المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات و بحوث


عصمت النمر
07/11/2005, 12h08
محمد القصبجى 1892 - 1966
http://arab-music.tripod.com/imagelib/sitebuilder/layout/spacer.gif
محمد القصبجي من أعلام الموسيقى والتلحين وأستاذ فى آلة العود ، اقترن اسمه باسم أم كلثوم وغنت له أروع أغانيه كما لحن لها أجمل أغانيها ، ومعا حققا مجدا فنيا لا يضاهى
جمع الموسيقار محمد القصبجى بين الحداثة والرومانسية فى نسيج جديد على الموسيقى العربية وما أدخله من تطوير على فنون الموسيقى العربية جعله يقف بجدارة فى مصاف الرواد
من ابرز إنجازاته الفنية ما حققه من تطوير لأشكال الغناء التقليدى كالدور والطقطوقة ، واتخذت الأغنية بفضله شكلها المعروف اليوم ، كما كان له دور فى تطوير الموسيقى البحتة والتخت الشرقى

تـواريــــخ
عام 1892 ميلاد محمد القصبجى ، نفس العام الذى ولد فيه سيد درويش
عام 1923 محمد عبد الوهاب يتعلم العود على يد محمد القصبجى
عام 1924 أم كلثوم تغنى للقصبجى وأحمد رامى
عام 1927 القصبجى يكون فرقته الموسيقية من أمهر العازفين
عام 1928 أم كلثوم تقفز لقمة الغناء بألحان محمد القصبجى وأشهر أغنياتها إن كنت اسامح
عام 1930 محمد القصبجى الملحن الأول لأم كلثوم
عام 1933 أسمهان تغنى للقصبجى لأول مرة
عام 1944 القصبجى يبدع لأم كلثوم أروع ألحانه رق الحبيب
القصبجى ضيف شرف دائم فى فرقة أم كلثوم الموسيقية
عام 1966 وفاة محمد القصبجى عن 74 عاما


رحــلة حيــاته
ولدالفنان محمدالقصبجى بالقاهرة عام 1892، نشأ فى بيئة موسيقية فنية حيث كان والده يدرس آلة العود ويلحن للمطربين ، فأحب الموسيقى ومال إليها منذ الصغر ، وكبرت هوايته معه منذ أوائل طفولته عندما ألحقه والده بالكتاب ليحفظ القرآن الكريم ، واستمرت وهو بالأزهرالشريف حيث درس اللغة العربية والمنطق والفقه والتوحيد ، ثم بعد التحاقه بدارالمعلمين التى تخرج منها معلما
كان على الشاب محمد أن يلتحق بمهنة التدريس لكن هوايته الموسيقية تملكت حواسهومشاعره وملأت عليه خياله ، وكان قد سار حتى الآن على رغبة والده الذى أراد له احتراف العمل الدينى ، لكن الوالد الذى لاحظ هواية ابنه لم يحرمه تماما منها ، وأمام رغبة الشاب الصغير الملحة فى تعلم الموسيقى قرر أن يعلمه بعض علومها ، وأن يدربه على عزف العودخلال أوقات فراغه فتهدأ نفسه بهذه الهواية الجميلة عسى أن يساعده ذلك على الدراسة والبحث ، فمارس محمد القصبجي هوايته المفضلة جنبا إلى جنب مع دراسته ، ثم عمل معلما بعد تخرجه من دار المعلمين لسنوات قليلة

تمكن القصبجى من أصول العزف والتلحين وساعده ثقافته العامة فى طرق هذا المجال باقتدار وبدأ يعمل للفن ، ثم تركمهنة التدريس وتفرغ تماما للعمل الفنى ، وكانت أول أغنية له من نظمه وتلحينه ومطلعهاما ليش مليك في القلب غيرك ، وحينما طلبت منه شركة اسطونات تسجيل هذا اللحن للمطرب زكى مراد والد الفنانة ليلى مراد ، وكان أحد مشاهير المطربين ، بدأت رحلة المستقبل كما وصفه القصبجى المليْ بالأماني الكثيرة والألحان الساحرة ، فأصبح يقرأ الأشعار وكتب الأزجال ويقوم بتلحينها رغم عدم إذاعتها ، ويعرض إنتاجه على المنتجين ، ومن ما كتب ولحن أغنية يا قلبي ليه سركتذيعه للعيون والحب له في الناس أحكام

فى عام 1927 كون محمد القصبجى فرقته الموسيقية التى ضمت أبرع العازفين مثل محمد العقاد للقانون وأمير الكمان سامى الشوا وكان هو عازف العود فى الفرقة ، وبهذا الشكل كان له تخت محمد القصبجى ، لكنه لم يتوقف عند الشكل التقليدى فأضاف إلى فرقته آلة التشيلو وآلة الكونترباص وهما آلتان غربيتان
انتبهت إلى عبقريته شركات الاسطوانات فأقبلت على ألحانه لتسجيلها ، كما طلبها كبار المطربين والمطربات ، وعندما طلبت منه منيرة المهدية التلحين لها لحن لها بعض الأغاني والأوبريتات المسرحية ، وشجع ذلك الكثيرين غيرها على الغناء له فغنى له غير زكي مراد الشيخ سيد الصفتي وصالح عبد الحي

أهم محور فى حياة القصبجى هو تعرفه بأم كلثوم ، ولا شك أنه سعد أشد السعادة بهذا اللقاء إذ أنه أحس بأن صوت أم كلثوم يمكن أن يقدمه إلى الجمهور فى أبهى صورة ، وكان طموح القصبجى الفنى يجعله يبحث عن أفضل الأصوات التى يمكنها أداء ما يريده من تجديدات وإضافات إلى أساليب التلحين والغناء الشرقى ، وقد بدأ تعارف القصبجى وأم كلثوم عن طريق شركة أوديون التى كانت قد اشترت منه أغنية قال حلف ما يكلمنيش فطلبت منه تسجيلها بصوت أم كلثوم ، فبدأ القصبجى تدريب أم كلثوم على اللحن

ولا شك أن أم كلثوم أيضا سعدت بشدة للقاء القصبجى ، فقد أحست ، وصرحت له بشعورها ، بأنها قد عثرت على كنز ، وبدأت بينهما صداقة فنية متميزة ، وكان لها ليس فقط ملحنا ، بل استاذا ومعلما ، وبعد أولأغنية غنت له إن حالى فى هواها عجب ، مقام عجم ، ثم بدأت سلسلة من ألحان القصبجى لأم كلثوم بلغت حوالى 70 لحنا كان آخرها رق الحبيب من شعر أحمد رامى

يعتبر محمد القصبجي من الملحنين ذوى الإنتاج الغزير وتجاوزت ألحانه الألف لحن ، نال معظمها الشهرة والانتشار ، وغنى له أساطين الغناء مثل منيرة المهدية ، أم كلثوم ، أسمهان، وصالح عبدالحي

صاحب محمد القصبجى فى رحلته الفنية الشاعر أحمد رامى ، وكون الاثنان معا ثنائيا فنيا نادر الوجود ، وقد امتزجت ألحان القصبجى الحالمة بكلمات رامى الرقيقة فأطلقا أعذب الأغانى التى رقت لها الأسماع والمشاعر ، وأكمل صوت أم كلثوم الثالوث الفنى الذى ترك رصيدا من الإبداعات أصبحت من كنوز الشرق



خصائص فنـــــه
قدم الموسيقار محمد القصبجى أعمالا سابقة لعصرها فى الأسلوب والتكنيك ، وأضاف للموسيقى الشرقية ألوانا من الإيقاعات الجديدة والألحان سريعة الحركة والجمل اللحنية المنضبطة البعيدة عن الارتجال ، والتى تتطلب عازفين مهرة على دراية بأسرار العلوم الموسيقبة ، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقى
كل هذا أدى إلى ارتفاع مستوى الموسيقى والموسيقيين أيضا ، وبالإضافة إلى الأجواء الرومانسية الحالمة التى أجاد التحليق فيها اكتسبت ألحان القصبجى شهرة واسعة وجمهورا عريضا ويمكن القول بأنها حملت أم كلثوم إلى القمة
كانت أصوات أم كلثوم وفتحية أحمد وأسمهان بالنسبة إليه وسائط جيدة قدم من خلالها ما أراد للجمهور ، وقد ساهم هو فى صنع تلك الأسماء بلا شك
أما موسيقاه التى لم تقترن بأصوات كمقدمات الأغانى وما تخللها من مقاطع أو كمقطوعات موسيقية فقد جسدت مثالا لما يطمح إليه من تطوير وقد برع فى تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب للتنويع والابتكار
ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان ذكرياتى غير فيها القالب التركى القديم من ميزان السماعى إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذى تعود إليه الموسيقى فى النهاية ، وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع ، وفى النهاية مقطع شبيه باللونجا ، وتطلبت تكنيكا جديدا فى العزف وهى مقطوعة قلما لا يعرفها عازف عود أو كمان
وللقصبجى أسلوب فريد اتسم بالشاعرية وقد اختار لألحانه أفضل الكلمات وأرقها ، وقد اجتذب على الأخص جمهور المثقفين والطيقة المتوسطة التى كانت آخذة فى النمو فى ذلك الوقت
وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقى استخدم القصبجى آلات غربية مستحدثة على التخت الشرقى فأضاف صوت آلة لتشيللو الرخيم والكونترباص المستعملتين فى الأوركسترا الغربى من العائلة الوترية ذات الحجم الكبير ، وهذه الآلات لا تصاحب المغنى فى أدائه على عكس بقية أعضاء التخت ، وإنما تصدر نغمات مصاحبة فى منطقة الأصوات المنخفضة مما يعطى خلفية غنية للحن الأساسى ، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل فى الموسيقى الشرقية التى طالما اعتمدت على التخت الشرقى البسيط المكون عادة من العود والكمان والقانون والناى بالإضافة إلى آلة إيقاع
وهذه الإضافة تدلنا على أن محمد القصبجى كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد فى الموسيقى
كان محمد القصبجى صاحب مدرسة خاصة فى التلحين والعناء ولم يقلد أحدا في ألحانه ، وقد صنع فى ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة فكان بذلك مجددا ارتقى بالموسيقى الشرقية نحو عالم جديد ، واهتم كثيرا بالعنصر الموسيقى إلى جانب العنصر الغنائى فى أعماله
وكما هو الحال مع الرواد فإن ألحان القصبجى ما زالت تردد لليوم ، وكثير من أغانى القصبجى شائعة ومحبوبة لخفة ألحانها ورشاقتها وسهولة أدائها ، وقد لا تتعرف الأجيال الجديدة على اسماء الملحنين القدامى رغم تعرفها على أغانيهم ، لكننا هنا نلقى الضوء على أسمائهم وأعمالهم حتى تكتمل المعرفة ويرد الجميل إلى صاحبه ، ومن أشهر ألحان القصبجى يا بهجة العيدالسعيد ، مدام تحب بتنكر ليه ، ورق الحبيب لأم كلثوم ، وليت للبراق عينا وإمتى ح تعرف لأسمهان
أثبت محمد القصيجى قدرته على تغيير الفكر الموسيقى وأسلوب الأداء بما يجعل إضافاته أساسا بعد ذلك يأخذ به من بعده ، وسجل بذلك اسمه فى سجل الخمسة الكبار

القصبجى المعلـــم
بالإضافة إلى إنتاجه الفنى الرائع فقد كان علمه الموسيقى غزيرا ، وهو أستاذ لجيل آخر من موسيقيين وفنانين كبار أكملوا المسيرة الفنية فى القرن العشرين ووقد تعلم منه محمد عبد الوهاب ورياض السنباطى وام كلثوم وأسمهان وفريد ، خاصة تعلم العود ، وقد قدم القصبجى خدمة جليلة للفن الموسيقى العربى كأستاذ للموسيقى الشرقية وآلة العود بمعهد الموسيقى العربية ، فهناك تعلم على يديه فنانون كثيرون
وأشد المتأثرين بفن القصبجى من الملحنين اثنان هما رياض السنباطى وفريد الأطرش
وقد بدأ السنباطى حياته الفنية بحفظ وغناء ألحان القصبجى ، وعندما بدأ التلحين كان واضحا فى ألحانه انتمائه إلى تلك المدرسة التى نشأ فيها ، إلى درجة التشابه الشديد أحيانا فى الألحان ، ومن المعروف أن السنباطى من تلاميذ القصبجى فى العزف على العود
أما فريد الأطرش فلم يستطع الفكاك من مدرسة أستاذه ، والواقع أن أشهر معزوفاته وتقاسيمه على العود والتى اشتهرت فى سائر أنحاء الوطن العربى هى نسخ من تقاسيم محمد القصبجى الذى لم يكن يؤديها فى حفلات على الجمهور كما كان يفعل فريد ، بل إن ألحان فريد الأطرش والمعروفة بجمل لحنية معينة تكررت فى أغانيه مقتبسة من ألحان القصبجى ربما كما هى

القصبجى وأم كلثوم
بدأ محمد القصبجى التلحين لأم كلثوم عام 1924 بأغنية من نوع الطقطوقة هى قال إيه حلف ما يكلمنيش من مقام الراست ، لكن العلاقة بينهما لم تبدأ من فراغ ، فقد كان معلمها ومرشدها ، وتعلمت على يديه أصول المقامات والعود ، وكان هو الذي اقنعها بالتحول من الانشاد الديني إلى الغناء ، وبذلك يكون هو المكتشف الحقيقى لأم كلثوم
قدم محمد القصبجى أم كلثوم فى ما قارب 70 لحنا ، وهو بذلك يحتفظ بأطول قائمة من ألحان أم كلثوم بين جميع من لحنوا لها بعد رياض السنباطى ، ولولا توقفه عن التلحين لفترة طويلة لكنا استمعنا إلى روائع أخرى كثيرة ، ويندرج معظم ألحانه فى اللون العاطفى الرومانسى وغالبيتها من كلمات الشاعر أحمد رامى فارس الرومانسية الغنائية

من أشهر ما لحن محمد القصبجى لأم كلثوم
إن كنت اسامح مقام ماهور 1928
سكت والدمع اتكلم مقام حجاز كار كورد 1930
الشك يحيى الغرام مقام أثر كورد 1930
ما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940
يا صباح الخير مقام راست 1944
رق الحبيب مقام نهاوند 1944
ومن القصائد لأم كلثوم
أيها الفلك مقام نهاوند 1938
الزهر فى الروض مقام هزام 1940
ومن أغانى المناسبات
إن يغيب عن مصر سعد مقام نهاوند 1930
يا بهجة العيد مقام حجاز كار 1936
فى عام 1944 لحن محمد القصبجى رائعته رق الحبيب لأم كلثوم ونجحت نجاحا كبيرا ومازالت تلك الأغنية تتردد لليوم كأحد أفضل ما قدمته أم كلثوم ، ولا يزال المقطع الشهير من كتر شوقى سبقت عمرى يوحى للسامع حتى بعد مرور عشرات السنين بما قصد الشاعر تصويره وقد نجح القصبجى فى التعبير عن الصورة الشعرية بأفضل أسلوب ، وللأغنية مقدمة موسيقية متميزة هى من كلاسيكيات الموسيقى العربية
ويقال إن أم كلثوم قد طلبت من القصبجى الاقتصار على التلحين لها فقط والمقصود بذلك عدم قيامه بالتلحين لأسمهان فى ظل المنافسة المشتعلة بين المطربتين لكن القصبجى رفض طلب أم كلثوم ، ولم يكن يدرك بالطبع أن أسمهان سترحل عن الدنيا بعد قليل لكنه القدر ، توفيت اسمهان لكن أم كلثوم رفضت حينئذ الغناء من جديد للقصبجى ردا على موقفه ، وتوترت علاقتهما مما أدى إلى توقفه عن التلحين لها بعد ذلك ، وخسر الجمهور المزيد كنوز القصيجى وروائعه
ومع هذا فقد ظل ضيف شرف فى فرقة أم كلثوم الموسيقية كإسم كبير وعازف عود من الطراز الأول ، وكان يكفى وجوده فى الفرقة وظهوره باستمرار فى الصف الأول لإضافة قيمة كبيرة للفرقة ولما تقدمه ، بل وشرف كبير للملحنين الجدد الذين قاموا بالتلحين لأم كلثوم بعد ذلك فقد قام بأداء ألحانهم مع فرقة أم كلثوم وهذا فى حد ذاته مكسب كبير لأى ملحن بما يوحى به من اعتراف ضمنى بجودة اللحن وتمكن الملحن ، وقد استمر كذلك طيلة 22 عاما حتى توفى الموسيقار الكبير عام 1966

