
. العصب : جمع عصبة وهي ما بين العشرةوالأربعين ، الثبة : الجماعة ، والجمع الثبات ، والثبون في الرفع ، والثبين فيالنصب والجر يقول : فأما يوم نخشى على أبنائنا وحرمنا من الأعداء تصبح خيلنا جماعات، أي تتفرق في كل وجه لذب الأعداء عن الحرم
50
الإمعان : الإسراع والمبالغة في الشيء، التلبب : لبس السلاح يقول : وأما يوم لانخشى على حرمنا من أعدائنا فنمعن فيالاغارة على الأعداء لابسين أسلحتنا
51
الرأس . الرئيس والسيد يقول : نغيرعليهم مع سيد من هؤلاء القوم ندق به السهل ، أي نهزم الضعاف والأشداء
52
التضعضع : التكسر والتذلل ، ضعضعهفتضعضع أي كسرته لسنا بهذه الصفة فتعلمنا الأقوام بها
53
أي لا يسعفهن احد علينا فنسفه عليمفوق سفههم ، أي نجازيهم بسفههم جزاء يربي عليه ، فسمي جزاء الجهل جهلا لازدواجالكلام وحسن تجانس اللفظ ، كما قال الله تعالى :"الله يستهزئ بهم" وقال الله تعالى : "وجزاء سيئة سيئة مثلها" وقال جل ذكره :"ومكروا ومكر الله" وقال جل وعلا :"يخادعون الله وهو خادعهم" . سمي جزاء الاستهزاء والسيئة والمكر والخداع استهزاءوسيئة ومكرا وخداعا لما ذكرنا
54
القطين : الخدم ، القيل : الملك دونالملك الأعظم يقول : كيف تشاء يا عمرو بن هند أن نكون خدما لمن وليتموه أمرنا منالملوك الذين وليتموهم ؟ أي شئ دعاك إلى هذه المشيئة المحال؟ يريد أنه لم يظهر منهمضعف يطمع الملك في إذلالهم باستخدام قيله إياهم
55
إدراه وازدرى به : قصر به واحتقرهيقول : كيف تشاء أن تطيع الوشاة بنا إليك وتحتقرنا وتقصر بنا؟ أي : أي شيء دعاك إلىهذه المشيئة ؟ أي لم يظهر منا ضعف يطمع الملك فينا حتى يصغي إلى من يشي بنا إليهويغريه بنا فيحتقرنا
56
القتو : خدمة الملوك ، والفعل قتايقتو ، والقتي مصدر كالقتو ، تنسب إليه فتقول مقتوي ، ثم يجمع مع طرح ياه النسبةفيقال مقتوون في الرفع ، ومقتوين في الجر والنصب ، كما يجمع الأعجمي بطرح ياءالنسبة فيقال أعجمون في الرفع : وأعجمين في النصب والجر يقال : ترفق في تهددناوإبعادنا ولا تمعن فيهما ، فمتى كنا خدما لأمك ؟ أي لم نكن خدما لها حتى نعبأبتهديدك ووعيدك إيانا . ومن روى : تهددنا وتوعدنا ، كان إخبارا ، ثم قال : رويدا أيدع الوعيد والتهديد وأمهله
57
العرب تستعير للعز أسم القناة يقول : فإن قناتنا أبت أن تلين لأعدائنا قبلك ، يريد أن عزمهم أبي أن يزول بمحاربة أعدائهمومخاصمتهم ومكايدتهم ، يريد أن عزمهم منيع لايرام
58
الثقاف : الحديدة التي يقوم بها الرمح، وقد ثقفته : قومته ، العشوزنة : الصلبة الشديدة ، الزبون : الدفوع ، وأصله منقولهم : زبنت الناقة حالبها ، إذا ضربته بثفنات رجليها أي بكبتيها ، ومنه الزبانيةلزبنهم أهل النار أي لدفعهم يقول : إذا أخذها الثفاف لتقويمها نفرت من التقويم وولت . الثقاف قناة صلبة شديدة دفوعا ، جعل القناة التي لا يتهيأ تقويمها مثلا لعزتهمالتي لا تضعضع ، وجعل قهرها من تعرض لهدمها كنفار القناة من التقويم والاعتدال
59
أرنت : صوتت ، والإرنان هنا لازم قديكون متعديا . ثم بالغ في وصف القناة بأنها تصوت إذا أريد تثقيفها ولم تطاوع الغامزبل تشج قفاه وجبينه ، وكذلك عزتهم لا نضعضع لمن رامها بل تهلكه وتقهره
60
يقول : هل أخبرت بنقص كان من هؤلاء فيأمور القرون الماضية أو بنقص في عهد سلف
61
الدين : القهر ، ومنه قوله عز وجل :"فلولا أن كنتم غير مدينين" أي غير مقهورين يقولون : ورثنا مجد هذا الرجل الشريفمن أسلافنا وقد جعل لنا حصون المجد مباحة قهرا وعنوة ، أي غلب أقرانه على المجد ثمأورثنا مجده ذلك
62
يقول : ورثت مجد مهلهل ومجد الرجلالذي هو خير منه وهو زهير فنعم ذخر الذاخرين هو ، أي مجده وشرفه للافتخار به
63
يقول : وورثنا مجد عتاب وكلثوم وبهمبلغنا ميراث الأكارم أي حزنا مآثرهم ومفاخرهم فشرفنا بها وكرمنا
64
ذو البرة : من بني تغلب ، سمي به لشعرعلى أنفه يستدير كالحلقة يقول : ورثت مجد ذي البرة الذي اشتهر وعرف وحدثت عنه أيهاالمخاطب وبمجده يحمينا سيدنا وبه نحمي الفقراء الملجئين إلى الاستجارة بغيرهم
65
يقول : ومنا قبل ذي البرة الساعيللمعالي كليب ، يعني كليب وائل ، ثم قال : وأي المجد إلا قد ولينا ، أي قربنا منهفحويناه
66
يقول : متى قرنا ناقتنا بأخرى قطعتالحبل أو كسرت عنق القرين ، والمعنى : متى قرنا بقوم في قتال أو جدال غلبناهموقهرناهم ، الجذ : القطع ، والفعل جذ يجذ ، الوقص : دق العنق ، والفعل وقص يقص
67
يقول : تجدنا أيها المخاطب أمنعهم ذمةوجوارا وحلفا وأوفاهم باليمين عند عقدهم ، الذمار : العهد والحلف والذمة ، سمي بهلأنه يتذمر له أي يتغصب لمراعاته
68
الرفد : الإعانة ، والرفد الاسم يقول : ونحن غداة أوقدت نار الحرب في خزازي أعنا نزارا فوق إعانة المعينين ، يفتخرباعانة قومه بني نزار في محاربتهم اليمن
71-69
تسف أي تأكل يابسا ، والمصدر السفوف ،الجلة : الكبار من الإبل ، الخور : الكثيرة الألبان . وقيل الخور الغزار من الإبل ،والناقة خوراء ، الدزين: ما أسود من النبت وقدم يقول : ونحن حبسنا أموالنا بهذاالموضع حتى سفت النوق الغزار قديم النبت وأسوده لإعانة قومنا ومساعدتهم على قتالأعدائنا
72
يقول : كنا حماة الميمنة إذا لقيناالأعداء وكان إخواننا حماة الميسرة ، يصف غناءهم في حرب نزار اليمن عندما قتل كليبوائل لبيد ابن عنق الغساني عامل ملك غسان على تغلب حين لطم أخت كليب وكانت تحته
73
يقول : فحمل بنو بكر على من يليهم منالأعداء وحملنا على من يلينا
74
النهاب : الغنائم ، الواحد نهب ،الأوب : الرجوع ، التصفيد : التقييد ، يقال : صفدته أي قيدته وأوثقته يقول : فرجعبنو بكر بالغنائم والسبايا ورجعنا مع الملوك مقيدين ، أي اغتنموا الأموال وأسرناالملوك
75
يقول : تنحوا وتباعدوا عن مساماتناومباراتنا يا بنى بكر ، ألم تعلموا من نجدتنا وبأسنا اليقين ؟ بلى ، وقد علمتم ذلكلنا فلا تتعرضوا لنا ، يقال : إليك إليك ، أي تنح
76
يقول : ألم تعلموا كتائب منا ومنكميطعن بعضهن بعضا ويرمي بعضهن بعضا ؟ وما في قول ألما صلة زائدة ، الإطعان والارتماء : مثل التطاعن والترامي
77
اليلب : نسيجة من سيور تلبس تحت البيضيقول : وكان علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنين لطول الضرائب بها
78
السابغة : الدرع الواسعة التامة،الدلاص : البراقة ، الغضون : جمع غضن وهو التشنج في الشيء يقول : وكانت علينا كلدرع واسعة براقة ترى أيها المخاطب فوق المنطقة لها غضونا لسعتها وسبوغها
79
الجُون : الأسود ، والجَون الأبيض ،والجمع الجُون يقول : اذا خلعها الأبطال يوما رأيت جلودهم سودا للبسهم اياها ، قوله : لها ، أي للبسها
80
الغدر: مخفض غدر وهو جمع غدير ، تصفقه: تضربه ، شبه غضون الدرع بمتون الغدران اذا ضربتها الرياح في جريها ، والطرائقالتي ترى في الدروع بالني تراها في الماء اذا ضربته الريح
81
الروع : الفزع ويريد به الحرب هنا ،الجرد : التي رق شعر جسدها وقصر ، والواحد أجرد والواحدة جرداء ، النقائذ : المخلصات من أيدي الأعداء ، واحدتها نقيذة ن وهي فعيلة بمعنى مفعلة ، يقال : أنقذتها أي خلصتها ، فهي ونقيذة ، الفلو والافتلاء : القطام يقول : وتحملنا فيالحرب خيل رقاق الشعور قصارها عرفن لنا وفطمت عندنا وخلصناها من أيدي أعدائنا بعداستيلائهم عليها
82
رجل دارع: عليه درع ، ودروع الخيلتجافيفها ، الرصائع : جمع الرصيعة وهي عقدة العنان على قذال الفرس يقول : وردتخيلنا وعليها تجافيفها وخرجن منها شعثا قد بلين ، كما بلي عقد الأعنة ، لما نالهامن الكلال والمشاق فيها
83
يقول : ورثنا خيلنا من آباء كرامشأنهم الصدق في الفعال والمقال ونورثها أبناءنا اذا متنا ، يريد أنها تناتجتوتناسلت عندهم قديما
84
يقول : على آثارنا في الحرب نساء بيضحسان نحاذر عليها أن تسبيها الأعداء فتقسمها وتهينها ، وكانت العرب تشهد نساءهاالحروب وتقيمها خلف الرجال ليقاتل الرجال ذبا عن حرمها فلا تفشل مخافة العار بسبيالحرم
85
يقول قد عاهدن أزواجهن اذا قاتلواكتائب من الأعداء قد أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها في الحرب أن يثبتوا في حومةالقتال ولا يفروا والبعول والبعولة جمع بعل ، يقال للرجل : هو بعل المرأة ، وللمرأةهي بعله وبعلته ، كما يقال . هو زوجها وهي زوجها وهي زوجة وزوجته
86
أي ليستلب رجالنا أفراس الأعداءوبيضهم وأسرى منهم قد قرنوا في الحديد
87
يقول : ترانا خارجين إلى الأرض البراز، وهي الصحراء التي لا جبل بها ، لثقتنا بنجدتنا وشوكتنا ، وكل قبيلة تستجير وتعتصمبغيرها مخافة سطوتنا بها
88
الهوبنى تصغير الهونى وهي تأنيث الأهون ، مثل الأكبر والكبرى يقول : إذا مشين يمشين مشيا رفيقا لثقل أردافهن وكثرة لحومهن ، ثم شبههن في تبخترهن بالسكارى في مشيهم
89
القوت : الاطعام بقدر الحاجة ، والفعل قات يقوت ، والاسم القوت ، والجمع الاقوات يقول : يعلفن خيلنا الجياد ويقلن : لستم أزواجنا إذا لم تمنعونا من سبي الأعداء إيانا
90
الميسم : الحسن وهو من الوسام والوسامة وهما الحسن والجمال ، والفعل وسم يوسم ، والنعت وسيم ، الحسب : ما يحسب من مكارم الانسان ومكارم أسلافه ، فهو فعل في معنى مفعول مثل النفض والخبط والقبض واللقط في معنى المنفوض والمخبوط والمقبوض والملقوط ، فالحسب إذن في معنى المحسوب من مكارم آبائه يقول : هن نساء من هذه القبيلة جمعن إلى الجمال الكرم والدين
91
يقول : ما منع النساء من سبي الأعداء إياهن شيء مثل ضرب تطير منه سواعد المضروبين كما تطير القلة إذا ضربت بالمقلى
92
يقول : كأنا حال استلال السيوف من أغمادها ، أي حال الحرب ، ولدنا جميع الناس ، أي نحميهم حماية الوالد لولده
93
الحزور : الغلام الغليظ الشديد ،والجمع الحزاورة يقول : يدحرجون رؤوس أقرانهم كما يدحرج الغلمان الغلاظ الشداد الكرات في مكان مطمئن من الأرض
94
يقول : وقد علمت قبائل معد إذا بنيت قبابها بمكان أبطح ، القبب والقباب جمعا قبة
95
يقول : قد علمت هذه القبائل أنا نطعم الضيفان اذا قدرنا عليه ونهلك أعداءنا إذا اختبروا قتالنا
96
يقول : ونحن نمنع الناس ما اردنا منعه إياهم وننزل حيث شئنان من بلاد العرب
97
يقول : وأنا نترك ما نسخط عليه ونأخذ إذا رضينا ، أي لا نقبل عطايا من سخطنا عليه ونقبل هدايا من رضينا عليه
98
يقول ونحن نعصم ونمنع جيراننا إذا اطاعونا ونعزم عليهم بالعدوان إذا عصونا
99
يقول : ونأخذ من كل شيء أفضله وندع لغيرنا أرذله ، يريد أنهم السادة والقادة وغيرهم أتباع لهم
100
يقول : سل هؤلاء كيف وجدونا ، شجعانا أم جبناء
101
الخسف والخسف ، بفتح الخاء وضمها : الذل ، السوم : أن تجشم إنسانا مشقة وشرا ، يقال : سامة خسفا ، أي حمله وكلفه مافيه ذله يقول : إذا أكره الملك الناس على ما فيه ذلهم أبينا الانقياد له
102
يقول : ملأنا الدنيا برا وبحرا فضاقالبر عن بيوتنا والبحر عن سفننا
103
يقول : إذا بلغ صبياننا وقت الفطام سجدت لهم الجبابرة من غيرنا

Tarek Elemary
10/05/2009, 20h46
نسبه

تباين المؤرخون تواترات ، بفعل تباين إتجاهات أصحاب الأنساب الا انهم يتفقون في نسبته إلى قبيله كنده وهي قبيله قحطانيه متحضره غير بدويه كانت تسكن في جنوب غرب نجد . نذكر من هذه تباينات أشهرها واكثرها ثقة:-

قال الأصمعي: هو "امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة."


قال ابن الأعرابي: هو "امرؤ القيس بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور الذي هو كندة."


قال محمد بن الحبيب: هو "امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك ابن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معارية بن كندة."


مع الإجماع بين هؤلاء ان كندة هو : "كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن أدو بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن ثور بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شامخ بن ارفحشذ بن سام بن نوح."


والذين قالوا من الرواة: هو "أمرؤ القيس بن السمّط بن امرؤ القيس بن عمرو بن عمرو بن معاوية بن ثور وهو كندة..."


أم أمرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، أخت كليب و المهلهل أبني ربيعة التغلبيين.


جعل الرواة أم الشاعر تملك بنت عمرو بن زبيد بن مذحج، رهط عمرو بن معد يكرب، وقد اعتمدوا على ذلك قوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمة - بأن أمرأ القيس بن تملك بيقرا
أسمه وكناياته حسب أراء الرواة




يذكر صاحب الأغاني عن أبي عبيدة، أن امرأ القيس كان يكنى أبا الحارث، ويذكر غيره انه كان يكنى أبا وهب.



ذكر صاحب بغية الطلب - الوزير ابن القاسم المغربي - أن أسمه حندج، وامرؤ القيس لقب غلب عليه لما أصابه من تضعضع الدهر ومعناه رجل الشدة.


ويذهب الأب لويس شيخو نقلاً عن مؤرخي الروم أن أسمه "قيس" وأنه مذكور بهذا الأسم، وأنه كان يقال له "الملك الضليل" و قيل له "ذي القروح" وفي ذلك قول الفرزدق :
وهب القصائد لي نوابغ إذ مضوا - أبو يزيد وذو القروح و جرول
ولادته مكاناً

حسب رؤية أبي فرج كانت ولادته في بني أسد، وعن محمد بن الحبيب، انه كان ينزل المشقر من اليمامة، وذكر غيره أنه كان ينزل في حصنبالبحرين.
ولادته تاريخاً


يذهب لويس شيخو إلى أن امرأ القيس ولد في نجد نحو سنة 520م




يذكر صاحب الروائع أن ولادته سنة 500م وعلّق على ما قاله شيخو بصدد تاريخ ولادته قائلاً:قد رجعنا...ما يذكره مؤرخو الروم عن شاعرنا، وقارنا بين حوادث حياته وماجرى على عهده في البلاد العربية... فرأينا أن نأخذ برأي دي برسفال الجاعل ولادته حول سنة 500م و وفاته حول 540م.
نشأته


كان امرؤالقيس أكثر أخوته قوة و شخصية وميلاً إلى الإندفاع الذاتي، متمتعاً مع ذلك بذهن ذكي و قلب متوقد . ولعل هذه الخلال كانت بعض إرهاصات شاعريته المبكرة. وما أنه بلغ سن الفتوة حتى قال الشعر. وفي نظر بعض النقاد أن خاله المهلهل هو الذي أذكى عنده روح هذا الفن، وأنه ما زال يوجهه حتى برز على سائر شعراء عصره آنذاك.
امرؤ القيس قبل مقتل أبيه


قال ابن قتيبة : هو من أهل نجد من الطبقة الاُولى28 . كان يعدّ من عشّاق العرب ، وكان يشبّب بنساء منهنّ فاطمة بنت العبيد العنزية التي يقول لها في معلّقته الشهيره والتي سماها لأسم فاطمه :

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... و إن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
و إن كنت قد ساءتك مني خليقةٌ ... فسلي ثيابي من ثيايك تغسل
أغرك مني أن حبك قاتلي ... و أنك مهما تأمري القلب يفعل
و أنك قسمت الفؤاد فنصفه ... قتيلٌ و نصفٌ بالحديد مكبل
و ما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهمك في أعشار قلب مقتل
و بيضة خدرٍ لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
تجاوزت أحراساً إليها و معشراً ... علي حراصاً لو يسرون مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفضل
فجئت ، و قد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت يمين الله ، ما لك حيلةٌ ... و ما إن أرى عنك الغواية تنجلي
خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل




سلك امرؤ القيس في الشعر مسلكاً خالف فيه تقاليد البيئة، أتخد لنفسه سيرة لاهية تأنفها الملوك كما يذكر ابن الكلبي حيث قال:


كان -أي الشاعر- يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنيه قيانة ، لايزال كذلك حتى يذهب ماء الغدير ويبتقل عنه إلى غيره.

وما جعل والده يغضب أنه كان ويبكي الأطلال ويقول الشعر في سن مبكرة، و يغير على أحياء العرب مع أصدقائه الشذاذ وهو لا يزال صغيراً ، فطرده والده من كنفه، وراح يعيش حياته العابثه من جديد.
نهاية حياته


لم تكن حياة امرؤ القيس طويلة بمقياس عدد السنين ولكنها كانت طويلة وطويلة جدا بمقياس تراكم الإحداث وكثرة الإنتاج ونوعية الإبداع. لقد طوف في معظم إرجاء ديار العرب وزار كثيرا من مواقع القبائل بل ذهب بعيدا عن جزيرة العرب ووصل إلى بلاد الروم إلى القسطنطينية ونصر واستنصر وحارب وثأر بعد حياة ملأتها في البداية باللهو والشراب ثم توجها بالشدة والعزم إلى أن تعب جسده وأنهك وتفشى فيه وهو في ارض الغربة داء كالجدري او هو الجدري بعينه فلقي حتفه هناك في أنقرة في سنة لا يكاد يجمع على تحديدها المؤرخون وان كان بعضهم يعتقد أنها سنه 540م.
لقد ترك خلفه سجلا حافلا من ذكريات الشباب وسجلا حافلا من بطولات الفرسان وترك مع هذين السجلين ديوان شعر ضم بين دفتيه عددا من القصائد والمقطوعات التي جسدت في تاريخ شبابه ونضاله وكفاحه, وعلى الرغم من صغر ديوان شعره الذي يضم ألان ما يقارب من مئة قصيدة ومقطوعة إلا انه جاء شاعرا متميزا فتح أبواب الشعر وجلا المعاني الجديدة ونوع الإغراض واعتبره القدماء مثالا يقاس عليه ويحتكم في التفوق أو التخلف إليه.

ولذلك فقد عني القدماء بشعره واحتفوا به نقداً ودراسة وتقليداً كما نال إعجاب المحدثين من العربوالمستشرقين, فاقبلوا على طباعته منذ القرن الماضي, القرن التاسع عشر في سوريةومصروفرنساوألمانيا وغيرها من البلدان التي تهتم بشؤون الفكر والثقافة.
أقوال فيه


قال عمر بن الخطاب: امرؤ القيس سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر.




قال علي بن أبي طالب: رأيته أحسن الشعراء نادرة، واسبقهم بادرة، وأنه لم يقل الشعر لرهبة أو لرغبة.


اعترف له الفرزدق بأنه أشعر الناس.

امحمد شعبان
10/05/2009, 21h01
أي بنيٌ :
ما ذكرته من أهداف لا شك أنها سامية وقد كان قصدي توفير الوسائل لتحقيق تلكم الأهداف التي أوضحتها لك في مشاركتي .
وأتساءل لماذا لم تدمج موضوعك داخل موضوع عماد جمعة مع أن الطرح واحد ؟
ومعذرة يا ولدي إن أغلظت لك في الخطاب لأني كما لا أرتضي لنفسي أن أقوم بعمل قبل أن أوفٌر له أسباب النجاح وعلى رأس هذه الأسباب هو إتقانه كذلك أبغي من غيري السير في هذا الدرب وكان الله في عونك وتوفيقك .
لقد عدٌلت من مشاركتي السابقة فلعلك لم تطٌلع عليها بسبب تحريرك الرد على مشاركتي .
وأعدك بأني سأتابع هذا الموضوع لأرى ما عسى أن تحدث فيه من تغيير حتى أطمئنٌ أنه لم يبق موضوعا عقيما .
مع تحيتي وتقديري
والسلام

Tarek Elemary
10/05/2009, 21h01
وهذا شرح المعلقة


146303

سمعجى
10/05/2009, 22h36
شيخنا و أستاذنا الفاضل إمحمد شعبان

" تم الدمج "

أخي العزيز طارق

أشكر لك مجهودكَ و حسن نواياك
و ألف مبروك حصولك ـ منذ ساعات ـ على المُوَاطنة

:emrose::emrose:

Tarek Elemary
10/05/2009, 22h54
سيدى السيناتور الكبير سمعجى
سعادتى بالمواطنة تفوقها البشرى منك شخصياً
ثم هل المواطنة تساوى الGreen card ؟
معلش لسة خام مثل القروى الساذج الذى بهرته أضواء المدينة فانحرف ....
دى محتاجة عزومة لحضرتك و معك ثلاثة ضيوف وجبت علىَّ هذه العزومة أنا مش بخيل و الله رحلة غذاء أو عشاء على فرعون النيل لك و ثلاثة ضيوف معك منتظر ردك يا أستاذ

Tarek Elemary
10/05/2009, 23h12
زهير بن أبي سلمى

(... - 13 ق. هـ = ... - 609 م)

هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح بن قرّة بن الحارث بن إلياس بن نصر بن نزار، المزني، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى الحوليات. إنه، كما قال التبريزي، أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران هما امرؤ القيس والنّابغة الذبياني. وقال الذين فضّلوا زهيراً: زهير أشعر أهل الجاهلية، روى هذا الحديث عكرمة عن أبيه جرير. وإلى مثل هذا الرأي ذهب العبّاس بن الأحنف حين قال، وقد سئل عن أشعر الشعراء. وقد علّل العبّاس ما عناه بقوله: ألقى زهير عن المادحين فضول الكلام كمثل قوله:
فما يَكُ من خيرٍ أتوه فإنّما- توارثه آباء آبائهم قبْل
وكان عمرو بن الخطاب شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عبّاس إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أول غزاة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: "ومن هو يا أمير المؤمنين?" قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك? قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحداً إلا بما فيه". وأيّد هذا الرأي كثرة بينهم عثمان بن عفان، وعبد الملك بن مروان، وآخرون واتفقوا على أنّ زهيراً صاحب "أمدح بيت... وأصدق بيت... وأبين بيت". فالأمدح قوله:
تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا- كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ
والأصدق قوله:
ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ- وإنْ تَخْفى على الناس تُعْلَمِ
وأما ما هو أبين فقوله يرسم حدود الحق:
فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ- يمينٌ أو نفارُ أو جلاءُ
قال بعضهم معلّقاً: لو أن زهيراً نظر في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ما زاد على قوله المشار إليه، ولعلّ محمد بن سلاّم أحاط إحاطة حسنة بخصائص شاعرية زهير حين قال: "من قدّم زهيراً احتجّ بأنه كان أحسنهم شعراً وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره". وسنورد لاحقاً جملة أخرى في مثل هذه الخصائص التي تطالعنا بها أشعاره والتي تكشف عن أهمية شعره وقيمته.
كانت ولادة زهير في بني غطفان. وبين هؤلاء القوم نشأ وترعرع. ومنهم تزوّج مرّتين. في الأولى تزوّج أم أوفى التي يذكرها في مطلع معلقته:
أمِن أمّ أَوفى دمنةٌ لمْ تكلّم- بحوْمانَةِ الدرّاج فالمتثلّم
وبعد طلاقه أم أوفى بسبب موت أولاده منها، اقترن زهير بكبشة بنت عمّار الغطفانية ورزق منها بولديه الشاعرين كعب وبجير.
لكن زهيراً- كما يفهم من حديثه وأهل بيته- كان من مزينة- وما غطفان إلا جيرانهم، وقِدْماً ولدتهم بنو مرّة وفي الأغاني حديث زهير في هذا الشأن رواه ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني، ولم نر ضرورة إثباته.
ولعلّ البارز في سيرة زهير وأخباره تأصّله في الشاعرية: فقد ورث الشعر عن أبيه وخاله وزوج أمه أوس بن حجر. ولزهير أختان هما الخنساء وسلمى وكانتا أيضاً شاعرتين. وأورث زهير شاعريته لابنيه كعب وبجير، والعديد من أحفاده وأبناء حفدته. فمن أحفاده عقبة المضرّب وسعيد الشاعران، ومن أبناء الحفدة الشعراء عمرو بن سعيد والعوّام ابنا عقبة المضرّب..
ويطول الكلام لو أردنا المضي في وراثة زهير الشعر وتوريثه إياه. يكفي في هذا المجال الحوار بينه وبين خال أبيه بشامة بن الغدير الذي قال حين سأله زهير قسمة من ماله: "يا ابن أختي، لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله" قال: "ما هو?"، قال: شعري ورثتنيه". فقال له زهير: "الشعر شيء ما قلته فكيف تعتدّ به عليّ?"، فقال له بشامة: "ومن أين جئت بهذا الشعر? لعلك ترى أنّك جئت به من مزينة? وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحيّ من غطفان، ثم لي منهم وقد رويته عنّي".
فإذا تحوّلنا من شاعرية زهير إلى حياته وسيرته فأول ما يطالعنا من أخباره أنه كان من المعمّرين، بلغ في بعض الروايات نحوا من مئة عام. فقد استنتج المؤرخون من شعره الذي قاله في ظروف حرب داحس والغبراء أنه ولد في نحو السنة 530م. أما سنة وفاته فتراوحت بين سنة 611و 627م أي قبل بعثة النبيّ بقليل من الزمن، وذكرت الكتب أن زهيراً قصّ قبل موته على ذويه رؤيا كان رآها في منامه تنبأ بها بظهور الإسلام وأنه قال لولده: "إني لا اشكّ أنه كائن من خبر السماء بعدي شيء. فإن كان فتمسّكوا به، وسارعوا إليه".
ومن الأخبار المتّصلة بتعمير زهير أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إليه "وله مائة سنة" فقال: اللهم أعذني من شيطانه"، فما لاك بيتاً حتى مات. وأقلّ الدلالات على عمره المديد سأمه تكاليف الحياة، كما ورد في المعلّقة حين قال:
سئمتُ تكاليفَ الحياة، ومَنْ يعِش- ثمانينَ حولاً لا أبا لكَ، يسأَمِ
والمتعارف عليه من أمر سيرته صدق طويته، وحسن معشره، ودماثة خلقه، وترفعه عن الصغائر، وأنه كان عفيف النفس، مؤمناً بيوم الحساب، يخاف لذلك عواقب الشرّ. ولعلّ هذه الأخلاق السامية هي التي طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة، فهو أحد الشعراء الذين نتلمس سريرتهم في شعرهم، ونرى في شعرهم ما انطوت عليه ذواتهم وحناياهم من السجايا والطبائع. وأكثر الباحثين يستمدّ من خبر زهير في مدح هرم بن سنان البيّنة التي تبرز بجلاء هذه الشخصية التي شرفتها السماحة والأنفة وزيّنها حبّ الحق والسّداد: فقد درج زهير على مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لمأثرتهما في السعي إلى إصلاح ذات البين بين عبس وذبيان بعد الحرب الضروس التي استمرّت طويلاً بينهما.
وكان هذا السيّدان من أشراف بني ذبيان قد أديا من مالهما الخاص ديّات القتلى من الفريقين، وقد بلغت بتقدير بعضهم ثلاثة آلاف بعير. قيل إن هرماً حلف بعد أن مدحه زهير أن لا يكف عن عطائه، فكان إذا سأله أعطاه، وإذا سلّم عليه أعطاه. وداخل زهير الاستحياء، وأبت نفسه أن يمعن في قبول هبات ممدوحه، فبات حين يراه في جمع من القوم يقول "عموا صباحاً غير هرم ... وخيركم استثنيت".
ذكر أن ابن الخطاب قال لواحد من أولاد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده، فقال الخليفة: إنه كان ليحسن فيكم القول"، فقال: "ونحن والله كنّا نحسن له العطاء"، فقال عمر بن الخطاب: "قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم". نعم لقد خلد هرم بفضل مديح زهير الصادق ومنه قوله:
منْ يلقَ يوماً على عِلاّته هرماً- يلقَ السماحةَ منه والنّدى خلقَا
ولزهير ديوان شعر عني الأقدمون والمحدثون بشرحه. وأبرز الشّراح الأقدمين الأعلم الشنتمري. وفي طليعة من حقّق ديوان زهير حديثاً المستشرق لندبرغ في ليدن سنة 1881م. ويدور شعر الديوان في مجمله حول المدح والفخر ودور زهير في ظروف حرب السباق، وتتوّج الحكمة هذا الشعر بهالة من الوقار تعكس شخصية الشاعر الحكيم.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن زهير بن أبي سلمى في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: شخصية زهير نقيض لإمرئ القيس وطرفة. كان امرؤ القيس وطرفة رجلين طائشين وحياتهما غير منضبطة، وماتا ميتة عنيفة في عز شبابهما. بينما عاش زهير حياة طويلة ونال احترام الجميع لحكمته وأخلاقه العالية ولم يكن بحاجة للآخرين. عاصر الشاعرين المذكورين في مولده، لكنه قارب أيام ظهور الإسلام. يقال إنه في سن التسعين جاء إلى النبي فاستعاذ منه وقال: "اللهم أعذني من شيطانه" قول قامت عليه تعاليم بعض علماء المسلمين الذين قالوا بفكرة إن الوحي نزل على الرسول بالقرآن، وكذلك كان لكل شعراء الجاهلية شيطاناً يوحي لهم بما يقولون. لا يختلف هذا عن إيمان المسيحيين الأوائل الذين أكدوا على أن أصوات الشياطين كانت تخرج من أفواه كهنة الوثنيين. يضاف أنه بعد نصيحة الرسول لزهير لم ينظم الشعر. ويقال إن الخليفة عمر بن الخطاب قال إن زهير كان شاعر الشعراء. كان سيداً اتسعت ثروته، حكيم، وكان ورعاً حتى في أيام الجاهلية.
كان زهير بن أبي سلمى من قبيلة "مزينة" ويعود من ناحية أم والده إلى قبيلة "مرة" في الحجاز. يروى إن والد زهير ذهب مع أقربائه من بني "مرة" - أسد وكعب - في غزوة ضد طيْ، وإنهم غنموا إبلاً عديدة. قال افردا لي سهماً، فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما، حتى إذا الليل أتى أمه فقال : والذي أحلف به لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي تحت قرطيك. فقامت أمه إلى بعير منها فاعتنقت سنامه وساق لها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول: قادهم أبو سلمى من مضارب "مرة" حتى وصل قومه. لم يمض وقت طويل قبل التحاقه "بمزينة" في غزوة على بني ذبيان، فخذ من "مرة". عندما بلغوا غطفان، جيران مرة، عاد غزاة مرة خائفين إلى خيام غطفان ومكثوا معهم. وهكذا قضى زهير طفولته معهم وليس مع قبيلته. يلمح إلى العيش بين الغرباء بقوله : يعرف أن زهير تزوج مرتين، الأولى إلى أم أوفى، حبيبة شبابه التي يتغنى بها في المعلقة، والثانية إلى أم ولديه، كعب وبوجير. توفي أبناء أم أوفى، لذا تزوج ثانية. لم تغفر له أم أوفى زواجه عليها، فهجرها لزلة اقترفتها وإن ندم لاحقاً. وهذا سبب ندبه.
ذكر ابن العربي إن زهير كان له ابن يدعى سالم، كان في غاية الوسامة حتى إن امرأة عربية قالت عندما رأته قرب نبع ماء على صهوة جواده مرتدياً عباءة مخططة بخطين "لم أر حتى يومنا مثيلاً لهذا الرجل ولا هذه العباءة ولا هذا الجواد". فجأة تعثر الجواد وسقط، فدقت عنقه وعنق راكبه. ذكر ابن العربي أيضاً إن والد زهير كان شاعراً، وكذلك أخ أمه وأخته سلمى وأخته الخنساء وابناه وحفيده المضرب بن كعب.
قسم عمه باشاما عند موته ثروته بين أقربائه، لكنه لم يعط زهير شيئاً بالرغم من حبه له. قال زهير: "وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي". أجاب العجوز: " كلا، تركت لك أفضل ما عندي موهبتي في نظم الشعر". قال زهير: "هذه خاصتي منذ البداية". لكن العجوز رد: "ليس صحيح، يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني".
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: تميز زهير بن أبي سلمى منذ نعومة أظفاره بنبوغه الشعري. كان المفضل عند عمه باشاما، الذي كان بنفسه شاعراً مشهوراً، لكن عندما أحس العجوز بدنو أجله قسم أملاكه بين أقاربه ولم يترك لزهير شيئاً. قال زهير: "وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي?" أجاب العجوز: "كلا، تركت لك أفضل ما عندي، موهبتي في نظم الشعر". قال زهير: "هذه خاصتي منذ البداية". لكن العجوز رد: "ليس صحيح, يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني".
نظمت معلقته لما آلت إليه حرب داحس والغبراء، وفي مديح الحارث بن عوف والحارم بن سنان، صانعي السلام. كما نظم زهير عديداً من القصائد في مدح حارم بن سنان، الذي لم يقم على تلبية كل طلبات الشاعر فقط، بل كان يمنحه لقاء قصيدة مديح إما جارية أو حصان. شعر زهير بالخجل لهذه المكرمة حتى أنه كان يقول عندما يدخل على قوم فيهم حارم " السلام عليكم جميعاً باستثناء حارم، رغم أنه أفضلكم".
قرأ أحد أبناء حارم قصيدة مديح في عائلته للخليفة عمر الذي قال إن زهير مدحكم مدحاً جميلاً. فرد الابن موافقاً وقال لكننا أجزلنا له العطاء. قال عمر "ما منح يفنى مع الزمن، لكن مديحه خالد". لم يكن عمر من المعجبين بالشعر، لكنه مدح زهير لأنه مدح في شعره من يستحق المديح مثل حارم بن سلمى.
كانت أم أوفى التي ذكرها في مطلع المعلقة زوجة زهير الأولى التي طلقها بسبب غيرتها وندم لاحقاً على فعلته. مات كل الأبناء التي أنجبتهم صغار السن. أنجبت زوجته الثانية ولدين: كعب من نظم قصيدة البردة الشهيرة والمعروفة في الشرق بمطلع " بانت سعاد ?" وألقاها في حضرة الرسول (630 ميلادية ) عندما عقد صلحاً معه ودخل الإسلام، والابن الثاني بوجير وكان من أوائل من دخل الإسلام. ورد في كتاب الأغاني أن الرسول قابل زهير وهو في سن المئة وقال: " اللهم أعذني من شيطانه ". ويقال إنه توفي قبل أن يغادر الرسول البيت. في رواية أخرى أن زهير تنبأ بقدوم الرسول وذكر ذلك لابنيه كعب وبوجير، ونصحهم بالاستماع إلى كلام الرسول عند قدومه، وهذا يعني أنه توفي قبل ظهور الرسالة.
اعتمدنا في ذلك على: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص113-118. أعلام الزركلي.