أســــمهان
بدأ محمد القصبجى التلحين لأسمهان عام 1933 فلحن لها عدة أغنيات منها كلمة يا نور العيون ، اسمع البلبل ، كنت الأمانى ، وأشهرها امتى ح تعرف
كان لأسمهان صوت صاف رقيق وذو إمكانيات عالية ورأى القصبجى فى صوت أسمهان وأدائها فرصة لتطوير الاغنية العربية بتطبيق قواعد الأداء الغربى المتطور مع الاحتفاظ بأسس الموسيقى العربية ومذاقها ، وقد ولاقت تجربته نجاحا كبيرا تألق معه نجم أسمهان
ويبدو أن رفض القصبجى لطلب ام كلثوم بوقف التلحين لاسمهان كان السبب في رفضها ان يلحن لها بعد رحيل اسمهان عام 1944
غير الأغانى لحن القصبجى أربعة أوبريتات هي المظلومة ، حرم المفتش ، كيد النساء وحياة النفوس
وقدمت ألحانه السينما المصرية فى العديد من الأفلام منها أفلام أم كلثوم ، أسمهان ، ليلى مراد ، إبراهيم حمودة ، عبد الغني السيد ، نور الهدى ، صباح ، وهدى سلطان، وسعد هؤلاء بألحانه التى ساهمت فى صنع أسمائهم ، وقد ضمت هذه الأفلام المئات من ألحان القصبجى المتميزة والمنتمية إلى مدرسته الحديثة الراقية ذات المستوى الرفيع

نقــد محمد القصبجى
رغم كل ما قدمه الموسيقار الراحل من جهد وفن فإنه كان باستطاعته تقديم أكثر مما قدم بكثير ، وهناك عدة أسباب جعلت أعماله تكمن فى نطاق محدود منها
 توقفه عن التلحين لقرابة عشرين عاما، وربما عاد هذا إلى أم كلثوم أكثر منه إلى القصبجى كما تقدم ووفاة أسمهان المفاجئة وهى فى سن الشباب ، وكان ينوى استثمار إمكانيات صوتها لأقصى حد
 عدم توغله كثيرا فى المنطقة الشعبية من الفن ، وقد يرجع هذا إلى تركيبة القصبجى النفسية والمزاجية الحالمة ، وإلى كونه موسيقيا أكاديميا بالدرجة الأولى
 الإقلال من القصائد وشعر الفصحى ، ولا شك أن هذا البعد قد أضفى الكثير من القيمة إلى فن من لحقوه كمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطى ولو أنه كان قد أكثر منها لأضاف إلى أعماله الكثير خاصة فى ظل قدراته وإمكانياته الفنية العظيمة ورقى فنه بشكل عام
 بعده عن المسرح الغنائى ، رغم أنه قد لحن للمسرح لكن ليس بقدر كبير ، وهذا مما يدعو للاستغراب حقيقة لأن إمكانيات محمد القصبجى الفنية الهائلة كانت تمكنه من خوض هذا المضمار بتمكن تام دون شك ، وربما أدى نجاح القصبجى فى الأغنية ووصوله إلى القمة من خلالها إلى تشجيع فنانين آخرين على الاقتصار على هذا النوع من الفنون الموسيقية كمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطى بينما استمر الشيخ زكريا فى تقديم عشرات من الأوبريتات المسرحية
غير أن هذه الانتقادات لا تنقص من قيمة أعمال محمد القصبجى بأى حال ، والأمثلة كثيرة
فبالنظر إلى سيد درويش وزكريا أحمد نجد أعمالهما قد بنيت أساسا على الموسيقى الشعبية المستوحاة من كلمات الأغانى التى كتبت معظمها بالعامية المصرية ، والقليل من الفصحى ، وقد استطاع كلاهما الوصول إلى أعلى الدرجات الفنية عن طريق استثمار الفن الشعبى ، وبينما كتب معظم أغانى القصبجى شاعر رقيق كأحمد رامى فقد اعتمد سيد درويش على كلمات بديع خيرى وهو أفضل من كتب ألأغانى الشعبية وهو الذى صور أغانى الطوائف فى تلك الصور الغـنية التى ألهبت خيال سيد درويش ، وأمير شعر العامية بيرم التونسى الذى كتب له نصوص أغانى الأوبريت الشهير شهرزاد ، كما اعتمد الشيخ زكريا أيضا كثيرا على أشعار بيرم الغنائية وكونا معا ثنائيا متجانسا فى الفن الشعبى استمر لسنوات عديدة
وعلى العكس فقد بنى رياض السنباطى مجده على تلحين القصائد والموضوعات الكلاسيكية ولم يلجأ إلى الفن الشعبى إلا فى حدود
ورغم أن توقف القصبجى عن التلحين بعد اختلافه مع أم كلثوم قد قصر من عمره الفنى إلا أن المستوى الفنى لا يقاس بالسنين ولا بكم الأعمال ، وتكفى الإشارة هنا إلى سيد درويش الذى استطاع تغيير موسيقى أمة بأكملها فى ست سنوات فقط هى كل عمره الفنى
أما بعد القصبجى عن المسرح الغنائى فربما يعزى إلى تراجع النشاط المسرحى عموما بعد إنشاء الإذاعة المصرية وظهور السينما فى أوائل الثلاثينات
الخلاصـــــة
وإذا أردنا تلخيص أثر الموسيقار محمد القصبجى على غيره من الفنانين فربما تكفى الإشارة إلى أنه كان معلم الجيل اللاحق من الرواد ، وأنه قدم للجمهور أم كلثوم وأسمهان ، ثم اجتهاد الموسيقيين الجدد بعد ذلك فى اتباع مدرسته فى التلحين والموسيقى ، ولا شك فى أن آثار الموسيقار محمد القصبجى قد بقيت فى موسيقاه كما استمرت فى موسيقى تلاميذه محدثة موجات متتالية من التطور ومكملة لصورة النهضة الموسيقية التى شهدها القرن العشرين
ويبقى رصيد الموسيقار الكبير شاهدا على نهضة حقيقية شهدتها فترة نشاطه ، كما تبقى القيمة الحقيقية لموسيقاه مقدرة كما هو الحال مع غيره من الرواد بمعيارين أساسيين أولهما أن الموسيقى أو اللحن يحتفظ بجماله وروعته حتى إذا نزعت منه الكلمات ، ومع الكلمات تبدو الألحان معبرة تماما عن مكنونات السطور والشعور ، وثانيهما أن موسيقاه حملت إضافات جديدة واستمرت تلك الإضافات كملامح أساسية فى الموسيقى بعد ذلك ، وبهذا يعتبر أحد المجددين فى الموسيقى العربية
وبعد ، هذه رحلة قصيرة داخل حياة وفن الموسيقار الكبير المبدع وصاحب مدرسة من أروع المدارس الموسيقية ، لكن فنه وجهاده وكذلك صبره وإخلاصه يحتاج تأملها إلى أكثر بكثير
منقول من ttp://arab-music.tripod.com (http://arab-music.tripod.com)

akadnan
08/02/2007, 08h17
http://www.alarabimag.com/arabi/data/2005/4/1/Media_68674.JPG محمد القصبجي
مزج بين اللون الغربي والفن الشرقي
القاهرة: نشوى الحوفي
على مقعده الخشبي رضي بالجلوس وراء «الست» محتضنا عوده لسنوات، مؤثرا أن يكون عضوا كباقي أعضاء فرقتها وهو الموسيقار الكبير، الذي أثرى الموسيقى العربية بالعديد من الأعمال التي كانت سببا في تطورها. هذا هو العملاق محمد القصبجي، الذي لحن لنجوم الطرب في عصره، بدءا من منيرة المهدية وصالح عبد الحي ونجاة علي، مرورا بليلى مراد وأسمهان، وانتهاء بكوكب الشرق أم كلثوم، التي عشق العزف على آلة العود في فرقتها ليظل بجوارها، حتى أنه عندما مات في نهاية الستينات ظلت «ثومة» محتفظة بمقعده خاليا خلفها على المسرح تقديرا لدوره ومشواره معها.
ولد محمد القصبجي في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 1892، وهو نفس العام الذي شهد مولد الفنان سيد درويش. وكان والده هو الشيخ علي إبراهيم القصبجي، الذي عُدَّ من أشهر منشدي ومقرئي حي عابدين في القاهرة. ليس هذا فقط، بل كان مولعا بالتلحين على آلة العود، التي كان عاشقا لها، ولهذا فقد غنى من ألحان الشيخ علي إبراهيم القصبجي كبار مطربي عصره من أمثال عبده الحامولي، وزكي مراد، والد المطربة ليلى مراد، وصالح عبد الحي، والشيخ يوسف المنيلاوي. وأصر الشيخ علي، على أن يعلم ابنه محمد فن التجويد الذي يعد الجامعة التي تخرج فيها كبار الملحنين في عالمنا العربي، وعلى رأسهم سيد درويش ومحمد عبد الوهاب. وقد تخرج الابن محمد القصبجي في مدرسة عثمان باشا بعد أن درس وحفظ القرآن على يد الشيخ المحلاوي. وفي المنزل تعلم القصبجي الصغير من والده فنون الموشحات والأناشيد الدينية والعزف على العود الذي صار أستاذا في فنونه، حتى أطلق عليه مؤرخو التراث الموسيقي «سيد عازفي العود» في القرن العشرين. وعلى الرغم من ممارسة والده للموسيقى الا انه عارض في البداية عمل ابنه في هذا المجال، وسعى كي يعمل في مهنة التدريس التي مارسها القصبجي على مضض لمدة عامين في الفترة من 1915 إلى 1917، فكان في الصباح معلما للجغرافيا والحساب وفي المساء عازفا للعود وملحنا. ولكنه لم يستطع مواصلة تلك الحياة المزدوجة كثيرا، حيث تفرغ للفن منذ عام 1917.
وعلى الرغم من الدور الذي لعبه محمد القصبجي في الموسيقى العربية بشهادة الموسيقيين انفسهم، الا انه لم يحتل المكانة التي يستحقها دون سبب واضح. البعض فسر هذا بتواضعه الشديد وعدم اهتمامه بتسليط الاضواء عليه بقدر رغبته في الارتقاء بالموسيقى إلى جانب حبه للعزلة وعدم امتلاكه صوتا جميلا، كما كان لدى زملائه من الملحنين مثل سيد درويش والسنباطي وزكريا أحمد. والبعض الآخر قال ان قبوله بأن يكون مجرد عواد في فرقة أم كلثوم رغم مكانته تلك كان سببا آخر في عدم تسليط الاضواء عليه والاهتمام بما قدمه الا بعد وفاته، حتى أنه كان مدرسة لكبار عباقرة الموسيقى الذين أضاءوا الحياة الفنية وأولهم منيرة المهدية «سلطانة الطرب» التي لحن لها العديد من الألحان الرائعة، وكذلك الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي رعاه فنيا لمدة خمس سنوات قبل ان يتبناه أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1924، وعبقري التلحين رياض السنباطي تتلمذ هو الآخر لسنوات على يد القصبجي. وكانت درة تلامذته «كوكب الشرق» أم كلثوم، التي ارتبط بها منذ مجيئها إلى القاهرة عام 1923 ومنحها مجموعة من أجمل الألحان، وظل مصاحبا لها في فرقتها حتى وفاته في مارس (آذار) من عام 1966، هذا غير ألحانه التي قدمها لباقي المطربين والمطربات من أمثال ليلى مراد وأسمهان وكارم محمود وغيرهم. ولا تقتصر أهمية القصبجي على التلحين لهؤلاء المطربين أو تعليم البعض الآخر منهم، ولكن يعود الفضل لمحمد القصبجي في تجديد الموسيقى العربية وتطويرها تماما كما فعل سلامة حجازي وسيد درويش. وهو ما تؤكد عليه الدكتورة رتيبة الحفني التي ألفت كتابا حمل اسم «محمد القصبجي..الموسيقي العاشق» وصدر عن دار الشروق في عام 2006 حيث تقول: «بدأ القصبجي منذ عام 1917 ومعه الموسيقار سلامة حجازي في تجديد نكهة الغناء العربي وإدخال التعبير عليه، وتطوير اللوازم الموسيقية وجعلها جزءا مهما في البناء الموسيقي لا يمكن الاستغناء عنها. ومع تأثره بالموسيقى الغربية أدخل الهارمونيا والبوليفيا على الموسيقى العربية دون تشويه لها وبما يتناسب معها. كما كان له الفضل في إرساء قواعد فن المونولوج العربي في الغناء والموسيقى وكان ذلك في العام 1928».
والمونولوج ليس هو الأغنية الساخرة التي تنتقد أوضاعا أو مواقف معينة كتلك التي غناها إسماعيل ياسين أو ثريا حلمي، ولكنه فن عرفته الموسيقى العربية منذ عام 1815 وهو مأخوذ من فن الاوبرا الايطالي، ويغني فيه المطرب أغنية قصيرة تعبر عن ملمح عاطفي تموج به مشاعره. ومن أشهر تلك المونولوجات مونولوج «إن كنت أسامح وأنسى الأسية» الذي تغنت به كوكب الشرق أم كلثوم. ومن أروع ما لحن القصبجي وعبر به عن عقليته الموسيقية المتطورة كانت أغنية «الطيور» التي غنتها أسمهان وهي قريبة من الاداء الاوبرالي بعض الشيء ولكنها عبرت عن الرؤية الموسيقية التي كان يمتلكها ذلك الموسيقار. ولتلك الاغنية قصة طريفة ترويها الدكتورة رتيبة الحفني التي تتلمذت على يد القصبجي في صغرها وعلمها العود فتقول: كان لدينا في المكتبة الموسيقية التي كنا نمتلكها في منزلنا مقطوعة موسيقية تحمل عنوان «غابات فيينا» للموسيقار يوهان شتراوس وكانت المطربة التي تغني تلك المقطوعة تقلد أصوات الطيور في نهايتها. وقد استمع القصبجي لهذه المقطوعة أكثر من مرة وأشاد بها وبفكرتها وتأثر بها فأمسك عوده ولحن لحنا مصريا صميما غنته أسمهان أدخل عليه تعدد الأصوات والتوزيع الموسيقي، مراعيا عدم الخروج باللحن من هوية موسيقانا العربية. فالقصبجي لم يقلد ولم ينقل ولكنه تأثر وطور وأبدع.
وعلى الرغم من تلحين القصبجي لعدد كبير من المطربات منذ ظهور موهبته في عالم التلحين، الا ان لقاءه بسيدة الغناء العربي يعد تطويرا في أدائه اللحني وبداية التجديد في الموسيقى العربية على حد وصف الدكتورة رتيبة الحفني التي ترى أن إجادة القصبجي وإبداعه الحقيقي لم يظهرا الا بعد لقائه بكوكب الشرق التي قالت عنه قبل وفاتها عند سؤالها عنه: «كان موسيقيا عالما سابقا لعصره بسنوات». ومن بين الدلائل التي تبين مكانة «قصب» كما كانت أم كلثوم تحب أن تناديه، أنها وبعد وفاته ظلت مدة بلا عازف عود، مفضلة الاحتفاظ بمقعده خلفها خاليا حتى اضطرت إلى الاستعانة بعازف العود عبد الفتاح صبري. فقصب لم يكن مجرد عازف عود ولكنه كان عالما فيه حتى انه كان يؤخذ برأيه في مواصفات صناعة العود الذي كان يوصي الا يزيد طول وتره عن 60 سنتيمترا. كما كان عاشقا لتلك الآلة التي كان يخشى ان ينشز بها وهو يعزف عليها وهو الاستاذ فيها.
وعلى الرغم من العلاقة القوية التي كانت تربط بين القصبجي وأم كلثوم الا ان البعض يرى ومن بينهم الباحث الموسيقي التونسي الدكتور محمد العلاني أن أم كلثوم كانت سببا في إقلاع القصبجي عن التلحين على مدار 22 سنة تقريبا، حين طالبته بعدم التلحين لأسمهان التي شعرت بمنافستها القوية لها في مجال الغناء، ولكنه رفض فرفضت هي الاخرى الغناء من ألحانه. وبعد وفاة أسمهان عام 1944 عرض القصبجي ألحانه على أم كلثوم فرفضت غناءها ردا على موقفه، فخشي هو أن يخسرها، ما دفعه إلى القبول بموقعه إلى جوارها كعازف عود في فرقتها حتى لو لم يلحن لها. المؤكد لدى الموسيقيين أن القصبجي هو احد مجددي التراث الموسيقي وبخاصة في مجال القصيدة التي ظلت راكدة، تقدم على نحو تقليدي حتى مجيء القصبجي الذي منحها الروح، حيث يرى أساتذة الموسيقى أن تلحين القصيدة قبل القصبجي كان يبدأ بمقدمة موسيقية مثل الدولاب الموسيقي الذي يكون من نفس مقام القصيدة. ولكن مع قدوم المبدع محمد القصبجي بدأ بتأليف مقدمات موسيقية بسيطة كمفتتح للقصيدة ليتنوع بعد ذلك لحنه وتبعه في ذلك غيره من الملحنين مما أدى الى ظهور مرحلة جديدة في أداء القصيدة ليضم التخت الشرقي بين عناصره الكمان والقانون والعود والناي والايقاع وقد وصل عدد القصائد التي لحنها القصبجي إلى 30 قصيدة. الا وانه ورغم إبداعه في هذا المجال، فقد جال القصبجي في جميع أنواع الموسيقى فلحن 4 مسرحيات غنائية من بينها «المظلومة»، و«نجمة الصباح»، كما لحن 13 دورا و182 طقطوقة و43 مونولوجاً إلى جانب 91 أغنية تغنى بها عدد من المطربين فيما قدموه من أفلام بلغ عددها 38 فيلما. ولعل هذا الكم من الأعمال هو ما دفع بالدكتورة رتيبة الحفني إلى القول بتفرد موسيقى القصبجي عما سواها، وتضيف: «لا أجد مثلها في أعمال غيره من الملحنين. أجد فيها أصالة وثراء لحنيا وتلوينا موسيقيا. فمحمد القصبجي بحق يعتبر مدرسة موسيقية جديدة سابقة لعصرها».
وفي مارس من عام 1966 توفي محمد القصبجي الذي أثرى الموسيقى العربية في هدوء وبلا أي ضجة تاركا وراءه تراثا يخلد اسمه وفنه بعد أن وهب حياته للفن فقط دون زواج وبلا ابناء
جريدة الشرق الأوسط - الجمعـة 14 محـرم 1428 هـ 2 فبراير 2007 العدد 10293

صلاح صدقي
02/05/2007, 22h51
محمد القصبجي
ملحن وموسيقار وأحد أبرز رواد التجديد في الموسيقى العربية
ولد في 15/4/ 1892 بالقاهرة ، تخرج من مدرسة المعلمين كان يهوي الموسيقي منذ صغره . وكان يقوم بأداء الأدوار القديمة في الحفلات الساهرة وأصبح زميلا لمطربي هذا العهد أمثال ( علي عبد الهادي – زكي مراد – أحمد فريد –عبد اللطيف البنا – صالح عبد الحي).
وأول لحن له هو دور ( وطن جمالك فؤادي يهون عليك ينضام) من كلمات شاعر عصره الشيخ أحمد عاشور، ثم أنضم إلي تخت العقاد الكبير عازف القانون بعد أن أعجب به هو والمرحوم مصطفي بك رضا رئيس نادي الموسيقي الشرقية.في عام 1920 اتجه القصبجي اتجاها آخر في تلحين الطقاطيق ، والتي كتبها الشيخ يونس منها (بعد العشا – شال الحمام حط الحمام ) وفي 1923أستمع محمد القصبجي إلي السيدة أكلثوم وكانت تنشد قصائد في مدح الرسول وأعجب بها وفي عام 1924 لحن أول أغنية لأم كلثوم وهي ( آل إيه حلف مايكلمنيش ) وظل من ذلك اليوم يعاونها لآخر يوم في حياته، كما ينسب إليه فضل التجديد في المونولوج الغنائي بداية من " إن كنت اسامح وأنسى الآسية " إلي " رق الحبيب " غناء كوكب الشرق أم كلثوم. وقد كان في كل هذه الألحان وغيرها, وباعتراف أبرز الموسيقيين والنقاد, زعيم التجديد في الموسيقى المصرية.
قدم ألحانا للسينما وكان من أكثر الملحنين إنتاجا طوال 50 عاما وقدم للمسرح الغنائي الكثير .. قدم لمنيرة المهدية مسرحية "المظلومة " – "كيد النسا" –"حياة النفوس" –"حرم المفتش" كما قدم لنجيب الريحاني ثلاثة ألحان في أوبريت "نجمة الصباح".
و أيضا لحن الفصل الأول من "أوبرا عايدة" الذي غنته أم كلثوم في فيلمها عايدة في أوائل الأربعينات و كان محمد القصبجي يتطور ولكن في إطار المحافظة علي النغمة الشرقية الأصيلة .
تتلمذ علي يديه في العزف علي العود كل من : - رياض السنباطي – محمد عبد الوهاب – فريد الأطرش.
توفي في 25/3/1966
اعتبره كثيرون الموسيقي الأفضل متفوقاْ بذلك على أسماء أخرى كبرى كسيد درويش وعبد الوهاب
تواريخ
• عام 1892 ميلاد محمد القصبجى ، نفس العام الذى ولد فيه سيد درويش
• عام 1923 محمد عبد الوهاب يتعلم العود على يد محمد القصبجى
• عام 1924 أم كلثوم تغنى للقصبجى وأحمد رامى
• عام 1927 القصبجى يكون فرقته الموسيقية من أمهر العازفين
• عام 1928 أم كلثوم تقفز لقمة الغناء بألحان محمد القصبجى وأشهر أغنياتها إن كنت اسامح
• عام 1930 محمد القصبجى الملحن الأول لأم كلثوم
• عام 1933 أسمهان تغنى للقصبجى لأول مرة
• عام 1941 القصبجى يبدع لأم كلثوم أروع ألحانه رق الحبيب

خصائص فنـــــه
قدم الموسيقار محمد القصبجى أعمالا سابقة لعصرها في الأسلوب والتكنيك ، وأضاف للموسيقى الشرقية ألوانا من الإيقاعات الجديدة والألحان سريعة الحركة والجمل اللحنية المنضبطة البعيدة عن الارتجال ، والتى تتطلب عازفين مهرة على دراية بأسرار العلوم الموسيقبة ، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقى
كل هذا أدى إلى ارتفاع مستوى الموسيقى والموسيقيين أيضا ، وبالإضافة إلى الأجواء الرومانسية الحالمة التى أجاد التحليق فيها اكتسبت ألحان القصبجى شهرة واسعة وجمهورا عريضا ويمكن القول بأنها حملت أم كلثوم إلى القمة
كانت أصوات أم كلثوم وفتحية أحمد وأسمهان بالنسبة إليه وسائط جيدة قدم من خلالها ما أراد للجمهور ، وقد ساهم هو في صنع تلك الأسماء بلا شك
أما موسيقاه التى لم تقترن بأصوات كمقدمات الأغانى وما تخللها من مقاطع أو كمقطوعات موسيقية فقد جسدت مثالا لما يطمح إليه من تطوير وقد برع في تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب للتنويع والابتكار
ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان ذكرياتى غير فيها القالب التركى القديم من ميزان السماعى إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذى تعود إليه الموسيقى في النهاية ، وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع ، وفى النهاية مقطع شبيه باللونجا ، وتطلبت تكنيكا جديدا في العزف وهى مقطوعة قلما لا يعرفها عازف عود أو كمان
وللقصبجى أسلوب فريد اتسم بالشاعرية وقد اختار لألحانه أفضل الكلمات وأرقها ، وقد اجتذب على الأخص جمهور المثقفين والطيقة المتوسطة التى كانت آخذة في النمو في ذلك الوقت
وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقى استخدم القصبجى آلات غربية مستحدثة على التخت الشرقى فأضاف صوت آلة لتشيللو الرخيم والكونترباص المستعملتين في الأوركسترا الغربى من العائلة الوترية ذات الحجم الكبير ، وهذه الآلات لا تصاحب المغنى في أدائه على عكس بقية أعضاء التخت ، وإنما تصدر نغمات مصاحبة في منطقة الأصوات المنخفضة مما يعطى خلفية غنية للحن الأساسى ، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل في الموسيقى الشرقية التى طالما اعتمدت على التخت الشرقى البسيط المكون عادة من العود والكمان والقانون والناى بالإضافة إلى آلة إيقاع
وهذه الإضافة تدلنا على أن محمد القصبجى كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد في الموسيقى
كان محمد القصبجى صاحب مدرسة خاصة في التلحين والعناء ولم يقلد أحدا في ألحانه ، وقد صنع في ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة فكان بذلك مجددا ارتقى بالموسيقى الشرقية نحو عالم جديد ، واهتم كثيرا بالعنصر الموسيقى إلى جانب العنصر الغنائى في أعماله
وكما هو الحال مع الرواد فإن ألحان القصبجى ما زالت تردد لليوم ، وكثير من أغانى القصبجى شائعة ومحبوبة لخفة ألحانها ورشاقتها وسهولة أدائها ، وقد لا تتعرف الأجيال الجديدة على اسماء الملحنين القدامى رغم تعرفها على أغانيهم ، لكننا هنا نلقى الضوء على أسمائهم وأعمالهم حتى تكتمل المعرفة ويرد الجميل إلى صاحبه ، ومن أشهر ألحان القصبجى يا بهجة العيد السعيد ، مدام تحب بتنكر ليه ، ورق الحبيب لأم كلثوم ، وليت للبراق عينا وإمتى ح تعرف لأسمهان
أثبت محمد القصيجى قدرته على تغيير الفكر الموسيقى وأسلوب الأداء بما يجعل إضافاته أساسا بعد ذلك يأخذ به من بعده ، وسجل بذلك اسمه في سجل الخمسة الكبار