Tarek Elemary
10/05/2009, 23h19
1
الدمنة : ما اسود من آثار الدار بالعبر والرماد وغير هما ، والجمع الدمن ، والدمنة الحقد ، والدمنة السرجين وهي في البيت بمعنى الأول ، حومانة الدراج والمتلثم : موضعان . وقوله : أمن أم أوفى ، يعني أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفي دمنة لا تجيب ؟ وقوله : لم تكلم ، جزم بلم ثم حرك الميم بالكسر لأن الساكن إذا حرك كان الأحرى تحريكه بالكسر ولم يكن بد ههنا من تحريكه ليستقيم الوزن ويثبت السجع ثم أشبعت الكسرة بالاطلاق لأن القصيدة مطلقة القوافي . يقول : أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لا تجيب سؤالها بهذين الموضعين . أخرج الشاعر الكلام في معرض الشك ليدل بذلك على أنه لبعد عهده بالدمنة وفرط تغيرها لم يعرفها معرفة قطع وتحقيق

2الرقمتان : حرتان إحداهما قريبة من البصرة والأخرى قريبة من المدينة ، المراجيع : جمع المرجوع ، من قولهم : رجعه رجعا ، أراد الوشم المجدد والمردد ، نواشر المعصم : عروقه ، الواحد : ناشر ن وقيل ناشرة ، والمعصم : موضع السوار من اليد ، والجمع المعاصم يقول : أمن منازلها دار بالرقمتين ؟ يريد أنها تحل الموضعين عند الانتجاع ولم يرد أنها تسكنهما جميعا لان بينهما مسافة بعيدة ، ثم شبه رسوم دار بهما بوشم في المعصم قد رمم وجدد بعد انمحائه ، شبه رسوم الدار عند تجديد السيول إياها بكشف التراب عنها بتجديد الوشم ؛ وتلخيص المعنى : أنه أخرج الكلام في معرض الشك في هذه الدار أهي لها أم لا ، ثم شبه رسومها بالوشم المجدد في المعصم ؛ وقوله ، ودار لها بالرقمتين ، يريد : وداران لها بهما ، فاجتزأ بالواحد عن التثنية لزوال اللبس إذ لا ريب في أن الدار الواحدة لا تكون قريبة من البصرة والمدينة ؛ وقوله كأنها ، أراد كأن رسومها وأطلالها ، فحذف المضاف


3قوله : بها العين ، أي البقر العين ، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه ، والعين : الواسعات العيون ، والعين سعة العين ، الأرآم : جمع رئم وهو الظبي الأبيض خالص البياض ، وقوله : خلفه ، أي يخلف بعضها بعضا إذا مضى قطيع منها جاء قطيع آخر ، ومنه قوله تعالى :"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة" الاطلاء : جمع الطلا وهو ولد الظبية والبقرة الوحشية ويستعار لولد الإنسان . ، الجثوم للناس والطير والوحوش ، والفعل جثم يجثم ، والمجثم : موضع الجثوم ، والمجثم الجثوم ، فالمفعل من باب فعل يفعل ، إذا كان مفتوح العين كان مصدرا ، وإذا كان مكسور العين كان موضعا ، المضرب بالفتح والمضرب بالكسر يقول : بهذه الدار بقر وحش واسعات العيون وظباء بيض يمشين بها خالفات بعضها بعضا وتنهض أولادها من مرابضها لترضعها أمهاتها


4الحجة : السنة ، والجمع الحجج ، اللأي : الجهد والمشقة يقول : وقفت بدار أم أوفى بعد مضي عشرين سنة من بينها ، وعرفت دارها بعد التوهم بمقاساة جهد ومعاناة مشقة ، يريد أنه لم يثبتها إلا بعد جهد ومشقة لبعد العهد بها ودروس أعلامها


5الأثافية : جمعها الأثافي بتثقيل الياء وتخفيفها ، وهي حجارة توضع القدر عليها ، ثم إن كان من الحديد سمي منصبا ، والجمع المناصب ، ولا يسمى أثفية ، السفع : السود ، والأسفع مثل الأسود ، والسفاع مثل السواد ، المعرس : أصله المنزل ، من التعريس وهو النزول في وقت السحر ، ثم استعير للمكان الذي تنصب فيه القدر ، المرجل : القدر عند ثعلب من أي صنف من المعادن كانت ، النؤي : نهير يحفر حول البيت ليجري فيه الماء الذي ينصب من البيت عند المطر ولا يدخل البيت ، والجمع الآناء ، الجذم : الأصل ، ويروى: كحوض الجد ، والجد : البئر القريبة من الكلا ، وقيل بل هي البئر القديمة يقول : عرفت حجارة سودا تنصب عليها القدر ، وعرفت نهيرا كان حول بيت أم أوفى بقي غير متلثم كأنه حوض وقد نصب أثافي على البدل من الدار في قوله عرفت الدار ، يريد أن هذه الأشياء دلته على أنها دار أم أوفى


6كانت العرب تقول في تحيتها : أنعم صباحا أي نعمت صباحا ، أي طاب عيشك في صباحك ، من النعمة وهي طيب العيش ، وخص الصباح بهذا الدعاء لأن الغارات والكرائه تقع صباحا ، وفيها أربع لغات : أنعم صباحا ، بفتح العين ، من نعم ينعم مثل علم يعلم . والثانية أنعم ، بكسر العين ، من نعم ينعم مثل حسب يحسب ، ولم يأت على فعل يفعل من الصحيح غيرهما ، وقد ذكر سيبويه أن بعض العرب أنشده قول امرئ القيس : ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن منن كان في العصرالخالي؟ بكسر العين من ينعم . والثالثة عم صباحا من وعم يعم مثل وضع يضع ، والرابعة عم صباحا من وعم يعم مثل وعد يعد يقول : وقفت بدار أم أوفى فقلت لدارها محييا إياها وداعيا لها : طاب عيشك في صباحك وسلمت


7الظعائن : جمع ظعينة ، لأنها تظعن مع زوجها ، من الظعن وهو الارتحال ، بالعلياء: أي بالأرض العلياء أي المرتفعة ، جرثم : ماء بعينه يقول : فقلت لخليلي : أنظر يا خليلي هل بالأرض العالية من فوق هذا الماء نساء في هوادج على إبل ؟ يريد أن الوجد يرح به والصبابة ألحت عليه حتى ظن المحال لفرط ولهه ، لأن كونهن بحيث يراهن خليله بعد مضي عشرين سنة محال ، التبصر : النظر ، التحمل : الترحل


8الفنان : جبل لبني أسد ، عن يمين ، يريد الظعائن ، الحزن : ما غلظ من الأرض وكان مستويا . والحزن ما غلظ من الأرض وكان مرتفعا ، من محل ومحرم ، يقال : حل الرجل من إحرامه وأحل ، وقال الأصمعي : من محل ومحرم ، يريد من له حرمة ومن لا حرمة له ، وقال غيره : ويريد دخل في أشهر الحل ودخل فى أشهر الحرم يقول مررت بهم أشهر الحل ودخل وأشهر الحرم


9الباء في قوله علون بأنماط للتعدية ن ويروى : وأعلين وهما بمعنى واحد ، والمعالاة قد تكون بمعنى الإعلاء ومنه قول الشاعر : عاليت أنساعي وجلب الكور على سراة رائح ممطور أنماط : جمع نمط وهو ما يبسط من صنوف الثياب ، العتاق : الكرام الواحد عتيق ، الكلة : الستر الرقيق ، والجمع الكلل ، الوارد : جمع ورد وهو الأحمر والذي يضربلونه إلى الحمرة ، المشاكهة : المشابهة ، ويروى وارد الحواشي لونها لون عندم ، العندم : البقم ، والعندم دم الأخوين يقول : وأعلين أنماطا كراما ذات أخطار وسترا رقيقا ، أي القينها على الهوادج وغشين بها . ثم وصف تلك الثياب بأنها حمر الحواشي يشبه ألوانها الدم في شدة الحمرة أو البقم أو دم الأخوين


10السوبان : الأرض المرتفعة اسم علم لها ، التوريك : ركوب أوراك الدواب ، الدل والدلال والداله واحد ، وقد أدلت المرأة وتدللت ، النعمة: طيب العيش والنتعم : تكلف النعمة يقول : وركبت هؤلاء النسوة أوراك ركابهن في حال علوهن متن السوبان وعليهن دلال الإنسان الطيب العيش الذي يتكلف ذلك


11بكر وابتكر وبكر وأبكر : ساربكرة ، استحر: سار سحرا سحرة : اسم للسحر ، لا تصرف سحرة وسحر إذا عنيتهما من يومك الذي أنت فيه . وان عنيت سحرا من الأسحار صرفتهما ، وادي الرس : واد بعينه يقول : ابتدأن السير وسرن سحرا وهن قاصدات لوادي الرس لا يخطئنه كاليد القاصدة الفم لا تخطئه


12الملهى : اللهو وموضعه ، اللطيف : المتأنق الحسن المنظر ، الأنيق : المعجب ، فعيل بمعنى المفعل كالحكيم بمعنى المحكم والسميع بمعنى المسمع والأليم بمعنى المؤلم ، ومنه قوله عز وجل:"عذاب أليم" ، ومنه قول الشاعر ابن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع أي المسمع ، والإيناق : الإعجاب ، التوسم : التفرس ، ومنه قوله تعالى:"وإن في ذلك لآيات للمتوسمين" وأصله من الوسامة وهما الحسن كأن التوسم تتبع محاسن الشيء ، وقد يكون من الوسم فيكون تتبع علامات الشيء وسماته يقول : وفي هؤلاء النسوة لهو للمتأنق الحسن المنظر ومناظر معجبة لعين الناظر المتتبع محاسنهن وسمات جمالهن


13الفتات : اسم لما انفت من الشيئ أي تقطع وتفرق ، وأصله من الفت وهو التقطع والتفريق ، والفعل منه فت يفت ، والمبالغة التفتيت والمطاوع الانفتات والتفتت ، الفنا : عنب الثعلب ، التحطم : التكسر ، والحطم التكسر ، العهن : الصوف المصبوغ ، والجمع العهون يقول : كأن قطع الصوف المصبوغ الذي زينت به الهوادج في كل منزل نزلته هؤلاء النسوة حب عنب الثعلب في حال كونه غير محطم ، لأنه إذا حطم زايله لونه ، شبه الصوف الأحمر بحب عنب الثعلب قبل تحطيمه


14الزرقة : شدة الصفاء ، ونصل أزرق وماء أزرق إذا اشتد صفاؤهما والجمع زرق ، ومنه زرقة العين ، العين الجمام : جمع جم الماء وجمته ، وهو ما اجتمع منه في البئر والحوض أو غيرهما ، وضع العصي : كناية عن الإقامة ، لأن المسافرين إذا أقاموا وضعوا عصيهم ، التخييم : ابتناء الخيمة . فلما وردت هؤلاء الظعائن الماء وقد اشتد صفاء ما جمع منه في الآبار والحياض عزمن على الإقامة كالحاضر المبتني الخيمة


15الجزع : قطع الوادي ، والفعل جزع يجزع ، ومنه قول امرئ القيس : وآخر منهم جازع نجد كبكب أي قاطع ، القين : كل صانع عند العرب ، فالحداد قين ، والجزار قين ، فالقين هنا الرحال ، وجمع العين قيون مثل بيت وبيوت ، وأصل القين الإصلاح ، والفعل منه قان يقين ، ثم وضع المصدر موضع اسم الفاعل وجعل كل صانع قينا لانه مصلح ؛ ومنه قول الشاعر : ولي كبد مجروحة قد بدا بها صدوع الهوى لو أن قينا يقينها أي لو أن مصلحا يصلحها . ويروى : على كل حيري ، منسوب إلى الحيرة ، وهي بلدة ، القشيب: الجديد ، المفأم : الموسع يقول : علون من وادي السوبان ثم قطعته مرة اخرى لانه اعترض لهن في طريقهن مرتين وهن على كل رحل حيري أو قيني جديد موسع


16يقول: حلفت بالكعبة التي طاف حولها من بناها من القبيلتين ، جرهم قبيلة قديمة تزوج فيهم إسماعيل ، عليه السلام ، فغلبوا على الكعبة والحرم بعد وفاته ، عليه السلام ، وضعف أمر أولاده ، ثم استولت عليها بعد جرهم ، خزاعة ، إلى أن عادت إلى قريش ، وقريش اسم لولد النضرين ابن كنانة


17السحيل : المفتول على قوة واحدة ، المبرم : المفتول على قوتين أو أكثر ، ثم يستعار السحيل للضعيف والمبرم القوي يقول : حلفت يمينا ، أي حلفت حلفا ، نعم السيدان وجدتما على كل حال ضعيفة وحال قوية ، لقد وجدتما كاملين مستوفيين لخلال الشرف في حال يحتاج فيها إلى ممارسة الشدائد وحال يفتقر فيها إلى معاناة النوائب ، وأراد بالسيدين هرم بن سنان والحارث بن عوف ، مدحهما لإتمامهما الصلح بين عبس وذبيان وتحملهما أعباء ديات القتلى


18التدارك : التلافي ، أي تداركتما امرهما ، التفاني : التشارك في الفناء ، منثم : قيل فيه انه اسم امرأة عطارة اشترى قوم منها جفنه من العطر ، وتعاقدوا وتحالفوا وجعلوا آية الحلف غمسهم الايدي في ذلك العطر، فقاتلوا العدو الذي تحالفوا على قتاله فقتلوا عن آخرهم ، فتطير العرب بعطر منثم وسار المثل به ، وقيل : بل كان عطارا يشترى منه ما يحنط به الموتى فسار المثل به يقول ، تلافيتما امر هاتين القبيلتين بعدما أفنى القتال رجالهما وبعد دقهم عطر هذه المرأة ، أي بعد إتيان القتال على آخرهم كما أتى على آخر المتعطرين بعطر من


19السلم : الصلح ، يذكر ويؤنث يقول : وقد قلتما ، إن أدركنا الصلح واسعا ، أي أن اتفق لنا إتمام الصلح بين القبيلتين ببذل المال واسداء المعروف من الخير سلمنا من تفاني العشائر


20العقوق : العصيان ، ومنه قوله ، عليه السلام ، "لايدخل الجنة عاق لابويه" ، المأثم ، الاثم ، يقال أثم الرجل يأثم أذا أقدم على إثم ، وأثمة الله يأثمه إثاما وإثما إذا جازاه بإثمه ، وأثمه إيثاما صيره ذا إثم ، وتأثم الرجل تأثما إذا تجنب الاثم ، مثل تحرج وتحنث وتحوب اذا تجنب الحرج والحنث والحوب يقول : فأصبحنا على خير موطن من الصلح بعيدين في إتمامه من عقوق الاقارب والاثم بقطيعة الرحم ؛ وتلخيص المعنى ، انكما طلبتما الصلح بين العشائر ببذل الاعلاق وظفرتما به وبعدتما عن قطيعة الرحم . والضمير في منها يعود إلى السلم ، يذكر ويؤنث


21العليا ، تأنيث الاعلى ، وجمعها العليات والعلى مثل الكبرى في تأنيث الاكبر والكبريات والكبر في جمعها ، وكذلك قياس الباب ، وقوله هديتما ، دعاء لهما ، الاستباحة : وجود الشيء مباح ، والاستباحة الاستئصال . ويروى يعظم من الاعظام بمعنى التعظيم ، ونصب عظيمين على الحال يقول : ظفرتما بالصلح في حال عظمتكما في الرتبة العليا من شرف معد وحسبها ، ثم دعا لهما فقال : هديتما إلى طريق الصلاح والنجاح والفلاح ، ثم قال : ومن وجد كنزا من المجد مباحا واستأصله عظم أمره أو عظم فيما بين الكرام


22الكلوم والكلام : جمع كلم وهو الجرح ، وقد يكون مصدرا كالجرح ، التعفيه : التمحية ، من قولهم : عفا الشيئ يعفو اذا انمحى ودرس وعفاه غيره ويعفيه وعفاه أيضا عفوا ، ينجمها أي يعطيها نجوما . يقول : تمحى وتزال الجراح بالمئين من الإبل فأصبحت الإبل يعطيها نجوما من هو بريء الساحة بعيد عن الجرم في هذه الحروب ، يريد أنهما بمعزل عن إراقة الدماء وقد ضمنا إعطاء الديات وأخرجاها نجوما ، وكذلك نعطى الديات


23أراق الماء والدم يريقه ، وهرقه يهريقه ، وأهراقه يهريقه لغات ، والأصل اللغة الأولى ، والهاء في الثانية بدل من الهمزة في الأولى ، وجمع في الثالثة بين البدل والمبدل توهما أن همزة أفعل لم تلحقه بعد ، المحجم : آلة الحجام ، والجمع المحاجم يقول : ينجم الإبل قوم غرامة لقوم ، أي ينجمها هذان السيدان غرامة للقتلى ، لأن الديات تلزمهم دونهما ، ثم قال : هؤلاء الذين ينجمون الديات لم يريقوا مقدار ما يملأ محجما من الدماء ، والملء مصدر ملأت الشيء ، والملء مقدار الشيء الذي يملأ الإناء وغيره ، وجمعه أملأ ، يقال : أعطني ملء القدح ومليئة وثلاثة أملائه


24التلاد والتليد : المال القديم الموروث ، المغانم جمع المغنم وهو الغنيمة ، شتى أي متفرقة ، الإفال : جمع أفيل وهو الصغير السن من الإبل ، المزنم : المعلم بزنمه يقول : فأصبح يجري في أولياء المقتولين من نفائس أموالكم القديمة الموروثة غنائم متفرقة من إبل صغار معلمة ، وخص الصغار لأن الديات تعطى من بنات اللبون والحقاق ولأجذاع ، ولم يقل المزنمة وإن كان وصفه الإفال حملا على اللفظ لأن فعالا من الأبنية التي اشترك فيها الآحاد والجموع وكل بناء انخرط في هذا السلك ساغ تذكيره حملا على اللفظ


25الأحلاف والحلفاء : الجيران ، جمع حليف على أحلاف كما جمع نجيب على أنجاب وشريف على أشراف وشهيد على أشهاد ، أنشد يعقوب : قد أغتدي بقينة أنجاب وجهمة الليل إلى ذهاب أقسم أي حلف ، وتقاسم القوم أي تحالفوا ، والقسم الحلف ، والجمع الأقسام ، وكذلك القسيمة ، هل أقسمتم أي قد أقسمتم ، ومنه قوله تعالى : " هل أتى على الأنسان" أي قد أتى ، وأنشد سيبويه : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم أي قد رأونا ، لأن حرف الاستفهام لا يلحق حرف الاستفهام يقول : أبلغ ذبيان وحلفاءها وقل لهم قد حلفتم على إبرام حبل الصلح كل حف فتحرجوا الحنث وتجنبوا


26يقول : لا تخفوا من الله ما تضمرون من الغدر ونقض العهد ليخفى على الله ومهما يكتم من شيء يعلمه الله ، يريد أن الله عالم بالخفيات والسرائر ولا يخفى عليه شيئ من ضمائر العباد ، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد فإنكم إن أضمرتموه علمه الله ، وقوله يكتم الله أي يكتم من الله


27أي يؤخر عقابه في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل العقاب في الدنيا قبل المصير إلى الآخرة فينتقم من صاحبه ، يريد لا مخلص من عقاب آجلا أو عاجلا


28الذوق : التجربة ، الحديث المرجم : الذي يرجم فيه بالظنون أي يحكم فيه بظنونها يقول : ليست الحرب إلا ما عهدتموها وجربتموها ومارستم كراهتها وما هذا الذي أقوله بحديث مرجم عن الحرب ، أي هذا ما شهدت عليه الشواهد الصادقة من التجارب وليس من أحكام الظنون


29الضرى : شدة الحرب واستعار نارها ، وكذلك الضراوة ، والفعل ضري بضرى ، والإضراء والتضرية الحمل على الضراوة ، ضرمت النار تضرم ضرما واضطرمت وتضرمت : التهبت ، وأضرمتها وضرمتها : ألهبتها يقول : متى تبعثوا الحرب مذمومة أي تذمون على إثارتها ، وشتد ضرمها إذ حملتموها على شدة الضرى فتلتهب نيرانها ، وتلخيص المعنى : إنكم إذ أوقدتم نار الحرب ذممتم ومتى أثرتموها ثارت وهيجتموها فهو يحثهم على التمسك بالصلح ويعلمهم سوء عاقبة إيقاد نار الحرب


30ثفال الرحى : خرقة أو جلدة تبسط تحتها ليقع الطحين . والباء في قوله بثفالها بمعنى مع ، اللقح واللقاح حمل الولد ، يقال : لقحت الناقة والإقاح جعلها كذلك ، الكشاف : أن تلقح نعجة في السنة مرتين أنتجت الناقة إنتاجا إذا ولدت عندي ن ونتجت الناقة تنتج ، الاتآم : أن تلد الأنثى توأمين ، وامرأة متآم إذا كان ذلك دأبها ، والتوأم ، بجمع على التؤام يقول : وتعرككم الحرب عرك الرحى الحب مع ثفاله ، وخص تلك الحالة لأنه لا يبسط إلا عند الطحن ، ثم قال ك وتلقح الحرب في السنة مرتين وتلد توأمين ، جعل إنفاء الحرب إياهم بمنزلة طحن الرحى الحب وجعل صنوف الشر تتولد من تلك الحروب بمنزلة الأولاد الناشئة من الأمهات ، وبالغ في وصفها باستتباع الشر شيئين : احدهما جعله إياها لاقحة كشافا ، والآخر إتآمها


31الشؤم : ضد اليمن ، ويقا رجل مشؤوم ورجال مشائيم كما يقال رجل ميمون ورجال ميامين ، الأشأم أفعل من الشؤم ، وهو مبالغة المشؤوم وكذلك الأيمن مبالغة الميمون ، وجمعه الأشائم ، وأراد بأحمر عاد أحمر ثمود وهو عاقر الناقة ، واسمه قدار بن سالف يقول : فتولد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كل واحد منهم بضاهي في الشؤم عاقر الناقة ، ثم ترضعهم الحروب وتقطعهم ، أي تكون ولادتهم ونشؤهم في الحرب فيصبحون مشائيم على آبائهم


32أغلت الأرض تغل إذا كانت لها غلة ، أظهر تضعيف المضاعف في محل الجزم والبناء على الوقف ، يتهكم ويهزأ بهم يقول : فتغل لكم الحروب حينئذ ضروبا من الغلات لا يكون مثلها لقرى من العراق التي تغل الدراهم بالقفيزات ، وتلخيص المعنى أن المضار المتولدة من هذه الحروب تربي على المنافع المتولدة من هذه القرى كل هذا حث منه لهم على الاعتصام بحبل الصلح وزجر لهم عن الغدر بإيقاد نار الحرب يقول : لم يتقدم بما أخفى فيعجل به ولكن أخره حتى يمكنه


33جر عليهم : جنى عليهم ، والجريرة الجناية ، والجمع الجرائر ، يؤاتيهم : يوافقهم ، وهذه المؤاتاة هي قتل ورد بن حابس العبسي هرم بن ضمضم قبل هذا الصلح ، فلما اصطلحت القبيلتان عبس وذبيان استتر وتوارى حصين بن ضمضم لئلا يطالب بالدخول في الصلح ، وكان ينتهز الفرصة حتى ظفر برجل من عبس فشد عليه فقتله فركبت عبس فاستقر الأمر بين القبيلتين عل عقل القتيل يقول : أقسم بحياتي لنعمت القبيلة جنى عليهم حصين بن ضمضم وإن لم يوافقوه في إضمار الغدر ونقض العهد


34الكشح منقطع الأضلاع ، والجمع كشوح ، والكاشح المضمر العداوة في كشحه ، وقيل نبل هو من وقولهم : كشح يكشح كشحا إذا أدبر وولى وإنما سمي العدو كاشحا لإعراضه عن الود والوفاق ، ويقال طوى كشحه على كذا أي أضمر في صدره ، الاستكنان : طلب الكن ، والاستكنان الاستتار ، وهو في البيت على العنى الثاني ، فلا هو أبداها أي فلم يبدها وليكون لا مع الفعل الماضي بمنزلة لم مع الفعل المستقبل في المعنى ، كقوله تعال "فلا صدق ولا صلى" أي فلم يصدق ولم يصل ، وقوله تعالى :"فلا اقتحم العقبة" أي لم يقتحمها يقول : وكان حصين أضمر في صدره حقدا وطوى كشحه على نية مستترة فيه ولم يظهرها لأحد قبل ولم يتقد عليها قبل إمكانه الفرصة


35يقول : وقال حصين في نفسه : سأقضي حاجتي من قتل قاتل أخي أو قتل كفؤ له ثم أجعل بيني وبين عدوي الف فارس ملجم فرسه أو ألفا من الخيل ملجما


36الشدة : الحملة ، وقد شد عليه يشد شدا ، الإفزاع : الاخافة أم قشعم : كنية الموت يقول : فحمل حصين على الرجل الذي رام أن يقتله بأخيه ولم يفزع بيوتا كثيرة ، أي لم يتعرض لغيره عند ملقى رحل المنية ، وملقى الرحل : المنزل ، لأن المسافر يلقي به رحله ، اراد عند منزل المنية


37شاكي السلاح وشائك السلاح وشاك السلاح ، أي تام السلاح ، كله من الشوكة وهي العدة والقوة ، مقذف : أي يقذف به كثيرا إلى الوقائع ، والتقذيف القذف ، اللبد : جمع لبدة الآسد وهي ما تلبد من شعر على منكبيه يقول : عند أسد تام السلاح يصلح لان يرمى به إلى الحروب . فالرجل يشبه أسدا له لبدتان لم تقلم براثنه ، يريد أنه لا يعتريه ضعف ولا يعييه عدم شوكة كما أن الاسد لا يقل براثنه ، والبيت كله من صفة حصين


38الجرأة والجراءة : الشجاعة ، والفعل جرؤ يجرؤ وقد جرأته عليه ن بدأت بالشيء أبدأ به مهموز فقلبت الهمزة ألفا ثم حذفت للجازم يقول : وهو شجاع منى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا ، وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس إظهارا لغنائه وحسن بلائه ، والبيت من صفة أسد في البيت الذي قبله وعنى به حصينا ، ثم اضرب عن قصته ورجع إلى تقبيح صورة الحرب والحث على الاعتصام بالصلح