أهل الصفا
05/05/2007, 18h07
على مقعده الخشبي رضي بالجلوس وراء «الست» محتضنا عوده لسنوات، مؤثرا أن يكون عضوا كباقي أعضاء فرقتها وهو الموسيقار الكبير، الذي أثرى الموسيقى العربية بالعديد من الأعمال التي كانت سببا في تطورها. هذا هو العملاق محمد القصبجي، الذي لحن لنجوم الطرب في عصره، بدءا من منيرة المهدية وصالح عبد الحي ونجاة علي، مرورا بليلى مراد وأسمهان، وانتهاء بكوكب الشرق أم كلثوم، التي عشق العزف على آلة العود في فرقتها ليظل بجوارها، حتى أنه عندما مات في نهاية الستينات ظلت «ثومة» محتفظة بمقعده خاليا خلفها على المسرح تقديرا لدوره ومشواره معها.
ولد محمد القصبجي في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 1892، وهو نفس العام الذي شهد مولد الفنان سيد درويش. وكان والده هو الشيخ علي إبراهيم القصبجي، الذي عُدَّ من أشهر منشدي ومقرئي حي عابدين في القاهرة. ليس هذا فقط، بل كان مولعا بالتلحين على آلة العود، التي كان عاشقا لها، ولهذا فقد غنى من ألحان الشيخ علي إبراهيم القصبجي كبار مطربي عصره من أمثال عبده الحامولي، وزكي مراد، والد المطربة ليلى مراد، وصالح عبد الحي، والشيخ يوسف المنيلاوي. وأصر الشيخ علي، على أن يعلم ابنه محمد فن التجويد الذي يعد الجامعة التي تخرج فيها كبار الملحنين في عالمنا العربي، وعلى رأسهم سيد درويش ومحمد عبد الوهاب. وقد تخرج الابن محمد القصبجي في مدرسة عثمان باشا بعد أن درس وحفظ القرآن على يد الشيخ المحلاوي. وفي المنزل تعلم القصبجي الصغير من والده فنون الموشحات والأناشيد الدينية والعزف على العود الذي صار أستاذا في فنونه، حتى أطلق عليه مؤرخو التراث الموسيقي «سيد عازفي العود» في القرن العشرين. وعلى الرغم من ممارسة والده للموسيقى الا انه عارض في البداية عمل ابنه في هذا المجال، وسعى كي يعمل في مهنة التدريس التي مارسها القصبجي على مضض لمدة عامين في الفترة من 1915 إلى 1917، فكان في الصباح معلما للجغرافيا والحساب وفي المساء عازفا للعود وملحنا. ولكنه لم يستطع مواصلة تلك الحياة المزدوجة كثيرا، حيث تفرغ للفن منذ عام 1917.
وعلى الرغم من الدور الذي لعبه محمد القصبجي في الموسيقى العربية بشهادة الموسيقيين انفسهم، الا انه لم يحتل المكانة التي يستحقها دون سبب واضح. البعض فسر هذا بتواضعه الشديد وعدم اهتمامه بتسليط الاضواء عليه بقدر رغبته في الارتقاء بالموسيقى إلى جانب حبه للعزلة وعدم امتلاكه صوتا جميلا، كما كان لدى زملائه من الملحنين مثل سيد درويش والسنباطي وزكريا أحمد. والبعض الآخر قال ان قبوله بأن يكون مجرد عواد في فرقة أم كلثوم رغم مكانته تلك كان سببا آخر في عدم تسليط الاضواء عليه والاهتمام بما قدمه الا بعد وفاته، حتى أنه كان مدرسة لكبار عباقرة الموسيقى الذين أضاءوا الحياة الفنية وأولهم منيرة المهدية «سلطانة الطرب» التي لحن لها العديد من الألحان الرائعة، وكذلك الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي رعاه فنيا لمدة خمس سنوات قبل ان يتبناه أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1924، وعبقري التلحين رياض السنباطي تتلمذ هو الآخر لسنوات على يد القصبجي. وكانت درة تلامذته «كوكب الشرق» أم كلثوم، التي ارتبط بها منذ مجيئها إلى القاهرة عام 1923 ومنحها مجموعة من أجمل الألحان، وظل مصاحبا لها في فرقتها حتى وفاته في مارس (آذار) من عام 1966، هذا غير ألحانه التي قدمها لباقي المطربين والمطربات من أمثال ليلى مراد وأسمهان وكارم محمود وغيرهم. ولا تقتصر أهمية القصبجي على التلحين لهؤلاء المطربين أو تعليم البعض الآخر منهم، ولكن يعود الفضل لمحمد القصبجي في تجديد الموسيقى العربية وتطويرها تماما كما فعل سلامة حجازي وسيد درويش. وهو ما تؤكد عليه الدكتورة رتيبة الحفني التي ألفت كتابا حمل اسم «محمد القصبجي..الموسيقي العاشق» وصدر عن دار الشروق في عام 2006 حيث تقول: «بدأ القصبجي منذ عام 1917 ومعه الموسيقار سلامة حجازي في تجديد نكهة الغناء العربي وإدخال التعبير عليه، وتطوير اللوازم الموسيقية وجعلها جزءا مهما في البناء الموسيقي لا يمكن الاستغناء عنها. ومع تأثره بالموسيقى الغربية أدخل الهارمونيا والبوليفيا على الموسيقى العربية دون تشويه لها وبما يتناسب معها. كما كان له الفضل في إرساء قواعد فن المونولوج العربي في الغناء والموسيقى وكان ذلك في العام 1928».
والمونولوج ليس هو الأغنية الساخرة التي تنتقد أوضاعا أو مواقف معينة كتلك التي غناها إسماعيل ياسين أو ثريا حلمي، ولكنه فن عرفته الموسيقى العربية منذ عام 1815 وهو مأخوذ من فن الاوبرا الايطالي، ويغني فيه المطرب أغنية قصيرة تعبر عن ملمح عاطفي تموج به مشاعره. ومن أشهر تلك المونولوجات مونولوج «إن كنت أسامح وأنسى الأسية» الذي تغنت به كوكب الشرق أم كلثوم. ومن أروع ما لحن القصبجي وعبر به عن عقليته الموسيقية المتطورة كانت أغنية «الطيور» التي غنتها أسمهان وهي قريبة من الاداء الاوبرالي بعض الشيء ولكنها عبرت عن الرؤية الموسيقية التي كان يمتلكها ذلك الموسيقار. ولتلك الاغنية قصة طريفة ترويها الدكتورة رتيبة الحفني التي تتلمذت على يد القصبجي في صغرها وعلمها العود فتقول: كان لدينا في المكتبة الموسيقية التي كنا نمتلكها في منزلنا مقطوعة موسيقية تحمل عنوان «غابات فيينا» للموسيقار يوهان شتراوس وكانت المطربة التي تغني تلك المقطوعة تقلد أصوات الطيور في نهايتها. وقد استمع القصبجي لهذه المقطوعة أكثر من مرة وأشاد بها وبفكرتها وتأثر بها فأمسك عوده ولحن لحنا مصريا صميما غنته أسمهان أدخل عليه تعدد الأصوات والتوزيع الموسيقي، مراعيا عدم الخروج باللحن من هوية موسيقانا العربية. فالقصبجي لم يقلد ولم ينقل ولكنه تأثر وطور وأبدع.
وعلى الرغم من تلحين القصبجي لعدد كبير من المطربات منذ ظهور موهبته في عالم التلحين، الا ان لقاءه بسيدة الغناء العربي يعد تطويرا في أدائه اللحني وبداية التجديد في الموسيقى العربية على حد وصف الدكتورة رتيبة الحفني التي ترى أن إجادة القصبجي وإبداعه الحقيقي لم يظهرا الا بعد لقائه بكوكب الشرق التي قالت عنه قبل وفاتها عند سؤالها عنه: «كان موسيقيا عالما سابقا لعصره بسنوات». ومن بين الدلائل التي تبين مكانة «قصب» كما كانت أم كلثوم تحب أن تناديه، أنها وبعد وفاته ظلت مدة بلا عازف عود، مفضلة الاحتفاظ بمقعده خلفها خاليا حتى اضطرت إلى الاستعانة بعازف العود عبد الفتاح صبري. فقصب لم يكن مجرد عازف عود ولكنه كان عالما فيه حتى انه كان يؤخذ برأيه في مواصفات صناعة العود الذي كان يوصي الا يزيد طول وتره عن 60 سنتيمترا. كما كان عاشقا لتلك الآلة التي كان يخشى ان ينشز بها وهو يعزف عليها وهو الاستاذ فيها.
وعلى الرغم من العلاقة القوية التي كانت تربط بين القصبجي وأم كلثوم الا ان البعض يرى ومن بينهم الباحث الموسيقي التونسي الدكتور محمد العلاني أن أم كلثوم كانت سببا في إقلاع القصبجي عن التلحين على مدار 22 سنة تقريبا، حين طالبته بعدم التلحين لأسمهان التي شعرت بمنافستها القوية لها في مجال الغناء، ولكنه رفض فرفضت هي الاخرى الغناء من ألحانه. وبعد وفاة أسمهان عام 1944 عرض القصبجي ألحانه على أم كلثوم فرفضت غناءها ردا على موقفه، فخشي هو أن يخسرها، ما دفعه إلى القبول بموقعه إلى جوارها كعازف عود في فرقتها حتى لو لم يلحن لها. المؤكد لدى الموسيقيين أن القصبجي هو احد مجددي التراث الموسيقي وبخاصة في مجال القصيدة التي ظلت راكدة، تقدم على نحو تقليدي حتى مجيء القصبجي الذي منحها الروح، حيث يرى أساتذة الموسيقى أن تلحين القصيدة قبل القصبجي كان يبدأ بمقدمة موسيقية مثل الدولاب الموسيقي الذي يكون من نفس مقام القصيدة. ولكن مع قدوم المبدع محمد القصبجي بدأ بتأليف مقدمات موسيقية بسيطة كمفتتح للقصيدة ليتنوع بعد ذلك لحنه وتبعه في ذلك غيره من الملحنين مما أدى الى ظهور مرحلة جديدة في أداء القصيدة ليضم التخت الشرقي بين عناصره الكمان والقانون والعود والناي والايقاع وقد وصل عدد القصائد التي لحنها القصبجي إلى 30 قصيدة. الا وانه ورغم إبداعه في هذا المجال، فقد جال القصبجي في جميع أنواع الموسيقى فلحن 4 مسرحيات غنائية من بينها «المظلومة»، و«نجمة الصباح»، كما لحن 13 دورا و182 طقطوقة و43 مونولوجاً إلى جانب 91 أغنية تغنى بها عدد من المطربين فيما قدموه من أفلام بلغ عددها 38 فيلما. ولعل هذا الكم من الأعمال هو ما دفع بالدكتورة رتيبة الحفني إلى القول بتفرد موسيقى القصبجي عما سواها، وتضيف: «لا أجد مثلها في أعمال غيره من الملحنين. أجد فيها أصالة وثراء لحنيا وتلوينا موسيقيا. فمحمد القصبجي بحق يعتبر مدرسة موسيقية جديدة سابقة لعصرها».
وفي مارس من عام 1966 توفي محمد القصبجي الذي أثرى الموسيقى العربية في هدوء وبلا أي ضجة تاركا وراءه تراثا يخلد اسمه وفنه بعد أن وهب حياته للفن فقط دون زواج وبلا ابناء.
نقلا عن جريده الشرق الأوسط الجمعـة 14 محـرم 1428 هـ 2 فبراير 2007 العدد 10293
إذا كانت هذه المحاور تسلَّطتء، وهي: إعادة تدوير كتابات سابقة (أو سرقتها دون إحالة هامشية)، والانطلاق من أفكار جاهزة (أو مسبقة رددها سابقون)، وإغفال التحليل الاجتماعي (أو غياب التاريخي والثقافي)، في مقالة كتبناها عن كتاب: محمد القصبجي الموسيقي العاشق، لرتيبة الحفني (دار الشروق-2006)، وإلحاقنا إياها بمزايا في الكتاب وجدناها: الأغنية السياسية، إعجاب داوود حسني بأعماله، ثقافته الموسيقية، فلا بد قبل نهاية هذه المقالة أن نضع محاور مسائل في نصابها تعويضاً عما افتقدته الفصول في قضاياها الإشكالية عن إثارة التساؤلات العلمية والنقدية دفعاً إلى تطوير وضع دراسات حولها، ومما استخرجته من هذا الكتاب، هي قضايا تشغلني سبق أن تناقشت حولها في حوارات صحفية مع الراحل توفيق الباشا، وصميم الشريف، وإلياس سحَّاب الذي تعدت مناقشاتنا إلى لقاءات حميمة اتسعت إلى أسرار ربما تتسرب يوماً عبر مقالات لاحقة.
رومانسية المدينة المؤجلة
درج على اعتبار الحالة الثقافية في قاهرة العشرينيات مرتعاً لثقافة العوالم وأدب التعريب،فلقد كانت الأصالة الإبداعية العربية تمر في فترة تحول بعد أن استنفد مشروع النهضة خارجها في تعثراته كامل قوى دفاعه أمام صدمات يتلقاها مرة باختياره، وأخرى مفاجئة له من العالم الآخر، وما كان عبء التراث الذي استند إلى عامودي: الذاكرة الشفوية والنظرة الاستشراقية إلا نذيراً بمأزق كبير بدا يتسع في علاقة العرب بتاريخهم ودورهم المنتظر، فمن اكتشاف القومية العربية وخلقها أثناء انهيار العصر العثماني، إلى مسارات التحديث الحيوية في مجالات الحياة الاقتصادية والتعليمية والعمرانية، وصراع القوى بين مستعمر وهوية أضعف من أن تواجه غير مدجج سوى بأدبيات الماضي وزوالاته المحتومة، فإن في عصر ثقافي اعتمد كلاسيكية مستحدثة شغفت في بقاعها المحلية، وفي إرهاص ولادة عصر آخر كشف الفجوة المعرفية والمستوى الثقافي والفقر الأدبي والفني في دورانه وتكراره قاد تلقائياً للخروج من عباءة الشيخ والقفطان، والذهنية الجماعية القاصرة نحو توق الفرد إلى خلاصه عبر أحلامه ورغباته، وإذا كان إبراهيم ناجي مع علي محمود طه قادا انقلاباً أبيض على أحمد شوقي وحافظ إبراهيم بمظلة التهيئة التي بذرها خليل مطران، بأن وضع حداً جمالياً وبلاغياً وأسلوبياً للقصيدة بين صورة تقدمها قصيدة مصر تتحدث عن نفسها لشوقي من جهة، وبين قصيدة الجندول لعلي محمود طه من جهة أخرى، فإن تراث غناء وموسيقى محمد عثمان وعبده الحمولي كان ينتظر هذا الانقلاب بين دور: يا ما انت واحشني (نهايات القرن التاسع عشر)، وما كان يهيِّئ له داوود حسني حين قدَّمه محمد القصبجي في مناجاة: إن كنت أسامح وأنسى الأسية - 1928، ثم تبعه محمد عبد الوهاب في رسم هذه الرومانسية التي تعلي من شأن الفرد وأحلامه ورغباته، وإن قادته إلى التفكير العلمي والتطور التقني وهذا ما قدمه محمد القصبجي في أغاني الأفلام والأسطوانات.
وقبل أن تصل هذه المرحلة التي انقلبت على المرحلة السابقة إلى استنفاد طاقاتها فإنها وضعت طريقاً ممهداً لمرحلة لاحقة، وهي مرحلة الحداثة بكل أطيافها المتعددة التي كان يمهد لها جيل كبير من مثل: فريد الأطرش وحليم الرومي ومحمد فوزي التي ستدفع بأسماء جديدة مثل: بليغ حمدي، ومحمد الموجي، وكمال الطويل حيث ستأخذ صوراً متعددة في الوطن العربي مثل الصورة التي رسمها الأخوان الرحباني مع توفيق الباشا وزكي ناصيف.
إن الدور الثقافي الذي قدَّمه القصبجي أو كان صورة عنه في تدشين المرحلة الرومانسية بأشعار أحمد رامي وكل جماعة أبولو، وكل الحناجر من رجالية ونسائية، ومثيله محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي مع جماعة أبولو: علي محمود طه، أحمد فتحي، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجي، لم يصل ذروته بل ترك بذوره لما بعدها من مرحلة عندما انتهى إلى إحباط وكوابيس ثقافية ربما عجلت لبعض الموت أو الصمت الطويل!، ولكن ربما كان استشعار مسبق إلى تهديد المدينة، مدينة القاهرة، وعالمها المندمج في تعدده العرقي والطائفي، وغزوها من قبل الجحافل الريفية وتطهيرها بالترحيل والتهميش العرقي والديني!
كسر ذهنية الأبوية
استطاع محمد القصبجي أن يترك مبدأ ممتازاً يكسر به سطوة عادات وتقاليد دارجة، وهذا المناخ الثقافي في تحولاته لم يكن بطلاً فيه وحده إلا لكونه رجلاً، فربما كان على علم بما فعلته المطربة الكبيرة ماري الجميلة (أو ماري جبران) التي قامت في عام 1925بتسجيل دور: يا ما انت واحشني، لمحمد عثمان كاسرة بدورها (المحرَّم الغنائي) على الحنجرة النسائية أن تغني الدور والموشح والقصيدة، وركنها على بوابة الطقطوقة مثلما كانت عليه توحيدة ونعيمة المصرية، وما قيام منيرة المهدية بالوقوف على المسرح إلا تعزيز لذلك من حيث دور المرأة المفترض على المسرح وقفة وتمثيلاً وغناءً، وربما كان لصالون الموسيقية والممثلة والمنتجة بهيجة حافظ دور كبير في كونه منتدى ثقافيا غير مألوف في قاهرة العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، حوارات ثقافية، ومناظرات موسيقية، وأدوار غنائية، ويعرف أن القصبجي تعاون معها في وضع الموسيقى التصويرية في ثالث فيلم أنتجته ومثلته: ليلى بنت الصحراء-1937، وقد لحن الاثنان سوياً قصيدة: ليت للبرَّاق عَيءناً، التي سجَّلت بحنجرة: حياة محمد، وإبراهيم حمودة ثم سجَّلتها أسمهان لاحقاً، وكان القصبجي يجتمع معها على عزف تقاسيم، هي على البيانو وهو على عوده، وكذلك عازف الكمان سامي الشوَّا وأحمد الحفناوي حيث أدارا خطط تسجيلاتهما الأولى من التقاسيم هناك، ودارت حوارات ونقاشات عنيفة حول تجديد الموسيقى، ومزايا موسيقى الشرق والغرب، كل هذا في صالون بهيجة حافظ الثقافي لا فيما انشغلت به الساحة الثقافية من غراميات صالون مي زيادة، ولا عنتريات صالون العقاد!
أسمهان وفينَّا الساحرتان
ويبقى الحديث عن عشق موسيقي سري بين زيارة أسمهان ل فينَّا خلال مطالع الثلاثينيات الميلادية، ودراستها عند مدام جيلان رطل اللبنانية في مدرسة القديس يوسف بالعباسية حيث تعلَّمت إلى جانب تدريبات وتمرينات الصوت، التدوين الموسيقي، والعزف على البيانو، فهي تحتفظ بآلة بيانو موقَّعة من ملك النمسا، كذلك العامل البارز هو ثقافتها الموسيقية الزاخرة، سواء العربية ما بين الإرث البدوي لجبل العرب- السويداء منازل عشيرتها آل أطرش، بقايا بني تنوخ المهاجرة، ولعلنا نذكر غناءها: يا ديرتي ما لك علينا لوم لزيد الأطرش، في فيلم: غرام وانتقام -1944، وإرثها الريفي- الجبلي اللبناني، خاصة في الموال البغدادي الذي تتقنه من المغني اللبناني إيلي بيضا، حيث بث أخوها فؤاد الأطرش تسجيلاً لأحد مواويله بصوتها في أحد لقاءاته الإذاعية خلال الستينيات، ولا ننسى تراث الغناء العربي الكلاسيكي بمنابعه التي اجتمعت في القاهرة من أعلامه: علي محمود، محمود صبح وداوود حسني، حيث كانت تجيد أداء قصيدة لعلي محمود: يا نسيم الصبح، وكذلك الثقافة الأوروبية حيث تكشف مغناة: ليالي الأنس في فينَّا، التي كتبها أحمد رامي بطلب منها في فيلم: غرام وانتقام -1944، غير مسألة زيارتها إلى عاصمة النمسا، بل كشفت أنها التقت مع القصبجي في الاهتمام الثقافي سماعاً لموسيقات الشعوب كالأوروبية، وربما التقاء الاثنين على حب الاستماع ومناقشة أعمال الموسيقي النمسوي يوهان شتراوس، صاحب فالس الدانوب الأزرق الشهير، فقد ذكرت رتيبة الحفني، بأن القصبجي استمع إلى فالس غابات فينَّا لشتراوس في منزلهم، وفي ختام هذا الفالس، على غير عادة، وضع استعراض صوتي لحنجرة المغنية إيرنا زاك حيث تحاكي صوت الطيور ما بينها وبين آلة الفلوت، وهي تشير ضمناً إلى أن هذا الفالس كان مشجِّعاً للقصبجي في استيحاء ذات الفكرة لختام لحنه الشهير: يا طيور، الذي تغنت به أسمهان، ولمَّا أتتء حنجرة لأن تكون بديلاً عنه، حيث وضع يوسف بدروس نصاً يمتد في موضوعه، من أغنية قصصية وضعها مدحت عاصم لأسمهان تدعى: الجنينة، متخذاً صورته الرمزية من الطيور توقاً إلى حرية في سجن ثقافة سلطان الأب وصوت الجماعة، والحريم!
ولعل أبعد من ذلك التنبه إلى لم يتيسر قبول وانسجام آذان وحناجر كل من أسمهان وليلى مراد إلى ثقافة مغايرة من خلال، على حد أقل، إيقاعاتها الوافدة والموفدة الأمريكية -اللاتينية: التانغو، والرومبا، والأوروبية: الفالس والباسودوبل إلا لمرونة واتساع ثقافتهما الموسيقية التي ربما أشعلت جذوة العمل الفني مع القصبجي فيما كانت إحراجاً حاداً لغيره من الملحنين!
فلم يكن هناك من ضير لا على أسمهان ولا القصبجي من الاعتراف بفضل تأثر ومثاقفة مع شتراوس بعملهما: يا طيور، إذ استثمر إمكانية صوتها مثلما هو اعترافهما بالشيخ علي محمود في عملهما: هل تيَّم البانُ ؟ حين غنت بروحه وإحساسه الواجد بلوعاته وهديله!
ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي تستخدم فيها أسمهان صوتها في استعراض من صوت الرأس كما هو متبع في غناء الأوبرا والآريات فيها، ولكن سبق أن أدت ذلك نهاية فالس: انتصار الشباب -1939، التي لحنها فريد الأطرش وغنيَّاها سوياً، ولم تقف عن ذلك بل تطورت به نحو حدود تطوير عميق وباطني لتقنيات الأداء والتعبير، ولعلنا نذكر ذلك في أسلوب بديع قلما يجود الزمن به، يا للعبارة العتيقة!، في مناجاة: أنا اللي أستاهل، من فيلم: غرام وانتقام-1944، في مقطع مهم جداً، خاصة، في عبارة: "يا قلبي"، لو تذكرناها:
"راح البريء مظلوم والذنب دا ذنبي/ فات لك شجون وهموم تشربها يا قلبي"
ولعل علاقة محمد القصبجي بأسمهان، وقبل ذلك معرفته بوالدتها المغنية والعازفة علياء المنذر، ولكونه صديق الأسرة، اتسعت إلى مشروع ثقافي مهم مع حنجرتها وشخصيتها، ولم يذكر أن فكرة زواج محتمل أشيع بينهما، ولم يكن في تعاونهما ما يوحي بين أب وابنته وهذا يمكن أن تنطوي عليه علاقة الأستاذ بالتلميذة بل إن قول فريد الأطرش بأنه: "لو قدر لأسمهان أن تبقى لكانت تشكل منافسة (أو تهديداً) لأم كلثوم بألحان محمد القصبجي"، ومن هي أم كلثوم هذه ؟.إنها حاجز الأبوية، وتقاليد سلب الحريم، وعادات الازدواج الثقافي. وأخيراً لا يسعني سوى شكر هذا الكتاب الذي بقدر ما كانت حالة تطُّلعي إلى قراءته وازتها حالة خيبة متأكد من أنها كانت حافزاً إلى إنجاز عمل دراسي عن قامة كبيرة اسمها محمد القصبجي، ليس لاشتراكنا في سلالة فلكية واحدة، وكذلك كيمياء الاندماج الفلكي نفسه مع أسمهان، وليس إغاظة في مهووسِيء أم كلثوم وزمرتها، وليس دكاً لأسوار الذهنية الأبوية، بل هو الوفاء لتلك الروح الإنسانية التي تتقد متوجباً علينا ألا تنطفئ قبل أن تصل من بعدنا!
نقلا عن جريدة الرياض اليومية
الأثنين 15 صَفر 1428هـ - 5 مارس 2007م - العدد 14133

samirazek
09/06/2007, 11h40
مأساة القصبجى مع ام كلثوم

بقلم : إلياس سحاب ... بتصرف

لم يكن دور محمد القصبجي في حياة أم كلثوم الأستاذ الثالث لها وحسب, لكنه مَنْ كوَّن لها الفرقة الموسيقية والمطّور لصوتها .. فماذا حدث؟
إن من يلم إلماما تاما وعميقا بكامل الرصيد الموسيقي لمحمد القصبجي - وعلى الأخص ذلك الجزء من رصيده الذي أنجزه من خلال صوت أم كلثوم في عقدين منالزمن (1925 - 1945), ويدرك تمامًا تفاصيل مسيرة التطور الهائل الذي حققه في تطوير الموسيقى العربية (بعد سيد درويش ومع محمد عبدالوهاب).