39الرعي يقتصر على مفعول واحد : رعت الماشية الكلأ ، وقد يتعدى الى مفعولين نحو : رعيت الماشية الكلأ ورعى الكلأ نفسه الظمء : ما بين موردين ،والجمع الاظماء ، الغمار: جمع غمر وهو الماء الكمثير ، التفري : التشقق يقول: رعوا إبلهم الكلأ حتى إذا تم الظمء اوردوها مياها كثيرة ، وهذا كله استعارة ، والمعنى أنهم كفوا عن القتال وأقلعوا عن النزال مدة معلومة كما ترعى الابل مدة معلومة ثم عاودوا الوقائع كما تورد الابل بعد الرعي فالحروب بمنزلة الغمار ولكنها تنشق عنهم باستعمال السلاح وسفك الدماء


40قضيت الشيء وقضيته : أحكمته وأتممته أصدرت : ضد أوردت ، استوبلت الشيء : وجدته وبيلا ، واستوخمته وتوخمته : وجدته وخيما ، والوبيل والوخيم : الذي لا يستمرا يقول : فأحكموا وتمموا منايا بينهم أي قتل كل واحد من الحيين صنفا من الآخر فكأنهم تمموا منايا قتلاهم ثم أصدروا إبلهم بعد كلإ وبيل وخيم أي ، ثم أقلعوا عن القتال والقراع واشتغلوا بالاستعداد له ثانيا كما تصدر الإبل فترعى إلى أن تورد ثانيا ، وجعل اعتزامهم على الحرب ثانية والاستعداد لها بمنزلة كلإ وبيل وخيم ، كما جعل استعدادهم للحرب أولا وخوضهم غمراتها وإقلاعهم عنها زمنا وخوضهم إياها ثانية بمنزلة رعي الإبل أولا ، وإيرادها وإصدارها ورعيها ثانيا ، وشبه تلك الحال بهذه الحال ، ثم أضرب عن هذا الكلام وعاد إلى مدح الذين يعقلون القتلى ويدفعون الديات


41يقول : أقسم ببقائك وحياتهم أن رماحهم لم تجن عليهم دماء هؤلاء ، أي لم يسفكوها ولم يشاركوا قاتليهم في سفك دمائهم ، والتأنيث في شاركت الرماح يبين براءة ذممهم عن سفك دمهم ليكون ذلك أبلغ في مدحهم بعقلهم القتلى


42مضى شرح هذا البيت في أثناء شرح البيت الذي قبله


43عقلت القتيل : وديته ، وعقلت عن الرجل أعقل عنه ، أديت عنه الدية التي لزمته ، وسميت الدية عقلا لأنها تعقل الدم عن السفك أي تحقنه وتحبسه ، وقيل بل سميت عقلا لأن الوادي كان يأتي بالإبل إلى أقنية القتيل فيعقلها هناك بعقلها ، فعقل على هذا القول بمعنى المعقول ، ثم سميت الدية عقلا وإن كانت دنانير ودراهم ، والأصل ما ذكرنا ، طلعت الثنية وأطلعتها : علوتها ، المخرم : منقطع أنف الجبل والطريق فيه ، والجمع المخارم يقول : فكل واحد من القتلى أرى العاقلين يعقلونه بصحيحات ابل تعلو في طرق الجبال عند سوقها إلى أولياء المقتولين


44حلال : جمع حال ، مثل صاحب وصحاب ، وصائم وصيام ، وقائم وقيام ، يعصم : يمنع ، الطروق : الإتيان ليلا ، والباء في قوله بمعظم يجوز كونه بمعنى مع وكونه للتعدية ، أعظم الأمر أي سار إلى حال العظم ، كقولهم : أجز البر وأجد التمر وأقطف العنب ، أي يعقلون القتلى لأجل حي نازلين يعصم أمرهم جيرانهم وحلفاءهم إذا اتت إحدى الليالي بأمر فظيع وخطب عظيم ، أي إذا نابتهم عصموهم ومنعوهم


45الضغن والضغينة واحد : وهو ما استكن في القلب من العداوة ، والجمع الأضغان والضغائن ، التبل : الحقد ، والجمع التبول . الجارم والجاني واحد ، والجارم : ذو الجرم كاللابن والتامر يمعنى ، ذي اللبن وذي التمر ، الإسلام : الخذلان يقول : لحي كرام لا يدرك ذو الوتر وتره عندهم ولا يقدر على الانتقام منهم من ظلموه وجنى عليه بعض فتيانهم وحلفائهم وجيرانهم


46سئمت الشيئ سآمة : مللته ، التكاليف : المشاق والشدائد ، لا أبالك : كلمه جافية لا يراد بها هنا الجفاء وإنما يراد بها التنبيه والإعلام يقول : مللت مشاق الحياة وشدائدها ، ومن عاش ثمانين سنة مل الكبر لا محالة


47يقول : وقد يحيط علمي بما مضى وما حضر ولكني عمي القلب عن الإحاطة بما هو منتظر و متوقع


48الخبط : الضرب باليد ، والفعل خبط يخبط ، العشواء : تأنيث الأعشى ، والياء في عشي منقلبة عن الواو كما كانت في رضي منقلبة عنها ، والعشواء : الناقة التي لا تبصر ليلا ، ويقال في المثل : هو خابط خبط عشواء ، أي قد ركب رأسه في الضلالة كالناقة التي لا تبصر ليلا فتخبط بيديها على عمى فربما تردت في مهواة وربما وطئت سبعا أو حية أو غير ذلك قوله : ومن تخطئ ، أي ومن تخطئه ، فحذف المفعول ، وحذفه سائغ كثير في الكلام والشعر والتنزيل ، التعمير : تطويل العمر يقول : رأيت المنايا تصيب الناس على غير نسق وترتيب وبصيرة كما أن هذه الناقة تطأ على غير بصيرة ، ثم قال : من أصابته المنايا أهلكته ومن أخطأته أبقته فبلغ الهرم


49يقول : ومن لم يصانع الناس ولم يدارهم في كثير من الأمور قهروه وأذلوه وربما قتلوه كالذي يضرس بالناب ويوطأ بالمنسم ، الضرس : العض على الشيئ بالضرس ، والتضريس مبالغة ، المنسم للبعير : بمنزلة السنبك للفرس ، والجمع المناسم


50يقول : ومن جعل معروفه ذابا ذم الرجال عن عرضه وجعل إحسانه واقيا عرضه - وفر مكارمه ، ومن لا يتق شتم الناس إياه شتم : يريد أن من بذل معروفه صان عرضه ، ومن بخل بمعروفه عرض عرضه للذم والشتم ، وفرت الشيء أفره وفرا : أكثرته ؛ ووفرته فوفر وفورا


51يقول : من كان ذا فضل ومال فبخل به استغني عنه وذم ، فأظهر التضعيف على لغة أهل الحجاز ، لأن لغتهم إظهار التضعيف في محل الجزم والبناء على الوقف


52وفيت بالعهد أفي به وفاء وأوفيت به إيفاء ، لغتان جيدتان والثانية أجودهما لأنها لغة القرآن ، قال الله تعالى :"وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم" ، ويقال هديته الطريق وهديته إلى الطريق وهديته للطريق يقول : ومن أوفى بعهده لم يلحقه ذم ، ومن هدى قلبه إلى بر يطمئن القلب إلى حسنه ويسكن إلى وقوعه موقعه لم يتمتع في إسدائه وإيلائه


53يقول : من خاف وهاب أسباب المنايا نالته ولم يجد عليه خوفه وهيبته إياها نفعا ولو رام الصعود إلى السماء فرارا منها


54يقول : ومن وضع اياديه في غير من استحقها ، أي من أحسن إلى من لم يكن اهلا للاحسان إليه والامتنان عليه ، ذمه الذي أحسن اليه ولم يحمده وندم المحسن الواضع إحسانه في غير موضعه


55الزجاج ، جمع زج الرمح : وهو الحديد المركب في اسفله ، وإذا قيل : زج الرمح ، عني به ذلك الحديد والسنان ، اللهذم : السنان الطويل ، عالية الرمح ضد سافلته والجمع العوالي ، إذا التقت فئتان من العرب سددت كل واحدة منهما زجاج الرماح نحو صاحبتها وسعى الساعون في الصلح ، فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما للرماح واقتتلتا بالأسنة يقول : ومن عنصى أطراف الزجاج أطاع عوالي الرماح التي ركبت فيها الأسنة الطوال ، وتحرير المعنى: من أبى الصلح ذللته الحرب ولينته ، وقوله يطيع العوالي ، كان حقه أن يقول : يطيع العوالي ، بفتح الياء ، ولكنه سكن الياء لإقامة الوزن وحمل النصب على الرفع والجر لأن هذه الياء مسكنة فيهما ، ومثله قول الراجز : كأن أيديهن بالقاع الفرق أيدي جوار يتعاطين الورق


56الذود : الكف والردع يقول : ومن لا يكف اعداءه عن حوضه بسلاحه هدم حوضه ، ومن كف عن ظلم الناس ظلمه الناس ، يعني من لم يحم حريمه استبيح حريمه واستعار الحوض للحريم


57يقول : من سافر واغترب حسب الأعداء أصدقاء لأنه لم يجريهم فتوقفه التجارب على ضمائر صدورهم ، ومن لم يكرم نفسه بتجنب الدنايا لم يكرمه الناس


58يقول : ومهما كان للانسان من خلق فظن انه يخفى على الناس علم ولم يخف ، والخلق والخليقة واحد ، والجمع الأخلاق والخلائق . وتحرير المعنى : أن الاخلاق لا تخفى والتخلق لا يبقى


59في كائن ثلاث لغات : كأين وكائن وكئن ، مثل كعين وكاعن وكع ، الصمت والصمات والصموت واحد ، والفعل صمت يصمت يقول : وكم صامت يعجبك صمته فتستحسنه وإنما تظهر زيادته على غيره ونقصانه عن غيره عند تكلمه


60هذا كقول العرب : المرء بأصغريه لسانه وجنانه


61إذا كان الشيخ سفيها لم يرج حلمه لأنه لا حال بعد الشيب إلا الموت ، والفتى إن كان نزقا سفيها أكسبه شيبه حلما ووقارا ، ومثله قوله صالح بن عبد القدوس : والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه

62
يقول : سألناكم رفدكم ومعروفكم فجدتم بهما فعدنا الى السؤال وعدتم الى النوال ، ومن أكثر السؤال حرم يوما لا محالة ، والتسآل : السؤال ، تفعال من ابنية المصادر

امحمد شعبان
10/05/2009, 23h25
شيخنا و أستاذنا الفاضل إمحمد شعبان

" تم الدمج "

أخي العزيز طارق

أشكر لك مجهودكَ و حسن نواياك
و ألف مبروك حصولك ـ منذ ساعات ـ على المُوَاطنة

:emrose::emrose:


شكرا لك أخي كمال على انتباهك وسر عة التلبية

Tarek Elemary
11/05/2009, 08h32
-1-


كيف يمكن لأسراب متناثرة من السِّمات اللّفظيّة- حين تجتمع، وتتعانق، وتتوامق، وتتعانق، وتتجاور، وتتحاور، وتتضافر؛ فتتناسخ ولا تتناشز- فتغتدِي نسْجاً من الكلام سحريّاً، ونظاماً من القول عطريّا؛ فأما العقولُ فتبهرُها، وأمّا القلوب فتسحرها. فأنَّى ينثال ذلك القَطْرُ المعطَّرُ، ويتأتّى ذلك السحر المَضمّخ: لهذا النسْج الكلاميّ العجيب؟ وكيف تقع تلك العناية البلاغيّة والتعبيريّة للشاعر، فيتفوّق ويَسْتَميزُ؟ ولِمَ يتفاوت الشعراء فيْ ذلك الفضل: فإذا هذا يغترف من بحر، وذاك ينحت من صخر، على حدّ تعبير المقولة النقديّة التراثية. ولِمَ، إذن، يتفاوتون في درجات الشعريّة بين محلّق في العلاء، ومُعْدٍ في سبيلٍ كَأْداء، وَسَارٍ في ليلةٍ دَأْدَاء؟


-2-


ذلك؛ ويندرج أي‌ُّ ضرْب من القراءة الأدبيّة، ضمن إجراءات التأويليّة- أو الهرومينوطيقا- الشديدة التسلّط على أيّ قراءة نقرأ بها نصّاً أدبيّاً، أو دينيّاً، أو فلسفيّاً، أو قانونيّاً، أو سياسيّاً... لكنّ الذي يعنينا، هنا والآن، هو النصّ الأدبيّ الخالص الأدبيّة. والأدبيُّ، هنا، في تمثّلنا ممتدّ إلى الشعريّ، شامل له، معادل لمعناه.


وإنّا إِذْ نأتي اليوم إلى الشعر الجاهليّ بعامّة، وإلى القصائدِ المعلّقاتِ، أو المعلّقاتِ السبعِ، أو السَّبْعِ الطوال، أو السُّموط- فكلُّ يقال- لِنحاولَ قراءتها في أَضواءٍ من المعطيات جديدة، على الأقلّ ما نعتقده نحن: فإنما لكي نُبْرِزَ، من حيث نبتغي أن لا نبتغي، دور هذه التأويليّة المتسلّطة في تمزيق حجاب السريّة التي كان قُصارَاهَا حَجْبَ الحُمولةِ الأدبيّة للنص المقرءِ، أن المحلِّلِ، أو المؤَوَّلِ، أو مواراة الملامح الجماليّة للكتابة...
-3-


وسواء علينا أقرأنا نصوص المعلّقات السبع ضمن الإِجراء الأنتروبولوجي، أم ضمن الإِجراء السيمائِياني؛ فإننا في الطوريْن الاثنين معاً نَدْرُجُ في مُضْطَرَبِ التأويليّة ولا نستطيع المروق من حيزها الممتدّ، وفضائها المفتوح، وإجراءاتها المتمكّنة ممّا تودّ أن تتّخذ سبيلَها إِليه...


وإنّا لن ننظر إلى الشعر الجاهليّ نظرة مَنْ يرفضون أن يكون له سياق، أو أن ينهض على مرجعيّة، أو تكون له صلة بالمجتمع الذي ينتمي إِليه: من حيث هو بيئة شاملةُ المظاهر، متراكبة العلاقات؛ لأننا لو إِلى ذلك أردْنا، وإياهُ قَصَدْنا؛ لَمَا عُجْنا على مفهوم الأنتربولوجيا نسائله عن دلالاتها التّي تعدّدت بين الأمريكيّين والأوربيّين من وِجْهة، وتَطوّرت بين قرنين اثنيْن: القرن التاسع عشر والقرن العشرين من وجهة أخراة: كما كان شعراء ما قبل الإسلام يسائلون الربوع الدارسة، والأطلال البالية، والقِيعان التي هجرَها قطينُها، فعَزَّ أَنيسُها...


لكنّنا لسنا أيضاً اجتماعِيّيَن نتعصّب للمجتمع فنزعم أنه هو كلّ شيء، وأنّ ما عداه ممّا يبدو فيه من آثار المعرفة، ومظاهر الفنّ، ووجوه الجمال، وأَسقاط الأدب؛ لا يعدو كلّ أولئك أن يكون مجرّد انعكاس له، وانتساخ منه، وانبثاق عنه... ذلك بأنّ الفنّ قد يستعصم، والجمالَ قد يستعصي، والأدب قد يعتاص على الأَفهام فلا يعترف بقوانين المجتمع، ولا بتقاليده، فيثور عليها، وينسلخ منها رافضاً إِيّاها؛ مستشرفاً عالَماً جديداً جميلاً، وحالماً ناضراً، لا يخضع للقيود، ولا يذعن للنواميس البالية...


إِنّا لو شئنا أن نُدَارِسَ الأدب في ضوء المنهج الاجتماعيّ لكنّا استرحنا من كلّ عناء، ولما كنّا جشّمنا النفس ضنى القراءة في المعرفيّات الإنسانيّة، ولكنّا أخلدنا إلى هذه القراءة البسيطة التي تجتزىْ، مقتنعة واثقة من أمرها، بتأويل الظاهرة الأدبيّة، أو قل بتفسيرها على الأصحّ، في ضوء الظاهرة الاجتماعيّة، وتستريح؛ ولكنها لا تريح. بل إِنّ مفهوم التأويل الذي نصطنع هنا قد يكون في غير موضعه من الدلالة الاصطلاحية؛ إِذ عادة ما يكون هذا التأويل أدعى إِلى الجهد الفكري، والذهاب في مجاهله إِلى أقصى الآفاق الممكنة من حيث إِنّ المنهج الاجتماعيّ، في قراءة الأدب، لا يكاد يُعْنِتُ نفسّه، ولا يكاد يشقّ عليها، أو يجاهدها: إِذ حَكَمَ، سلَفاً، باجتماعيّة هذا النصّ، أي بابتذالِه؛ أي بتمريغه في السوقّيّة؛ أي بعزوه إِلى تأثير الدهماء. بل لا يجتزىْ بذلك حتى يجعَلَه نتاجاً من أثارها، ومظهراً من مظاهر تفكيرها، وطوراً من أطوار حياتها، بدون استحياء...


المنهج الاجتماعيّ بفجاجته، وسطحيّته، وسوقيّته، وفزَعِه إِلى شؤون العامّة يستنطقها: لا يُجْدِي فتيلاً في تحليل الظاهرة الأدبيّة الراقية، ولا في استنطاق نصوصها العالية، ولا في الكشف عمّا في طيّاتها من جمال، ولا في تقصّي ما فيها من عبقريّ الخيال... فأَوْلَى لعلم الاجتماع أن يظلّ مرتبطاً بما حدّده بنفسه لنفسه، وبما حَكَم به على وضعه، وهو النظر في شؤون العوامّ وعلاقاتهم: بعضهم ببعض، أو تصارع بعضهم مع بعض، أو تصارعهم مع مَنْ أعلى منهم، حسَداً لهم، وطمَعَاً في أرزاقهم؛ كما قرر ذلك ماركسهم فأقام الحياة كلَّها على صراع البنية السفلى مع العليا...


وعلى الرغم من أننا لا نعدم من يحاول ربط علم الاجتماع بالأنتروبولوجيا، أوجعل الأنتروبولوجيا مجرد فرعيّة اجتماعيّة، وأنّ قد يسمّى "الأنتروبولوجيا الاجتماعيّة" إِنما انبثق عن دراسة المجتمعات الموصوفة بـ "البدائيّة" : فإِنّ ذلك لا يعدو كَونَهُ حذلقةً جامعيّة تكاد لا تعني كبيرَ شيءٍ؛ وإِلاّ فما بالُ هذا العِلْمِ يتمرّد على علم الاجتماع، فيختلف عنه في منهجه، ويمرق عنه في تحديد حقوله؛ ممّا أربك علم الاجتماع نفسّه، فجعله يكاد لا يُعْنَى بشيء إِلاّ‍ ألفى نفسه خارج الحدود الحقيقيّة التي كان اتخذها، أصلاً، لطبيعة وضعه؛ وذلك كشأن البحوث المنصرفة إلى الدين، وإلى الأسطورة، وإلى السحر، وإلى السياسة، وإلى علاقات القربى بين الناس، وإلى كل، مظاهر العادات والتقاليد والمعتقدات والبيئات الأولى لنشوء الإنسان...


لقد استأثرت الانتروبولوجيا- أو علم معرفة الإنسان- بمعظم مجالات الحياة الأولى للإنسان، فإذا هي كأنها: "علم الحيوان للنوع البشريّ" ؛ إذ تشمل، من بين ما تشمله: علم التشريح البشريّ، وما قبل التاريخ، وعلم الآثار، وعلم وصف الشعوب، وعلم معرفة الشعوب، وعلم الاجتماع نفسه، والفولكور، والأساطير، واللسانيّات . فما ذا بقي لعلم الاجتماع أمام كلّ هذا؟


أم أنّ علم الاجتماع يستطيع أن يزعم أنه قادر على منافسة الأنتروبولوجيا في صميم مجالات اختصاصها؟ أنّا لا نعتقد ذلك. ولكن ما نعتقده أنّ الأنتروبولوجيا ليست علماً واحداً بمقدار ما هي شبكة معقّدة من علوم مختلفة ذات موضوع واحد مشترك هو الإنسان وتطوره التاريخيّ، وتطوره فيما قبل التاريخ أيضاً .


وإذن، فليس علم الاجتماع إِلاّ مجرّد نقطة من هذا المحيط، هذا العُباب الذي لا ساحل له؛ وليس إذن، إِلاّ مجرّد جملة من الظواهر التي تظهر في مجتمع ما، لتختفي، ربما، من بعد ذلك، أو لتستمر، ربما، إلى حين: كظاهرة الطلاق، أو ظاهرة المخدّرات، أو ظاهرة الجريمة، في مدينة من المدن، أو في بلد من البلدان.... على حين أنّ الأنتروبولوجيا هي العمق بعينه، وهي الأصل بنفسه؛ فهي تمثّل الجذور الأولى للإنسان، وفيزيقيّته وطبيعته، وعلاقته مع الطبيعة، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بما وراء الطبيعة المعتقدات- الدين- الأساطير)، وعلاقته بالأنظمة والقوانين (الأنظمة السياسيّة)، وعلاقته بالأقارب أو ارتباطه بالأسرة، وعلاقته بالعشيرة أو القبيلة، وعلاقته بالمحيط بكلّ أبعاده الطقسية، والاقتصاديّة، والثقافيّة (وتشمل الثقافة في نفسها: جملة من المظاهرة مثل الأسطورة، والسحر، وكيفيّات التعبّد، وهلّم جرّا.....).


فبينما عِلْمُ الاجتماع يتخذ، من بين ما يتّخذ، من الإحصاءات والاستبيانات إِجراءُ له في تحليل الظاهرة الاجتماعية وتفسيرها؛ نُلْغي العالِم الأنتروبولوجيّ "الغارق" في المجتمع الذي يدرسه،


يُعْنَى بصميم المعيش في هذا المجتمع. وأيّاً كان الشأن، فإنّ كُلاً منهما اغتدى الآن يستعير من منهج الآخر، دون أن يلفي في ذلك غضاضةً .


بيد أنّ الأنتروبولوجيا أوسعُ مجالاً، و أشدّ تسلّطاً على المجتمعات. ونحن نرى أنّ علم الاجتماع يتسلّط على الظاهرة من حيثُ كَوْنُها تَحْدُثُ وتتكرّر، وتشيع في مجتمع ما؛ أي كأنه يتسلّط على وصف ما هو كائن؛ على حين أنّ الأَناسِيَّةَ تتسلّط على المجتمعات التقليديّة، أو البدائيّة من حيث هي: فتصفها، ثم تحلّلها. فكأنّ علم الاجتماع يتسلّط على ظواهر اجتماعيّة منفردة ليصفها ويحلّلها، بينما الأَناسِيَّةُ تتسلّط على المجتمع البدائيّ في كلّيّاته فتجتهد في وصفها أوّلاً، ثم تحليلها آخراً.


وإذن، فلأْمرٍ ما أطلق العلماء على هذه المعرفيّة اصطلاح "علم الأناسة"، أو "علم الإنسان"، أو "الأناسيّة (كما نريد نحن أن نصطلح على ذلك): فكأنها العلم الذي بواسطته، وقبل علم النفس ذاته، يستطيع معرفة الإنسان في أصوله العرقيّة، وتاريخه الحضاريّ، وعلاقته بالعالم الخارجي.. بل الإيغال في معرفة معتقداته، وعاداته، وتقاليده، وأعرافه، وكلّ علاقاته بالطبيعة والكون...


-4-


ذلك، وأنّا ألفينا الناس دَرَسوا الشعر العربيّ القديم، وينصرف، لدينا، معنى القِدَمِ، وَهُنَا، إِلى عهدِ ما قبل الإسلام تحديداً: من جملة من المستويات، وتحت جملةٍ من الأشكال، وتحت طائفة من الزوايا، وعبر مختلف الرُّؤى والمواقف، وبمختلف الإجراءات والمناهج: انطلاقاً من أبي زيد القرشي، ومحمد بن سلاّم، ومروراً بالقرطاجنّي إِلى كمال أبي ديب، ومصطفى ناصف... ونحن نعتقد أنّ الذي لا يخوض في الظاهرة الشعريّة، العربيّة القديمة، من النقاد لا تكتمل أدواتُه، ولا تَنْفُقُ بضاعتُه من العلم، ولا يقوم له وجه من المعرفة الرصينة، ولا يذيع له صيت في نوادي الأدب؛ ولا يستطيع، مع كلّ ذلك، أو أثناء كلّ ذلك، أن يزعم للناس من قرائه أنه قادر على فهم الظاهرة الأدبيّة في أيّ عهد من العهود اللاّحقة، ما لَمْ يَعُجْ على هذه الأشعار يستنطقها استنطاقاً، ويقصّ آثارها، ويتسقّط أخبارها: فيعاشر أُولئِكَ الشعراءَ، ويقْعُدُ القُرْفُصَاءَ لِرُواتِهم، ويتلطّف مع أشباح أَرِئْيّائِهِمْ؛ ثمّ على الديار البالية، ويقترِئُ الأطلالَ الخالية؛ يتتبّع بَعَرَ الأَرْأمِ في العَرَصات، ويقف لدى الدِمَنِ المقفرات: يباكي الشعراء المدلّهين، ويتعذّب مع العشاق المدنّفين..


ما لَمْ يأتِ الناقدُ العربيُّ المعاصر شيئاً من ذلك.... ما لم ينهض بهذه التجربة الممتعة الممرعة... ما لم يجتهدْ في أَن ينطلق من الجذور الأدبيّة... ما لم يُصْرِرْ على الاندفاع من أرومة الأدب، وينابيع الشعر العذريّة... ما لمْ يُقْدِمْ، إذن، على البّدءِ مما يجب البدء منه: يظلّ، أخرى اللّيالي، مفتقراً، في ثقافته النقديّة، وفي ممارسته الدرسية، وفي تمثّله الجماليّ أيضاً، إلى شيء ما.... هو هذا المفقود مما كان يجب أن يكون، في مسيرته الأدبيّة، موجوداً موفوراً...


ولعلّ بعض ذلك التمثّل الذي نتمثّل به هذا الأمر، هو الذي حَملَنا على الإقبال على هذا الشعر الجميل الأصيل، والعُذْريّ الأثيل، نغترف من منابعه، ونرتشف من مدافعه؛ بعد أن كنّا في أول كتاب لنا، أصْلاً، عُجْنا على بعض شعر امرئ القيس نقرؤه ونحلّله، بما كنّا نعتقد، يومئذ، أنّه قراءة وتحليل... ولكن لاَ سواءٌ ما كنّا جِئناهُ منذ زهاء ثلاثين سنة، وما نزمع على مجيئه اليوم...


إنّ الاستهواءَ لا يكفي. فقد يَهْوى أحدُنا موضوعاً فيقبل عليه، بحبّ شديد، يعالجه.. ولكنه، مع ذلك، قد لا يبلغ منه ما كان يريد... وإذن، فهوايَتُنا هذا الشعرَ القديمَ ليست شفيعة لنا؛ ما لم نجدّد في سعينا، ونبتكر في قراءتنا، بعد أن كان تعاوَرَ على هذا الشعر الكبير مئات من النقاد والمؤرخين والدارسين، قديماً وحديثاً.... ولو جئنا نحصي من المحدثين، منذ عهد طه حسين فقط، من تناولوا هذا الشعر لألفينا عدَدَهم جمّاً، وسَوادَهم كُثْراً.... فما الذي غرَّنا بالخوض فيما خاضوا فيه، مع تغازُر العدد، وتوافر المدد، واعتياص الصّدد؟ فلعلّ الذي حَمَلنا على التجرّؤ، ودَفَعنا إلى التحفّز، مع ما نعلم من عدد السابقين لنا، هو الحريّة التي جعلها الله لنا حقاً؛ وهو، أيضاً، حبّ إبداء الرأي الذي جعله الله لنا باباً مفتوحاً، وسبباً ميسوراً، إلى يوم القيامة. وهو، بعد ذلك، ما نطمع فيه من القدرة على المسابقة والمنافسة، وما نشرئبّ إلى إضافته إلى قراءات الذين سبقونا. ولَوْلا أعْتِقادُنا بشيء من هذا التفرّد الشخصيّ في هذه القراءة التي ندّعي لها صفة الجدّة في كثير من مظاهرها ومساعيها؛ لما أعْنَتْنَا النفْسَ، وجاهدنا الوُكْد، في هذه الصحائف التي نَزْدَفُّها إلى قرائنا في المشرق وفي المغرب، وكلّنا طمع في أنها ستقدّم إليهم شيئاً مما لم تستطع القراءات السابقة تقديمَه إليهم، إن شاء الله....


ولمّا كان حرصُنا شديداً على ذلك، ورجاؤُنا شديداً في تحقيق ذلك- وبعد تدبّر وتفكّر- بدا لنا أن نجيء إلى بعض هذا الشعر العربي القديم، ممثّلاً في معلّقاته السبع العجيبات البديعات، فنقرأه قراءةً تركيبيّة الإجراء بحيث قد تنطلق من الإجراء الأنتروبولوجيّ، وتنتهي لدى الإجراء السيمائياتّي؛ إذا ما انصرف السعْيُ إلى النصّ. وتنطلق من الإجراء الشكّيّ العقلانّي، وتنتهي لدى استنتاج قائم على المساءلة أكثر مما هو قائم على الحكم والجواب.


وقد اغتدى، الآن، واضحاً أننا نحاول، في هذه التجربة، المزاوَجَة بين الأنتروبولوجيا والسيمائيّة لدى التعرض للنص، والمزاوجة بين المعلومات التاريخيّة وافتراض الفروض، لدى غياب النصّ، وحين التعرّض للحياة العامّة لدى العرب قبل الإسلام. وليست هذه المزاوجة بين الأنتروبولوجية، وما اصطلح عليه أنا بـ "السِيمائيّةِ"، أمراً مُستَهجَناً في مَسارِ علم المنهجة. فقد كنّا ألفينا بعض الدارسين الغربيين، ومنهم كلود ليفي سطروس، كان يزاوج بين الأنتروبولوجيا والبنوية؛ وكما كان يزاوج لوى قولدمان أيضاً بين البِنويّة والاجتماعية....


ونحن لم نجئ ذلك لمجرد الرغبة العارمة في هذه المزاوجة التي قد يراها بعضهم أنها تمّت، أو تتّم، على كُرْهٍ، وربما على غير طهْر!... ولكنّنا جئناه، اعتقاداً منّا أنّ الانطلاق في تأويل الظاهرة الشعريّة القديمة من الموقف الأنتروبولوجيّ هو تأصيل لمنابت هذا الشعر، وهو قدرة على الكشف عن منابعه... وعلى الرغم من أنّ كتابات ظهرت، في العِقديْن الأخيرين من هذا القرن، حول بعض هذا الموضوع، وذلك كالحديث عن الأسطورة في الشعر الجاهليّ مثلاً؛ فإنّ التركيب بين الأنتروبولوجيا والسيمائيّة، في حدود ما بلغناه من العلم على الأقلّ، لم ينهض به أحد من قبلنا.


ونحن إنما نُرْدفُ الأنتروبولوجيا السيمائيّة لاعتقادنا أنّ الأولى كَشَفٌ عن المنابت، وبحث في الجذور؛ وأنّ الأخراةَ تأويلٌ لمِرامِزِ تلك الجذور، وتحليل لمكامن من الجمال الفنّيّ، والدلالات الخفيّة، فيها. فلو اجتزأنا بالقراءة الأنتروبولوجيّة (والمفروض أنّ النسبة الصحيحة لهذا الاصطلاح تكون: "الأنتروبولوجويّة"، ولكننا ننبّه إليها، راهناً، دون استعمالها، حتى تألف اللغة العربيّة، العُلَمائيّة، هذا التمطّط الذي يُطيل منها...) وحدها لوقعنا في الفجاجة والنضوب. كما أننا لو اقتصرنا على القراءة السيمائياتيّة (ونحن نريد بهذه النسبة إلى قُصْرِ الإجراءات والممارسات التحليليّة على التطبيقات السيماءويّة...) وحدها، لما أَمنّا أن يُفْضِيَ ذلك إلى مجرّد تأويل للسطوح، وتفسير للأشكال، ووصف للظواهر، دون التولّج في أعماق الموالج، والتدرّج إلى أواخّي المنابت.


5-


وإنما فزِعْنا إلى هذه المقاربة الأنتروبولوجيّة- والمُرْدَفة أطواراً بالسيمائيّة- لأنّ النصوص الشعريّة التي نقرؤها قديمة؛ وأنها بحكم قدمها -أو جاهليّتها- تتعامل مع المعتقدات، والأساطير، والزجر، والكهانة، والقيافة، والحيوانات، والوشم، والمحلاّ‍ت ، وكلّ ما له صلة بالحياة البدائيّة، والعادات والتقاليد التي كانت تحلّ محل القوانين لدينا، لديهم... ونحن نعجب كيف لم يفكّر أحد من قبل في قراءة هذا الشعر، أو قراءة طرف من هذا الشعر على الأقلّ، بمقاربة أنتروبولوجيّة تحلّل ما فيه من بعض ما ذكرنا، أو من بعض ما لم نأت عليه ذكراً.. ذلك بأنّ أيّ قراءةٍ لهذه النصوص الأزليّة، أو المفترضة كذلك (عمرها الآن ستّة عشر قرناً على الأقلّ...)، لا تتخّذ لها هذه المقاربة ممارسة: قد لا نستطيع أن تبلغ من هذه النصوص الشعرية بعض ما تريد.


وعلى أنّنا لا نودّ أن يَتَطالَل مُتَطالِلٌ فيزعَمُ، لنا أو للناس، أنّنا إنما نريد من خلال هذه القراءة، تحت زاوية المقاربة الأنتروبولوجيّة، وتحت زاوية المقاربة السيمائياتيّة أيضاً: أنْ نَسْتَبين مقاصد الشعراء.. فذاك أمر لم نرم إليه؛ وذاك ما لم يعد أحد من حذاق منظّري النصوص الأدبيّة ومحلّليها يعيره شيئاً كثيراً من العناية؛ ولكننا إنما نريد من خلال تبيان مقاصد تلك النصوص ذاتها، وكما هي، وكما رُوِيَتْ لنا؛ أو رُويَ بعضها ونُسِجَ بعضها الآخر على روح الرواية الأصليّة وشكلها؛ أي كما وصلتنا مدّونة في الأسفار...


ومن الواضح أن من حق القارئ- المحلِّل- أن يؤوّل النصّ المقروء على مقصديّة الناصّ، ولكن دون أن يدّعيّ أن تأويله يندرج ضمن حكم الصّحة؛ إذ لا يستطيع أن يبلغ تلك المرتبة من العلم إلا إذا لابس الناصّ، وألَمَّ إلماماً حقيقياً بأحداث التاريخ التي تلابس النص والناصّ معاً، وعايش لحظة إبداع النص، وتواجَدَ في مكانه، وساءل الناصّ شخصيّاً عمّا كان يقصد إليه من وراء نسج نصّه المطروح للقراءة... ولِمَ قال ذلك؟ ولِمَ وَصَفَ هذا؟ ولِمَ، لَمْ يَصِفْ هذا؟ ولم كثّف هنا، ولم يُسَطّحْ؟ ولِمَ أومأ ولمْ يصرّح؟ أو، لِمَ صرّح ولم يُلَمّح؟ وهذا أمر مستحيل التحقيق.. إنّ تأويل النص قراءة للتاريخ، ولابحثاً عن الحقيقة، ولا التماساً للواقع، كما تدّعي المدرسة الواقعيّة التي تزعم للناس، باطلاً، أنّ الأدب يصف المجتمع كما هو؛ وأنها هي تستطيع أن تفسّره كما قَصَدَ إليه صاحُبه...، ولا طلباً للمَعيشِ بالفعل... ولكنه إنشاء لعالم جديد يُنْسَجُ انطلاقاً من عالم النصّ من حيث هو نصّ؛ لا من حيث مَقْصِدِيّةُ الناصّ من حَيْثُ هو ناصٌّ.


ولا سواءٌ تأويلٌ يكون منطلقُه من مَقْصِديَّة النصّ فيقرؤُه بحكم ما يرى مما توحي به القراءة؛ وتأويلٌ يكون منطلقه من مقصديّة الناصّ فيقرؤه على أساس أنّه يتناول حقيقة من الحقائق (ولا نريد أن ينصرف الوهم إلى معنى "الحقيقة" في اللغة القديمة، وقد استعملت في المعلّقات..)، ثمّ على أساس أنه يخوض في أمر التاريخ...


-6-


لكن لما ذا الضَرْبَ، أو المُضْطَرَبُ، في كلّ هذه المستويات لتأويل قراءة نصوص المعلّقات السبع؟ أَلأَنَّ الأمر ينصرف إلى النصّ الشعريّ، والنصّ صورةٌ إن شئت، ولكنه ليْسَها وحْدَها؛ وهو تَشاكُلٌ إن شئت، ولكنه ليسَهُ وحده؛ وهو لذّاتٌ فنيّة روحيّة إن شئت، ولكنه لَيْسَهُما وحدهما، وهو تجليات جماليّة إن شئت، ولكنه ليْسَها وحدها؛ وهو سمات لفظيّة إن شئت، ولكنه ليْسَها وَحْدَها؛ وهو لَعِبٌ باللغة إن شئت، ولكنه لَيْسَه وحده؛ وهو أسْلبَةٌ وتشكيل إن شئت، ولكنه ليسهما وحْدَهُما؛ وهو فضاء دلاليّ يتشكّل من الصوت وصَدى الصوت، والإيقاع وظِلّ الإيقاع، والمعنى ومعنى المعنى؛ فيحمل كلّ مقوّمات التبليغ في أسمى المستويات...؟ أم لأنّ الأمر ينصرف إلى غير كلِّ ذلك...؟


ولمّا كان الأمر كذلك، كان لا مناص، إذن، من قراءة النصّ الأدبي، بإجْرائِهِ في مستويات مختلفات أصلاً، لكنها، لدى منتهى الأمر، تُفْضي، مُجْتَمعةً، إلى تسليط الضياء على النصّ، وإلى جعل التأويلات المتأوّلة حَوَالَهُ بمثابة المصابيح المضيئة التي تزيح عن النص الظلام، وتكشف عن مغامضه اللّثام....



-7-


وممّا لاحظناه في قراءاتنا للمعلّقات أنّ هناك إلحاحاً، كأنه مقصود -أو كأنه دأب مسلوك في تقاليد بنية القصيدة العربيّة؛ أو كأنّه إرثٌ موروث من الأزمنة الموغلة في القِدَم، فيها: على ذكر أماكن جغرافيّة بعينها؛ مما حمل ياقوت الحموي على أن يستشهد، كثيراً، بهذه الأشعار الواردِ فيها ذِكْرُ الأماكن، في اجتهادٍ منه لتحديد الأمكنة في شبه الجزيرة العربيّة، وطرفي العراق والشام. ويبدو أنّ بعض الأمكنة كان من الخمول والغُمورَةِ بحيث لم يكنيعرف إلاّ في ذلك الشعر المستشهد به، ولا يكاد في سَوائِهِ...


ويحمل هذا الأمر على الاعتقاد بأنّ شعراء الجاهليّة كثيراً من كانوا يظْعَنون من مكان إلى مكان آخر؛ كما أن الحبيبات اللواتي كانوا يتحدثون عنهنّ، أو يشبّبون بهنّ؛ كُنّ، هنّ أيضاً، بحكم اتسام تلك الحياة بالتّرحال المستمرّ، والتّظعانِ غير المنقطع، يتحملّن مع أهليهنّ... فكان، إذن، ذِكْرُ الأمكنة؛ من هذه المناظير، أمراً مُنتَظراً في أشعار أولئك الشعراء....


-8-


وقد لاحظنا وحدة المعجم اللغويّ في نسج لغة مطالع المعلّقات بخاصّة، والشعر الجاهليّ بعامّة، بحيث لم يكن الشاعر، على ذلك العهد، يرعوي في أن يسلخ بيتاً كاملاً من شعر سوائه -إلاّ لفظاً واحداً- كما جاء ذلك طرفة بالقياس إلى امرئ القيس... أمّا سَلْخُ الأعجاز أو الصدور فحدّث عنها ولا حرج. فقد كان الشاعر إمّا أن يتناصّ مع نفسه، كما نلفي ذلك في سيرة شعر امرئ القيس، عبر المعلّقة والمطوّلة، مثل:


*فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجة (تكرر في المعلّقة والمطوّلة)،


*وجاد عليها كلّ أسحم هطّال. (تكررا مرتين اثنتين في المطوّلة)


*ألحّ عليها كلّ أسحم هطّال.


على أننا نؤثر أن لا نفصّل الحديث عن هذه المسالة هنا، لأننا اختصصناها بفصل مستقلّ في هذا الكتاب.



-9-


كيف اختار شعراء المعلّقات، وسَواؤُهُمْ من غير شعراء المعلّقات من أهل الجاهليّة، استعمال الناقة في التّظعان إلى الحبيبة عِوَضاً عن الفَرَس؛ وبمَنْ فيهم امرؤ القيس الذي نلفيه يتحدث عن نحر ناقته للعذارى يوم دارة جلجل، ويعود إلى الحيّ، فيما تزعم الحكاية، رديفاً لفاطمة ابنة عمّه...؟ مع أنّ المسافة القصيرة التي كانت تقع بين الحيّ وغدير دارة جلجل يفترض أنها كانت قصيرة: فما منع امرأ القيس من اصطناع الفَرَس في تنقّله ذاك القصير؟ ولِمَ نلفي الفرسان والفُتّاكَ، مثل عنترة بن شداد، هو أيضاً، يتحدث عن ناقته، قبل أن يتحدث عن فرسه؟ فهل كان اصطناع الناقة في الأسفار دأباً مألوفاً لديهم لا يغادرونه، أم أنّ في الأمر سرّاً آخرَ؟ أم أنّ الخيل كانت عزيزة جداً لديهم، أثيرةً في نفوسهم؛ بحيث كانوا يَضِنّونَ بالارتفاق بها في الأسفار، ويذَرونَها مكرّمةً منعّمة للارتفاق بها في الحروب؟ بل لماذا كانوا يصطنعون جيادهم في الطرد، كما نلفي امرأ القيس يذكر ذلك بالقياس إلى جواده الذي يصفه بالعِتْقِ والكرم، وأنه كان سباقاً، وأنه يقيّد الأوابد..؟ فما بالُهُ حين اندسّ لِعَذارى دارة جلجل اصطنع الناقة وهي وئيدة السير، ثقيلة الخطو، مزعجة للتنقّل القريب، وهو الأمير الغنيّ الثريُّ:


فأين كان فرسه؟ وما منعه من اصطناعه، وقد كان يفترض أنه يظهر بمظهر الفارس المغامر، وليس أدلّ على الفروسيّة والرجوليّة شيء كركوب الخيل، وحمل السلاح، في منظور المرأة العربيّة على ذلك العهد..؟


-10-


ولا يمكن قراءة أيّ قصيدة من الشعر الجاهليّ، بَلْهَ قراءة أشهرِ قصائده سيرورةً، وأكثرها لدى الناس رواية؛ وهي المعلّقات السبع، دون التعرض لمسألة النحل والعبث بنصوصها، والتزيّد على شعرائها، والتصرّف في مادة شعرها: لبعد الزمان، وفناء الرجال، وانعدام الكتاب، وضعف الذواكر، وتدخّل العصبيّة القبليّة، وطفوح الحميّة الجاهليّة، وطفور المذهبيّة السياسيّة: لدى جمع الشعر الجاهليّ بعد أن مضى عليه ما يقرب من ثلاثة قرون من الدهر الحافل بالفتن والمكتظّ بالأحداث، والمتضرّم بالحروب.


ولم يكن هناك شعر أدعى إلى أن يُتَزَيَدَ فيه، ويُدَسّ عليه؛ كشعر المعلّقات التي جمعها أحد أوْضَعِ الرواة للشعر، وأَجْرَئِهِمْ على العبث به؛ وهو حمّاد الراوية بعد أن كان مضى على قدم المعلّقات وجوداً ما يقرب من ثلاثة قرون. والآية على ذلك أننّا لاحظنا أبياتاً إسلامية الألفاظ، كثيرة وقليلة، في جملة من المعلّقات مثل معلّقات زهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم... ولنضرب لذلك مثلاً في هذا التمهيد بالأبيات الأربعة، والتي نطلق عليها "أبيات القِرْبة" والمعزوة إلى امرئ القيس في نصّ المعلّقة... فإنها، كما لاحظ ذلك بعض القدماء أنفسهم ، مدسوسة عليه؛ وكأنّ امرأ القيس استحال إلى مجرّد صعلوك متشرّد، وضارب في الأرض متذلّل، يحمل على ظهره القراب، ويعاشر في حياته الذئاب..


إننا لا نَقْبلُ بأن تُغْزَى تلك الأبيات الأربعة الصعاليكيّة:


وقربةِ أقوامٍ جَعلْتُ عِصامَها



على كاهلٍ مِنّي ذَلول مُرَحّلِ


ووادٍ كجَوفِ العيرِ، قَفَرٍ، قطعتُه



به الذئب يعوي كالخليع المُعَيّلِ




إلى امرئ القيس، وذلك لعدم عيشه تلك التجربة، ولأنه كان موسراً غنيّاً، ولم يثبت قطّ أنه كان مضطراً إلى أن يحتمل القراب. بل لا نلفيه، في هذا الشعر يحتمل تلك القراب على ظهره فحسب، ولكنّا نلفيه متعوّداً على حملها، وإنما ذلك شأن الفقراء الصعاليك، وسيرة السفلة والمماليك... ثم لعدم حاجته أيضاً إلى أن يُخَاطِبَ السيَّد حين عوى في وجهه:


فقلت له لمّا عوى إِنّ شَأْننَا



قليلُ الغِنَى إن كنت لَمَّا تَمَوّلِ


كِلانا إذا ما نال شيئاً أفاتَه



ومن يحترثْ حرثي وحرَثكَ يهزل




ونحن لا نرتاب في أبيات القربة الأربعة فحسب، ولكننا نرتاب، أيضاً، في أبيات الليل الأربعة التي يصف فيها الليل، وأنه كموج البحر في عمقه وظلامه، وهوله وإبهامه، وذلك لبعض هذه الأسباب:


أوّلها: إنّ الأبيات الأربعة التي يزعم فيها الرواة الأقدمون- والرواة هنا مختصرون في شخص حمّاد الراوية وحده؛ إذ هو الذي جمع المعلّقات السبع وأغرى الناس بروايتها لما رأى من عزوفهم عن حفظ الشعر - أنّ امرأ القيس يصف فيها الليل، هي أيضاً، لا تجاوز الأربعة، مَثَلُها مَثَلُ الأبيات الأربعة الأخراة التي شكّ فيها الأقدمون أنفسهم وعَزَوْها إلى تأبّط شرّاً ؛ ولذلك لم يتفقوا على إلحاقها بشعر امرئ القيس، على أساس أنها تخالف روح سيرة حياته لديهم.. وثانيها: إنّا وجدنا امرأ القيس حين يصف شيئاً يتولّج في تفاصيله، ويلحّ عليه بالوصف، بناء على ما وصلنا من الشعر الذي زعم الرواة الأقدمون أنه له: فنلفيه يصف حبيبته، وقل أن شئت حبيبتيْه- عنيزة أو فاطمة، وبيضة الخدر-، وقل أن شئت حبيباته إذا أدخلنا في الحسبان أمّ الحويرث، وجارتها أمّ الرباب، وعذارى دارة جلجل، وعنيزة، والحبالى، والمرضعات اللواتي كان طَرَقَ قبْلَها، أو قبَلَهنّ، وبيضة الخدر التي جاوز إليها الأحراس، وجازف بحياته من جلالها أمام من كانوا حِرَاصاً على قتله، وشداداً في معاملته.


ولقد استغرق منه وصْفُ مغامراته ومعاهراته، مع هؤلاء النساء، سبعة وثلاثين بيتاً ربما كانت أجمل ما في معلّقته. ومن أجمل ما قيل في الشعر العربيّ على وجه الإطلاق. فكأنّها الشعر الكامل. وكأنها السحر المكتوب. وكأنّها الشَّهْدُ المشتار. وكأنّها النص الأدبيّ الكامل: تشبيهاً، ونسجاً، وأسلبةً، وصورةً، وابتكاراً، وجمالاً..


على حين أنّنا ألفينا وصف الفرس يمتدّ في شعره على مدى ثمانية عشر بيتاً. وربما كان وصف الفرس لديه أجمل وصف قيل، هو أيضاً، في هذا الحيوان الجميل الأنيق، في الشعر العربيّ إطلاقاً.. بينما استغرق وصف المطر في معلّقته اثني عشر بيتاً. فما معنى، إذن، أن تستغرق هذه المواضيع الثلاثة، كلّ هذه الأحياز عبر المعلقة المَرْقِسيّةِ، وتمتدّ على كلّ هذه الأَفْضَاءِ، ويَقْصُرُ وصفُ الليل، وحده، فلا يجاوز أربعة أبيات، كما يقتصر وصف القربة، وقطع الوادي الأجوف ليلاً، ومخاطبة الذئب، على أربعة أبيات، فقط أيضاً، ولِمَ كان الملك الضليّل طويل النفس في بعض، وقصيَره في بعضٍ آخرَ؟


وآخرها: إنّ وحدة القصيدة تأبى أن يُقْحَمْ وصْفُ الليل: وأنه موقر بالهُمُوم، مُثْقَلٌ بالخطوب؛ وأنه كان يبتليه بما لا يقال، ويضربه بما لا يتصوّر: بين وصف الحبيبات الجميلات، وذكر الملذّات الرطيبات، ووصف الفرس الذي لم يركَبْه امرَؤُ القيس للذاته يوم دارة جلجل؛ ولكنه امتطي مطيّته التي نحرها للحسان، فيما تزعم تلك الحكاية العجيبة.... فما معنى، إذن، ذكر الهموم والأتراح بين التشبيب والطرد؛ بين لذّات الحبّ، ولذّات الصيد؟


-11-


كان أستاذنا الدكتور نجيب محمد البهبيتي حَكَمَ- كما سنناقشه في المقالة التي وقفناها على متابعة المرأة، بما هي أنثى، في المعلّقاتُ السبع، ضمن هذا الكتاب- برمزيّة المرأة، وبرمزيّة أسماء النساء في الشعر الجاهليّ الذي المعلّقاتُ واسَطِةُ عِقْدِهِ. بينما ألفينا الدكتور علي البطل يعلّل الأسماء في الجاهليّة تعليلا‌ً معتقداتيّاً ؛ بينما نجد أبا عثمان الجاحظ يذهب إلى غير ذلك سبيلا؛ فيرى أنّ ذلك لم يكن مرجعه إلى معتقدات دينيّة خالصة، ولكن إلى معتقداتية خرافية حميمة. وكانوا يأتون ذلك على سبيل التفاؤل والتبرّك، وخصوصاً لدى تبشيرهم بميلاد الذكور. فكان الرجل منهم "إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنساناً يقول حجراً، أو رأى حجراً سمّى ابنه به، وتفاءل فيه الشدّة والصلابة، والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما لقي. وكذلك إن سمع إنساناً يقول ذئباً، أو رأى ذئباً، تأوّل فيه الفطنة والخبّ، والمكر والكسب. وإن كان حماراً تأوّل فيه طول العمر والوقاحة، والقوة والجلَد. وإن كان كلباً تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصيت، والكسب، وغير ذلك (....).. ووجدناهم (...) يسمّون بقمر، وشمس، على جهة اللقب، أو على جهة المديح..." .


وممّا يقرّر الجاحظ حول هذه المسألة أنّ العرب كانت تفزع إلى مثل هذه الأسامي على سبيل التفاؤل، لا على سبيل المعتقدات التي يحاول بعض الباحثين المعاصرين تأوّلها، وبرهاناتُهمْ على ذلك أدنى الوَهَن منها إلى الآد، وحججهم في ذلك أقرب إلى الضعف منها إلى القوة. ذلك بأنّ نصوصهم، في سعيهم، لا تكاد تذكر مع مثل هذه النصوص التي تتجسّد في مثل كلام الجاحظ، إذ ممّا يقرره أنه إذا: "صار حمار، أو ثورٌ، أو كلبٌ: اسمَ رجلٍٍ مُعظّم، تتابعت عليه العربُ تطير إليه، ثمّ يكثر ذلك في ولده خاصة بعده" .


وواضح أنّ هذا الأمر، في التسمية، لا يبرح قائماً إلى يومنا هذا؛ فما هو إلاّ أن يشتهر زعيم من الزعماء، أو سياسيّ من الساسة، أو بطل من الأبطال، أو مصلح من المصلحين، أو مغنّ من المغنّين، أوعالم منالعلماء، أو أديب من الأدباء.... وإذا الناس يتهافتون على اسمه يسمّون به أولاهم: تبركاً وتحبباً، وتفاؤلاً وتشبّهاً.


ولا يرى الجاحظ أنّ العرب إنما كانت تسمّي أولادها بمثل قمر وشمس على سبيل المعتقد بهذين الكوكبين الاثنين، أو على أساس أنّ العرب كانت تعبدهما وتقدّسهما، ولكنّ ذلك كان منها "على جهة اللقب، أو على جهة المديح".


-12-


وعلى أننّا لا نريد أن يعتقد معتقد أنّا نرفض الترسبّات الدينيّة، الوثنية خصوصاً، والسحريّة، والمعتقداتية في الشعر الجاهليّ، كلّه أو بعضه؛ ولكن ما لانريد أن يعتقده معتقد هو أنّنا لا نميل إلى هذا التحمس، وهذا التحفز؛ وإلى الذهاب، بأيّ ثمن، إلى ذلك التعليل الأسطوري للصورة الشعريّة، وللوقائع، وللّغة... فقد كان الأعراب أغلظ أكباداً، وأحرص على التعامل في حياتهم اليوميّة بواقعها الشظف، ورتابتها المحسوسة، مع المادّة - من أن يقعوا فيما يريد أن يوقعهم فيه، على سبيل الإرغام، بعضُ الناقدين المعاصرين، وذلك بالذهاب إلى أنّ كلّ ما هو شمس أو قمر، أو ثوراً وبقر، أو عيراً وظبي، أو نمر أوكلب، أو ثعلب أو عجل، أو ليث أو ضبّ- ممّا كانوا يقدسونه فيما غَبَر من الأزمان، ومر من الدهْرِ الدَّهارير: لم يكن يدلّ بالضرورة على التمسّك تمسّكاً دينيّاً أو روحيّاً بتلك المعتقدات الوثنيّة؛ وإلاّ فماذا سيقال في النباتات والأشجار، والسحب والأمطار، والرمال والأنهار...؟


وإنما كانوا يسمّون أبناءهم بما كانوا يرون في بيئتهم البدويّة الشظفة: أنّه هو الأيّدُ الأقوى، أو الأشدّ الأبقى: سواء في ذلك الشجر والحجر؛ وسواء في ذلك الحيوان والهوامّ. على حين أنهم كا نوا يُؤْثِرونَ لعبيدهم الأسماء الجميلة الأنيقة اللطيفة مثل صبيح، ورباح.... ذلك بأنّ الأسماء التي تُرْعِبُ وتُخيف كانوا يرون بأنها قَمَنٌ بأن تُفْزِعَ يوم الوغى، وتُرْهِبَ في مآقِطِ النِزال، بالإضافة إلى ما كانوا يريدون أن يميلوا إليه من التفاؤل بالشيء لمجرّد منوحه لهم .


-13-


وممّا لا نوافق الدكتور البطل علىالذهاب إليه حول هذه المسألة حِرْصُه على الرجوع إلى أبعد الأزمنة إيغالاً في القدم، ثمّ إخضاع تلك الفترة إلى ما يطلق عليه "الفترة الطوطميّة" التي يحيل فيها قُرَّاءَه على الرجوع إلى الدكتور جواد عليّ الذي كان بسط هذه النظريّة الأنتروبولوجية بناء على تنظيرات مكلينان، وليس بناء على تنظيراته هو .


وإنما كان الأولى أن يحيل قراءه على الأصل الذي هو جون مكلينان الذي تعود محاولاته النظريّة إلى سنة تسع وستين وثمانمائة وألف للميلاد حيث كان نشر بعض المقالات التي نبّه فيها إلى ما أطلق عليه الطوطميّة .
لكن لم يلبث أن جاء فرازر فنشر كتابه المؤلف من أربعة مجلدات انتقد فيها ماكلينان حيث اغتدت الطوطمية لديه: "مؤسسة ذات خصوصيّة من المعتقدات البدائية وهي تتناقض (....) مع التفكير الدينيّ، كما كان يريده وليم روبرتصون سميث، ومع التفكير العقليّ الذي كان يعتقد فرازر أنه كان الناطق باسمه، في آن واحد".


وعلى أنّ الانتروبولوجيين انتقدوا انتقاداً شديداً تنظيرات فرازر، وفي طليعتهم الأسكندر قولد نويزر الذي رأى انّ إدراج ثلاث ظَواهِر في عِقْدٍ واحد من الزمن ضئيل العلميّة.. .


وأياً كان الشأن؛ فإن الطوطمية في مفهومها الأدنى والأشهر،تعني وجود العبقرية الراعية التي ينشأ عنها "الأنظمةُ الطوطمية" ، والتي حاول بعض العلماء تطبيقها على المجتمعات البدائية في استراليا، وأمريكا... ولكننا، نحن، لا نحسبها ممكنة الانطباق على المجتمع العربيّ قبل الإسلام، بحذافيرها...


إنّ هناك دعائِمَ أربعاً تنهض عليها هذه النزعة الأنتروبولوجية، ولا تَوْفُرُ في الأسامي العربية القديمة وفوراً كاملاً؛ لأن الجاحظ وهو الأعلم بعادات العرب وتقاليدها، والأقرب إليها عهداً، والأدنى منها زمناً، والألصق بها نَسَباً؛ لم يذكر أنّ العرب كانت تسميّ أبناءها بأسماء الحيوانات على سبيل التقديس والتبرك؛ ولكنّ ذلك كان "على جهة الفال" ، وعلى سبيل حفظ نسب الجدّ، "وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمّي ابنه عميراً.. " . والآية على عدم ثبات مزعم الذين يزعمون بطوطميّة الأسماء العربية على عهد ما قبل الإسلام أنّ العرب كانوا يتسمون "أيضاً بأسماء الجبال: فتسموا بأبان وسلمى". بل أنهم قد "سمّوا بأسد، وليث، وأسامة، وضرغامة، وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة.وسبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب" .


إنّ من أصول الطوطميّة الأربعة تحريم أكل الحيوان المقدّس، والشجرة المباركة؛ بينما لم تكن العرب تتحرج في أكل أيّ من الحيوانات وثمر الأشجار التي كانت تسمّي بها أبناءها.


وواضح أنّ الزجر من المعتقدات العربيّة الحميمة التي لا نكاد نظفر بها في الفكر البدائيّ لدى الإغريق، وقدماء المصريّين، والبابليين، والكنعانيين على هذا النحو الذي وقعنا عليه في النصوص الأدبيّة والتاريخية العربيّة. فليس الزجر سحراً، ولا ديناً، ولا حتّى معتقداً حقيقياً، ولكنه نحو من السلوك قام في معتقداتهم فسلكوه..


وأمّا تقديس الثور فإننا نلفيه في بعض الأساطير الكنعانيّة، حيث "كان الثور هو الحيوان المقدّس" لدى الكنعانيّين.


وربما لم تعبد الشمس في شمال الجزيرة قطّ، لأنّنا لم نعثر على صنم من أصنامهم هناك كان يمثّل على الحقيقة التاريخية الدامغة، الشمس المعبودة التي عبدت في مأرب على عهد الملكة بلقيس، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم . وما نراهم قد تسمّوا به من مثل عبد شمس لعله لم يك إلاّ أثراً شاحباً لذلك التوهج الوثنيّ القديم الذي محاه الزمن، ودرسه الدهر حيث أنّ بلقيساً كانت تعيش في القرنين، الحادي عشر، والعاشر قبل الميلاد.


"وقد كانت العرب- كما يقول ابن الكلبي- تسمّي بأسماء يعبّدونها؛ لا أدري أعبّدوها للأصنام، أم لا؛ منها "عبد ياليل" ، و "عبد غنم"، و "عبد كلال"، و "عبد رضى" .


ومن الغريب حقاً أنّ الأساطير تذكر أن الكنعانيين كانوا يقدسون الثور؛ وفي الوقت ذاته نلفي الإله "بعل" يذبح لشقيقته عناة "ثوراً ويشويه؛ فتأكل؛ ثم تغسل يديها بالندى والماء" .


إن هي، إذن، إلاّ أساطير في أساطير، والذي يحاول أن يستخلص منها علماً، أو يستنبط منها أحكاماً تاريخية، سيتورط في فخّ أسطوريتها فلا يفلح في بحثه، ولا يهتدي في أحكامه...


ويرى الدكتور البطل بأن العرب لم يكونوا، في الأزمنة الغابرة، "أصحاب حضارة زراعية يعتدّ بها (....) ولعل هذا هو سر اتجاههم إلى الشمس وهي أظهر ما في حياة الصحراء، خالعين عليها صفة الأمومة؛ فاعتبروها الربة، والآلهة الأم. ولعل هذا هو سر تأنيث الشمس في اللغة العربية على عكس اللغات التي ربطتها بإلهٍ ذكر":


فالأولى: أن تأنيث الشمس، في اللغة العربية، لا حجة فيه على الأمومة، ولا على الإخصاب؛ لأن هناك أمماً أخراة ربما كانت تعبد الشمس، وهي، مع ذلك تذكّرها، فالتذكير والتأنيث، في اللغة، لا ينبغي له أن يخضع، في كل الأطوار، للمعايير التي يبني عليها الدكتور البطل حكمه.


والثانية: أن الماء من الأمور التي لفتت عناية الإنسان القديم، ومع ذلك نلفي الماء مذكّراً، في اللغة العربية، وهو رمز للإخصاب، أكثر بكثير من الشمس (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ) : حتى أن ملك الروم كان بعث إلى معاوية بقارورة وقال له: "ابعث إليّ فيها من كل شيء" ، فملأها له ماء. فقال ملك الروم لما وردت عليه: "للّه أبوه ما أدهاه" ؛ وذلك على أساس أن اللّه جعل في الماء كل شيء... وإن كنا نلفي هذا الماء مؤنثاً في كثير من اللغات الأخراة كالفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية...


والثالثة: أن العرب لم تكن تؤنث الأشياء والظواهر للتعظيم والتقدير، في كل الأطوار؛ ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:


ولو كان النساء كَمَنْ فقدَنْا



لفُضِّلَتْ النساءُ على الرجالِ


وما التأنيثُ لاُسْمِ الشمسِ عَيْبٌ



ولا التذكيرُ فخْرٌ لِلْهلالِ




وقد خاطب الله الكفار حين جعلوا له بناتٍ (أفرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، ومَنَاةَ الثالثةَ الأُخْرى. ألَكُمُ الذّكَرُ وله الأُنُثَى؟ تلك إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى" .


والرابعة: إنّ المشركين حين اتخذوا اللاّت يعبدونها من دون الله في الطائف وما والاها إنما "اشتّقّوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللاّتَ، يعنون مؤنّثة منه، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا". ويؤيّد ذلك ما ذهب إليه الزمخشري في تفسير بعض هذه الآيات حين قرر:


"إنّ اللاّت والعزّى ومناة: إناثٌ، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، وما شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يُولدْنَ لكم، ويُنْسَبْنَ إليكم: فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمّونهنّ آلهة؟" .


وإذن، فلا يمكن أن يكون التأنيث للشمس تفخيماً لها وتعظيماً ، ولا تقديراً لها وتقديساً. ولو كانوا أرادوا إلى ما أراد إليه الدكتور البطل، وبناء على بعض ما رأينا من أمر هذه الآيات الكريمات، وما استنبطنا من تفسيرها: لكانوا، في رأينا، ذكّروها، لا أنّثوها.


فقد سقطت، إذن، تلك الحجة؛ ووهن: إذن، ذلك البرهان.