الأستاذ والتلميذة
يركز النقاد غالبًا, عندما يتحدثون عن الأساتذة الذين ساهموا في تكوين أساسيات الشخصية الفنية لأم كلثوم, على اسمين: والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي, الذي دربها على أصول الإنشاد الديني, والشيخ أبو العلا محمد, الذي دربها على أصول فن الغناء الكلاسيكي للقصيدة العربية, وهو الجسر التاريخي الذي سهللها الانتقال من الإنشاد الديني إلى الغناء الدنيوي.

فإذا وصل حديث النقاد إلى اسم محمد القصبجي, فإنهم غالبًا ما يكتفون بوضعه في خانة الملحنين الموهوبين الذين تعاملت معهم أم كلثوم, لا في خانة الأستاذ الثالث (وربما الأهم) في حياتها, الذي فتح أمام صوتها الأبواب المشرعة والآفاق الواسعة, ووضع كل عبقريته الموسيقية التجديدية في خدمة صوتها العبقري, لتستطيع بذلك الصمود في منافسة العبقرية التجديدية الأخرى الصاعدة كالصاروخ, في مجالي التجديد الغنائي والتجديد الموسيقي : محمدعبدالوهاب،خاصة في المرحلة التأسيسية الأولى, بين 1925 و1931

فقد ظل وحده طيلة خمس أو ست سنوات, يزود هذه الفرقة وحنجرة: أم كلثوم, بالألحان التجديدية الساحرة, خاصة في نوع المونولوج, الذي سمح لها (قبل الدخول في منافسةمتكافئة مع عبدالوهاب) الانتصار الكامل على منيرة المهدية وفتحية أحمد.
ومع أن زكريا أحمد قد دخل في العام 1931 ميدان الملحنين الأساسيين لأم كلثوم, بمزاج محافظ من الأدوار والطقاطيق, أغنت رصيد أم كلثوم (من قبل ظهور السنباطي في حياتها), بخط ثان محافظ لكنه يوازي خط القصبجي في عبقريته اللحنية.
بداية ظهورالسنباطي في حياة أم كلثوم كانت في مونولوج (النوم يداعب), وفي ثلاثةألحان له في فيلم نشيد الأمل (1936), ومن يستمع إلى هذه الألحان اليوم, يحسبها من تأليف محمد القصبجي, وهو أثر ظل واضحًا في أعمال السنباطي حتى أواخر الأربعينيات.

غير أن تطورًا فنيا وثقافيا صارخًا طرأ في مطلع الأربعينيات, واتخذ شكل الصدمة التي أدت إلى المأساة التي نحن بصددها.

إن خلاصة التجديد الهائل الذي أنجزه محمد القصبجي بين بداياته الأولى معأم كلثوم (إن حالي في هواها عجب, وإن كنت أسامح), ونهاياته في: ما دام تحب بتنكر ليه, ورق الحبيب, تؤكد أنه تجديد يستند إلى معادلة ثقافية فنية, دقيقة التوازن بين جذور القصبجي العميقة, في تربة المقامات العربية, وآفاقه الواسعة المفتونة بإنجازات الموسيقى الأوربية الكلاسيكية.

ولعل هذا التوازن وصل ذروة الإبداع والعبقرية (قبل رق الحبيب) في ألحان القصبجي في فيلم نشيد الأمل (منيت شبابي, ويا مجد) وفي مونولوجات مثل ياما ناديت, وفين العيون وسواهما.

وتؤكد الوقائع, مرة أخرى - وليس الاستنتاج النظري المجرد - أن ملامح فقدان التوازن بين التحديث والتغريب كانت تطل برأسها في بعض ألحان القصبجي, خاصة في لحنه الكبير لأسمهان (يا طيور) في مطلع الأربعينيات, أي في زمن انفجار مأساته مع أم كلثوم.

ولما تولى القصبجي والسنباطي تلحين أغنيات فيلم (عايدة), في العام 1942, أفلتت بوصلة التوازن بين التحديث والتغريب من أيدي القصبجي والسنباطي على حد سواء.
وذلك واضح عند الاستماع إلى المقطع الأوبرالي من فيلم عايدة, الذي لحنه السنباطي (والباقي تسجيله حتى اليوم), فما بالك بالمقطع الذي لحنه القصبجي, والذي يبدو أن أم كلثوم مسحت تسجيله? فلم يصل الينا

صدمة الفشل, وصدمة الغيرة
من الواضح أن جرعة التغرب الذي كان القصبجي مسئولا عن قيادة أم كلثوم إليه (ومعه االسنباطي) في فيلم عايدة, قد صدم (قبل أم كلثوم) آذان المستمع العربي, ففشل فيلم (عايدة) سينمائيا وغنائيًا

ويقول المتخصص في سيرة أم كلثوم, الأستاذ محفوظ عبدالرحمن (كاتب مسلسل أم كلثوم), في حديث هاتفي مطوّل بيني وبينه بهذا الشأن, إن أم كلثوم كانت لاتطيق الفشل, ولا تسمح باستمراره إذا ما زارها ذات يوم زيارة عابرة.

وقد جاء فشل فيلم (عايدة), متزامنا مع فشل آخر, لعل أم كلثوم اعتبرت القصبجي مسئولاً عنه, هو فشل أغنية (وقفت أودع حبيبي) في العام 1941 لصديق القصبجي الملحن اللبناني المقيم في مصر آنذاك فريد غصن, وكانت أم كلثوم قد قبلت اللحن, بعد أن قدمه القصبجي وألحّ عليها بقبوله.

أما الغيرة, فكان محورها النجاح الجماهيري, الذي بدأت تحصده حنجرتا أسمهان وليلى مراد.

فقد اندفع القصبجي, بثقته بنفسه كأستاذ, يحق له أن يضم إلى (مدرسته) تلامذة آخرين بعد أم كلثوم, ليزوّد حنجرتي أسمهان وليلى مراد - خاصة الأولى - بألحان عبقرية, جمعت بين الجرأة الكاملة في ارتياد آفاق التجديد, وبين الإقبال الجماهيري الكبير عليها.

عند هذا الحد تولد الصدام الكبير،فقد قررت أن تعامله, حتى نهاية حياته, بوتيرة غضبها الجارف, الذي انفجر في تلك اللحظة العابرة.


أما العبقري النادرفي تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة, محمد القصبجي, فقد أطلق صيحاتهالأخيرة, في ثلاثة ألحان لحنجرة ليلى مراد الرائعة (قلبي دليلي), في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه, و(يختي عليه), و(نعيمًا يا حبيبي) في فيلم (شاطئ الغرام), قبل أن يختم تعامله مع أم كلثوم إلى الأبد, بألحان عادية في فيلم فاطمة.

بعد ذلك, وحتى رحيل العبقري محمد القصبجي في 25/3/1966, فتحول إلى مجرد عازف للعود في الفرقة, يعزف وراء أم كلثوم حتى آخر يوم في حياته, يؤدي وراءها ألحان سواه من الملحنين الذين يحتل معظمهم مراتب أدنى من مرتبته في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة, وعزلته عن موقعه في قيادة فرقتها الموسيقية - الذي ظل يشغله عقدين من الزمن

خالد القثامي
23/07/2007, 03h41
الله يرحم القصبجي و أم كلثوم.....انقطاع أم كلثوم عن ألحان القصبجي لا يزال سرا!! فعلى الرغم من نجاح "رق الحبيب" عام 1946 و تكرار أم كلثوم لغنائها سنة 1952 و 1956 إلا أنها اكتفت بتلك الأغنية الطويلة!! و في نفس الوقت خاطرت بإعطاء بليغ حمدي الشاب الجديد عليها أعطته أغنية "طقطوقة" هي "إنت فين و الحب فين" مع أن الكل يعلم أن القصبجي كان ملك تلحين الطقطوقة كما كان السنباطي ملك تلحين القصيدة..........من سمع ألحان القصبجي مع أسمهان و ليلى مراد و سعاد محمد و نجاة علي و سعاد مكاوي و فايدة كامل و شهرزاد و نازك عرف أن أم كلثوم ضيّعت ثروة هائلة موسيقية بترك التعاون مع القصبجي........من الطرائف أن القصبجي كان يسمي محمد الموجي بـ"القصبجي الصغير" عندما قام هو نفسه بتقديمه لأم كلثوم بل حتى أم كلثوم في أخر لقاء معها قبل موتها قالت عن الموجي إنه امتداد للقصبجي كما سيد مكاوي امتداد لزكريا....
ثلاثة ظهروا في زمن واحد "تقريبا" و اجتمعوا في مكان واحد و اشتركوا في صوت واحد و هم القصبجي و زكريا و السنباطي مع أم كلثوم و مع ذلك احتفظ كل واحد من هؤلاء الثلاثة بطريقته الفريدة في التلحين الخاصة به و التي جعلتنا ما إن نسمع لحنا حتى نقول مباشرة هذا للسنباطي هذا لزكريا هذا للقصبجي و لعل هذا رسالة إلى ملحني هذا الوقت الذي انحدر فيه الغناء فبعد الطرب صار همّ الملحن الآن إخراج لحن ترقص عليه البنات في الفيديو كليب فقط و صارت الألحان ذات طابع واحد و نكهة مملة هي ترقيص الشباب فقط.........فهل نتعلم من أؤلئك الثلاثة الذين حافظوا على نكهاتهم اللحنية و تميزهم الموسيقي الخاص بكل واحد منهم؟!

لا أدري هل المؤرخ الموسيقي يعلم أن محمد القصبجي لم يترك التلحين إلا قبل وفاته بأربع سنوات تقريبا؟ و ذلك بسبب اعتلال صحته و ضعف يده التي كانت تضبط العود.............فعدم تعامل أم كلثوم مع القصبجي لم يقتل فيه الإبداع بل جعله يواصل ولعل ألحانه لسعاد محمد :"تحت الجفون" و "تغضبني و أصلحك" و "الله عالحب" و "الفن من فرحة أهله حالف ما ينام" و "يا سلام سلم على حبك" وغيرها و كذلك ألحانه لليلى مراد و نجاة علي مثل "الأوله حبيت" و "بتشاغلني" كلها روائع قصبجية لم يقتلها عقوق أم كلثوم

samirazek
07/08/2007, 07h57
لا أدري هل المؤرخ الموسيقي يعلم أن محمد القصبجي لم يترك التلحين إلا قبل وفاته بأربع سنوات تقريبا؟ و ذلك بسبب اعتلال صحته و ضعف يده التي كانت تضبط العود.............فعدم تعامل أم كلثوم مع القصبجي لم يقتل فيه الإبداع بل جعله يواصل ولعل ألحانه لسعاد محمد :"تحت الجفون" و "تغضبني و أصلحك" و "الله عالحب" و "الفن من فرحة أهله حالف ما ينام" و "يا سلام سلم على حبك" وغيرها و كذلك ألحانه لليلى مراد و نجاة علي مثل "الأوله حبيت" و "بتشاغلني" كلها روائع قصبجية لم يقتلها عقوق أم كلثوم
الأخ خالداتفق تماما معك على هذا الراى . ويتوافق رأيانامع مقال حول ذت الموضوع نشر بالأهرام اليوم...
القصبجي مرة أخري
بقلم إبراهيم أصلان

http://www.ahram.org.eg/archive/2007/8/7/sssibrass1.jpgما ولنا مع الدكتورة رتيبة الحفني وكتابها الممتع عن الموسيقي الرائد محمد القصبجي‏,‏ وما يتعلق بعلاقته الغريبة مع أم كلثوم‏.‏

لقد دأبت أم كلثوم‏,‏ كما رأينا‏,‏ علي رفض ما يلحنه لها‏,‏ تعطيه الكلمات وبعدما ينتهي منها تسحبها منه وتعطيها لغيره ليعيدوا تلحينها‏,‏هي ترفض‏,‏ وهو يصر علي العودة إلي مكانته كملحن لها‏,‏ وبسبب من تكرار المحاولة والفشل فقد ثقته في نفسه تماما‏.‏ وتتساءل الدكتورة الأريبة قائلة إيهما كان السبب وأيهما كان النتيجة؟‏:‏ هل عزوف أم كلثوم عن ألحانه كان بسبب نضوب هذه الألحان‏,‏ أم أن عزوفها هو الذي أدي إلي نضوب هذه الألحان؟‏.‏

الغريب أنه طوال هذا الرفض من أم كلثوم كنا نستمع إلي روائع من ألحانه بأصوات مطربات اخريات من أمثال ليلي مراد وسعاد محمد وغيرهما‏.‏

ثم إن المعاملة السيئة لم تتوقف عند هذا الحد تبعد أن استسلم لقدره واستمر في العمل كرئيس لفرقتها الموسيقية يتقاضي عن كل حفلة عشرين جنيها‏,‏ هذه الرئاسة لم تدم له حيث أدعت أم كلثوم أنه غير قادر علي قيادة الاتها الموسيقية لأنه مصاب ببلبلة تجعله ينسي بعض اللزم والجمل اللحنية فترتبك علي أثرها‏.‏

يقول المؤرخ الموسيقي محمود كامل إنه زار القصبجي في بيته ووجده غاية في الحزن‏,‏ ولما سأله عن سر حزنه قال وهو يبكي إن أم كلثوم طلبت منه أن يجلس في البيت‏,‏ وهي سوف ترسل له أجره عن كل حفلة‏,‏ وعندما سأله عن رأيه قال‏:‏ أنا مش ممكن أقعد في البيت‏,‏ أنا حافضل اشتغل معاها لغاية ما أموت‏.‏

هكذا بعدما صعد إلي قمة النجاح والشهرة تدحرج إلي السفح وعجز عن الصعود مرة أخري‏,‏ وخسر فن الغناء العربي عشرين عاما كان القصبجي قادرا فيها علي أن يملأها بالإنتاج الغزير‏.‏ مع كل ذلك استمر يعمل‏,‏ بكل تاريخه مجرد عازف في فرقتها قابلا بالوضع غير اللائق كي لا ينقطع مورد رزقه الوحيد‏.‏ وتعلق الكاتبة قائلة إنه كان عاشقا لها وهي الأقرب إلي قلب‏.‏ وكثيرا ما كنا نري أم كلثوم والقصبجي يسيران في الشارع جنبا إلي جنب‏,‏ ويتأبط أحدهما ذراع الآخر‏,‏ كان ملازما لها في كل مشاويرها‏,‏ عارف كل أسرارها‏,‏ فهو استاذها‏,‏ وهو الذي أخذ بيدها في مستهل حياتها الفنية‏,‏ كما يعتبر هو من قدم لها ألوانا غير مألوفة من الغناء‏,‏ والشيء الغريب أن أم كلثوم كانت طلبت منه الاحتفاظ بأسرارها‏,‏ وعدم البوح بها إلا بعد وفاتها غير أنه مات قبلها‏,‏ وهكذا ضاع الكثير من دقائق حياة أم كلثوم التي كان بالامكان الوقوف عليها‏.‏

كان هو عاشقا لها إذن‏,‏ في الوقت الذي يقول فيه رامي عن أم كلثوم إنها كانت عاشقة لذاتها‏:‏ كان القصبجي مظلوما جدا في حبه لها‏,‏ عاش بقية حياته علي أمجاد رائعته رق الحبيب‏,‏ وعندما لمست أم كثلوم هذه الجزئية وشعرت أنه أفرغ ما عنده ولا يحمل المزيد احتمت بالسنباطي‏.‏ فقد كانت ثومة عاشقة لذاتها قبل أي شئ آخر‏.‏

لقد استسلم لليأس وهو الباب الذي دخل منه المرض إليه‏,‏ اصابته الذبحة وقرحة الامعاء والصداع الدائم وفي آخرياته لم يكن يغادر بيته خشية أن يغمي عليه في الطريق‏,‏ مع ذلك لم يتخلف ابدا عن موعد حفلاتها يراه الجمهور جاثيا بعوده إلي يسارها صامتا واجما‏,‏ لا يبدو علي وجهة تعبير الالم أو السرور كأنه لا يشعر بما يجري حوله‏,‏ لم يعد للقصبجي دور فهو إذا شاء هز أوتار عوده متابعا أم كلثوم وإذا شاء ترك هذه الأوتار صامتة‏,‏ وفي الحالتين لا تعاتبه هي ولا تكلفة ما لا طاقة له به‏.‏

لقد قيل مرة‏,‏ وما الأسد إلا مجمل الخراف التي التهمها والسيدة أم كلثوم كانت أسدا‏.‏
مع الاعتذار للأسد طبعا‏.‏

عاشق لطفي
07/08/2007, 13h48
شكرا لك أخي الكريم على النقل ....