والخامسة: إنّا لا نعتقد أنه كان للمرأة العربيّة، على عهد ما قبل الإسلام، مكانةٌ محترمة، ومنزلة اجتماعية تتبوّؤُها إزاء الرجل الذي يطلّقها لأوهى الأسباب، وكان يطلبها للفراش لا للعِشْرة؛ فلمجرّد أن حكمت أمّ جندب لعلقمة الفحل على أمرئ القيس بادَرَ إلى تطليقها .


والسادسة: وأمّا مسألة عبادة الأرض، وأنّ المجتمعات الزراعيّة العتيقة "عبدت الأرض بوصفها أماً" ؛ فإنّ الإنسان البدائيّ عبد الأحجار، والأشجار، والشمس والقمر، والأرض والسماء، والحيوانات، والريح، وكل، مظاهر الطبيعة... فلا حجّة فيه على أنّ ذلك باقٍ في الصورة الشعريّة لما قبل الإسلام. فصنم "اللاّت" بينما يزعم بعض المفسريّن أنه مؤّنث الله في لغتهم ومعتقداتهم جميعاً؛ كان الآخرون من المفسرين يرون أنّ اللاّت "كان(....) رجلاً يَلُتُّ السُّويْقَ، سويق الحجّ" . كما روى "عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، أنهم قرأوا "اللاّت" بتشديد التاء وفسّروه بأنّه كان رجلاً يلتّللحجيج في الجاهلية السويق، فلمّا مات عكفوا على قبره، فعبدوه ". فالمعبودات لم يكنَّ نساءً فحسب؛ ولكنْ كُنَّ رجالاً أساساً. بل إنّا أصنام العرب يغلب عليها التذكير أكثر من التأنيث.


والسابعة: وأمّا اعتبار العرب أنهم ليسوا "أصحاب حضارة رزاعيّة يعتدّ بها "فإنا لا ندري كيف يمكن تناسي اليمن السعيد، وهو مهد العروبة، ومحْتِدُها الأوّل، وما كان فيه من زراعة نوّه بها القرآن ؛ وحيث كان سدّ مأرب العظيم قبل أن ينفجر؛ وحيث الجنتان عن يمين وشمال؛ وحيث البلدةُ الطيبة، والتربة الخصبة؛ وحيث الربُّ الكريم الغفور، وحيث كانت المرأة اليمنيّة "تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يُحْتاج إلى كلفة ولا قطاف؛ لكثرته ونضجه واستوائه" ؛ وحيث، كما يقرر ابن عباس كانت بلاد اليمن "أخصب البلاد وأطيبها: تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير بين الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر" .


أم لم يكن اليمن عربيَّ الأرض، عريق العروبة؟ أم لم يُبْنَ فيه أوَّلُ سدٍّ في تاريخ الزراعة على وجه الاطلاق؟ وإذن فكيف يمكن تَجْريدهمُ ممَّا هو ثابت لهم بالأخبار المتراوية، والآثار المتتالية، والوحي المنزّل، والتاريخ المفصّل؟


ومن الغبن العلميّ أن يحاول محاول بناء مسألة على هواء، وإقامتها على فراغ، بعد أن تستهويه استهواء، وبعد أن تشدّه إليه شدّاً؛ فيجتهد في أن يجعل من الحبّة قبّة، ومن القليل كثيراً، ومن العدم وجوداً.... وقد أحسسنا بشيء من ذلك ونحن نقرأ الدكتور البطل وهو يشقّ على نفسه، ويُعْنتُها ويُضْنيها، لإثبات ما لا يمكن إثباته باليقين الدامغ، والتاريخ الناطق، فيُحسُّ ببعض الخيبة في قرارة نفسه، فيقرر: "و لانقصد بهذا أنّ شعر هذه المرحلة المتأخّرة من تاريخ العرب، يحمل لنا في صورة الدين البدائيّ القديم، فقد كانت كثرة هذه الطقوس قد درست ولم يبق منها إلاّ آثار باهتة حتّى في الممارسات الدينيّة؛ ولكننا نرى أنّ الصور المتّرسبة في الشعر من الدين القديم هي من آثار احتذاء الشعراء لنماذج فنيّة سابقة، لم تصلنا، كانت وثيقة الصلة بهذا الدين..." .


ونحن نوافق الدكتور البطل على بعض ما أثبتناه له هنا لأنه عين الحقّ، وخصوصاً قوله: "فقد كانت كثرة هذه الطقوس قد درست ولم يبق منها إلاّ آثار باهتة حتّى في الممارسات الدينيّة. وهو عين الحق؛ لأنّ التاريخ العربيّ القديم دَرَسَ وباد، ولم يعد يُرْوى ولا يُعاد: فقد بادت طسم، وجديس، وجرهم، والعماليق، وعاد، وثمود... فمنهم من تفانوا فيما بينهم في حروب مدّمرة لم تُبْقِ منهم ديَّاراً، ولا تركت لهم آثاراً؛ ومنهم من سلّط الله عليهم العواصف الهوجاء، والأمطار الطوفانيّة فأبادتهم؛ ومنهم من فنوا بتهدّم سدّ مارب(سيل العرم)، فلم يصلنا مما قالوا إلاّ أقلّة، ولم يبق للتاريخ من معتقداتهم القديمة، ومعقتدانهم الوثنية، إلاّ مظاهر شاحبة لا تسمن من جوع، ولا تروى من ظمأٍ؛ فألفينا الأقدمين يفزعون لملء الفراغ التاريخيّ الهائل إلى أساطير التوراة، وأكاذيب يهود... بينما ألفينا المحدثين يصطنعون افتراض الفروض طوراً، ويفزعون إلى الاحترافيّة الفكريّة، واصطناع الإجراءات التأويليّة طوراً آخر: من أجل التوصّل إلى نتائج يقيمونها، في كثير من أطوارهم، على افتراضات تنقصها الشروط المنهجيّة لفرض الفروض، أو على نصوص واهِيَة التاريخيَّةِ. وفي الحاليْن الاثنتَين لا نجد من يقنعنا في غياب النصوص التاريخيّة التي لم تكتب عن العرب قبل ظهور الإسلام، إذ لم يسرع الناس في التأليف، وجمع الأخبار بكيفيّة مستفيضة إلاّ ابتداء من القرن الثاني للهجرة....


وحين جاؤوا يكتبون تاريخ العرب: الأيام، والشعر، واللغة، والأديان: تكأَّدَهُمْ ذهابُ الذين كانوا يحملون هذا الشعر، وتلك الأخبار. ولقد سُقِطَ في أيدي بعض القبائل التي ضاع شعر شعرائها، أو لم يكن لها، في الأصل، إلاّ شعراً قليل، فعَمَدتْ إلى النحل... كما صادف الرواة المحترفون في تعطّش الناس لأخبار أهل الجاهليّة مصدراً للرزق الكريم، ومنزلة للعز المنيع؛ فكان حمّاد الراوية يعيث في الشعر العربيّ فساداً على مرأىً ومسمع من العلماء الذين قصروا عن إصلاح أمره... وإذا عجزوا هم عن إصلاحه، وكان الزمن الجاهليّ لا يبرح طرياً رطباً، فمن المستحيل علينا نحن اليوم إصلاحه... .


ولم يكن الأصمعيّ الثقة العالم بقادر على إصلاح ما كان أفسده أستاذه خلف الأحمر الذي لازمه عشْرَ سنين؛ مثله مثل أبي عمرو بن العلاء العالم الثقة المتحرّج الذي كان يتردد ويتألّم ويتحرج، لأنه كان يعلم أنّ ما انتهى إلينا مما قالت العرب إلاّ أقّلُّهُ، ولو جاءنا وافراً لجاءنا "علم وشعر كثير" .


-14-


والذي يعنينا في كلّ ما أوردناه في الفقرة السابقة، وما ناقشنا به الصديق الدكتور عليّ البطل، أنّ تعليل التسميّة تعليلاً دينيًاً ليس أمراً مسلمّاً. ومن الأولى التفكير في تعليلها تعليلاً يقوم على التفاؤل والتبرّك، كما قرر ذلك أبو عثمان الجاحظ.


ذلك، وأنّا عايشنا هذه المعلّقات السبع العِجَابَ أكثر من سنتين اثنتين: ظَلْنَا، خلالَهُما، نقرؤُها، ونعيد قراءتها، حتّى تجمّع لدينا مقدارٌ صالح من الموادّ ممّا لو جئنا نحلّله كلّه لكان هذا العمل خرج في مجلّدين اثنين على الأقلّ؛ بالإضافة إلى الموادّ الأخراة الكثيرة التي ينصرف شأنها إلى الشعر الجاهليّ بعامّة، والتي قد نعود إليها يوماً لبلورتها، وإخراجها للناس. ولغزارة المادّة المصنَّفة، والمنبثقة عن قراءات نصوص المعلّقات السبع، ورغبة منّا في أن لا يكون الكتاب الذي نقدَّم بين أيدي الناس أضخم ممّا يجب، وأطول ممّا ينبغي: ونحن نحيا عصر السرعة، والميل إلى القليل المفيد: ارتأينا أن لا يزيد تقديمها على أكثر من عشر مقالات كلّ مقالة تعالج مستوىً بذاته، أو محوراً بعينه: مثل إثنولوجيّة المعلّقات، وبنية الطلليات المعلّقاتيّة، وفكرة التناص في المعلّقات، والصناعات والحرف، وطقوس الماء، والمرأة، وجماليّة الإيقاع، وجماليّة الحيز... وهلّم جرّا.


ذلك، وأنّا كنّا أزمعنا على تقديم فهارس تتناول من الحقول ذات العلاقة بالأنتروبولوجيا، لدى نهاية هذه الدراسة: ترصد بعض الظواهر التي لم نتمكّن من بلورتها، أو تحليلها في ثنايا هذه الدراسة مثل الألفاظ الدالّة على الزراعة، والزينة (أي الملابس والعطور والحليّ)، والألوان، والأديان، والمعتقدات، والألعاب... ثمّ ‎أضربنا عن ذلك لمّا رأينا حجم الكتاب طال، وموادّه اتّسعت... -ولعلّنا أن نأتي ذلك في الطبعة الثانية إن شاء الله....


فعسى أن نكون قد وفّقنا إلى إضافة لبنة صغيرة، جديدة، إلى ذلك الصرح الأدبيّ الشامخ.

Tarek Elemary
11/05/2009, 08h57
على الرغم من أنّ القحطانيّين يجسّدون أصل العروبة وجُرثومَتَها، ومهدها وأرومتها؛ وأنّهم يشكّلون ما يطلق عليه النسّابون العرب: "العرب العاربة"، فإنما حين نعدّ شعراء المعلّقات لا نلفي منهم إلاّ شاعراً واحداً- من بين السبعة- قحطانيّاً، وهو امرؤ القيس (وهو لقب له، واسمه فيما يزعم بعض اللغوّيّين: حُنْدُج (بضم الحاء المهملة، وسكون النون)، وهو في اللغة: الرملة الطّيبة، أو الكثيب من الرمل يكون أصغر من النّقا) بن حُجْر بن عمرو بن الحارث بن حجر آكِل المُرَارِ بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور بن كندة الذي ينتهي نسبه الأعلى إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان.
وليس نسب امرئ القيس، من جهة أمّه، أقلّ مجداً، ولا أدنى شرفاً، من مجد أبيه. بل ربما كان أعلى وأنبل، وأسمى وآثَل؛ ذلك بأنّ أمّه هي فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، وهي أخت كليب وائل الذي تضرب العرب به المثل في العزّ والمنعة، فقالت: "أعزّ من كليب وائل"، والذي بمقتله أضطرمت الحروب الطاحنة بين قبيلتي بكر وتغلب دهوراً طِوالاً . فكليب خال امرئ القيس، إذن، مَثَلُه مَثَلُ مهلهل بن ربيعة الذي يعدّ أوّل "من قصّد القصائد، وذكر الوقائع" ، وأوّل من هلهل الشعر.
ونعتقد أنّ امرأ القيس قد يكون تأثّر بخاله مهلهل الذي يبدو أنه كان مؤسّساً لبنية القصيدة العربيّة. ولكنّ ابن الأخت أخْمَلَ خاله، أو كاد يُخْمِله؛ وهو، على كلّ حال، لا يذكر إلاّ أنه أوّل من قصّد القصائد في رثاء أخيه كليب؛ بينما يذكر امرؤ القيس على أنّه أمير الشعراء العرب على وجه الإطلاق... وكثيراً ما يتفوّق التلميذ على أستاذه، ويشمخ النجل على من نَجَلَه.
ويبدو أنّ قباذ ملك الفرس هو الذي كان "ملّك الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب" .
على حين أنّ أهل اليمن يزعمون أنّ ملّك جدّ امرئ القيس لم يكن قباذ الفارسيّ، ولكنّه كان تبّعاً الأخير.
ثمّ لم تلبث بنو أسد أن ملّكت حجر بن عمرو، أبا امرئ القيس، عليها. ويبدو أنّ سيرته ساءت فيهم فثاروا عليه، ولم يلبثوا أن تطاولوا عليه وقتلوه في فتنة رهيبة . وزعم ابن الكلبي أنّ الذي كان سبباً في اضطرام تلك الفتنة رفْض بني أسد دفع الإتاوة السنويّة للملك .
ومن مقتل حجر تبتدئ مأساة امرئ القيس، الشاعر الحساس، والابن الأصغر لأبيه الذي تزعم الأخبار التي نرتاب فيها أنه كان أمر بقتله صغيراً حين رفض التخليّ عن قيل الشعر، ثم طرده فعاش متشرّداً بين القبائل . وقد حاول أن يثأر الشاعر لأبيه من بني أسد، فاستعدى عليهم ذا جدن الحميريّ الذي أمدّه بجيش طارد به قتلة أبيه، وفتك بهم فتكاً ذريعاً. ولكنه كان، كأنّه، يريد إبادتهم عن آخرهم؛ فلم يرْضَ بمنْ قُتلَ منهم، وظلّ يتنقّل بين جبلي طيئ في انتظار جمع الرجال وحشدهم لمحاربة من بقي من بني أسد... ولكنه حين يئس من تحقيق ذلك قرر الاستنجاد بقيصر الروم الذي أمدّه بجيش، فيما تزعم بعض الروايات، ثمّ ندم على ذلك إمّاً مخافة أن يغزوه امرؤ القيس إذا انتصر على أعدائه، وقَوِيَتْ شوكتهُ، وإمّا انتقاماً لشرف ابنته التي يقال إنها أحبّت امرأ القيس...
فأرسل إليه حلّة مسمومة وهو في سبيله إلى بلاد العرب، فتساقط جِلْدُه لمّا ارتداها.
ولقد حاول حمّاد الراوية أن يضفي صبغة أسطوريّة على طفولة امرئ القيس، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك، مثله في ذلك مثل ابن الكلبي ، ومثل ابن الكلبي في ذلك مثل أبي زيْدٍ القرشيّ ، حيث إنّ أبا زيد، خصوصاً، أورد أسجاعاً تسجّل مبتدأ تفتّق العبقريّة الشعريّة لأُمرئ القيس، وتصف أيام كان أبوه حُجْر كلّفه خلالها برعي الإبل، ثمّ برعي الخيل، ثم برعي الشاة؛ فكان في كلّ يوم يرسل أسجاعاً يصف فيها تجربته الرعويّة، فيئس منه أبوه وطرده...
وعلى الرغم من أننا اختصرنا حياة امرئ القيس اختصاراً شديداً- لأنّ أخباره مدوّنة في مظانّها- فإن الذي يعنينا، من كلّ ذلك، هو قبيلته التي لاقت عناء وعقوقاً من بني أسد. ويبدو أن الملك حجراً لم يكن يستمدّ قوته من كبر عشيرته التي لم تصنع شيئاً حين تعرّض للقتل:
1- إنّ قبيلة بني أسد رفضت دفع الإتاوة لحجر أبي الشاعر، فلما حاول إرغامهم على ذلك ما لبثوا أن تطاللوَا على مَقْتَلِه.
2- أنّ امرأ القيس أُريد لحياته أن تتّسم بالأسطوريّة حين أبى عليه أبوه قول الشعر، ومغازلة النساء؛ فحاول معاقبته برعي الأنعام؛ فلمّا لم يفلح طرده في رواية، وحاول قتله في رواية أخراة.
ونلاحظ أن هذه الحكاية تتّخذ لها سيرة القوانين التي تحكم الأساطير بحيث يسبق شرط الحظر والمنع من سُلوكِ سلوكٍ معيّن، ولكنّ الطرف الذي يفرض عليه المنع لا يبرح يُصِرّ على موقفه حتى يقع في المحظور، لتفجير الحكاية، وانطلاقها.... فلو استجاب امرؤ القيس لطلب أبيه، وأذعن لإرداته فلم يقل الشعر، ولم يتغزّل بالنساء، لكانت حياته عاديّة جداً، ولما كَلِفَ بذكر أخباره التاريخ عبر الأعصار والأمصار...
3- إنّ خيال الرواة اختصب اختصاباً شديداً لدى ذكر أخبار امرئ القيس، قبل مقتل أبيه، وبعده... ولا يزال الرواة يختلفون من حوله حتى تجرَّأ بعضهم على التشكيك في نسبه من أمّه، بل من أبيه أيضاً حيث إنّ هناك من الرواة من لا يتردّد في أن يجعله امرأ القيس بن السمط، وأن يجعل أمه تَمْلكَ بنت عمروٍ بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معد يكرب.
ولعلّ مغالاة الرواة في هذا الاختلاف مؤئله إلى كَلَفِ الناس بعد أن استقرّوا بالأمصار- خصوصاً البصرة والكوفة- بمثل هذه الأخبار الجميلة يتسامرون بها ويتثاقفون. ونحسب أنّ التاريخانِيَّة، في هذه الأخبار، أكثر من التاريخيّة.
4- إنّ الناس كَلِفُوا بالحديث عن سيرة امرئ القيس وانتمائه القبليّ من جهتي أمّه وأبيه، وعن سيرة جده وأبيه أكثر من كلفهم بالحديث عن شعره الذي جمعه حمّاد الراوية، المشكوك في وثوق روايته بعد أكثر من قرنين من وفاته.
5- إنّ الاتفاق وقع- عبر الاختلاف- بين الرواة على أنّه يمنيّ، وأنّه من أسرة مالكة، ماجدة، وأنه، إذن، ملك بن ملك، بن ملك.
6- نلاحظ أنّ امرأ القيس ربما يكون أوّل شاعر عظيم يموت متسمّماً؛ أي يموت مغتالاً بحقد قيصر الروم وغدره ونذالته (ولا ينبغي أن ننسى أنّ أسطورة جميلة أخراة ارتبطت بسفر امرئ القيس إلى أنقرة، ومقامه بالقصر القيصريّ، ووقوع ابنة القيصر في غرام الشاعر العربيّ الوسيم... وأنّ قيصر الروم حين تابع امرأ القيس بالحّلة المسمومة إنما جاء ذلك انتقاماً لشرف ابنته؛ وقد يدلّ ذلك، إن صحّ، على أنّ علاقة الشاعر العربي بالأميرة الرومية جاوز مستوى النظرة إلى مستوى الفعل.... ولا يدلّ إصرار القيصر على الانتقام من امرئ القيس إلاّ على بعض ذلك... فكأنّ امرأ القيس كتب عليه أن تظلّ المرأة فاعلة في حياته، مؤثّرة فيها، إلى نهايتها، فيموت بسببها.
7- ونلاحظ، أيضاً، أنّ أبا امرئ القيس مات، هو أيضاً، مقتولاً، وأنّ كليهما قتل وهو متطلّع إلى مجد السلطة، وأبّهة الحكم. وأنّ كلاً منهما انقطع أمله بذلك القتل...
8- إنّ امرأ القيس يمثّل عهده عصر الجاهليّة بكلّ مايحمل اللفظ من معنى، وكان محكوماً على عظماء الرجال إمّا أن يَقْتِلوا، وإما أنْ يُقْتَلُوا: إذ قُتل حجر والد امرئ القيس، كما قُتل كليب وائل، أعز العرب، فطالب أخوه مهلهل بثأره؛ فاضطرمت حرب البسوس بين بكر وتغلب فتجسّدت في خمس حروب ، كما تعرّض مهلهل، خال امرئ القيس للأسر مرتين اثنتين: نجا في الأسْرَة الأولى، وهلك في الأخراة . بينما نلفي حفيده، وهو صاحب معلّقة أخراة، وهو عمرو بن كلثوم بن ليلى ابنة مهلهل بن ربيعة لا يتعرّض هو للفتك؛ ولكنه هو الذي يُقْدِم على الفَتْك بعمرو ابن هندٍ حين أرادت أمِه هند أن تنال من شرف ليلى ابنة مهلهل لَمَّا التمست منها أن تناولها الطَّبَق...
فالشاعر قتيل، والملك أبوه قتيل، والخال كليب- أعزّ العرب- قتيل، والخال الآخر- مهلهل أسير، وابن ابنة الخال -عمرو بنت كلثوم- قاتل...والبسوس طاحنة المعارك، مَهُولَةُ الأيام الخمسة.. والفتنة بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب على أشدّها.... إنه عصر الشاعر امرئ القيس.... وإنه لانتِماؤُه القَبَليُّ... ولعلّ ولاءَهُ لتقاليد القبيلة، وحرصَه على شرفها.... وهوالذي جعله يخوض، هو أيضاً، حروباً طاحنة يشنّها على قبيلة بني أسد... فتنة... حروب... انتقام... تأرات... حبّ وغزل وخمر... نساء ولهو.... تلك هي
حياة المعلّقاتيّ الأوّل: امرئ القيس....
2- الانتماء القبليّ لبقيّة المعلقاتيّين:
لقد كنّا لاحظنا أنّ امرأ القيس، هو المعلّقاتيّ الوحيد الذي ينتهي نسبه الأعلى إلى قحطان من بين كلّ المعلّقاتيّين السبعة. وينشأ عن ذلك أنّ كلّ المعلّقاتيّين الستّة الآخرين ينتهي نسبهم الأعلى إلى عدنان إذْ نُلفي اثنين، من بينهم، ينتميان إلى بكر، وهما: طرفة بن العبد ، والحارث بن حلّزة . على حين أنّ عمرو بن كلثوم تغلبيّ ، وعنترة بن شدّاد عبسي/ قيسيّ، مضريّ ، وزهير بن أبي سلمى مُزَنِيّ/ تميميّ (وقد اختلط على بعض الناس أمر نسبه فعدّه غطفانيّاً، بينما هو مزنيّ، نزل بديار غطفان ، ولبيد بن أبي ربيعة قيسيّ . وكلّ من تغلب، وبكر، وعبس، وتميم، وقيس ينتهي نسبها الأعلى إلى عدنان.
وترتبط حياة معظم أولاء المعلّقاتيّين بقبائلهم بما لها من مآثر وأمجاد، وخطوب وأهوال؛ وذلك أمثال عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد. وحتى زهير بن أبي سلمى اختصّ معلّقته بالأحداث المهولة، والحروب الطاحنة التي دارت بسبب سباق فرسي داحس (وكانت لقيس بن زهير سيد بني عبس)، والغبراء (وكانت لحمل بن بدر سيّد بني فزارة، غطفان). ولولا الصلح الذي سعى به كلّ من هرم بن سنان، والحارث بن عوف، وتحمّلهما دفع ديّات القتلى التي بلغت زهاء ثلاثة آلاف بعير، لتفانت عبس وفزارة. وإذا كانت دية القتيل غير الملك مائة بعير، فإنّ عدد الذين سقطوا ضحايا هذه الحروب من القبيلتين لا يقلّ عن ثلاثمائة رجل...
وعلينا أن نلاحظ أنّ موضوع معلّقة زهير، على ما يبدو فيه من حكمة وتأمّل في الكون؛ بأنّ الباعث الأوّل على قولها يَمْثُلْ في عادات عربيّة قديمة، وقد ظلّت قائمة إلى يومنا هذا، وهي تنظيم مسابقات بين الخيول... فلولا سباق تينك الفرسين لما وقعت حرب بين عبس وفزارة، ولولا تلك الحرب الطاحنة لما أنشأ زهير قصيدته المعلّقة...
على حين موضوع معلّقة عمرو بن كلثوم يرتبط بحادثة الطبق المشؤومة؛ وذلك لَمَّا التمست هند أمّ عمرو بن هند، ملك الحيرة من ليلى، أمّ عمرو بن كلثوم-وبنت مهلهل بن ربيعة خال امرئ القيس: أن تُناوِلَها الطبق، فأَبَتْ وصاحت: واذُلاَّه! وهي الحادثة التي أفضت إلى قتل ملك الحيرة عمرو بن هند على يد ابن كلثوم .
وكأن هذه المعلّقة، معلّقة ابن كلثوم، بمثابة سجّل لأعمال قبيلة تغلب، وما عانته من أهوال، وما لاقته من طوائل، سواء مع أختها قبيلة بكر، أم مع عمرو بن هند ملك الحيرة، الذي اتّهمته تغلب بالتحيّز لبكر في مسألة الرهائن... وقد كلفت تغلب بهذه القصيدة حتى قال أحد الشعراء يسخر منهم، ويتهكّم بهم:
ألهى بني تَغْلِبٍ عن كلّ مَكْرُمَةٍ

قصيدةٌ قالَها عمرو بن كلثوم


بينما ترتبط أحداث معلّقة الحارث بن حّلزة، هي أيضاً، بقبيلة بكر التي ينتمي إليها الحارث، فجاء يردّ فيها على عمرو بن كلثوم التغلبيّ الذي غالى في المكابرة والمنافجة، وبالغ في المنافسة والمنافحة: فجاوز كلّ حدّ، وعدا كلّ طور. ويبدو الحارث بن حلّزة في معلّقته هذه ، على الهدوء البادي، داهيةً ألوى، استطاع أن يدافع عن قبيلته، ويبيّض وجهها، ويسُلَّها من الفتنة كما تسلّ الشعرة من العجين، ويبرئّها من كلّ ما كانت متّهمة به في علاقتها بملك الحيرة في مسألة الرهائن.... فحكمة هذا المعلّقاتي لا تتمثّل في سوق الأقوال، وضرب الأمثال؛ كما جاء ذلك طرفة وزهير، ولكن في الجدال والمساءلة والاحتكام إلى العقل.
والذي يعنينا في كلّ ذلك، أنّ همزيّة الحارث بن حلّزة تدرج في أحداث قبيلته، وتاريخها، وعلاقاتها العامة مع القبائل الأخراة من وجهة، ومع ملك الحيرة من وجهة أخراة: تذوب فيها، وتنطلق منها، لتعود فتنتهي إليها.
وترتبط معلّقة عنترة بحياته، وسيرته، ولونه، ارتباطاً وثيقاً إذ تزعم الرواة أنه تسابّ مع رجل من بني عبس (ويفهم من هذه الرواية أنّ عنترة لم يكن يقول الشعر قبلها، لأنّ ذلك العبسيّ عيّره بسواد لونه، وعبوديّة أمّه، وأنه لم يكن يقول الشعر)، فردّ عليه عنترة في كلمة" (....).وأمّا الشعر، فسترى!" .
فموضوع معلّقة عنترة شديد الشبه بموضوع امرئ القيس الذي كان سجّل في معلّقته بعض سيرته، ومغامراته، وهواه، ولذّاته: ولم يكد يأتي عنترة إلاّ شيئاً من ذلك حين سجّل مواقفه في الحرب، وحسن بلائه في ساح الهيجاء، وإخلاصه في حبّ عبلة، ومحاورته لفرسه، ووصفه لمشاهد الأبطال الذين كان يجند لهم فيتهاوون في ساحة الوغى...
وترتبط حكاية معلّقة عنترة بسيرته وهي الفروسيّة النادرة، والشجاعة الخارقة من وجهة، ومعاناته من مأساة العبوديّة التي ورثها بحكم عبوديّة أمّه زبيبة حيث كان النظام القبليّ لدى أهل الجاهليّة، إذا كان الابن من أَمَتِه استعبده، ولم يُلْحِقْه بنسبه.
ولا شيءَ أجمل للشعر من الدفاع عن الهويّة، وإثبات الذات، والبرهنة على سمّو النفس، ونبل الخلاق، لإقناع الناس بأنّ السواد لا صلة له بالشخصية إذا عَظُمَتْ، وبالنفسْ إذا كرمت، وبالعزيمة إذا كبرت. فكان لا مناص لعنترة لكي يصبح شخصية مرموقة أن يقول الشعر، ويحبّ فتاة، ويبلي في ساحة الحرب؛ لكي يدافع عن القبيلة التي لولا تدخّله لكانت تعرضت للفناء والعار، كما تزعمه الأخبار .
وأمّا معلّقة طرفة بن العبد فإنها ترتبط، هي أيضاً، بأحداث مَهُولَةٍ حيث لم يكن الفتى يرعوى عن إطلاق لسانه في عمرو بن هند، ملك الحيرة، الذي دبّر له مكيدة خسيسة حين أرسله إلى عامله بالبحرين، ليقتله فقتله . فمعلّقته ترتبط، هي أيضاً، بحكاية مأساة ذاتيّة عاشها الشاعر الفتى. فهي شبيهة، من هذا الوجه، بمعلّقتي امرئ القيس وعنترة.
وتبقى معلّقة لبيد التي لا ترتبط بحادثة معينّة، كما أنه لم يفخر فيها بنفسه، ولا بقبيلته؛ ولكنّ موضوعها لمّا ارتبط بوصف البقرة الوحشية، وبالطبيعة، وعلى الجبلّة الأولى، فإنه صار مرتعاً خصيباً لكلّ تحليل أنتروبولوجيّ.
ونلاحظ أنّ ثلاثة من المعلّقاتيين ماتوا مقتولين: وهم امرؤ القيس (الحلّة المسمومة، المشؤومة)، وعنترة الذي قتله، في بعض الروايات الأسد الرهيص، بعد أن بلغ من العمر أرذله، وهو من عبس أيضاَ ، وطرفة بن العبد الذي يقال إنه قتله رجل عامّيّ مغمور، ويبدو أنّه كان سيّاف المعلّى بن حنش العبدي. كما أن طرفة نشأ يتيماً (واليتم يشبه العبوديّة...) حيث تُوفِّي أبوه وهو لايبرح صبيّاً؛ على حين أنّ امرأ القيس قضى طفولته مشرّداً منبوذاً حيث أنكر أبوه أمره والفتى لا يبرح غضّ الإهاب؛ بينما عاش عنترة طفولة العبد الذليل الذي يرعى الإبل، وينهض بأشقّ الأشغال، ويتجرع، أثناء ذلك، كثيراً من العُقَدِ في نفسه.
ثانياً: المعلّقات وتاريخ بلا أرقام:
متى كان يعيش المعلّقاتيون؟ وكم عُمِّرَ كلٌّ منهم؟ ولِمَ سكت المؤرخون عن أعمارهم، إلاّ ما كان من أمرَيْ طرفة ولَبيدٍ؟ وما أغفل الرواة عن هذه المسألة مع أنها ذات شأن بالقياس إلى كبار الرجال؟ أم أنّ هناك حلقاتٍ مفقودةً من التاريخ العربيّ قبل الإسلام؟ أم أنّ الرواة لم يكونوا يُولونَ لأَسْنانِ الرجال الكبار ما كانوا له أهلاً من العناية والاهتمام؟....
إنّ من حقّنا أن نثير أكثر من سؤال حَوالَ هذه المسألة وقد عرضنا لها في هذه الفقرة من البحث. ذلك بأنّ كلّ ما نعرف، هو أنّ امرأ القيس كان أوّل المعلّقاتيّين وأسبقهم زمناً. ونعرف ذلك، في الحقيقة، مضموناً لا منطوقاً. ولكن يبدو أنّ كلّ ما يباعد بين المعلّقاتيّ الأول، وهو امرؤ القيس، والأخير وهو لبيد لا يكاد يجاوز قرناً واحداً، وبعض قرن.
ولعلّ أوّل المؤرخين العرب تساؤلاً عن عهد امرئ القيس كان ابن قتيبة الذي قرّر أنْ ذا القروح كان يعيش على عهد أنو شروان، ملك الفرس الذي ملك ما بين 531 و 579 ميلاديّة. وقل إن شئت، لمّا كان امرؤ القيس يعيش على عهد قيصر الأوّل الأكبر، ملك الروم، الذي كان يعيش بين
482 و 565 ميلادية؛ فإنّنا نتبنّى موقف الموسوعة العالميّة التي ذهبت إلى أن امرأ القيس توفّى زهاء سنة 550 ميلاديّة، أي قبيل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلّم بزهاء إحدى وعشرين سنةً؛ أي بزهاء إحدى وستين سنة قبل البعثة المحمديّة .
ونحن نفترض، بناء على الأخبار المتضاربة والمتناقضة التي كتبت حول سيرة امرئ القيس (جمهرة أشعار العرب -الشعر والشعراء- الموشّح- الأغاني- خزانة الأدب، ولبّ لباب لسان العرب....) أنه لمّا قَتَلت بنو أسد أباه حجراً لم يكن شيخاً، وربما لم يكن كهلاً أيضاً، ولعله لم يكن جاوز الثلاثين من عمره، وأنه كان أصغر إخوته . ونفترض أيضاً أنّ حروبه مع بني أسد لم تدم، انطلاقاً من التحضير لها بالاستنجاد بقبيلتي بكر وتغلب، وفيهما أخواله، أكثر من سنة أو سنتين اثنتين على أبعد تقدير. كما أنّ الحملة الثانية التي قادها على بني أسد في جمع من أهل حمير، وشذّاذ من العرب : لا ينبغي لها أن تكون قد جاوزت أكثر من سنتين اثنتين أيضاً. كما أنّ تشرّده في جبلي طيئ، من بعد ذلك، وذهابه إلى أنقرة للاستنجاد بالقيصر جوستينان (482-565) لا نعتقد أنّ ذلك كلّه جاوز ثلاث سنوات... فيكون تقدير عمر امرئ القيس، بناء على هذه الاستناجات التقريبيّة، لدى تسمّمه بحلّة جوستينان المشؤومة، أقلّ من خمسين سنة غالباً.
ولدى تتبّعنا لوفيات الشعراء الستّة الآخرين- وهم العدنانيّون- لاحظنا أنهم كانوا يعيشون، في معظمهم، في مدى زمنيّ متقارب: إمّا متعاصر، وإما سابقٍ أو لاحقٍ بقليل. وقد ذكر البغدادي أنّ زهيراً توفي بسنة واحدة قبل البعثة الشريفة . وحتى لبيد بن أبي ربيعة، وهو آخر المعلّقاتيّين وفاة (توفي في بداية خلافة معاوية) (في رأي ابن قتيبة، وفي أواخر خلافته في رأي أبي الفرج الأصبهاني . وإذا سلّمنا بما كاد المؤرخون يتفقون عليه) وهو أنه معدوداً في المُعَمَّريْنَ، وأنه توفيّ وسِنُّه مائةٌ وبِضعةٌ وأربعون عاماً في قول ، ومائةٌ وسبعٌ وخمسون سنةً في قولٍ آخرَ ؛ فإنّ ذلك لا يعني إلاّ أنّ لبيداً عاصر امرأ القيس على وجه اليقين.
ولمّا كان ضبط عمر لبيد يترواح بين مائة وسبعة وأربعين عاماً ومائة وسبعة وخمسين عاماً فإننا نجعل موقفنا بين ذلك وسطاً، ونقيمه على التقريب فنقول: إنه عاش قرناً ونصف قرن تقريباً، وأنه توفّي وسط عهد معاوية.
وإذا علمنا أنّ امرأ القيس توفّي قبل البعثة الشريفة بزهاء إحدى وستين سنة فإنّ لبيداً يكون قد عاش في الجاهليّة قريباً من قرن واحد. وأنه عاش في عهد الإسلام قريباً من نصف قرن. والذي يعنينا في كلّ ذلك خصوصاً: أنّ لبيداً، حسب هذه المعلومات التاريخيّة التي بنينا عليها استنتاجاتنا، عاصر امرأَ القيس يقيناً، وأنه حين توفّي الملك الضلّيل كان عمر لبيد زهاء أربعين عاماً....
وينشأ عن ذلك أنّ الزمن الذي عاش فيه المعلّقاتيّون السبعة كلّه (وذلك بإدخال بداية عمر امرئ القيس الذي نفترض أنه توفّي في سنّ الخمسين تقريباً، وكان ذلك زهاءً خمسمائة وخمسين ميلاديّة، أو قل كان ذلك سنة إحدى وستّين قبل البعثة المحمّديّة) لا يجاوز زهاء قرن وعشر سنوات قبل البعثة، وزهاء نصف قرن بعدها...
ولعلّ ذلك هو الذي حملنا على اعتبار نصوص المعلّقات وحدة واحدة، ومدرسة فنّيّة مندمجة، وأنه من العسير فهمُ نصِّ معلّقةٍ معزولاً عن نصوص المعلّقات الأخراة...
لكنّنا لا نستطيع، بكلّ حزن، تحديد أعمار جميع المعلّقاتيّين، حتّى على وجه الافتراض أو الاحتمال، كما كنّا جئنا ذلك بالقياس إلى امرئ القيس. وكلّ ما في الأمر أنّ عمرو بن كلثوم توفّي فبل سنة ثلاثين وستمائة ميلاديّة ، وأنّ زهيراً توفّي بسنة واحدة قبل البعثة النبويّة، بينما عنترة وطرفة توفيا في أواخر القرن السادس الميلادّي. على حين أنّ الحارث بن حلّزة كان يعاصر عمرو بن كلثوم، ولعّله هو أيضاً توفّي في أوائل القرن السابع الميلادّي.
إنّ ذلك كلَّ ما نستطيع قوله حول هذه المسألة التي لم يحقّق في شأنها، على هذا النحو، أحدٌ قبلنا، فيما بلغْناه من الاطلاع.
ثالثاً: المعلّقات وقِدَمِيُّةُ الشعر العربيّ
إنّ كلّ من يبحث في أمر الشعر الجاهليّ، قد يصاب بالحيرة والذهول، وهو يقرأ، هذه الأشعار الراقية التي ظلّت على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً: نموذجاً يُحتذى، ومثالاً يقتدى، وكيف ورِثْنا القصيدة العربية ببنيتها الطللية المعروفة، وبإيقاعاتها المَسْكوكَة، وبتقاليدها الجماليّة المرسومة: من حاد عنها لا يكون شاعراً، ومن حاكاها عُدَّ في الشعراء...؟ وكيف أنّ امرأ القيس يتحدّث عن تاريخ لا يعرفه التاريخ، وهو وجود شعراء قبله كانوا يبكون الديار، ويقفون على الأطلال، ولا نعرف عنه شيئاً إلاّ أسماءهم، منهم ابن حمام..؟ وأين ذهب ذلك الشعر؟ وكيف أغفل التاريخ الشفويُّ سير أولئك الشعراء العماليق، كما نفترض بعضهم؟ فقد كانوا من الفحولة والشاعريّة ما جعل أعراب كلْب يزعمون أنّ الأبيات الخمسة الأولى من معلّقة امرئ القيس هي لأمرئ القيس الحمّام بن مالك بن عبيدة بن هبل "وهو ابن حمام الشاعر القديم، الذي يقول فيه بعض الناس: ابن خذام. وقد قيل أنه من بكر بن وائل، وهو الذي قال فيه امرؤ القيس:
*نبكي الديار كما بكى ابن حمام* _؟
أم مثل ذلك الشعر العُذريّ البديع مما كان يهون على الناس فزهُدوا فيه، وعزفوا عنه؟ أم أن الفتن والحروب هي التي أودت بذلك الشعر كما أودت بأصحابه؟ أم أنّ اشتغال العرب بالجهاد، وفناء كثير منهم في حروب الردّة، يوم صفيّن، ويوم الجمل، وأيّام الفتن الأخراة المبكّرة التي حصدت كثيراً من أرواح الرجال هي التي عجّلت بدفن تاريخ الشعر العربي، وطمس معالمه الأولى الحقيقيّة إلى الأبد؟
ونعود لنتساءل، ولا نملك أكثر من هذا التساؤل الحيران: كيف ولد الشعر العربيّ راقياً كاملاً، وناضجاً رائعاً؟ وكيف نشأت القصيدة العربيّة- الجاهليّة- مكتملة البناء، محكمة النسج، بديعة السبك، على هذا النحو، ثمّ كيف لا نعرف قبل هؤلاء الشعراء العماليق شعراء أوساطاً قَبْلهم، ولا شعراء عماليق أمثالهم...؟ وكيف لانكاد نجد الرواة القدماء يوردون إلاّ أبياتاً قليلة، ممّا صحّ لديهم، قد لا تزيد عن العشرين بيتاً، في مجموعها؟ وكيف يمكن للمؤرخ فكُّ هذا اللّغز، وللباحث فهم هذا السّر؟
لقد اتفق قدماء مؤرّخي الأدب، على أنه "لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلاّ الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنّما قُصِّدَت القصائدُ وطُوِّلَ الشعرُ على عهد عبد المطّلب، وهاشم بن عبد مناف" .
ونلاحظ أنّ أيّاً من مؤرّخي الأدب العربيّ القدامى (ابن سلاّم ، وابن قتيبة ، والشريف المرتضى ، والآمدي ....) لم يذكر مصدر خبره والظاهر أنّ مصدر هذه المصادر كلّها هو ابن سلاّم الجمحّي الذي لم يذكر هو، أيضاً من روى عنهم؛ ولا كيف صحّ لديه تلك الأبيات القديمة التي أثبتها، ولا كيف لم تصحّ لديه الأبيات الأخراة؟ .
وأنّا لا ندري كيف يمكن أن نقتنع بقدم تلك الأبيات التي أثبتها ابن سلاّم، وجاراه آخرون في إثباتها، على غيرها، وصحّتها من بين سَوائِها؛ في غياب التصريح باسماء الرواة، وانعدام اتّصال السَّنَدِ؟ ثمّ ماذا يعني هذا القِدَمُ الذي لم يكن أوائل المؤرخين يضبطونه بالأرقام؟ وناهيك أنّهم لا يكادرون يؤرّخون لموت أيّ من الشعراء الكبار، والشخصيّات العظام؛ ممّا يجعلنا نعمد، هنا، إلى فرض الفروض لتفسير مقولة ابن سلام المنصرفة إلى زمن تقصيد القصائد الذي ربط بعهدي هاشم بن عبد مناف، وابنه عبد المطّلب. وإذا كان ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلّم أَرَّخَتْ له كتب السيرة بحادثة غزو أبرهة مكّة، وهي الحادثة التي عرفت في القرآن الكريم بـ "أصحاب الفيل"؛ فإنّ عام الفيل حين نحاول ترجمته إلى الأرقام سيعني سنة 570 أو 571 ميلاديّة. ولقد نعلم أنّ عبد المطلّب بن هاشم، جدّ رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ توفّي وعُمْرُ محمّد ثماني سنوات : فيكون عهدُ عبد المطلب هو القرن السادس الميلادّي، وعهدُ هاشم ابن عبد مناف هو نهايّة القرن الخامس، وأوائل السادس الميلاديّ.
وقد كنّا رأينا، من قبل، أنّ امرأ القيس توفيّ زهاء سنة 550م. ممّا يجعل من عهد عبد المطلب عهداً لامرئ القيس أيضاً؛ ومن عهد هاشم بن عبد مناف عهداً لمهلهل بن ربيعة التغلبيّ الذي يزعم المرزبانيّ أنه هو "أوّل من قصّد القصائد، وذكر الوقائع" .
ويتفق القدماء على أنّ أوائل الأبيات الصحيحة رُوِيَتْ لدرُيد بن يزيد الذي ينتهي بنسبه الشريف المرتضى إلى حمير ، وابن كثير إلى قحطان . فكأن الشعر العربيّ قحطانيّ الميلاد، حميريّ النشأة، ثمّ عمّ، من بعد ذلك، في بني عدنان بالشمال.
ويذهب الجاحظ إلى أن الشعر العربيّ حديث الميلاد، صغير السنّ: "أوّل من نهج سبيله، وسهّل الطريق، إليه: امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة (....).
ويدلّ على حداثة قول الشعر، قولُ امرِئِ القيس بن حجر:
إِنَّ بني عوف ابْتَنَوْا حَسَناً

ضَيَّعَهُ الدُّخلولُ إَذْ غَدَرُوا

أَدَّواْ إلى جارهم خفَارَتَه

ولم يَضِعْ بالمغيب من نَصَروا

لا حِمْيَريٌّ ولا عَدَسٌ

و آَسْتُ عيرٍ يَحُكُّها الثَّفَرُ

لكنْ عويرٌ وفى بِذِمّته

لا قِصَرٌ عابه ولا عوَرُ


فانظر كم كان عمر زرارة (بن عدس). وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إِلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام" .
هذا هو النصّ الجاحظيّ الشهير الذي تداوله الدارسون منذ اثني عشر قرناً.
ونحن بعد أن تأمّلنا تعليق الجاحظ على أبيات امرئ القيس وجدنا هذا التعليق كأنه مقطوع عن كلام ساقط، ونص غائب، وإلا فما معنى تعجب أبي عثمان:" فأنظركم كان عمر زرارة، وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام". ونحن نفترض أنّ ذكر زرارة كان ورد في شعر امرئ القيس مربوطاً بمناسبة تاريخيّة ذكر فيها زرارة بن عدس، أبو لقيط بن زرارة، فسقط من شعر امرئ القيس، إِن لم يكن ما افترضناه أَوّلاً من سقوط بعض كلام أبي عثمان.. ولم نر أحداً من الدارسين الذي استشهدوا بنصّ الجاحظ تنبّهوا إلى هذا البَتْر، أو إلى هذا الغموض على الأقلّ، ومنهم البهبيتي ، وشوقي ضيف: إذ هم يهملون الجملة التي استشهدنا بها نحن، ولا يأتون الشعر الذي استنبط منه الجاحظ حكمه حول عمر الشعر العربي قبل الإسلام؛ ويستأنفون؛ وقل أنهم يقطعونه قطعاً، ويبترونه بتراً، من قوله: "فإذا استظهرنا" مع أنّ هذا الاستظهار لم يكن إلا‍ّ نتيجة لمقدّمة، وحكماً مستنبطاً من نصّ...
ثمّ أين الدليل الخِرِّيتُ الذي يوجد في شعر امرئ القيس المستشهد به...؟ إنّ كلام أبي عثمان يفتقر إلى نقاش، ولا يمكن أن نجاريه عليه؛ إذ كان امرئ القيس نفسه يعترف بوجود شعراء قبل عهده، كما يدلّ على ذلك بيته الشهير:
عوجا على الطلَل المُحيل لعّلنا

نبكي الديار كما بكى ابن حمام


وإذ كان من المستحيل التصديقُ بأنّ معلقة امرئ القيس هي مطلع الشعر العربيّ؛ وإذ كان، إذن، من المستحيل إنكار أنّ الشعر العربيّ مرّ بمرحلة طويلة تطوّر فيها إلى أن أصبح الشاعر يقول القصيدة على ذلك النحو البديع المكتمل الذي بلغتنا عليه القصائد الجاهليّة الناضجة الأدوات الفنيّة.... كما يلاحظ ذلك أستاذنا الدكتور البهبيتي ممّا كان قرّره أبو عثمان، إذ: "النموّ الطبيعيّ للقصيدة العربيّة، أوزانها وموضوعاتها، واللغة ونحوها وأساليبها، وإيجازها، يستدعي أن تكون مرّت، قبل زمن امرئ القيس، بأطوار كثيرة، وتعثّرت تعثّرات جمّة حتّى اكتمل لها هذا الشكل الذي نجدها عليه في شعر امرئ القيس، ومن سبقه، أو جاء بعده ".
وبينما يذهب الجاحظ إلى أنّ عمر الشعر العربيّ كلّه لا ينبغي له أن يرجع إلى أقدم من عهد امرئ القيس الذي يعدّ، في رأيه، "أوّل من نهج سبيله، وسهّل الطريق إليه" -مع مهلهل بن ربيعة- فأنه يقرر، بجانب ذلك- وهذا رأي عامّ أجمع عليه كلّ الذين تحدّثوا عن قدماء العرب -أن العرب كانت تحتال في تخليد مآثرها "بأن، تَعُمِدَ على الشعر الموزون، والكلام المقفّى، وكان ذلك هو ديوانها".
فهل تعود فترة التخليد إلى قرن ونصف فقط، قبل ظهور الإسلام؟ وهل يمكن أن تخلّد حضارة، وتكرّس تقاليد جماليّة، وتؤصّل أصول هذا الشعر في رقيّه، وجماله، وكماله، وسَعَة ما فيه من خيال، وإبداع ما فيه من فنّ القول، وزخرف الكلام؛ كلّ ذلك في مثل الفترة القصيرة؟ وما ذهب إليه عليّ البطل من أنّ عمر الشعر العربيّ قد يعود إلى ألف عام قبل الإسلام ليس مبالغاً فيه.
رابعاً: هل عمر الشعر العربيّ خمسة وعشرون قرناً قبل الإسلام؟
كثيراً ما كان المؤرخون القدماء يقعون في المحظور بتقريرهم الأخبار المستحيلة، وروايتهم الأشعار المنحولة، فمن ذلك اتفاقهم على أنّ عمرو بن الحارث بن مُضاض هو الذي قال تلك القصيدة الرائيّة البديعة التي لاندري ما منع حمّاداً الراوية من تصنيفها في المعلّقات، إلاّ إذا منعه من ذلك، حجمها القصيرُ، وهي التي يقول ابن مضاض، فيما تزعم كثير من الكتب التي تناولت المجتمع المكّيّ القديم، في بعضها:
وقائلةٍ والدمع سَكْبٌ مُبادر