بخصوص العبقري الكبير محمد القصبجي .
انا اعتقد ان سبب اسمراره عازفا للعود في فرقة ام كلثوم كان بسسب أسمهان . كيف ؟

القصبجي حينما رأي ان أم كلثوم بدأت تتمرد عليه ... اتجه الى الصوت الجمل والاوقوى والاوسع وهو صوت الاميرة أسمهان وقدم لها اللحن المعجزة ( يا طيور ) الذي اذهل به جميع المهتمين في مصر والعالم العربي .
وبعد نجاح هذا اللحن ... اقتنع انه وجد الصوت ذي الامكانات اللامحدودة والذي يمكنه به ( اي بالصوت ) ان يحلق عاليا ويجدد ويجرب جملا لحنية لم يسبق أن جربها ... وحينما بدأ بتنفيذ مشروعه رحلت الاميرة امال الاطرش عام 1944 ورحل معها حلم القصبجي في اخراج ما في جعبته من كنوز وعبقرية ... وملاحطتي الشخصية هي ان القصبجي بعد هذا التاريخ فقد الامل في كل شيء ... بل واحسب انه فقد متعة الحياة ... فذاب كل ما عنده من عبقرية واكتفى بالحان تقليدية لعدد من المطربات ... بالاضافة الى احتضان عوده العزيز على قلبه وصدره خلف ام كلثوم ....
اتمنى ان تكون فكرتي قد وضحت ... ورأي قابل للنقاش .

أشكرك مرة أخرى اخي الفاضل على نقلك القيم ....

وتثبل تحياتي......[/SIZE]

خالد القثامي
08/08/2007, 09h34
ليسمح لي الأخ عاشق لطفي بأن أختلف معه!

فالقصبجي واصل إبداعه مع غير أم كلثوم فقد استمر بعد أسمهان ومن الظلم وصف عبقريته بأنها انطفأت بعد أسمهان فهو قبل أسمهان كان مبدعا و بعدها أيضا ولعلك تشاهد فيلم "ليلى في الظلام" من بطولة ليلى مراد و هو في عام 1942 تقريبا والأغاني من ألحان القصبجي وكانت غالبيتها جميلة جدا و فيها تجديد و قدرة من القصبجي في طرق جميع ألوان الغناء............و في فيلم "شاطئ الغرام" لليلى مراد أيضا لحن لها ثلاث طقاطيق هي "ياختي عليه" و "نعيما" و "أروح لمين" من روائعه اللحنية...........و أيضا الألحان التي أعطاها لسعاد محمد و شهرزاد و نازك و سعاد مكاوي و نجاة علي و هدى سلطان و صباح و نور الهدى و عبد المطلب و غيرهم كثيرون و بإمكانك سماعها في صفحات أولئك المطربين و تلك الألحان بعضها قبل أسمهان و بعد أسمهان بل حتى عام 1960 مثل "الله عالحب" لسعاد محمد...........و لأكن صريحا أم كلثوم هي التي أضاعت هذه الثروة اللحنية القصبجية في مقابل تعلقها الشديد بزكريا أحمد حتى إنها كانت تصف زكريا بـ"الأسطورة" و هذه مبالغة!!
فزكريا له ألحان جميلة إلا أنني شخصيا وهو رأيي الشخصي أرى أن القصبجي أروع من زكريا لآن القصبجي لحن ألحانا طرقت ألوانا مختلفة من الغناء و كان فيها تجديدا و سرعة في الإيقاع على عكس زكريا الذي استمر تقريبا على الرتابة اللحنية

معلومة مهمة:
القصبجي كان يعزف مع أم كلثوم!

فريد الأطرش كان يعزف مع أسمهان!

رياض السنباطي كان يعزف في بداياته مع نجاة علي!

عاشق لطفي
08/08/2007, 11h00
اخي خالد القثامي ....

كلامك اقنعني وأشكرك لسعة صدرك وتوضيح ما أشكل علي وقد استمعت للاغتيلا التي ضربت بها الامثلة ووجدت فعلا ان ما قلته كان صحيحا ..... ولكن اسمحلي ان اظل على رأيي بخصوص ان القصبجي قد بلغ القمة مع اسمهان .....

بخصوص ام كلثوم وزكريا ..... انا اعتقد جازما ان سبب اصرارها على الشيخ زكريا هو لمجرد التسلط واظهار العضلات امام الموسيقار العاشق لها .... وهذا من اهم اسباب بقائها (ذليلا موسيقيا) خلفها ...
ايضا .... لا يمكننا اغفال ذكاء ام كلثوم في التتنويع في الملحنين او بالاحرى انتهجت أسلوب افتح اكثر من باب كي لا تغلق جميعها , بمعنى انها حينما تشبعت من مدرسة القصبجي الذي أغدق عليها من الالحان والتعليم والمسامرة حتى اصبحت ما اصبحت من الفهم والوعي الموسيقي احست ان لا جديد لديه ولكن كونه استاذها الثاني في الموسيقى لم تستطع ان تبعده تماما لذا بدأت تتعامل مع غيره من الملحنين ..
اود أن أضيف ايضا .. ان ام كلثوم تعلم تماما من هو محمد علي القصبجي الحلبي في مجال الفن والموسيقى .. فهي لا تريد ان تخسره أيضا لذلك ابقت على شعرة معاوية حتى منتصف الخمسينيات الميلادية حينما كبر واصبح يرتعش مما اثر على يده في عزف العود وهو من اباطرة العزف على العود وهو - في نظري- افضل من ضرب على العود بعد رياض السنباطي في القرن العشرين ...

وتبقى بصمة القصبجي واضحة في سيرة وحياة ام كلثوم ,.....

شكرا لك اخي خالد واتمنى قبول وجهة نظري

خالد القثامي
30/08/2007, 06h23
في صورة جنازة زكريا أحمد: بديع خيري عن شمال القصبجي و محمود كامل عن يمينه


http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=90710&stc=1&d=1210741466

2-قصيدة أحمد رامي في رثاء القصبجي
http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=90711&stc=1&d=1210741695

http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=90712&stc=1&d=1210741695
3-رسالة من القصبجي إلى صديقه محمود كامل "الذي ألف عن القصبجي كتابا فيما بعد"
http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=90713&stc=1&d=1210741695

نوري
15/09/2007, 23h46
اقول لكم جميعا..
القصبجي اعظم مما يوصف رجل الموسيقى العربي الذي اخرج الموسيقى العربية من محتواها التقليدي في الايقاع ،وفي استعمال الآلات الموسيقية ،القصبجي هو من حفر ونحت وطور ووجهه في صوت ام كلثوم ،ثم وصل الى قناعات ان صوت ام كلثوم لم يعد يناسبه خصوصا بعد ان لحن لها بعض الملحنين الذين اقتصر لحنهم على امتدادات بسيطة ومقامات موسيقية حصرت صوتها في ادآءت معينة،بعدها قرر القصبجي البحث عن صوت آخر طبعا بعدما وصل القصبجي الى منظومة وعي متكاملة حول توجيه الحانه وطرق جديدة في صنع اللحن، بعدها اكتشف اسمهان وآمن انه اللحن الذي يلبي رغباته هذا اللحن الذي ظل يبحث عنه لزمن طويل لكنه لم يكن يهتم لأحد وليست لديه مأساه مع انثى او مغنية ما لأنه ببساطه هو من صنع ام كلثوم او اسمهان او ليلى مراد او او او..الخ، هذا الرجل الم تلاحظون طريقة عزفه وهو لا يعبئه لشيء عظمة مثل عظمة القصبجي لا يمكن ان يذلها احد هو في عالم مطلق من السيمفونيات العظيمة اسمعو تقاسيم القصبجي يعزف لمدة 43 ثلاثة وارعون دقيقة في آخر عشر دقائق لا تتوقف يداه ويعزف بمقامات خطيرة جدا وعمره سيكون 70 لايقل عن سبعون سنه ،هل سيعني هذا ان القصبجي سينكسر امام مطربة او هل سيكسره شيء هل سيكسر هذا العجيب شياء ما.
لم اعد اعرف؟؟؟

reza_neikrav
22/11/2007, 07h11
محمد القصبجي: الطرب في أحواله القصوى
يعتبر الموسيقي محمد القصبجي (1892 - 1966) ظاهرة فريدة في الموسيقى العربية، فقد كان صاحب مدرسة مجددة، استحدثت ثورة في عالم النغم. استطاع بألحانه نقل الغناء من "الطرب الخالص" الى "الطرب المعبر". وكان رائدا ومبدعا، تسابق عليه نجوم الغناء والشعر في عصره، وترك تراثا فنيا لا يزال مؤثراً في تشكيل الثقافة العربية. مع ذلك لم يأخذ حقه من الاهتمام في حياته أو بعد رحيله، على ما تقول المؤلفة المصرية رتيبة الحفني في كتابها "محمد القصبجي الموسيقي العاشق" (دار الشروق، القاهرة) الذي تتناول من خلاله سيرة هذا الفنان غير الاجتماعي وعلاقته بكبار الشعراء وملحني عصره، والمغنيات، من مثل منيرة المهدية وأم كلثوم واسمهان وليلى مراد. ترجع الحفني ما تراه تجاهلا للقصبجي إلى أسباب عدة منها شخصيته، إذ لم يكن اجتماعيا بل كان يميل إلى العزلة إضافة إلى عدم تمتعه بصوت جميل مثل زملائه الذين مارسوا الغناء والتلحين فزادت شهرتهم كمطربين أيضا، ومنهم سيد درويش ورياض السنباطي وزكريا أحمد.
حياة القصبجي اشبه برواية او فيلم سينمائي يضج بالمعاني ويعبر عن واقع مرحلة وشخصية فريدة في سلوكيتها. كانت والدة القصبجي تتمناه افنديا أنيقاً، يختال بين الشباب بالبدلة والطربوش، ويجيد اللغتين الانكليزية والفرنسية، اما والده علي إبراهيم القصبجي كان منشدا دينيا وقارئا للقرآن وعازفا على العود ويجيد كتابة النوتة الموسيقية، كما لحن بعض الأغاني لمطربين منهم عبده الحامولي وصالح عبد الحي ويوسف المنيلاوي، لكنه أراد إبعاد ابنه محمد عن عالم الموسيقى فاختار له تعليما دينيا ثم الحقه بمدرسة المعلمين حيث تأكد له أن الموسيقى اختياره وأنه يلقى استحسانا على أدائه، فشجعه وأهدى اليه عودا وعلّمه أصول التلحين عزفا وكتابة. عارض والده تفرغه للفن وسعى الى أن يعمل مدرّسا، لكن القصبجي ادعى خلال الكشف الطبي أنه لا يرى بوضوح، فرسب واستبعد. علم أبوه بحيلته فاتفق مع المسؤولين على إعادة الكشف الطبي حيث فشلت حيلته في ادعاء ضعف البصر، فعهد إليه عام 1915 تدريس اللغة العربية والحساب والجغرافيا والتاريخ. وجد القصبجي صيغة توفيقية، فكان في الصباح مدرّسا يرتدي الجبة والقفطان ويستبدل بهما البدلة والطربوش ليلا ليتفرغ لحياته الفنية، وظل كذلك حتى استقال عام 1917 وتفرغ للموسيقى.
عرف القصبجي بشقاوته وعلاقته العنيفة مع ابناء حارته، في الحي الذي سكن فيه، وفي شبابه انفصل عن السكن مع اسرته، واستأجر مسكنا صغيرا، في "حارة الكلاب" الفقيرة، المتفرعة عن شارع محمد علي، وكان لهذا الشارع شهرة كبيرة، اذ يسكنه اكبر عدد من الفنانين والعوالم، وصاحبات الاسماء الغريبة مثل "نعيمة شخلع" و"زوبة الكمسارية" و"انوس المصرية"، ومنه خرج ألمع فناني مصر، بينهم صالح عبد الحي، محمد حلمي، شكوكو، عمر حمزاوي، شفيق جلال، وعبد الحليم حافظ، الى جانب عدد من الممثلين والممثلات بينهم امينة رزق. اقتصر عمل القصبجي في تلك الايام على عزف العود ضمن تخت "العوالم" (بنات الهوى)، كلما طلب منه ذلك في الافراح والليالي. وكانت "عوالم" شارع محمد علي اكثر مغنيات ذلك العصر عملا ورزقا، فكانت الواحدة منهن تغني وترقص، لأن الرقص والغناء كانا متلازمين. من اللافت ان نقرأ عن "عوالم" هاتيك الايام، ففي ذلك شيء من السحر والحكاية، وخصوصا انها حكاية الجسد والموسيقى، اذا يشكلان ليلة من ليالي "الف ليلة وليلة".
تعتبر رتيبة الحفني أن القصبجي مدرسة موسيقية جديدة سابقة لعصرها، مشيرة إلى أنه رغم غيرته على الموسيقى الشرقية العربية وعلمه بنظريات الموسيقى، تأثر بألوان الموسيقى الغربية، موضحةً أن ألحان القصبجي خصوصا في أغانيه الأولى لأم كلثوم وبعض أغاني أسمهان لم تكن اقتباسا من الموسيقى الغربية "كما فعل غيره من الملحنين وإنما استعان فقط بنظرياتها وتقنياتها التي بنى عليها الكثير من الجمل الموسيقية في أغانيه". الى ذلك، لمع صوت اسمهان مع موسيقى القصبجي، الذي استطاع بذكائه ومعرفته، وضع هذه الفنانة في المكانة اللائقة بها. كان متفهما لإمكاناتها الصوتية، فلحّن لها ما تماشى مع لون صوتها. تتوقف المؤلفة أمام ميلاد لحن أغنية "الطيور" الذي وضعه لأسمهان، وفي هذه الاغنية جعل القصبجي صوت المطربة يظهر من خلال العرض الصوتي في قسم الاهات الذي اختتم به الاغنية، بإمكانات لم تكن مألوفة في الغناء العربي من قبل. بدأ الاغنية بمقدمة موسيقية تعبّر عن تحرك اسراب الطيور في اشكالها المختلفة، مستعينا بالسلّم "الكروماتي" صعودا، ما يعطي الايحاء بصعود الطيور الى اعلى الفضاء، مع زيادة في السرعة. ثم أدخل ايقاعا جديدا على المقدمة يوحي بحركة اجنحة الطيور، وفي ختام المقدمة مهّد اللحن للغناء بإعطاء المستمع إحساساً بأن الطيور تحطّ على الاشجار.

تبدأ الاغنية بعبارة "يا طيور"، بالمد وبحرف الواو، ترافقها لازمة موسيقية تتميز بالضغوط القوية على كل نغمة، توحي برد فعل الطيور للنداء. وتتوالى المقاطع الغنائية، وفيها نلاحظ تغيير القصبجي للموازين الموسيقية والايقاعات، عبر الانتقال بين المقامات، ليصوّر اطوار الطيور في فرحها وحبها وعذابها، ، مترجما معاني الكلمات، لتختتم اسمهان الاغنية بمحاكاة بين صوتها وآلة الكمان التي تعبر عن صوت الطير....
تأثر كثير من الملحنين بألحان القصبجي، من محمد عبد الوهاب الذي تعلم العزف وأسرار الموسيقى على يديه مرورا بالسنباطي "في ألحانه الأولى" وصولا إلى محمد الموجي الذي لحّن "نشيد الجلاء" لأم كلثوم عام 1954 ووصفه عبد الوهاب بأنه "لحن قصبجي طراز 1954". وتعتبر الحفني لقاء القصبجي وأم كلثوم بداية التجديد في الغناء العربي، إذ كان قبل ذلك عازفا ماهرا على آلة العود، ومع "ظهور هذا الصوت الفريد تغيّر مسار القصبجي الفني حيث تفرغ له فأجاد وأبدع". ويرجح ان تكون عدم شهرة القصبجي كملحن في بداياته، أدت إلى فشله في أن يقنع بألحانه مطربات تلك الفترة، مثل منيرة المهدية وتوحيدة، وهي اللبنانية لطيفة إلياس فخر التي غنّت له عام 1917 "الحب له في الناس أحكام" من مقام الزنجران، "ويعتبر القصبجي أول من استخدم هذا المقام. فسيد درويش لم يلحن "في شرع مين" من مقام الزنجران إلا بعدما استرعى انتباهه الدور الذي تغنت به توحيدة ولحنّه القصبجي". وبعده لمع اسم القصبجي ملحنا.
جارى القصبجي تياراً سادت فيه "الأغاني الشديدة الإسفاف والركاكة" حيث لحّن من تأليف محمد يونس القاضي وغناء أشهر المطربات منيرة المهدية الملقبة بـ"سلطانة الطرب" أغاني، منها "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة. انس اللي فات وتعال بات ليلة التلات"، و"والله زمان يا دلعي ما شفنا ليلة زي دي"، لكنه اتخذ طريقا آخر منذ لحّن لأم كلثوم مونولوغ "إن كنت أسامح" الذي بيع منه عام 1928 مليون نسخة حيث كان اللحن منعطفا تاريخيا ونقلة في التعبير عن المضمون، كما "غيّر وجه الأغنية والغناء عموما"، حتى أن الملحن داود حسني قال "لا يجوز أن يلحن مونولوغ ومحمد القصبجي موجود". أقنع القصبجي أم كلثوم بالانتقال من الإنشاد إلى الغناء بمصاحبة تخت، وأسس لها أول فرقة موسيقية ولم يفارقها منذ حفلتها الأولى عام 1926 حتى وفاته بعد أربعين عاما، مشيرة إلى فضله في تخليصها من الذبذبات الصوتية في أعمالها الأولى، "وكانت تحول دون تحديد النغمات الثابتة". وكانت أغنية "رق الحبيب" 1944 آخر ألحان القصبجي لها حيث رفضت غناء أي لحن له.
وتفسر الحفني رفض أم كلثوم في ضوء "رواسب قديمة تتعلق باهتمام القصبجي بصوت المطربة أسمهان التي كانت تعتبر منافسة لأم كلثوم في فترة ما والتي خصها بالكثير من ألحانه. واعتبرت أم كلثوم ابتعاد القصبجي عنها خلال هذه الفترة إهمالا وعدم اكثراث بمستقبلها. فقد كانت أسمهان سيدة جميلة جذابة محبوبة لدى الجميع تتمتع بصوت دافئ ومتمكن... وكان الملحنون يدركون موقف أم كلثوم من صوت أسمهان لذا أخذوا في الإقلال من التلحين لها عدا القصبجي.
اهتم بانتشار هذا الصوت فمدّه بروائعه"، حيث كان ثاني مكتشف لصوتها والملحن الثاني لها بعد فريد الأطرش. في تلك الفترة، قدّم أعمالا كثيرة لنور الهدى وصباح ورجاء عبده وسعاد محمد وهدى سلطان حيث لحّن 91 أغنية سينمائية في 38 فيلما، منها "أنا اللي أستاهل" و"امتى حتعرف امتى" لأسمهان و"يا صباح الخير يا للي معانا" لأم كلثوم و"نعيما يا حبيبي" و"بتبص لي كده ليه" و"قلبي دليلي" و"اضحك كركر" و"انت سعيدة" لليلى مراد.
تبدي رتيبة الحفني دهشتها من نهاية القصبجي كمجرد عازف وقبوله "هذا الوضع غير اللائق... صعد هذا الملحن الكبير من قمة النجاح والشهرة ثم تدحرج إلى السفح وعجز عن الصعود فخسر فن الغناء العربي عشرين عاما على الأقل كان القصبجي قادرا على أن يملأها بالإنتاج الغزير".
كتاب "محمد القصبجي الموسيقي العاشق"، وإن كتب على نحو سريع، يتضمن حصراً علمياً لجميع اعمال القصبجي الموسيقية الغنائية الغزيرة، مع التعريف بأعماله الفنية واثرها في الموسيقى العربية.
شوقي نجم
المصدر: النهار

hamorabib
26/03/2008, 07h35
محمد القصبجي... العبقري المظلوم؟
42 عاماً علـى رحيل محرّر الأغنية العربيّة
حين قدّمت ليلى مراد «أنا قلبي دليلي» عام 1948،علّق محمد فوزي أنّها «أغنية العام ألفين!». لكنّ ملحّنها مات في الظلّ، وبقيت أغنياته أشهر منه. عودة إلى الفنان الذي قارب التأليف السمفوني، وزاوج بين الكلاسيكيّة والتجديد
في الربع الأول من القرن العشرين، ظهر حاملاً شكلاً موسيقياً جديداً، بعدما تيقّن من أنّ المعرفة العلمية هي ما كان ينقص الموسيقى العربية. اطّلع على تجارب من سبقه، وألمّ بالموسيقى العالمية. حمل نفساً جديداً يتجلّى، بصوت أم كلثوم، في أغنية «إن كنت أسامح وأنسى الأسية» (1928) التي أجلست فنّ المونولوغ على عرش الثبات والتجدد، لتتخلص الأغنية العربية من شكلها التقليدي. هكذا صارت المقدمة الموسيقية المستوحاة من عالم الأغنية نفسه مدخلاً مهماً يمهد للمستمع الولوج إلى عالم الموسيقى وسحر الكلمات المغناة.إنّه محمد القصبجي (1892 ـ 1966) الظاهرة الموسيقية التي حرّرت الغناء العربي من قيد الأسلوب التقليدي، لينطلق إلى التعبير بالموسيقى قبل الكلمة. تحوّل هذا المبدع «الخجول» محفّزاً لأغلب معاصريه على اتباع المنهج العلمي في أعمالهم، ونبذ الاستسهال
والنمطية في البنية اللحنية. وفي هذا المناخ، ظهرت مواهب موسيقية نهضت بواقع الموسيقى العربية ومن ثم الأغنية، مثل محمد عبد الوهاب الذي تتلمذ على يد القصبجي وتعلم عنده العزف على العود، ودرس علوم الموسيقى لمدة خمس سنوات، ثم رياض السنباطي ومحمد الموجي ومحمد فوزي وغيرهم. تأثير القصبجي امتدّ إلى بلدان عربية أخرى، فطال زكي ناصيف وتوفيق الباشا. ويرى فيكتور سحاب، في كتابه «السبعة الكبار»، أنّ وجود معهد موسيقي في اسطنبول باسم محمد القصبجي، هو «اعترافٌ بخطورة هذا الفنان».
محمّد القصبجي الذي توفي في مثل هذا اليوم قبل 42 عاماً، تمتّع بفكر موسيقي سمفوني، لا يقرب الارتجال والجمل اللحنية المتداولة والبسيطة. واتخذ من دار الأوبرا المصرية مدرسةً له، حيث كانت الأعمال الأوبرالية والسمفونيات العالمية تساعده في فضح الأساليب البسيطة التي سادت عالم الأغنية العربية حينذاك. كما درس الموسيقى الغربية، وخصوصاً المرحلة «البوليفونية» التي تعتمد تعدد الأصوات الموسيقية، وعلى قمة هرمها يتربّع الألماني جان ــــ سيبستيان باخ (1685 ــــ 1750) الذي يعد تراثه خلاصة المدرسة البوليفونية من الناحية المدرسية والإبداعية، ثم المرحلة الكلاسيكية «الهارموني» التي تعتمد التوافق اللحني، وقد ظهرت وتطورت على يد النمساوي هايدن (1732 ــــ 1809)، لترسّخ أسلوباً جديداً في النسيج الموسيقي، وتحتل محل البوليفونيا.
ولم يفت القصبجي أن يحتك بعلوم الموسيقى الغربية، لا سيما في مجال الأوبرا وفنونها. وخير دليل على ذلك التماهي مع الموسيقية الغربية، أغنية «يا طيور» التي سمعها الجمهور بصوت أسمهان عام 1941، وتبدو مقدمتها الموسيقية كأنها مكتوبة بطابع سمفوني، لكنها ظلّت متمسكة بطابعها الموسيقي العربي في الوقت عينه.
ويعترف الموسيقار محمد عبد الوهاب بأنّ القصبجي كان سبّاقاً في استخدام الهارموني والبوليفوني، بأسلوب علمي صحيح... كما يعترف بأنه تأثر بما أنجزه القصبجي في مجال المونولوغ، ومنه جاءت أعماله «اللي يحب الجمال» و«الليل يطوّل عليّ» و«بلبل حيران» وغيرها.
هكذا صار محمد القصبجي أحد أهم الموسيقيين الذين طوّروا الأغنية العربية، هو الذي ينتمي إلى عائلة فنية موسيقية معروفة. فوالده الشيخ علي إبراهيم القصبجي، كان عواداً وملحناً غنى له عبده الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي وسيد الصفطي وصالح عبد الحي وزكي مراد (والد ليلى مراد) ومحمد السنباطي (والد رياض السنباطي)، وكان منشداً ومقرئاً معروفاً في حي عابدين. وعرف عنه أيضاً كتابة النوتة الموسيقية لكثير من الملحنين الذين عاصروه. وقد أحصى محمود كامل في كتابه «محمد القصبجي، حياته وأعماله» 360 أغنية من تأليفه... كما وضع للمسرح قرابة 35 لحناً موزعاً بين خمس مسرحيات هي «المظلومة»(1926)، و«حرم المفتش» (1926)، و«حياة النفوس» (1928)، و«كيد النساء» (1928)، و«نجمة الصبح» (1929). وله 91 أغنية وضعها لـ38 فيلماً سينمائياً، أغلبها ينتمي إلى الطقطوقة التي يأخذ طابعها الأدائي شكل الأوبريت. إذ كان معروفاً عن القصبجي أنه يستمد مادة الطقطوقة من أجواء المشاهد السينمائية.
لكنّ أعماله حظيت بشهرة لم يحظ بها هو شخصياً، وتلك ظاهرة غريبة، وخصوصاً إذا ما قارنّاها بما حظي به رفيقه الشيخ سيد درويش وزكريا أحمد، إضافة إلى شهرة الشاعر أحمد رامي التي تجاوزت بكثير شهرة القصبجي... وتزداد دهشتنا لدى المقارنة مع الشهرة التي كانت من نصيب تلميذه محمد عبد الوهاب. وقد عزا بعض النقاد تلك الظاهرة إلى أن القصبجي ابتعد عن أداء أغانيه بصوته، كما كان يفعل سيد درويش وزكريا أحمد أو عبد الوهاب. فمن منا لا يعرف أغنية «فرّق ما بينا ليه الزمان» و«ايمتى حترف ايمتى» و«يا طيور غني حبي» بصوت أسمهان؟ وأغنية «يا صباح الخير» أو «رق الحبيب» أو «يلي جفاك المنام» بصوت أم كلثوم؟ وتلك المداعبات الغنائية الجميلة بصوت ليلى مراد مثل «يا ريتني أنسى الحب» و«حبيت جمالك» و«أنا قلبي دليلي» التي سمعها الجمهور لأول مرة عام 1948. يومها، قال عنها محمد فوزي «إنّها أغنية العام ألفين!»، ظناً منه وهو يعايش تطور الأغنية العربية آنذاك بأنّ الموسيقى العربية والأغنية ستستمران بتجاربهما وتجددان فرسانهما.
ولا نبالغ إذا رأينا أنّ القصبجي لا يختلف كثيراً عن عمالقة الموسيقى الغربية الذين عملوا على تطوير موسيقى بلدانهم وموروثاتهم المحلية، بالاعتماد على دراسة تاريخ الموسيقى العالمية وتطويعه لخدمة موسيقاهم المحلية، من دون المساس بخصوصيتها. وهنا نشير إلى ما قاله الباحث الموسيقي اللبناني سليم سحاب في مقال له بعنوان «الموسيقى العربية والهارمونيا» نُشر عام 1995 في مجلة «الحياة الموسيقية» الصادرة في دمشق، إذ ذكر أنّ عباقرة الموسيقى الروسية مثل جلينكا وتشايكوفسكي ورخمانينوف وآخرون، ممن يمثّلون المدرسة القومية الروسية الكلاسيكية لدى استعمالهم الألحان الروسية الشعبية، أو لدى كتابتهم ألحاناً تحتوي على جميع خصائص الموسيقى الشعبية الروسية، لم يعالجوا هذه الألحان بالهارمونيا الكلاسيكية الأوروبية، بل أوجدوا لغة هارمونية جديدة تتلاءم مع «السلّم الموسيقي اللحني» للموسيقى الروسية. لذلك لم يضطر الموسيقيون الروس الكبار إلى تغيير التركيب الميلودي للألحان الشعبية الروسية التي استعملوها في أعمالهم.
وبعدما عاد جلينكا، مؤسس المدرسة الموسيقية الروسية القومية الكلاسيكية من دراسته في إيطاليا وألمانيا، وكتب سمفونيته «تاراس بولبا» ــــ وهي السمفونية الروسية الأولى ــــ على أساس ألحان شعبية روسية جمعها لهذا الهدف، مزّق سمفونيته بعدما وجد أن الهارمونيا الكلاسيكية الأوروبية التي استعملها لم تنسجم مع الألحان الروسية الشعبية التي عالجها. كما لم يتقيد شوبان، عبقري الهارمونيا، بالوظيفة الهارمونية الكلاسيكية في معالجة الألحان الشعبية البولونية التي استعملها في موسيقاه. أما اللغة الهارمونية الجديدة لمعالجة المادة الموسيقية ذات الطابع اللحني، فبلغت ذروتها في الموسيقى الروسية مع موسورجسكي... وقد لفتت لغته الهارمونية الجديدة نظر أهم موسيقيي فرنسا المخضرمين كلود دوبوسي الذي انكبّ على دراسة الموسيقى الشعبية الفرنسية القديمة، فوجد الدلائل نفسها، أي أنّ الموسيقى الشعبية الفرنسية مبنية على السلّم الموسيقي اللحني، ولا يجوز إطلاقاً استعمال الهارمونيا الكلاسيكية في معالجتها. من هنا ظهرت المدرسة الجديدة في الموسيقى الفرنسية «الموسيقى الانطباعية» المبنية أساساً على لغة هارمونية جديدة، وضعت خصيصاً لتتلاءم مع طابع الموسيقى الفرنسية.
وفي السياق نفسه، يمكننا أن نقول إن ما كان يشغل محمد القصبجي، هو ضرورة إيجاد لغة هارمونية جديدة تتلاءم مع السلّم الموسيقي اللحني العربي، بحيث تبقى الأغنية العربية محتفظة بروحها ومميزاتها. وعلى رغم ذلك، لم يأخذ القصبجي حقّه من الأضواء... هذا الموسيقي رضي بأن يكون عواداً في فرقة أم كلثوم، مفضّلاً العزلة والوحدة حتى الرمق الأخير.


العلاقة الصعبة مع أم كلثوم
العلاقة غريبة بين القصبجي وأم كلثوم. سمعها للمرّة الأولى عام 1923 تغني في مسرح «تياترو بايلوت باسك». كانت حينذاك ترتدي العقال، وتنشد قصائد في مدح الرسول. أعجب القصبجي بصاحبة الحنجرة الذهبية المتمكنة من الغناء الكلاسيكي. وفي العام التالي قدّم لها، من خلال شركة «أوديون»، طقطوقة «قال حلف ما يكلمنيش» من دون أن تعرف ــــ في البداية ــــ أنه مؤلفها. وكانت الانطلاقة الأولى لمغامرة استثنائيّة أعطت كوكب الشرق بعض أجمل ألحانها، قبل أن تؤدي إلى إحباط الموسيقي الكبير وانهياره. احتل القصبجي موقع الأستاذ الثالث في حياتها، بعد والدها وأبو العلا محمد. وكوّن لها الفرقة الموسيقية، وظل لسنوات يزوّدها بالألحان التجديدية التي مكنتها من الانتصار الكامل على فنانتين كانتا تتقدمان على أم كلثوم: منيرة المهدية وفتحية أحمد. لقد حقق القصبجي تجديداً نادراً مع «كوكب الشرق»، على امتداد عقدين (1925ـ 1945)، منذ «إن حالي في هواها عجب» و«إن كنت أسامح»... إلى الذروة التي تجسدها أغنيات مثل «ما دام تحب بتنكر ليه»، أو «رق الحبيب»، جامعاً بين تجذّره في تربة المقامات العربية، وانفتاحه على إنجازات الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية. ثم وقعت الأزمة. فجأة أخذت أم كلثوم ترفض ألحان القصبجي، وتفضل عليها أخرى من تأليف السنباطي والموجي... إلى أن قالت له مرّة: يبدو يا «قصب» أنك محتاج إلى راحة طويلة!
وبعد الراحة الطويلة، ومحاولات «قصب» غير المجدية في العودة إلى التلحين، ثم عزله عن رئاسة فرقتها الموسيقية، تحوّل إلى مجرد عازف عندها ليحتفظ بمورد رزقه. واستمر القصبجي يعمل في فرقة أم كلثوم عواداً... إلى آخر يوم في حياته.

جريدة الاخبار اللبنانية
الكاتب حسين السكاف
عدد الاربعاء ٢٦ آذار ٢٠٠٨

عادل محمد
26/03/2008, 11h50
الأخ العزيز hamorabib تحية طيبه ، عندى تعليق على المقوله التى تتردد كثيرا بأن القصبجى العبقرى المظلوم :
القصبجى كان عبقريا ، لاشك فى هذا ، أما أنه كان مظلوما ، فهذا ما اتوقف عنده .
- لقد اعترف القاصى والدانى بعبقرية القصبجى وبأستاذيته .
- عادة يعرف عامة المستمعين الغنوة بمن يغنيها ، من يعرف الشريف او صدقى او عبد العظيم محمد او عبد الحق ؟ !
ثم نأتى للعلاقه ألملغزه بين أم كلثوم وأستاذها الثالث :
- كان القصبجى متأثرا بالأعمال الأوبراليه ومنفتحا على انجازات الموسيقى الأوروبيه الكلاسيكيه - كما ورد فى المقاله - وهذا ما تحفظت عليه ام كلثوم ، لأنها تريد ان تغنى للجماهير وليس للخاصه ،وقد غنت من الحانه -منيت شبابى ، ياما ناديت من طول اسايا ، يا مجد - وهم من اجمل ما غنت فى مراحلها الأولى ، ولكنهم لم يصلوا كما ينبغى لجمهورها العريض ، حتى فى درة اعمالها وهى مونولوج رق الحبيب ، حينما كانت تغنيها فى حفلاتها وتحاول ان تبتعد قليلا عن اللحن الأصلى - كعادتها - لم تكن موفقه كما كانت تفعل فى اغانى الشيخ زكريا او السنباطى .
-السقوط المدوى للفيلم الذى قام هو بتلحين كل اغانيه - اظن فيلم وداد ، لست متأكدا - والذى نجح لعبد الوهاب احد افلامه فى نفس الوقت نجاحا مدويا ايضا .
رحم الله القصبجى وجازاه خيرا لما امتعنا من الحان خالده ، وتحياتى للجميع .