وقد شرقَتْ بالدمع منّا المحاجرً

كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا

أنيسٌ، ولم يَسْمُرْ بمكّة سامِرُ

بلى نحن كُنَّا أهلَها فأبادَنا

صروفُ اللّيالي والجُدودُ العواثِرُ


فإن كان صاحب هذه القصيدة التي أثبتنا منها هذه الثلاثةَ الأبيات، هو عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ، حقّاً؛ وأنّ هذه القصيدة وُجِدَتْ مكتوبة، فيما يزعم بعض الرواة الذين لم يسمّوا لابن هشام مَنْ رَووا عنهم، هم، على حَجَرٍ باليمن : فذلك يعني أنّ عمر الشعر العربيّ، بناء على المستوى الفنيّ الذي نصادفه في هذه القصيدة العجيبة، قد يكون جاوز ثلاثين قرناً قبل الإسلام؛ وذلك لأنّ هذا الجرهميّ كان يعيش قبيل زمن إبراهيم عليه السلام بزهاء قرن على الأقلّ، ولمّا كان إبراهيم كان يعيش في القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر، قبل الميلاد : فإنّ عمر الشعر العربيّ قد يبلغ خمسة وعشرين قرناً على الأقلّ قبل الإسلام. ومن العجب العجيب أنّ جميع مُؤَرخي السيرة، وكلّ قدماء المؤرخين للحياة العربيّة قبل الإسلام، كانوا يتحدثون في ثقة تشبه اليقين عما يمكن أن نطلق عليه الدولة الجرهميّة التي حكمت مكّة وضواحيها بعد ولد اسماعيل عليه السلام: طوالَ زهاءِ خمسةِ قرونٍ ونصفٍ . فهل يصحّ تاريخ هذه الدولة، أو الأسرة الحاكمة (جرهم) دون صحّة شعر شاعرها، وهو أحد حكّامها غير المتوّجين؟ وهل يمكن تكذيب كلّ تلك الروايات التي رواها قدماء المؤرخين، والحال أنّ ابن هشام، وهو ثقة، يتحدّث عن وجود تلك القصيدة مكتوبةً على حَجَرِ باليمن؟ وكأنّ الشيخ كان واعياً بتساؤل الذي يأتون بعده فحسم هذه المسألة بعدم نسبتها إلى مجرّد الرواية الشفويّة الطائرة، ولكن إلى كتابه مرقومة على حجر؟ وإذا ذهب ذاهب إلى أنّ هذا الكلام الذي جاء عليه كلّ المؤرخين العرب القدماء هو مجرّد رجم بالغيب، وأسطورة في الأساطير، فما القول فيما جاؤوا به من بقيّة الأخبار الأخراة؟ وهل يمكن أن يكونوا سذّجاً يروون كلّ ما كان يقع لهم من أخبار، فنسلّم برفض كلّ ما جاؤوا به ونستريح!؟ أم أنّنا نرفض الرواية فقط، ونقول لابن هشام: لا ، إنّ ما تزعمه من أنّ تلك القصيدة وجدت مكتوبةً على الحجر باليمن، ليس صحيحاً؟ وإنما هو ليس صحيحاً لأنّنا ننفيه بدون إثباتاً. وحجج لهذا النفي، وإنما ننفيه، لأننا نستقدم العهد الذي قيلت فيه هذه القصيدة، وأنّ مضاض كان يعيش حقاً في مكة، بل كان يحكمها حقاً، ونتفق على أنه عربيّ قحّ، ونتفق على أن حكم أسرته لم يدم إلاّ زهاء خمسة قرون ونصف، ثم أطيح بحكمهم، وأُجْلُوا عن مكّة: ولكننا -وعلى الرغم من تسليمنا بكلّ ذلك؛ فإننا نرفض أن يكون بن مضاض قال ذلك الشعر؛ لأنّ الشعر العربي عمره قرن ونصف، أوقرنان اثنان على الأكثر، قبل الإسلام، فيما زعم أبو عثمان الجاحظ؟ مع أنّ المقولة التي تعزى إلى عمر بن الخطاب، والتي أومأ إليها ابن سلاّم إيماءً، وجاء بها ابن جنّي كاملة، تثبت أن الشعر العربي:
1- كثير.
2- قديم.
3- ضاع.
لكن الضياع لا يعني الإطلاقيّة التي لم يبق معها شيء. ويضاف إلى ذلك أن عمر بن الخطاب يعلّل ذهاب الشعر بذهاب الرجال وفنائهم في الحروب، والحال أنّ قصيدة ابن مضاض تزعم الرواة والكتب القديمة أنها كانت مدوّنة على حجر... فلقد ذهب، إذن، عمر إلى أنّ الشعر العربيّ كان: "علم القوم. ولم يكن لهم علم أصحّ منه. فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد، وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلمّا كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنّت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقلّ ذلك، وذهب عنهم كثيره .
إنّ عمر، رضي الله عنه، إنما يتحدث عن انعدام التدوين، وتعويل العرب في حفظ شعرها على الرواية الشفويّة، فما القول في الشعر الذي دوّن، إن كان قد وقع تدوينه حقاً؟.
ويدلّ على ثبوت وجود كثير من الشعر العربيّ، وقدمه قبل الإسلام قول أبي عمرو بن العلاء الشهير: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلاّ أقلّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم، وشعر كثير"
وإنّا لنعلم أنّ أمماً عربيّة قديمة كثيرة انقرضت منها طسم وجديس وعاد وثمود، ولكنّ جرهما لم تنقرض كلّها، ولكنها عادت إلى بلاد اليمن بعد أن غلبتهم على حكم مكّة قضاعة ، كما كانت جرهم غلبت، قبل ذلك، بني إسماعيل فانتزعت منهم السقاية وخدمة البيت...
ونعود إلى أمر هذه القصيدة المحيِّرِ، وهي القصيدة التي يزعم ابن هشام أنها وجدت مكتوبة على حجر باليمن: هل كانت مكتوبة باللغة الحِمْيَريَّة؟ إنّا لا نعتقد ذلك. لأنّ كلّ التواريخ القديمة تزعم أنّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، إنما تعلّم العربية من جرهم، والحال أن العربيّة الإسماعيليّة هي العربيّة العدنانية التي نزل بها القرآن، وقيلت بها المعلّقات والوجه لدينا في حلّ هذا اللغر العجيب:
1- إنّ قبيلة جرهم حين وافت البيت من اليمن تطورت لغتها من الحميريّة إلى العربية الحديثة، بفعل الاحتكاك الذي كان يقع بين الذين يقصدون البيت العتيق. ولكن قد ينشأ عن هذا المذهب أنّ جرهماً قد تكون أقامت بمكّة أكثر من خمسة قرون ونصف، وهو الذي تزعمه أخبار التاريخ، كما سلفت الإشارة إلى ذلك.
2- إنّ القصيدة الرائيّة البديعة المنسوبة إلى ابن مضاض، وهو أحد ملوك جرهم، قد يكون تدوينها على الحجر وقع بعد اضطرار جرهم إلى العودة إلى اليمن.
3- ونلاحظ أنّ ابن هشام يورد أبياتاً ثلاثة أخراة معزوة إلى الشاعر نفسه، ويزعم أنها صحّت لديه، كما يؤكّد أنها وجدت مكتوبة على حجر باليمن . فكأنّ الأقدمين يريدون أن يثبتوا هذه الأبيات، ويؤكّدوا صحّتها بحكم أنها وجدت مدوّنة على الحجر، فيزعمون: "أنّ هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب" .
ولكن المشكلة المعرفيّة المركزيّة في هذه المسألة أن هذا الشعر قديم جداً، وإننا لا نجد شعراً آخر يُرْوى، إلاّ ماكان من عهدي مهلهل بن ربيعة وامرئ القيس.... ولكنّنا كنّا زعمنا أن القصيدة المضاضية التي ذكرت، ذُكِرَ أنها وُجِدَتْ مكتوبةً على الحجر؛ فأمْرُها إذن مختلف. لكنّ الذي يبعد ذلك، أنّ لغتها راقية جداً، وأنّ الأسلوب أنيق، وأنّ النحو مستقيم، وأن الإيقاع مستقيم، وأنّ كلّ ما فيها يوحي بخضوعها للتهذيب والتشذيب، والتغيير والتبديل، إلاّ أن يكون عمر الشعر العربيّ أكثر بكثير ممّا يتصور أي متصور، وهذا أمر مستحيل. إذ ينشأ عن تقبّل نصّ هذه القصيدة كما روتها كتب الأخبار والسيرة، أنّ الشعر العربيّ كان عظيم الأزدهار على عهد جرهم، وأنّ اسماعيل عليه السلام حين تعلّم العربيّة لم يتعلّم مجرد لغة بدائيّة قصاراها أداءُ الحاجة الدنيا مما في النفس، ولكنها كانت لغة أدب رفيع... وهذا أمر محيّر...
إنّ الذي أردتُ أن أنبّه إليه في نقاش هذه الإشكاليّة هو أنّ القصيدة الجرهميّة لم تثبت على أنها رويت أصاغر عن أكابر، (وذلك مرفوض لبعد الزمن، وكثرة الفتن، وانعدام التدوين....)، ولكنها أثبتت على أساس أنها الفيت مكتوبةً على حجر باليمن.... وببعض ذلك تضيق شقّة المشكلة بحيث تغتدي مقتصرة على: هل وجدت مكتوبة، أو لم توجد مكتوبة؟ فإن كانت الإجابة بنعم- ولا أحد يمتلك في الحقيقة الإجابة لا بنعم، ولا بلا-: فما شأنُ اللغة التي كتبت بها ؟ وما بال الأسلوب الأنيق التي نسجت به؟ وينشأ عن التصديق أنّ الشعر العربيّ أقدم ممّا يظنّ الظانّون، والأقدمون أنفسهم يعترفون بقدميّة الشعر العربي- أقصد المتشددين في الرواية، والمحترزين في إثبات الأخبار أمثال ابن سلام- وحينئذ ننتهي إلى الميل إلى تقبّل نصّ هذه القصيدة إذا كانت وجدت، حقاً، مكتوبةً، مع ميلنا إلى أنه قد يكون وقع عليها بعض التهذيب لدى إثباتها كما رواها ابن اسحاق في القرن الأوّل الهجري (58-150؟ هـ).
والحقّ أن ابن سلاّم لَمَّا رفض الشعر إذا عاد إلى أكثر من عهد عدنان، فإنما كان مبدؤه قائماً على أساس الشعر المروّى ، لا على أساس الشعر المدوّن على الحجر.
والذي يعنينا في كل، هذا، وهنا والآن (وعلى أننا لم نرد أن نذهب، في بحث هذه المسألة المُعْتاصَةِ، مذهباً مُسْرِفاً في استقراء الآراء التي لا تكاد تخرج عما ذكرنا، ومناقشتها باستفاضة؛ إذ لو جئنا شيئاً لاستحالت هذه المقالة إلى كتاب....) أنّ المعلّقات نشأت على عهد مقصّد القصائد وهو المهلهل بن ربيعة التغلبيّ، خال امرئ القيس، وأنّ ذلك العهد، في أقصى التقديرات، لا يرجع إلى أكثر من قرن ونصف قبل البعثة النبويّة، وأنّ الشعر العربيّ ضاع باهمال أهله إيّاه، أو اشتغالهم بالجهاد، وسقوطهم بالآلاف في المعارك في ظرف قصير من الزمان أثناء الفتوح الأولى....
ولكن يستحيل علينا أن نصدّق أنّ الشعر العربي نشأ طفرة، ونبغ صبيّاً..... فعلينا أن نكون سذجاً باديِّ السذاجة إذا ما اعتقدنا بذلك... إلا لا يمكن أن يكون ذلك المستوى الفنيّ الرفيع الذي جاءت عليه تلك المعلّقات والأشعار الأخراة التي عاصرتها إلاّ بعد أن يكون الشعر العربيّ مرّ بمراحل طويلة تطوّر خلالها إلى أن بلغ تلك الدرجة العالية من الجودة والنضج والرصانة.... يجب أن تكون المعلّقات نشأت في بيئة شعريّة راقية، وفي جوّ أدبيّ خصب بحيث كان كلّ عربيّ يستطيع أن يقول البيت والأبيات يؤدّي بها حاجته. كما كانت القبائل تحتفل بنبوغ شعرائها فكانت "القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنّه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنّئون إلاّ بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج".
وكانت النساء يروين الشعر كما يرويه الرجال، فكان الشعر بالقياس إلى العرب هو الثقافة الأولى، والعبقريّة الأولى ، والغاية الأولى.
ومع كلّ ذلك فإننا نميل إلى أنّ الشعر العربيّ، في الحقيقة، ضاع قبل مجيء الإسلام، فإشارة امرئ القيس إلى ابن حمام، وإشارة عنترة إلى أنّ الشعراء لم يكونوا غادروا شيئاً ممّا يقال إلاّ نسجوا من حوله الشعر... من الأمور التي تجعلنا نذهب إلى أنّ لعنة الضياع لم تأت على الشعر العربيّ بسبب الحروب والفتن التي وقعت بعد ظهور الإسلام: حروب الردّة، وصفيّن، والجمل، والنهروان، والحروب الطاحنة التي استمرت بين الأموّيين والخوارج، والأموّيين وابن الزبير... كلّ أولئك فتن مُدْلَهِمَّة أتت على من كان باقياً من حفظة القرآن، وحملة الشعر، ورواة الأخبار... ولم يكن الناس، في القرن الأوّل الهجرّي يدوّنون شيئاً من مآثرهم؛ فضاع علم كثير، وأخبار ذات شأن..
وإذن فالشعر العربيّ القديم اجتاحته الجوائح قبل الإسلام بالصواعق والطوافين والأعاصير التي أذهب الله بها أمماً عربيّة قديمةً مثل طسم وجديس وعاد وثمود....، كما اجتاحته جوائح أخراة تمثّلت في الفتن التي وقعت بين العرب المسلمينأثناء القرن الأول الهجري؛ فلما جاء الناس يدوّنون بعض تلك الأخبار، انطلاقاً من القرن الثاني للهجرة، لم يجدوا منها إلاّ بقايا ضحلة، فكثر الوضع، وقلّ الخير...
خامساً: معلّقات العرب هل علّقت حقاً...؟
لقد سال كثير من الحبر حول إشكاليّة تعليق المعلّقات: أين علّقت؟ وأيّان علّقت؟ وما الكيفيّة التي علّقت بها؟ ولِمَ علّقت؟....
إنّ كثيراً من النقاد العرب القدامى، (ابن رشيق، وابن عبد ربه، وابن خلدون وغيرهم....) كانوا يذهبون إلى أنّها علّقت على أركان الكعبة... لكن هل يقتضي التعليق، حتماً، أن يكون على جدران الكعبة؟ أو لا يكون ذلك التعليق إنما كان في مكتبات قصور بعض الملوك، أمثال المناذرة؟ أم أنها لم تعلّق أصلاً، ولكن حكاية التعليق اختلقها، لبعض التعبير، بعض الرواة المحترفين، غير الموثوقين، أمثال حماد الراوية، أو بعض رواة القبائل غير المحترفين لإرضاء النزعة العصبيّة، والحميّة القبليّة، والعنجهيّة الجاهليّة: فابتدأ الأمر بمعلقة واحدة هي معلّقة امرئ القيس؛ فلمّا رأت العدنانيّة ذلك كبر عليها أن لا يكون لها بعض ذلك فوسّعت فكرة دائرة التعليق إلى طائفة من القبائل العدنانيّة الماجدة حيث توزّعت المعلّقات الأخراة على بكر وتغلب (القبيلتين المتنافستين المتعاديتين اللتين دارت بينهما حروب طاحنة) وقيس، وغطفان....
ولقد جاهد الأستاذ طلال حرب نفسه أَعْنَتَ الجهاد وأشقَّه في سبيل رفض فكرة المعلّقات من أصلها ، متأثّراً في ذلك بما كان ذهب إليه الأستاذ مصطفى صادق الرافعيّ الذي أنكر فكرة المعلّقات من أساسها، وعدّها مجرّد أسطورة في الأساطير . وقد كان سبق إلى رفض هذه الفكرة أبو جعفر النحاس .
والحقّ أنّ كثيراً من قدماء المؤرخين العرب اصطنعوا مصطلح "معلّقة"، ولم يشكّوا، كما لم يشكّكوا في أمر تسميتها. ولقد وقعنا، فيما أتيح لنا الاطلاع عليه من مصادر قديمة، على زهاء ثمانية مصادر ورد فيها ذكر اصطلاح المعلّقة، أو المعلّقات، إمّا مرة واحدة، وإمّا مرات متعددة -كما هو الشأن بالقياس إلى البغدادي في خزانة الأدب- صراحة، منها نصوص قديمة يعود العهد بها إلى القرن الثاني الهجريّ. والنصوص التي وردت في تلك المصادر هي لأبي زيد القرشي ، وأبي الفرج الأصبهاني ، وابن عبد ربه الأندلسيّ، وابن رشيق المَسَليّ القيرواني، وياقوت الحموي ، وابن كثير ، وابن خلدون ، والبغدادي ... فهل يجب أن نعدّ هؤلاء جميعاً سُذَّجاً وغَفَلَةً عن العلم ففاتهم أن يعرفوا اللُّغْزَ في هذه المسألة؟ إننا نعتقد أنه لايمكن أو يوجد دخان بلا نار، ولا نار بلا مادّة قابلة للاحتراق. وأنّ الأخبار الكبيرة، أو ما نودّ أن نطلق عليه نحن كذلك، يمكن أن يُتَزَيَّدَ فيها، ويمكن أن تُنْحَلَ مُتونَها، وتُحَرَّفُ رواياتُها؛ لكننا لا نعتقد أنّها تُختلق من عدم، وتنشأ من هباء.... ففكرة المعلّقات، في تقديرنا، غالباً ما تكون قد وقعت بالفعل على نحو ما، ولقصائد ما، نرجّح أن تكون القصائد السبع نفسها التي شرحها الزوزني، لأنها فعلاً من روائع الشعر الإنسانيّ على الإطلاق...
والذين لم يذكروا المعلّقات باسمها صراحة أمثال ابن قتيبة، وابن سلام الجحمي، والمرزيانيّ، والجاحظ -من مؤرّخي الأدب القدماء- فإنهم، في الحقيقة، ذكروها ضمناً حيث وقع اختيارهم على كثير من الأشعار المعلّقاتيّة، أساساً، كما وقع ذلك خصوصاً بالقياس إلى معلّقة امرئ القيس التي كلف بها القدماء كلفاً شديداً: فلهجوا برواية أبياتها والتعليق عليها، وإبداء الإعجاب بها طوراً، وانتقادها طوراً آخر. ولكنّ الإعجاب كان هو الأغلب الأطفح...
ثمّ إن المصطلح النقديّ العربيّ ظلّ طول الدهر، وفي كثير من أطوار حياته، يعاني الاضطراب والتساهل والتسامح في الاستعمال؛ فإذا كان طه حسين حين كان يتحدث عن إحدى روايات نجيب محفوظ الشهيرة ألفيناه يصطنع اصطلاح "قصّة" (وهو يريد مصطلح) "رواية"، وكان ذلك في الأعوام الخمسين من هذا القرن: فما القول في النقاد القدماء الذين كثيراً ما كانوا يعبّرون عن المعلّقة بالطويلة لأنها طويلة فعلاً، ومذهبة، لأنها مذهبة فعلاً، او واحدة، لأنّ بعض المعلّقاتيين لم يشتهر إلاّ بها مثل عمر بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وعنترة بن شداد.... وقل إن شئتَ كلّ المعلّقاتيين ما عدا امرأ القيس الذي اشتهر بمطوّلته الأخراة، العجيبة، أيضاً.
وإذن، فلقد كان في أذهان من لم يذكروا المعلّقات السبع، تحت هذا المصطلح، أنها آثر القصائد لدى العرب، وأنّ وصفها بالتعليق لم يكن إلاّ ثمرة من ثمرات تلك العناية الفائقة بها، وترويتها للناشئة، وتَسْيير الرُّكبان بها... فقد ألفيناهم يذكرونها بعدّة أسماء أمثال السمط.. وبينما يذهب ابن عبد ربه إلى أنّه كان يقال للمعلّقات أيضاً "المذهبات"، فيقال: "مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات سبع، وقد يقال لها المعلّقات" ، ويجاريه في ذلك ابن رشيق فيقرر أنه كان "يقال: مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره. ذكر ذلك غير واحد من العلماء" ؛ نلفي أبازيد القرشي يميّز بين المذهبات والمعلّقات والمجمهرات، بعد أن كان أطلق على المعلّقات في بداية الأمر مصطلح "السبع الطوال" نقلاً عن المفضّل، وليس عن أبي عبيدة كما زعم كثير من الناس حيث إنّ النص المروّى عن أبي عبيدة ينتهي، ثم يورد بين قوسين نصّ المفضّل. فليس الخلاف إذن في الجوهر، ولكنه في الشكل؛ إذا يلاعُ كلّ القدماء بهذه السبع، لم يك إلاّ دليلاً خِرِّيتاً على اتفاقهم على روعتها وجودتها، بغضّ الطرف عن الأشكال التي اتخذتها في أذهان الناس...
وعلى أنّ ابن رشيق كان أورد في بداية كلامه أنّ الذي يقرره إنما هو نقلاً عن أبي زيد القرشي حيث قال: "وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: إنّ أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمّى السمط" .... بينما أبو عبيدة، بناء على ما بين يدينا في كتاب "جمهرة أشعار العرب"، لم يقل شيئاً من هذا؛ ولكن الذي قال هو المفضّل حيث ذكر أبو الخطاب ذلك معزوّاً إلى المفضل إذ كتب: "وقال المفضّل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط...." .
ونجد أبا الخطاب القرشي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو أقدم هؤلاء المؤرخين جميعاً (توفي سنة 170هـ) يطلق مصطلح "المذهبات" على غير "المعلّقات" حيث قال: "وأمّا المذهبّات فللأوس والخزرج خاصّة: وهنّ لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس ابن الخطيم، وأحيحة بن الجلاّح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بنو امرئ القيس" .
فما هذا الخلط، وما هذا الغُثاء من الآراء؟
فالأولى: إنّ ابن رشيق يجعل رواية القرشي عن أبي عبيدة، بينما الرواية في النصّ المستشهد به، هي في الحقيقة، عن المفضّل.
والثانية: لعلّ المصدر الأوّل المكتوب الذي تحدّث عن المعلّقات ضمناً: تحت مصطلح "السبع الطوال" طوراً، و"السموط" طوراً آخر، وصراحة حين قال: "تمّت المعلّقات، ويليها المجمهرات" إنماهي "جمهرة أشعار العرب".
والثالثة: فات الأستاذ طلال حرب أن يطّلع على أن القرشيّ هو أيضاً ذكر مصطلح المعلّقات صراحة في صلب كتابه، فأخرجه من طبقة من ذكروا المعلّقات، كما فاته الاطلاع على ما ورد من معلومات ذات شأن حول المعلّقات -بذكر هذا المصطلح صراحة- في السيرة النبويّة لابن كثير.
والرابعة: إنّ ما حيّر الأستاذ طلال حرب بناء، على نصّ أو رده الرافعيّ، غير موثَّقٍ، معزوّاً لابن الكلبي لا يحتاج إلى كُلِّ هذا العناء ما دام الرافعي لم يكن يلتزم بالمنهج الجامعيّ الصارم في توثيق النصوص التي يستشهد بها، وهو على كلّ حال، في بعض ذلك غير مُليم، لأنه لم يضع النص الذي نقله منسوباً إلى ابن الكلبي بين علامات التنصيص، ممّا يوحي، منهجيّاً، بأنّه متصرّفٌ فيه....
والخامسة: إنّ ما حيّر طلال حرب حين لم يتمكّن من الاطلاع على المصدر الذي استقى منه الرافعي، مرفوعاً إلى ابن الكلبيّ، والذي كان الرافعيّ أو رده: فإننا نميل إلى أنّ ذلك النص، قد يكون منقولاً من ابن كثير . ولكن لمّا كان الرافعي لا يلتزم باصطناع علامات التنصيص الأكاديميّة فإنه كان لايتحرّج في التصرّف في الكلام، وربما سها فعزا ما كان قاله ابن قتيبة حَوالَ عمرو بن كلثوم، كما سنرى، إلى ما قاله عن الحارث بن حلّزة . فقد كان ابن كثير، لدى تعرّضه للمعلّقات السبع، كثيراً ما يذكر ابن الكلبي. بيد أنّ النص الذي ذكره الرافعي متصرفٌ فيه غالباً، ونفترض أنه مركب من جملة نصوص (من ابن كثير، وابن رشيق، والبغدادي...)...
والسادسة: إنّ الأستاذ الرافعيّ وقع في خلط عجيب، ولبس مشين... ولا يمكن التعويل عليه فيما أورد في كتابه "تاريخ آداب العرب" حول هذه المسألة؛ إذ لم يتّبع أصول التوثيق الأكاديميّ المعمول به بين الباحثين، لأنه، مثلاً،:
1- يقول: "وقال ابن قتيبة في ترجمة طرفة: وهو أجودهم طويلة" . بينما لم يقل ابن قتيبة، في الأصل، شيئاً من هذا، ولكنّ القول مرويّ أولاً عن أبي عبيدة، والمقولة في أصلها، آخراً" أجودهم واحدة" ؛ وليست: "أجودهم طويلة" -إلاّ أن تكون طبعة الشيخ غير طبعتنا، فمعذرة.
2- ويخلط الرافعيّ بين النص الواردعن عمرو بن كلثوم فيجعله وارداً حول الحارث بن حلّزة، وذلك حين يقول:
"قال (ابن قتيبة) في ترجمة الحارث بن حلّزة عند ذكر قصيدته، وهي من جيّد شعر العرب، وإحدى السبع المعلّقات" .
والحق أنّ ذلك النص كان ورد عن شأن عمرو بن كلثوم، لا عن الحارث بن حلّزة؛ إذ يقول ابن قتيبة عن معلقة ابن كلثوم: "وهي من جيّد الشعر العربيّ القديم. وإحدى السبع" .
وقدسها الرافعي مرتين اثنتين: حين نقل النص من ابن قتيبة، ثم حين نقله من البغداديّ الذي يقرر هو أيضاً، نقلاً عن ابن قتيبة: "قصيدة عمرو بن كلثوم من جيّد شعر العرب، وإحدى السبع" . فالأمر إذن ينصرف إلى عمرو بن كلثوم لا إلى ابن حلّزة...
إنه لا أحد يستطيع القطع، أمام هذه الاختلافات بين المؤرخين، بعدم تعليقيّة المعلّقات السبع، وإلا فعلينا أن نرفض تاريخ الأدب العربيّ كلّه ونستريح.
سادساً: استبعاد فكرة التعليق:
ولكن هل هذا ممكن؟ وكيف نذهب مذهبين اثنين، متناقضين، في مقام واحدٍ، وكيف يمكن الجمع بين الاستنتاجين؟ وهلا اجتزأنا بموقف واحد صريح، وحكم واحد صارم واسترحنا؟ أو لا يكون هذا ضرباً من التردد، وجنساً من الاضطراب، في الموقف؟
وإنّا لانرى شيئاً من ذلك. وإنّا لا نجد أيّ حرج في وقوف الموقفين، وقيام المقامين معاً... ذلك بأنّنا، لا نؤمن بإصدار الأحكام القطعيّة حول القضايا المشكلة... ونحن إذ نفتح الباب لاستبعاد فكرة التعليق، بعد أن كنّا ملنا إلى استبعاد فكرة عدم التعليق؛ فلأننا نؤمن بحرية الفكر؛ ولأننا نعتقد أن أتّرَاكَ باب البحث مفتوحاً هو الأسلم والأرصن..
ونحن إذ كنّا نؤمن بفكرة التعليق؛ فإنما نصرفه إلى غير التعليق على أركان الكعبة....وهذا ما نودّ بحثه في هذه الفقرة...
وإذن، فأَنْ تكونَ القصائدُ السبع الطوال، أو المعلّقات السبع، علّقت على جدران الكعبة كما زعمت بعض المصادر القديمة، وثلاثة منها مغاربيّة (ابن رشيق، وابن عبد ربه، وابن خلدون) فذاك أمر نرتاب فيه؛ و لانميل إليه. وإنما نرتاب فيه لبعض هذه الأسباب:
1- إنّ الكعبة كانت تعرضت للنهب، وللسيول الجارفة ، وللتهدّم والتساقط.
2- إنّ المؤرخين القدامى من اتّفقوا على أنّ الكعبة لم تكن مسقوفة . وإذا لم تكن كذلك، فكيف يمكن تعليق جلود مكتوبة عليها، بَلَهْ ورق القباطيّ الشديد الحساسية للعوامل الجويّة (وذلك مجاراة لأقوال بعض الأقدمين مثل ابن رشيق الذي قرر بأنها كانت مكتوبة على القباطيّ) والحال إنّ أيّ كتابة لايمكن أن تبقى متوهّجة مقروءة، لزمن طويل، تحت تأثير العوامل الطبيعيّة مثل الرياح، وأشعّة الشمس، ورطوبة الليل، وبلّ المطر؟
3- اتّفق المؤرخين العرب القدامى أيضاً على أنّ الكعبة لم تكن مَمْلوطَة، ولكنّ بناءها كان عبارة عن رَضْم، أي رصْفِ حجرٍ على حجر من غير مِلاَطِ.
4-إنّ المؤرخين القدماء أمثال ابن هشام، وابن كثير، والمسعودي، وياقوت الحموي اتفقوا على أنّ الكعبة لم تسقف إلاّ حين جدّدت قريش بناءها الذي كان قبل البعثة بزهاء خمس سنوات فحسب. والذين يذهبون إلى تعليق تلك القصائد على أستار الكعبة إنما يذهبون، ضمناً، إلى أنّ ذلك كان على عهد الجاهليّة.
5- إنّ موادّ الكتابة، على تلك العهود، كانت من البدائيّة والبساطة بحيث لم يكن ممكناً، عقلاً، أن يكتب كاتب نصّاً طويلاً يقترب من ثمانين بيتاً، تزيد قليلاً، أو تنقص قليلاً، على جلد غزال، أو على قباطيّ.
6- إنّ هذه النصوص الشعريّة السبعة لطولها، لو جئنا نكتبها اليوم على جدران الكعبة، أو على جدران أيّ بناء آخر في حجم بنائها، على مواصفات العهود الأولى- وعلى ما نمتلك اليوم من وسائل متطورة للكتابة- للاقينا العناء والعنت في كتابتها كلها على تلك الجدران.
وعلى أننا كنا أثبتنا في الحيثيّة الثالثة، من هذا التحليل، أنّ جدران الكعبة لم تكن مملوطة بالملاط، ولكنّ حَجَرها كان عارياً، ويبدو أنّه كان مبنياً على الطريقة اليمنيّة التي تقوم على البناء بالحجر بدون ملاطٍ للربط بين الحجر والآخر. ولعلّ جدران الكعبة لم تملط إلا حين أعاد بناءها عبد الله بن الزبير، بعد أن تعرضت لقذفات المنجنيق التي قذفها بها الحجاج من أبي قبيس، وذلك حين احتمى بها ابن الزبير الذي كان أعاد بناءها بعد أن سمع من خالته عائشة رضي الله عنها حديثاً يرغّب في تجديد بنائها، وتغيير هندسة هيكلها .
7- كان في أهل الجاهليّة حنيفيّون، ولم يكن ممكناً أن يرضوا بأن تعلّق على جدران أقدس بيت وضع للناس أشعار تتحدث عن المضاجعة والمباضعة، وسيقان النساء وأثدائهن، وشعورهن وثغورهن...
فعلّ هذه العوامل، مجتمعةً، أن تَحْمِلنا على الذهاب إلى استبعاد فكرة تعليق تلك القصائد على جدران الكعبة، في أي عهد من العهود؛ وذلك على الرغم مما يروى عن معاوية بن أبي سفيان أنّه قال: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة من مفاخر العرب، كانتا معلّقتين بالكعبة" .
وهذه رواية غريبة، ولا ندري من أين استقاها البغدادي. وهي على كلّ حال تدلّ على أنّ فكرة التعليق كانت، فعلاً، واردة لدى الناس. وأنّ هناك إلحاحاً على التعليق الذي نصرفه نحن، بناء على هذه المقولة وغيرها، إلى أنّ العرب ربما كانت تعلّق هذه القصائد على الكعبة أثناء موسم الحج فقط، وذلك بعد أن تكون قد أُنْشِدَتْ في سوق عكاظ.. وأعتقد أن هذا المذهب قد يحل المشكلة من أساسها فيثبت التعليق فعلاً، ولكن يحدد من زمنه بحيث لايجاوز موسم حجّ واحد.. ومن الآيات على ذلك أن معاوية هنا، إن ثبتت رواية مقولته، يقرن بين قصيدتين متكاملتين على تناقضهما وهما القصيدتان اللتان تتحدثان عن العداوة التي كانت بين بكر وتغلب. فكأن تينك القصيدتين علّقتا على الكعبة معاً في موسم واحد. ونحن لم نهتد إلى هذا الرأي إلا من خلال مقولة معاوية الذي لا يتحدث عن معلقات، ولكنه يتحدث عن معلقتين اثنتين، كما رأينا.
فذلك،إذن، ذلك.
وأما فكرة القبول بالتعليق فيمكن أن تؤوّل على أساس أنها لم تكن على جدران الكعبة، إذ لا يمكن، من الوجهة المادية، ومن الوجهة التقنية أيضاً، تعليق كلّ هذه النصوص على جدران البيت، ولكنها عُلِّقَتْ في مكتبات ما. ويؤيد ذلك ما يعزى إلى بعض الملوك حيث "كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته" .
وربما أتت فكرة التعليق أيضاً مما يُعْزَى إلى عبد الملك بن مروان من أنه طرح شعر أربعة معلقاتيين، وأثبت مكانهم أربعة آخرين.
بل ربما أتت من "أنّ بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعارٍ فسماها المعلقات" . لكنّ البغدادي الذي يبدو أنه تفرّد بهذه الإشارة، على الأقلّ فيما اطلعنا عليه نحن من مصادر، لم يذكر المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة، ولا كيف سمّاها المعلقات، وهي لم تعلق (وذلك ما يفهم من قول البغدادي)؟
إننا نعتقد أن ذكر أربع ملابسات تاريخية، وهي:
1- ورود ذكر اسم عبد الملك بن مروان، وأنه قرر طرح أربعة أسماء، وإثبات أربعة آخرين، من المعلقاتيين، ولم يكن ذلك ليحدث إلا بعد الاستئناس برأي نقّاد الشعر على عهده؛
2- ورود ذكر "بعض أمراء بني أمية"؛
3- ورود ذكر حماد الراوية المتوفّى سنة خمس وخمسين ومائة من الهجرة، وقد سلخ معظم عمره في عهد دولة بني أمية؛ وأنّه هو الذي جمع المعلقات فيما يزعم أبو جعفر النحاس ، وهو ذاك؛ فإنّ ابن سلام الجمحيّ كان أومأ إلى هذا حين ذكر "أنّ أوّل من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، حمّاد الراوية. وكان غير موثوق به. وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار" .
(وإنما جئنا بما هو ذو صلة بعدم ثقة حمّاد الراوية لكي نربط بينه وبين ما سيقوله أبو جعفر النحاس الذي قرر أنّه لمّا رأى حماد الراوية "زهد الناس في حفظ الشعر، جمع هذه السبع وحضّهم عليها، وقال لهم: هذه المشهورات".
4- كان سبق لنا، منذ قليل أن أوردنا قولاً لمعاوية يقرر فيه أنّ قصيدتي عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة من مفاخر العرب، وأنهما "كانتا معلقتين بالكعبة دهراً" . ومعاوية هو مؤسس الدولة الأموية...
ولقد ينشأ عن هذه الملابسات التاريخية الأربع:
1- إنّ فكرة التعليق، وحدوثها الاحتماليّ، لم تظهر إلاّ في العهد الأمويّ، لارتباطها بذكر أربع سِمَاتٍ تاريخيةً أمويّة: لا جاهليّة، ولا إسلامية، ولا عباسية.
2- إنّ إشارة أبي جعفر النحاس إلى زهد الناس في الشعر هو الذي حمل حماد الراوية، ليس على جمع القصائد السبع الطوال فحسب، ولكن على التهويل من شأنها، وربطها بمقدسات وطقوس دينيّة تتمثل في أركان الكعبة حتى يقبل الناس على حفظها، وروايتها، وتَرْويَتها، وترويجها، في الآفاق، وقد أفلح حماد، حقاً، فيما أراد إليه. ونحن ندين بالفضل في حفظنا المعلقات، وعنايتنا الشديدة بها إلى هذا العهد، من حيث هي أجود، أو من أجود الشعر العربي القديم على الإطلاق، وذلك على الرغم من احتمال زيادة حماد في نصوص هذه المعلقات ما لم يكن فيها.
3- إننا نميل إلى أنّ فكرة المعلقات ليست مجرد أسطورة في الأساطير، ولكن قد يكون لها أساس من التاريخ والواقع، بشرط ربطها بأمرين اثنين:
1- إنّ التعليق هو التعليق في خزانة بعض أمراء بني أمية أو ملوكها.
2- إنّ التعليق إذا انصرف إلى الكعبة إمّا أن يكون شكل الخطّ، حينئذ، على غير القباطيّ، ولا هو من مادة الذهب، ولا من شيء مما يزعم ابن رشيق، وابن عبد ربه. ولكنّ الكتابة ربما كانت بمداد الوَذْح المحرق، وعلى لوح من الألواح التي كانوا يكتبون عليها أشعارهم أول ما تُمْلَى.
وكانت تلك السيرة قائمةً إلى عهد جرير . وقد ظلّت في الحقيقة قائمة في كتاتيب القرآن ببلاد المغرب إلى يومنا هذا... وإمّا أنّ التعليق لم يكن يستمرّ لأكثر من أيام موسم الحج، أو لفترة معينّة، كأنها تشبه شكل المعارض على عهدنا هذا.. وقد يدل على ذلك قول معاوية:
"كانتا (يريد إلى معلقتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة) معلقتين بالكعبة دهراً" . فكأنّ معنى الدهر في كلام معاوية ينصرف إلى فترة محدّدة، ثم ينقطع. وهو أمر واضح.
4- إننا نستبعد أن تكون القصائد السبع الطوال كلها علقت على أركان الكعبة مجتمعة، وظلّ التعليق متتالياً فيها، وذلك للأسباب السبعة التي جئنا عليها ذكراً، في بعض هذا التحليل.
وإذن؟
وإذن، فنحن نميل إلى قبول فكرة التعليق بشرط ربطها بما قدمنا منذ حين من احترازات. على حين أنّ فكرة رفض التعليق يمكن الذهاب إليها إذا أصرّ المصرون على أنّ المعلقات علقت على أركان الكعبة، في وقت واحدً، وظلّت معلقة هناك، وأنها كتبت في القباطيّ، وأنّ حبرها كان ذهباً.
ولعلنا ببعض ذلك تعمدنا أن نذر الباب مفتوحاً للنقاش والجدال من حول هذه المسألة اللطيفة التي يلذّ حولها البحث، ويحلو عنها الحديث.... فليظل باب البحث مفتوحاً للمجتهدين..

Tarek Elemary
11/05/2009, 09h23
(... - 7 هـ = ... - 628 م)

هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضُبيعة، من بني قيس بن ثعلبة، وصولاً إلى علي بن بكر بن وائل، وانتهاء إلى ربيعة بن نزار. يعرف بأعشى قيس، ويكنّى بأبي بصير، ويقال له أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير. عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة، وفيها داره وبها قبره.
من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره. غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه. كان يغني بشعره فلقب بصنّاجة العرب، اعتبره أبو الفرج الأصفهاني، كما يقول التبريزي: أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وذهب إلى أنّه تقدّم على سائرهم، ثم استدرك ليقول: ليس ذلك بمُجْمَع عليه لا فيه ولا في غيره.
أما حرص المؤرخين على قولهم: أعشى بني قيس، فمردّه عدم اقتصار هذا اللقب عليه دون سواه من الجاهليين والإسلاميين، إذ أحاط هؤلاء الدارسون، وعلى رأسهم الآمدي في المؤتلف والمختلف، بعدد ملحوظ منهم، لقّبوا جميعاً بالأعشى، لعل أبرزهم بعد شاعرنا- أعشى باهلة، عامر ابن الحارث بن رباح، وأعشى بكر بن وائل، وأعشى بني ثعلبة، ربيعة بن يحيى، وأعشى بني ربيعة، عبد الله بن خارجة، وأعشى همدان، وأعشى بني سليم.
وأبوه قيس بن جندل هو الذي سمّي بقتيل الجوع، سمّاه بذلك الشاعر جهنّام في معرض التهاجي فقال:
أبوك قتيلُ الجوع قيس بن جندلٍ- وخالُك عبدٌ من خُماعة راضعُ
وتفسير ذلك أن قيساً لجأ إلى غار في يوم شديد الحرارة فوقعت صخرة كبيرة سدّت عليه مدخل ذلك الغار فمات جوعاً.
يفهم من قول ابن قتيبة: وكان ميمون بن قيس- أعمى، أن لقبه كما يرى- إنّما لحقه بسبب ذهاب بصره، ولعلّ الذين كنّوه بأبي بصير، فعلوا ذلك تفاؤلاً أو تلطفاً، أو إعجاباً ببصيرته القوية، ولذا ربطوا بين هذا الواقع الأليم وبين كنيته "أبي بصير" لكنّ آخرين لم يذهبوا هذا المذهب والعشى في نظرهم تبعاً لدلالته اللغوية ليس ذهاب البصر بل ضعفه، فلئن كان الأعشى لا يبصر ليلاً فلا شيء يحول دون أن يكون سليم البصر نهاراً. ومن هذه الزاوية اللغوية على الأرجح كنّي الأعشى بأبي بصير بباعث الثناء على توقّد بصيرته، وتعويضاً يبعث على الرضا في مقابل سوء بصر، ولعلّ ما جاء في شعر الأعشى حين طلبت إليه ابنته- كما قال في بعض قصائده- البقاء إلى جانبها لتجد بقربه الأمن والسلام ولتطمئن عليه بالكفّ عن الترحال وتحمل مصاعب السفر والتجوال- هو الأقرب إلى تصوير واقعه وحقيقة بصره، فهو يصف ما حلّ به في أواخر حياته من الضعف بعد أن ولّى شبابه وذهب بصره أو كاد وبات بحاجة إلى من يقوده ويريه طريقه، وإلى عصاه يتوكأ عليها، هكذا يصف نفسه فيقول:
رأتْ رجُلاً غائب الوافدي- ن مُخلِف الخَلْق أعشى ضَريراً
وأما تفسير لقب الأعشى الآخر- أي: "صنّاجة العرب"- فمختلف فيه هو الآخر، فقد سمّي- كذلك- لأنه أول من ذكر الصّنج في شعره، إذ قال:
ومُستجيبٍ لصوتِ الصَّنْج تَسَمعُهُ- إذا تُرَجِّع فيه القينةُ الفُضلُ
لكن أبا الفرج أورد تعليلاً مخالفاً حين نقل عن أبي عبيدة قوله: وكان الأعشى غنّى في شعره، فكانت العرب تسميه صنّاجة العرب. وإلى مثل هذا أشار حمّاد الرواية حين سأله أبو جعفر المنصور عن أشعر النّاس، فقال "نعم ذلك الأعشى صنّاجها".
وموطن الأعشى هو بلدة منفوحة في ديار القبائل البكرية التي تمتد من البحرين حتى حدود العراق. التي نشأ فيها أبو بصير شاعر بني قيس بن ثعلبة. وكانت دياره أرضاً طيبة موفورة الماء والمرعى بغلالها وثمار نخيلها. ولئن كان الأعشى قد رأى الحياة في بلدته منفوحة وأقام فيها فترة أولى هي فترة النشأة والفتوّة، فالراجح أنّه بعد أن تتلمذ لخاله الشاعر المسيّب بن علس، خرج إثر ذلك إلى محيطه القريب والبعيد فنال شهرة واكتسب منزلة عالية بفضل شاعريته الفذّة في المديح بخاصة والاعتداد بقومه البكريين بعامّة. فاتصل بكبار القوم، وكان من ممدوحيه عدد من ملوك الفرس وأمراء الغساسنة من آل جفنة وأشراف اليمن وسادة نجران واليمامة. ومن أبرز الذين تعدّدت فيهم قصائده قيس بن معد يكرب وسلامة ذي فائش وهوذة بن علي الحنفي.
ولقد بات الأعشى بحافز من مثله الأعلى في الّلذة التي تجسّدت في الخمرة والمرأة، في طليعة الشعراء الذين وظّفوا الشعر في انتجاع مواطن الكرم يتكسب المال بالمدح، ويستمطر عطاء النبلاء، والسادة بآيات التعظيم والإطراء حتى قيل عنه، كما أورد صاحب الأغاني: " الأعشى أوّل من سال بشعره" لكنّ هذا الحكم لا يخلو من تعريض تكمن وراءه أسباب شتّى من الحسد وسطحية الرأي وربما العصبيّة القبليّة. إن الأعشى نفسه لم ينكر سعيه إلى المال، ولكنّه كان دائماً حريصاً على تعليل هذا المسعى والدافع إليه، فلم يجد في جعل الثناء قنطرة إلى الرخاء والاستمتاع بالتكسّب عاراً فهوعنده جنى إعجابٍ وسيرورة شعر. وفي مثل هذا الاتجاه يقول لابنته مبرّراً مسعاه إلى الثروة، رافضاً الثّواء على الفقر والحرمان:
وقد طُفتُ للمالِ آفاقَهُ- عُمانَ فحِمص فأورى شِلمْ
أتيتُ النّجاشيَّ في أرضه- وأرضَ النَّبيط، وأرضَ العجمْ
فنجران، فالسَّروَ من حِمْيرٍ- فأيَّ مرامٍ له لم أَرُمْ
ومن بعدِ ذاك إلى حضرموت- ت، فأوفيت همّي وحينا أَهُمْ
ألمْ تري الحَضْرَ إذ أهلُه- بنَعُمى- وهل خالدٌ من نَعِمْ
كان الأعشى بحاجة دائمة إلى المال حتى ينهض بتبعات أسفاره الطويلة ويفي برغباته ومتطلباته فراح بلاد العرب قاصداً الملوك.. يمدحهم ويكسب عطاءهم. ولم يكن يجتمع إليه قدر من المال حتى يستنزفه في لذّته.. ثم يعاود الرحلة في سبيل الحصول على مال جديد، ينفقه في لذّة جديدة.
هذا هو الغرض من استدرار العطاء بعبارة الثناء، فكسبه النوال إنما كان لتلك الخصال التي عدّدنا، ولم يكن الأعشى في حياته إلا باذلاً للمال، سخيّاً على نفسه وذويه وصحبه من النّدامى ورفاقه في مجالس الشراب، فلا يجد غضاضة أن يحيط ممدوحه بسيرته هذه كقوله مادحاً قيس بن معد يكرب:
فجِئتُكَ مُرتاداً ما خبّروا- ولولا الذي خبّروا لم تَرَنْ
فلا تحرِمنّي نداكَ الجزيل- فإنّي أُمرؤ قَبْلكُمْ لم أُهَنْ
بحكم ما تقدّم من فعل النشأة وتكوين العرى الأولى في شخصيّة الأعشى تطالعنا في ثنايا ديوانه، وبالدرس والتحليل والاستنتاج جوانب غنيّة من عالم الشاعر نكتفي منها بلُمع نتلمس مصادرها في قصائده ومواقفه وردّات أفعاله وانفعالاته. وفي قمة ما يمور به عالمه النفسي والفكري اعتقادٌ أملاه الواقع بعبثية الحياة، وتداخل مهازلها بصلب طبيعتها التي لا تني في تشكيلها وتبدّلها بصور شتى لا تغيّر من جوهرها المرتكز على ظاهرة التلوّن وعدم الثبات والزوال. وقد ضمّن الأعشى شعره هذه التأمّلات وهو يصف الموت الذي يطوي الملوك والحصون والأمم والشعوب كمثل قوله في مطلع مدحه المحلّق:
أرقتُ وما هذا السُّهادُ المؤرّقُ- وما بي من سقم وما بي مَعْشَقُ
ولكن أراني لا أزالُ بحادثٍ- أُغادي بما لم يمسِ عندي وأطرقُ
فما أنتَ إنْ دامتْ عليك بخالدٍ- كما لم يُخلَّدْ قبل ساسا ومَوْرَقُ
وكِسرى شهِنْشاهُ الذي سار مُلكُهُ- له ما اشتهى راحٌ عتيقٌ وزنْبقُ
ولا عادياً لم يمنع الموتَ مالُه- وحصنٌ بتيماءَ اليهوديّ أبلقُ
والأعشى من كبار شعراء الجاهلية: جعله ابن سلاّم أحد الأربعة الأوائل، في عداد امرئ القيس والنّابغة وزهير فهو "بين أعلام" الجاهلية، وفحول شعرائها، وهو متقدّم كتقدّم من ذكرنا دونما إجماع عليه أو عليهم، ومع ذلك فليس هذا بالقليل:
أو ألم يُسأل حسّان بن ثابت ... عن أشعر الناس كقبيلة لا كشاعر بعينه فقال: "الزّرق من بني قيس بن ثعلبة" ولا غرو أنّه عنى في المقام الأول الأعشى أبا بصير، وهو ما أكده الكلبي عن مروان بن أبي حفصة حين أشاد بالأعشى وأحلّه مرتبة الشاعر الشاعر لقوله:
كلا أبَويْكم كان فرعَ دِعامةٍ- ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقصاً
وحدّث الرياشي نقلاً عن الشعبيّ ففضّل الأعشى في ثلاثة أبيات واعتبره من خلالها أغزل النّاس وأخنثهم وأشجعهم، وهي على التوالي:
غرّاء فرعاءُ مصقولُ عوارضُها- تمشي الهُوَيْنى كما يمْشي الوَجى الوَحِلُ
قالتْ هريرةُ لمّا جِئتُ زائرَها- ويلي عليكَ وويلي منك يا رجلُ
قالوا الطّرادُ فقلْنا تلكَ عادتُنا- أو تنزِلونَ فإنّا معْشرٌ نُزُلُ
كان الأعشى يعتبر الشرّ في الطبيعة البشرية قدراً ليس يدفع فهل غذّى فيه هذا الاعتقاد الكفاح في سبيل متع الوجود وجعله يرتضي بالتالي مصيره، وهو مصير الورى جميعاً أي حتمية الزوال.
وأوجز ما يقال في الأعشى شاعراً، أّنه صورة الرجل فيه: فقد كان جريئاً في غزله وخمرته وكانت جرأته واضحة المعالم في صدق مقالته حين يمدح أو يفتخر أو يهجو وهكذا اكتسب شعره سيرورة ونزل من القلوب منزلة رفيعة فكان أقدر الشعراء على وضع الرفيع، ورفع الوضيع، ويكفي برهاناً على الطرف الآخر خبره من المحلَّق الكلابي وهو الخبر الذي تناقلته كتب الأدب وجعلت منه مثالاً، لا لتأثير الشعر في نفوس العرب وحسب، بل ولسموّ الشاعر في صنيعه وهو ما أتاح له أن ينتزع إعجاب الأدباء والشرّاح من ناحية، وأن يتبوّأ بالتالي منزلة رفيعة في تاريخ الشعر الجاهلي، إن لم نقل في تاريخ العربي على مرّ العصور.
ولئن تعذر أن نمضي على هذا المنوال، في ثنايا شعر أبي بصير، المقدّم في نظر نفر صالح من النقّاد، على أكثر شعر الجاهليين كافة، ولا سيّما في غزله ومدائحه وملاهيه وأوصافه. ولئن كنّا نتجاوز المواقف المختلفة من سعي الأعشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة إسلامه فنحن نقف عند واحد جامع من آراء الشرّاح القدامى، نرى فيه غاية ما نرمي إليه في هذا الموضع، قصدنا قول أبي زيد القرشي في جمهرته: "الأعشى أمدح الشعراء للملوك، وأوصفهم للخمر، وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضاً".
أما ديوان الأعشى فليس أقلّ من دواوين أصحاب المعلقات منزلة عند النقّاد والرواة. عني به بين الأقدمين أبو العباس ثعلب- كما ذكر صاحب الفهرست- ثمّ عكف الأدباء على ما جمعه ثعلب، ينتقون منه القصائد والشواهد، وفي طليعة هؤلاء التبريزي الذي جعل قصيدة الأعشى اللامية "ودّع هريرة" إحدى معلقات الجاهليين كذلك اعتبرت لامية الأعشى: "ما بكاءُ الكبير بالأطلال" .. من المعلقات العشر في شرح آخر لتلك القصائد. وبين المستشرقين الذين أكبوا على شعر أبي بصير جمعاً واستدراكاً وشرحاً سلفستر دي ساسي (1826م- 1242هـ)، ثوربكه (1875م- 1292هـ)، ورودلف جاير الذي أمضى نصف قرن في صحبة الأعشى وشعره، بحيث أصدر في (1928م- 1347هـ) ديوان الشاعر القيسي في طبعة بعنوان: "الصبح المنير في شعر أبي بصير"..
أنظر في ذلك: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص293-300. وأنظر أيضاً: أعلام الزركلي.
المصدر : موقع الوراق

Tarek Elemary
11/05/2009, 09h26
تحفل معلقة الأعشى بفيض من الصور والتشابيه والأوصاف الدقيقة اللينة لمفاتن المرأة وحوار الحب ولقاء المتعة وتصوير علاقات العشق الفاشلة، والحديث عن مجلس الشّراب مع الصحاب والقيان، حتى كاد موضوع الهجاء الموجه إلى يزيد بن شيبان، ولوم الشاعر له وافتخاره على قومه بالبلاء الأوفى بالحرب، والانتهاء إلى الوعيد والتهديد بالثأر، كاد هذا الموضوع، يأتي باهتاً، أضعف أثراً فنياً، من مقدمات الغزل والتشبيب ووصف مجالس الشراب. ولعل الشاعر، إذا ما بدأ بوصف مشية حبيبته بدا كأنه يقص علينا قصة هذا النوع من الوجود الأنثوي، انطلاقاً من طريقة سيرها كمرّ السحاب، وذلك البطء المغري في تهاديها، وذلك الكسل في أعضائها، وكيف تتناغم هذه الأعضاء، ويهتز المتن والكفل، حتى يكاد الخصر ينخزل. فهنا لا يطلق الشاعر مجرد أوصاف عامة على مصير الحبيبة، وإنما هو مفتون، ملاحظ أدقّ الملاحظة، لتفاصيل هذا السير العبق بالفتنة والأنوثة، يقصه متلذذاً، بتفاصيله المتحركة، كأنما يدعو السامع إلى مشاركته في هذا الافتتان. ويشرك الشاعر جميع حواسه، من البصر إلى السّمع، إلى الشم، في إبراز مفاتن حبيبته من خلال سيرها وقعودها وقيامها، ثم انبثاقها كالروضة المعطار.
ويقف القارئ عند مقطع فريد في هذه القصيدة، عندما يحاول الأعشى أن يبين فيه الحبّ الفاشل، وكيف أن المرء قد يعلق بفتاة لا تحبه بل تحب سواه، والآخر المحبوب قد لا يحبّها.. وكيف تتشابك مثل هذه العلاقات الفاشلة. وكأن الأعشى يكشف عن الجانب الآخر من حياة البشر، جانب الانفعالات وعلاقات الحب والصدود، حتى ذهبت هذه الأبيات مضرب المثل، لصدقها وواقعيتها، وانطباقها على أحداث الناس في الجانب العاطفي من حياتهم، ولبلاغتها في تركيز الصورة والحكمة معاً.
وحتى عندما ينتقل إلى وصف السحاب، فإنه يأتيه من خلال منظر قصصي، لا يفصله عن الإنسان، وعن وضع معيّن، هو وضع مجلس الشرّاب. وقد عصف البرق والرعد في السماء، ولكن أحداً من سكارى المجلس لا يكاد يعي عاصفة السماء، وهي حادثة نادرة في حياة الصحراء، تسترعي انتباه الناس عادة، وتجذبهم روعتها.
وكذلك يقص علينا الشاعر رحلته في صحراء موحشة، وكأنّه يعبُر بنا إلى منظر آخر من مجالس الشراب، وهنا يذكر لنا أنه سار إلى حانوت الخمار، يتبعه صبيّ وشاو، يصفه بعدة ألفاظ مشحونة، بالشنشنة (نسبة لتكرار حرف الشين فيها، شاو، مشل، شلول، شلشل، شول) وفيها مداعبة لغوية، وبراعة في الوقت ذاته، في جمع الألفاظ دون خلل في المعنى.. وفي المجلس تُدُوولت الكؤوس بين فتية شباب، ينهبون الّلذات دون دفع لقدر الغد. ويتحرك المنظر بتجوال الساقي، وموسيقى الضرب على الصنوج، وغناء القيان. ويخلق الشاعر هذا المنظر ببراعة الرّسام والقصاص معاً، فيأتي حياً مشعاً بجوّه وعبقه، وتجسيم أشيائه وأناسه. ولعل أقوى بيت في مقطع الهجاء، ذلك الذي أصبح هو الآخر مثلاً، وفيه يقول:
كناطح صخرة يوماَ ليفلقها- فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
فصار يتمثّلُ به كناية عن حماقة كل من يتصدى لمصاولة ما يفوقه قوة وصموداً.
===========================
عن منشورات إتحاد الكتاب العرب

Tarek Elemary
11/05/2009, 09h31
نحو (... - 39 ق. هـ = ... - 584 م)

هو عمرو بن كلثوم بن عمرو بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جُشَم بن حُبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، أبو الأسود ، شاعر جاهلي مشهور من شعراء الطبقة الأولى، ولد في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة، وتجول فيها وفي الشام والعراق ونجد. كان من أعز الناس نفساً، وهو من الفتاك الشجعان، ساد قومه تغلب وهو فتى، وعمر طويلاً، وهو الذي قتل الملك عمرو بن هند، فتك به وقتله في دار ملكه وانتهب رحله وخزائنه وانصرف بالتغالبة إلى بادية الشام، ولم يصب أحد من أصحابه.
وأمُّ عمرو، كما قالت رحاب عكاوي في سيرته، هي ليلى بنت المهلهل أخي كليب، اشتهرت بالأنفة وعظم النفس، كما كانت لجلالة محتدها من فضليات السيدات العربيات قبل الإسلام. قيل إنّ المهلهل لما تزوج هنداً بنت بعج بن عتبة ولدت له ليلى فقال المهلهل لامرأته هند: اقتليها، على عادة عرب الجاهلية، فلم تفعل أمها، وأمرت خادماً لها أن تغيّبها عنها. فلما نام المهلهل هتف به هاتف يقول:
كم من فتى مؤمَّلِ- وسيّد شَمَرْدَلِ
وعُدّةٍ لا تجْهَلِ- في بطنِ بنتِ مهلهلِ
فاستيقظ مذعوراً وقال: يا هند أين ابنتي، فقالت: قتلتها. قال: كلاّ وإله ربيعة، وكان أول من حلف بها، فأصدقيني. فأخبرته، فقال: أحسني غذاءها، فتزوّجها كلثوم بن عمرو ابن مالك بن عتّاب. فلما حملت بعمرو، قالت: إنه أتاني آتٍ في المنام فقال:
يا لك ليلى من ولد- يُقدِمُ إقدام الأسدْ
من جُشمٍ فيه العددْ- أقول قيلاً لا فَنَدْ
فولدت عمراً. ولما أتت عليه سنة قالت: أتاني ذلك الآتي في الليل فأشار إلى الصبيّ وقال:
إني زعيمُ لكِ أمَّ عمرو- بماجدِ الجدّ كريم النَّجْرِ
أشجعُ من ذي لبيدٍ هزبرِ- وقّاص آدابٍ شديد الأشْرِ
يسودُهم في خمسةٍ وعشرِ
وقد قيل إنه كان الأمر كما سمعت وساد عمرو بن كلثوم قومه تغلب وهو ابن خمس عشرة سنة. وتغلب هم من هم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد وجلال المحتد والأرومة. وأسرة عمرو سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس. ولد ونشأ في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية وحموها بالسلاح والجنود.
ولد عمرو إذاً بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً هماماً خطيباً جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلّين.
ويقال إنّ قصيدته المعلقة كانت تزيد على ألف بيت وإنها في أيدي الناس غير كاملة وإنما في أيديهم ما حفظوه منها. وكان خبر ذلك ما ذكره أبو عمر الشيباني، قال: إنّ عمرو بن هند لما ملك، وكان جبّاراً عظيم الشأن والملك، جمع بكراً وتغلب ابني وائل وأصلح بينهم بعد حرب البسوس، وأخذ من الحيّين رهناً من كل حيّ مائة غلام من أشرافهم وأعلامهم ليكفّ بعضهم عن بعض. وشرط بعضهم على بعض وتوافقوا على أن لا يُبقي أحد منهم لصاحبه غائلةً ولا يطلبه بشيءٍ مما كان من الآخر من الدماء. فكان أولئك الرهن يصحبونه في مسيره ويغزون معه، فمتى التوى أحد منهم بحق صاحبه أقاد من الرهن.
وحدث أن سرّح عمرو بن هند ركباً من بني تغلب وبني بكر إلى جبل طيّئ في أمر من أموره، فنزلوا بالطرفة وهي لبني شيبان وتيم اللات أحلاف بني بكر. فقيل إنهم أجلوا التغلبيين عن الماء وحملوهم على المفازة فمات التغلبيون عطشاً، وقيل بل أصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين وسلم البكريون. فلما بلغ ذلك بني تغلب غضبوا وطلبوا ديات أبنائهم من بكر، فأبت بكر أداءها. فأتوا عمرو بن هند فاستعدوه على بكر وقالوا: غدرتم ونقضتم العهد وانتهكتم الحرمة وسفكتم الدماء. وقالت بكر: أنتم الذين فعلتم ذلك، قذفتمونا بالعضيهة وسوّمتم الناس بها وهتكتم الحجاب والستر بادعائكم الباطل علينا. قد سبقنا أولادكم إذ وردوا وحملناهم على الطريق إذ خرجوا، فهل علينا إذ حار القوم وضلّوا أو أصابتهم السموم! فاجتمع بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، فقال عمرو بن هند: إني أرى الأمر سينجلي عن أحمر أصمّ من بني يشكر.
فلما التقت جموع بني وائل كره كل صاحبه وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت. فدعا بعضهم بعضاً إلى الصلح وتحاكموا إلى الملك عمرو. فقال عمرو: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني بسبعين رجلاً من أشراف بكر فأجعلهم في وثاق عندي، فإن كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن لم يكن لهم حق خلّيت سبيلهم. ففعلوا وتواعدوا ليوم يعيّنه يجتمعون فيه. فقال الملك لجلسائه: من ترون تأتي به تغلب لمقامها هذا? قالوا: شاعرهم وسيّدهم عمرو بن كلثوم. قال: فبكر بن وائل? فاختلفوا عليه وذكروا غير واحد من أشراف بكر. قال عمرو: كلا والله لا تفرجُ بكر إلا عن الشيخ الأصمّ يعتز في ريطته فيمنعه الكرم من أن يرقعها قائده فيضعها على عاتقه، وأراد بذلك النعمان بن هرم. فلما أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمر بن كلثوم حتى جلس إلى الملك، وجاءت بكر بالنعمان بن هرم، وهو أحد بني ثعلبة بن غنيم بن يشكر، فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان: يا أصمّ جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهم يفخرون عليك. فقال النعمان: وعلى من أظلّت السماء كلها يفخرون ثم لا ينكر ذلك. فقال عمرو بن كلثوم: أما والله لو لطمتك لطمةً ما أخذوا لك بها. فقال له النعمان: والله لو فعلت ما أفلتّّ بها أنت ومن فضّلك. فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال لابنته: يا حارثة، أعطيه لحناً بلسان أنثى، أي شبيه بلسانك. فقال النعمان: أيها الملك، أعطِ ذلك أحبَّ أهلك إليك. فقال: يا نعمان أيسرُّك أني أبوك? قال: لا، ولكن وددت أنك أمي، فغضب عمرو غضباً شديداً حتى همّ بالنعمان وطرده. وقام عمر بن كلثوم وأنشد معلقته، وقام بإثره الحارث بن حلّزة وارتجل قصيدته.
وقصيدة عمرو بن كلثوم لم ينشدها على صورتها، كما وردت في أثناء المعلقات، وإنما قال منها ما وافق مقصوده، ثم زاد عليها بعد ذلك أبياتاً كثيرة، وافتخر بأمور جرت له بعد هذا العهد، وفيها يشير إلى شتم عمرو بن هند لأمه ليلى بنت مهلهل. وقد قام بمعلقته خطيباً بسوق عكاظ، وقام بها في موسم مكة. إلا أن عمرو بن هند آثر قصيدة الحارث بن حلزة وأطلق السبعين بكرياً، فضغن عمرو بن كلثوم على الملك، وعاد التغلبيون إلى أحيائهم. وما تفضيل الملك عمرو لقصيدة الحارث إلا لأنه كان جباراً متكبّراً مستبدّاً، وكان يريد إذلال عمرو بن كلثوم وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، فقضى لبكر حسداً لعمرو لإذلاله بشرفه وحسبه ومجده.
ثم إن الملك عمراً كان جالساً يوماً مع ندمائه، فقال لهم: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند? فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم. قال: وَلِمَ? قالوا: لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيّد قومه، وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى أمه في ظعن من بني كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأم عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على الملك عمرو في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا الطُرُف وتستخدم ليلى. ودعا الملك عمرو بمائدة، ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها فصاحت ليلى: واذلاّه، يا لتغلب! فسمعها ابنها عمرو، فثار الدم في وجهه. ونظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرَّ في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق، ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس ابن هند وقتله، وكان ذلك نحو سنة 569م، ثم نادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا ما في الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة، وجاشت نفس عمرو وحمي غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة يصف فيها حديثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.
ومن أخبار عمرو بن كلثوم بعد ذلك أنه أغار على بني تميم، ثم مرّ من غزوه ذلك على حي من بني قيس بن ثعلبة، فملأ يديه منهم وأصاب أسارى وسبايا، وكان فيمن أصاب أحمر بن جندل السعدي، ثم انتهى إلى بني حنيفة باليمامة وفيهم أناس من عجل، فسمع بها أهل حجر، فكان أول من أتاه من بني حنيفة بنو سحيم عليهم يزيد بن عمرو بن شمر، فلما رآهم عمرو بن كلثوم ارتجز وقال:
مَن عالَ منا بعدها فلا اجتَبَرْ- ولا سقى الماءً ولا أرعى الشَّجَرْ
بنو لُجيمٍ وجعاسيسُ مُضَرْ- بجانب الدوِّ يُديهونَ العَكَرْ
فانتهى إليه يزيد بن عمرو فطعنه فصرعه عن فرسه وأسره، وكان يزيد شديداً جسيماً، فشدّه في القدّ وقال له: أنت الذي تقول:
متى تُعقد قرينتُنا بحبلٍ- نجذّ الحبلَ أو نَقْصِ القرينا
أما إني سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما جميعاً. فنادى عمرو بن كلثوم: يا لربيعة، أمثلة! قال: فاجتمعت بنو لجيم فنهوه، ولم يكن يريد ذلك به، فسار به حتى أتى قصراً بحجر من قصورهم، وضرب عليه قبّة ونحرَ له وكساه وحمله على نجيبة وسقاه الخمر، فلما أخذت برأسه تغنّى:
أأجمعُ صُحبتي الشَّحَرَ ارتحالاً- ولم أشْعُرْ بِبَينٍ منك هالا
ولم أرَ مثلَ هالَةَ في معَدٍّ- أُشَبّهُ حسْنَها إلاَّ الهِلالا
ألا أبْلِغ بني جُشَمِ بْنَ بكرٍ- وتغلبَ كلّما أتَيا حَلالا
بأنَّ الماجدَ القرْمَ ابن عمرو- غداة نُطاعُ قد صدَقَ القِتالا
كتيبَتُهُ مُلَمْلمَةٌ رَداحٌ- إذا يرمونها تُفني النّبالا
جزى الله الأغَرَّ يزيدَ خيراً- ولقَّاه المسَرَّة والجمالا
بمآخذِه ابنَ كُلثومَ بنَ عمرٍو- يزيدُ الخيرِ نازَلَهُ نِزالا
بِجمعٍ مِن بني قرَّان صِيدٍ- يُجيلونَ الطّعانَ إذا أجالا
يزيدُ يُقَدّم السُّفراءَ حتى- يُروّي صدرها الأسَلَ النِّهالا
وعنه أخبر ابن الأعرابي، قال: إن بني تغلب حاربوا المنذر بن ماء السماء، فلحقوا بالشام خوفاً، فمرّ بهم عمرو بن أبي حجر الغسّاني فلم يستقبلوه. وركب عمرو بن كلثوم فلقيه، فقال له الملك: ما منع قومك أن يتلقوني? قال: لم يعلموا بمرورك. فقال: لئن رجعت لأغزونّهم غزوة تتركهم أيقاظاً لقدومي. فقال عمرو: ما استيقظ قوم قط إلاّ نبلُ رأيهم وعزّت جماعتهم، فلا توقظن نائمهم. فقال: كأنك تتوعّدني بهم، أما والله لتعلمنّ إذا نالت غطاريف غسّان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها تجتثُّ أصولهم وينفى فلُّهم إلى اليابس الجرد والنازح الثمد. ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال:
ألا فاعلم أبيت اللعن أنّا- على عمدٍ سنأتي ما نريدُ
تعلّمْ أنّ محملنا ثقيلٌ- وأنّ زِنادَ كبَّتنا شديدُ
وأنّا ليس حيٌّ من مَعِدٍّ- يوازينا إذا لُبسَ الحديدُ
فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم. ثم انهزم الحارث وبنو غسّان وقتل أخو الحارث في عدد كثير، فقال عمرو بن كلثوم:
هلاّ عطفتَ على أخيك إذا دعا- بالثكل ويل أبيك يا ابنَ أبي شَمِرْ
قذفَ الذي جشّمت نفسك واعترف- فيها أخاك وعامر بن أبي حُجُرْ
هكذا عاش عمرو بن كلثوم عظيماً من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس، مرهوب الجانب، شاعراً مطبوعاً على الشعر. وقد عمّر طويلاً حتى إنهم زعموا أنه أتت عليه خمسون ومائة سنة، وكانت وفاته في حدود سنة 600 م. وقد روى ابن قتيبة خبر وفاته، قال: فانتهى (ويعني يزيد بن عمرو) به إلى حجر فأنزله قصراً وسقاه، فلم يزل يشرب حتى مات. وذكر ابن حبيب خبراً آخر في موت عمر بن كلثوم فقال: وكانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد إليها، فلما ساد ابنه الأسود بن عمرو، بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه، فغضب عمرو وقال: ساواني بعَوْلي! ومحلوفه لا يذوق دسماً حتى يموت، وجعل يشرب الخمر صرفاً على غير طعام، فلما طال ذلك قامت امرأته بنت الثُوير فقتّرت له بشحم ليقرم إلى اللحم ليأكله، فقام يضربها ويقول:
معاذَ الله تدعوني لِحنْثٍ- ولو أقْفَرْتُ أيّاماً قُتارُ
فلم يزل يشرب حتى مات.
ولعمرو ابن اسمه عبّاد بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعاً فارساً، وهو الذي قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أنّ مرة بن كلثوم، أخا عمرو، هو الذي قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً:
أبني كليب إنّ عميَّ اللذا- قتلا الملوكَ وفكّكا الأغلالا
وله عقب اشتهر منهم كلثوم بن عمرو العتّابي الشاعر المترسّل، من شعراء الدولة العباسية.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن عمرو بن كلثوم في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: يقف عمرو بن كلثوم، شيخ قبيلة بني تغلب، في الصف الأول لشعراء ما قبل الإسلام. يقال إنه ولد قبل بداية القرن السادس وأصبح شيخاً لقبيلة في سن الخامسة عشرة وتوفي قرابة نهاية القرن، اثنا وعشرون سنة قبل الهجرة.
يقال إن والد أمه ليلى بنت المهلهل، سيدة أصبحت لها مكانة مرموقة بين العرب لاحقاً، قد أمر بوأدها كما كانت عادة العرب آنذاك، لكنه أبقى على حياتها بعد تحذير رآه في حلم.
كان عمرو شخصاً حاد الطبع، متكبراً، كريماً، محبوباً من أبناء قبيلته وشاعراً منذ نعومة أظافره. ذكر سبب نظم معلقته في كتاب الأغاني على النحو التالي:
قصة قتله لعمرو بن هند: قال أبو عمرو حدثني أسد بن عمرو الحنفي وكرد بن السمعي وغيرهما، وقال ابن الكلبي حدثني أبي وشرقي بن القطامي، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي، فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: ولم، قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب. وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب. فدخل عمرو بن كلثوم على عمر بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس، وبينهما هذا النسب. وقد كان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ ثم دعا بالطرف. فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها وألحت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عمر بن هند فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيفٍ لعمرو بن هند معلقٍ بالرواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرواق وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة.
هكذا وردت الحكاية. وزن معلقة عمرو بن كلثوم والحارث أقصر من الآخرين، لكن معلقة عمرو ليست بأقل من الأخريات. لعلها أفضل للسمة الجدلية للقصائد وبها إيقاع ما ورنين في غاية الجاذبية. تروق المواضيع التي تتطرق إليها المعلقات، سياسية في معظمها، بقوة إلى القارىء الإنجليزي المعاصر، غير أنها تتحلى بالنسبة لمن يعرف الشعر العربي المعاصر بأهمية خاصة جداً لأنها تظهر كم قليلاً تغير عالم البدو في أفكاره السياسية أو حتى في وضعه السياسي في 1400 سنة الماضية. يصعب وجود فكرة عبر عنها المدافعون عن قضية لا تسمع اليوم من أفواه شيوخ القبائل المتنازعة الذين ارتحلوا إلى حايل لإنهاء خلافاتهم أمام ابن رشيد. الفرق الوحيد أن خطب المتنافسين اليوم لم تعد تقدم عبر القصائد.
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: كان عمرو بن كلثوم أميراً من قبيلة أرقم، أحد فخوذ بني تغلب. كانت أمه ليلى ابنة المهلهل وهند، التي أراد والدها وأدها كما كانت عادة العرب، لكنه سمع صوتاً في منامه يقول له إن ابنته ستصبح أم بطل. طلب إعادتها إلى البيت وكانت ما تزال على قيد الحياة. تزوجت ليلى من كلثوم وحلمت بعد مولد عمرو أنه سيكون أشجع المحاربين.
دارت حرب طويلة بين تغلب وبني بكر إثر مقتل كليب بن ربيعة. اتفق على وقف الحرب وليحكم فيها عمرو بن هند، ملك الحيرة، الملك نفسه الذي أمر بقتل طرفه. كان عمرو بن كلثوم المدافع عن بني تغلب والحارث بن حلزة المدافع عن بني بكر. يورد النقاش في معلقته. وحيث إن الملك لم يسر بتفاخر عمرو بن كلثوم، حكم لصالح بني بكر، فقتله عمرو بن كلثوم ثأراً، كما يظن لقتله طرفه، آخرون يرون وربما هم أصوب، لحكمه ضد بني تغلب.
ذكرت ظروف مقتل الملك على النحو التالي:
قصة قتله لعمرو بن هند: قال أبو عمرو حدثني أسد بن عمرو الحنفي وكرد بن السمعي وغيرهما، وقال ابن الكلبي حدثني أبي وشرقي بن القطامي، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي? فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: ولم? قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب. وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب ?. فدخل عمرو بن كلثوم على عمر بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس، وبينهما هذا النسب. وقد كان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ ثم دعا بالطرف. فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها وألحت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عمر بن هند فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيفٍ لعمرو بن هند معلقٍ بالرواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرواق وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة.
نظم عمرو بن كلثوم علاوة على معلقته بعض قصائد الهجاء المرير للنعمان ملك الحيرة وأمه التي كانت ابنة صائغ.
لما حضرت عمرو بن كلثومٍ الوفاة وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة، جمع بنيه فقال: يا بني، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي، ولا بد أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحداً بشيء إلا عيرت بمثله، إن كان حقاً فحقاً، وإن كان باطلاً فباطلاً. ومن سب سب؛ فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لكم، وأحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم، وامنعوا من ضيم الغريب؛ فرب رجلٍ خير من ألف، ورد خير من خلف. وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا؛ فإن مع الإكثار تكون الأهذار . وأشجع القوم العطوف بعد الكر، كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا من إذا عوتب لم يعتب . ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره؛ فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره. ولا تتزوجوا في حيكم فإنه يؤدي إلى قبيح البغض."

سمعجى
11/05/2009, 09h40
سيدى السيناتور الكبير سمعجى
سعادتى بالمواطنة تفوقها البشرى منك شخصياً
ثم هل المواطنة تساوى الGreen card ؟
معلش لسة خام مثل القروى الساذج الذى بهرته أضواء المدينة فانحرف ....
دى محتاجة عزومة لحضرتك و معك ثلاثة ضيوف وجبت علىَّ هذه العزومة أنا مش بخيل و الله رحلة غذاء أو عشاء على فرعون النيل لك و ثلاثة ضيوف معك منتظر ردك يا أستاذ


تسلم لي يا عم طارق يا ابو الكرم كله

كتابك واضح من عنوانه ،، و كرمك مش محتاج دليل

" حصيرة الصيف واسعة " ، و مسيرنا نتقابل بمشيئة الله


أشكرك يا شاعرنا المتوهج :emrose:

Islam Eidrisha
11/05/2009, 09h46
أشكر كل من سبقني بإبداء الرأي
وأشكر الأخ الأستاذ طارق العمري
وللعلم فإن المعلقات العشر ودواوين شعرائها
موجودة بسماعي على ملفات PDF ومسموعة MP3
مع خالص التحية والتقدير


المعلقات
إقرأ (http://www.sama3y.net/forum/showthread.php?t=25003)
إسمع (http://www.sama3y.net/forum/showthread.php?t=55407)