صالح الحرباوي
26/03/2008, 19h43
سلام واحترام،
.
1/ تصحيح:
الطقطوقة التي ذكرها الكاتب في مقاله الرائع و في الفقرة الأخيرة «قال حلف ما يكلمنيش» عنوانها الصحيح هو : قال إيه، حلف ما يكلمنيش و هي من كلمات الشاعر أحمد رامي....
.
2/ تساؤلات:
صحيح أنه حصل فتور ثم صدام و قطيعة بين أم كلثوم و محمد القصبجي، ويقول المؤرخون أنه كان بسبب التغريب الكبير في ألحان فيلم عايدة في سنة 1942 و خاصة في أوبيريت عايدة. و حمّلت أم كلثوم فشل هذا الفيلم سينمائيا و غنائيا لمحمد القصبجي رغم أن السنباطي شارك في بعض ألحانه ...و جاء هذا الفشل بعد فشل أغنية (وقفت أودع حبيبي) في سنة 1941 لفريد غصن صديق القصبجي الذي قدمه لأم كلثوم .... و ربما كان للغيرة دور بسبب النجاح الجماهيري، الذي بدأت تحصده أسمهان وليلى مراد عبر ألحان القصبجي...
.
لكنهما تصالحا فيما بعد و عاد القصبجي إلى مكانه المقرب جدا من كوكب الشرق رغم أن أعماله للست ام كلثوم أصبحت قليلة جدا ....و ظل القصبجي بجانبها إلى آخر أيام في حياته..
.
هذا يجعلنا نتسائل.......لماذا لم يتجه حينها الموسيقار المبدع محمد القصبجي، بألحانه أكثر فأكثر إلى مطربات و مطربين آخرين أمثال ليلى مراد و نور الهدى و شهرزاد و عبد الغني السيد و عبد المطلب و غيرهم ممن كانوا سيسعدون كثيرا بالتعامل أكثر معه ( و ربما لو قدر لإسمهان أن تعيش أكثر لكان الأمر مختلفا...). و بالرغم من انه تعامل مع البعض من هؤلاء لكن إنتاجه الموسيقي ظل قليلا و كأن شعلة الإبداع و التجديد التي كانت متقدة في داخله منذ من منتصف العشرينات إلى منتصف الأربعينات قد بدأت في الفتور.... فلما نرجع دائما أسباب تراجع الموسيقار القصبجي لعزوف أم كلثوم عن أعماله ؟
.
و يخفى علينا أن هذا التراجع حصل و لو بصورة أقل وضوح مع الموسيقار الكبير رياض السنباطي نفسه في الستينات و ظل هو أيضا بالقرب من أم كلثوم حتى رحيلها.....
.
برأي الشخصي المتواضع...هو أن كل هؤلاء العمالقة، عندما يبلغون قمة الجبل في الإبداع الموسيقي، لا يستطيعون المكوث على هذه القمة إلى الأبد..... و كمثل أي إنسان يقع لهم تراجع و تبدأ تنضب لديهم ينابيع العبقرية الموسيقية و الإلهام.
.
...فهل أن بليغ الخمسينات و الستينات و حتى أوائل السبعينات هو بليغ السنين التالية و نفس الشيء ينطبق على الموجي و كمال الطويل و سيد مكاوي و غيرهم من العمالقة.... و هذه سنة الله في خلقه...
.
و أقول في النهاية و دائما من وجهة نظري الشخصية.......يكفي أن الموسيقار المبدع محمد القصبجي هو أكبر وأهم أستاذ لأم كلثوم في حياتها، و هو أول من فهم و استكشف الجزأ الأكبر من طاقات و أبعاد صوت أم كلثوم المعجزة و فتح أمامه أوسع الآفاق و سخر كل عبقريته الموسيقية في خدمته.....
.
و يبقى للإخوة العارفين في هذا المجال أن يفيدونا أكثر بآرائهم....
.
.
[تحياتي الخالصة

أبوإلياس
25/03/2009, 00h11
كلمة احتفالية الذكرى 43 لرحيل محمد القصبجي
على الساعة العاشرة من مساء يوم الجمعة 25 مارس/ آدار 1966 غيب الموت الموسيقار محمد القصبجي عن عمر ناهز 74 سنة ، انطفأ القصبجي الذي يدين له الغناء العربي بالثراء .. مشلولا ، وحيدا ، لا يزوره سوى قلة من الأصدقاء ، لم تقم له جنازة عسكرية على غرار بعض أقرانه ، رحل في صمت كما عاش في صمت ، إلا أن النقاد المنصفين اعترفوا له بالريادة ، فبعيد رحيله كتب أحد النقاد قائلا « إن ألحان القصبجي سبقت زمانها بمئة عام على الأقل » ، وقبلها علق الموسيقار محمد فوزي على أغنية أنا قلبي دليلي التي لحنها لليلى مراد قائلا : « إنها ليست أغنية العام 1946 ، إنها أغنية للعام 2000 . » ، قالت عنه تلميذته أم كلثوم بعد وفاته : «كان موسيقيا عالما سابقا لعصره بسنوات». لم يخطأ الذين اعتبروه المجدد الثاني في الموسيقى العربية بعد الشيخ سيد درويش ، فقد تفوق في هذا على جميع معاصريه من الكبار، فالشيخ زكاريا أحمد اكتفى بالتطريب ولم تكن التجارب التجديدية من أجندته ، ورياض السنباطي كان يرى أن التجديد ينبغي أن يتم داخل القالب الشرقي الأصيل ذاته ، وحتى محمد عبد الوهاب كان لا يغامر بطرح أي شكل تجديدي إلا بعد استبيان رد فعل الجمهور.
مسيرته درس من دروس الغناء العربي التي تستحق أن تدرس في معاهد الموسيقى الشرقية ، فقد ولد في 1892 بعد تسعة وعشرين يوما فقط من مولد الشيخ سيد درويش ، نشأ في عائلة فنية موسيقية معروفة. فوالده الشيخ علي إبراهيم القصبجي، كان عواداً وملحناً غنى له عبده الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي وسيد الصفطي وصالح عبد الحي وزكي مراد (والد ليلى مراد) ومحمد السنباطي (والد رياض السنباطي)، وكان منشداً ومقرئاً معروفاً في حي عابدين ، وعلى يديه تعلم اصول الموسيقى العربية والعزف على العود ، بعد ممارسة وظائف مختلفة استقر به المقام في مملكة التلحين ، وفي البداية عمل عوادا وملحنا للطقاطيق الرخيصة لعوالم شارع محمد علي ، ثم إجتدبته السيدة منيرة المهدية وبنات جيلها ، لكن نقطة التحول كان لقائه بالسيدة أم كلثوم في بيت الملحن أبو العلاء محمد ، كان طوق النجاة بالنسبة لكوكب الشرق خاصة بعد وفاة أستاذها الأول الشيخ أبو العلا محمد وخلافها مع ملحنها آنذاك الطبيب الهاوي أحمد صبري النجريدي ، استطاع القصبجي أن يرفع أم كلثوم إلى السماء ، فأعطاها من كل الأشكال ، ومعها كان فتحه الأول في تاريخ الموسيقى العربية مونولوج إن كنت أسامح في سنة 1928 الذي دخل تاريخ الغناء العربي لا بحمولته التجديدية الكبيرة فقط ولكن لكونه أول عمل غنائي عربي حطم حاجز المليون أسطوانة ، علاقته مع أم كلثوم إحدى أساطير الغناء العربي فبعد رائعة رق الحبيب عام 1944 ، أحالته السيدة أم كلثوم على معاش التلحين ، وباءت كل محاولاته للعودة معها بالفشل ، واختلفت الروايات في تفسيرما حدث ؛ فمن قائل أنها إنما أدبته لتقويته لغريمتها على عرش الغناء أسمهان وإعطائها أعذب الألحان ، ومن قائل أن السيدة أم كلثوم شعرت أن معينه نضب بعد تشابه ألحانه الأخيرة وتكرار نفسه ، لكنه كما قال الموسيقار مدحت عاصم كان بمثابة الأستاذ الذي وقع في حب تلميذته ، فرضي أن يصير رئيس لفرقتها ثم مجرد عواد ظل يعزف في حفلاتها حتى العام 1966 تاريخ وفاته .
كان القصبجي أحد الملحنين الذين التقطوا عبقرية صوت أسمهان ، فأعطاها أجمل ما غنته ، ويحتفظ لهما تاريخ الغناء العربي بكثير من الروائع من قبيل ليث للبراق وهل تيم البان وفرّق ما بينا ليه الزمان وايمتى حترف ايمتى ثم رائعة يا طيور غني حبي التي إرتأينا أن نبرزها في احتفالية الذكرى 43 بما يليق بها .
نجحت ألحان القصبجي مع مطربين ومطربات من مختلف المستويات ومن مختلف الأجيال كمنيرة المهدية وفتحية أحمد و نجاة علي وإبراهيم حمودة ونور الهدى وليلى مراد وسعاد محمد ورجاء عبده و عبد العزيز محمود والقائمة طويلة ، وفي عام 1946 قرر اعتزال التلحين إلى الأبد بعدما شعر أنه أدى رسالته التجديدية كاملة وأنه لا يمكنه أن يعطي ألحانا تسيء إلى ماضيه الطويل.
لحن القصبجي في جميع الأشكال التلحينية ، وبرز في الطقطوقة والقصيدة والمونولوج الرومانسي والأغنية السينمائية ، وكانت له محاولات ناجحة في الدور والموشح والمسرح الغنائي والموال ، وترك ثراثا هائلا ، فلحن 4 مسرحيات غنائية و30 قصيدة ، كما لحن 13 دورا و182 طقطوقة و43 مونولوجاً إلى جانب 91 أغنية تغنى بها عدد من المطربين فيما قدموه من أفلام بلغ عددها 38 فيلما .
لو سألت مؤرخي الغناء العربي عن القصبجي لأجابوك:
إنه رائد المونولوج الرومانسي في الغناء العربي الذي ارتفع بهذا الفن ووضعه في القمة ؛
إنه المجدد الثاني لتلحين القصيدة في الغناء العربي بعد محاولات الرائدين الكبيرين عبد الحامولي والشيخ أبو العلا محمد وأول من أدخل المقدمة الموسيقية بدل الدولاب في تلحين القصيدة ، وأول من طعم التخت الشرقي المصاحب لغناء القصيدة بالآلات الغربية ؛
إنه« سيد عازفي العود» في القرن العشرين ، فقد جمع بين التكنيك العالي في العزف والخيال الخصب في التقاسيم ، وكان من تلامذته محمد عبد الوهاب ، رياض السنباطي وفريد الأطرش؛
إنه أول من طور المقدمة الموسيقية في الأغنية العربية ، وجعلها من صلب الأغنية لامجرد تمهيد للغناء ؛
إنه رائد المرحلة الرومانسية في الغناء العربي مع الشاعرأحمد رامي ، وعلى يديه أخذت الأغنية الغزلية أبعادها الشاعرية ؛
إنه أول من وظف الهارموني في الموسيقى العربية توظيفا علميا موفقا ، وجعله موافقا للسلّم الموسيقي اللحني العربي، بحيث بقيت الأغنية العربية محتفظة بروحها ومميزاتها ؛
إنه الوحيد من كبارعمالقة التلحين الذي أتقن التدوين الموسيقي ، في وقت كان أغلب أقرانه يلحنون بالسماع ؛
إنه من القلائل الذين برعوا في تلحين الأغنية السينمائية ، وكان يستمد مادة الطقاطيق التي يلحنها للسينما من أجواء المشاهد السينمائية؛
إنه أحد قلة استطاعوا تحقيق معادلة التعبير بالموسيقى قبل الكلمة ؛
إنه مبدع روائع الغناء العربي من مثل إن كنت أسامح و يا طيور و رق الحبيب وأنا قلبي دليلي وغيرها كثير؛
إنه الملحن العربي الوحيد الذي انفرد بمقدرة عجيبة على الارتفاع بالكلام الهزيل السخيف إلى مستوى رفيع عن طريق موسيقاه مثل أغنيات ادفع اطلع ؛ اضحك كركر ؛ ياجمال العصفور وأما قلبي دليلي ؛
إنه واحد من الذين نقلوا الأغنية العربية من التطريب التركي إلى التعبيرية البديعة التي تأثرت بالغرب دون أن تخرج عن الروح الشرقية الأصيلة ؛
إنه .. وإنه ..وإنه ....
وبرغم كل إسهاماته في تطوير الموسيقى العربية والتي لا ينكرها إلا جاحد ، فإن الرجل لم يأخذ نصيبه من التكريم والاحتفاء فقد بقيت شهرته متواضعة وطغت عليها أسماء العمالقة الآخرين سيد درويش ، زكاريا أحمد ، محمد عبد الوهاب ، رياض السنباطي وحتى فريد الأطرش ، لقد بقيت ألحانه أشهر منه.
لم يكن من الذين يجيدون تسويق أنفسهم ، وكان منعزلا عن الناس والتواضع عملة لا يعترف بها العرب بل ويزدرون صاحبها ، لذلك لم يلق الاهتمام إلا بعد غيابه ، فقد حجبت عنه جائزة الدولة التقديرية وذهبت إلى من هم أقل منه موهبة ، وتجاهله الإعلام رغم أن من هم أقل منه موهبة ملئوا الإذاعات والتلفزيونات بالزعيق ، وفي الوقت الذي تجاهله أبناء جلدته أطلق اسمه على معهد موسيقي في اسطنبول بتركيا ، واعترافات الآخرين بإسهاماته أكبر من أن تحصى ...
إن منتدى سماعي الذي عودنا دائما أن يكون في المواعيد الكبرى ، إذ يحتفل بالذكرى 43 لرحيل القصبجي ، فإنما يكرس دوره الريادي في التوثيق لتاريخ الغناء العربي ، وإذ نثمن مبادرته السابقة بالاحتفاء بأعلام آخرين ، نرجو أن يقبل منا شعارا لهذه الاحتفالية هو إعادة الإعتبارللمجدد الثاني في الغناء العربي .

خالد القثامي
28/03/2009, 21h40
أخي الكريم شكرا على موضوعك الجميل و تذكيرك بيوم رحيل هذه القمة الموسيقية محمد القصبجي و لكن............أنت أوردت معلومة أخالفك فيها فالقصبجي لم يعتزل التلحين عام 1946

بل استمر في التلحين حتى عام 1965 و كان من آخر ألحانه "أنا كنت أفكر فيك" كلمات إمام الصفطاوي و غناء نادية نور و سجلت الأغنية للتلفزيون المصري و لكن للأسف ظلت حبيسة الأرشيف منذ ذلك الوقت

و لا أنسى أن أذكر أغنية "الله عالحب" و هي من تلحينه و غناء سعاد محمد في عام 1960
و نشيد "يادعاة الحق" لفايده كامل في عام 1954

بل لحن لأم كلثوم في عام 1948 ثلاث أغنيات في فيلم فاطمة

و بين عام 1948 و 1965 لحن الكثير و كثير منها موجود في المنتدى و لعل علي سبيل المثال أغنية نازك "يا قلب ليتك" و نجاة علي " بتشاغلني" و مديحة عبد الحليم "ابتسامتك يا حلاوة ابتسامتك" و عبد المطلب "يا عاشقة الليل"..............الخ هذه كلها أمثلة على أن القصبجي كان موجودا و مبدعا في الخمسينات و مطلع الستينات من القرن الماضي..........و لكن للأسف أن الإعلام ظلمه حيا و ميتا فحتى مسلسل أم كلثوم ركز خرافة اعتزاله في الأربعينات مع أن هذا يتناقض مع الكتابات التي التي تحدثت بإسهاب عن حياة القصبجي ككتابي محمود كامل و رتيبة الحفني و التي تثبت عدم اعتزاله التلحين حتى 1965 حيث بدأ المرض يؤثر في صحته و قدرة يده على ضبط العود

سماعي
26/07/2009, 08h28
1207415023268

samirazek
29/05/2010, 22h35
مهندس البناء الموسيقي محمد القصبجي..

http://egyptartsacademy.kenanaonline.com//photos/1237982/1237982989/large_1237982989.jpg?1255558538

بقلم : ايناس حسنى وسحر طه ود.سيار الجميل وآخرين ( بتصرف)

بعد تسعة وعشرين يوما فقط من مولد سيد درويش ولد الفنان .. محمد علي إبراهيم القصبجي... الذي اشتهر باسم محمد القصبجي وهو الفنان الذي اجمع الكثير من الكتاب والنقاد على أنه لم ينصف في حياته ولا بعد مماته.

ففي الوقت الذي لم نحتف به كما يليق أنشئ في العاصمة التركية اسطنبول معهد للموسيقى باسمه، اعترافا بأهمية هذا الفنان

وفي إيران غنت له المطربة أنموش في سبعينات القرن الماضي لحناً لأم كلثوم : يا طير يا عايش أسير.. كان قد وضعه عام ،1935 كما ذكر فيكتور سحاب في كتابه السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة.

ولد بحي عابدين بالقاهرة في 15 ابريل/ نيسان عام 1892 من أب يعمل في الحقل الفني فوالده الشيخ علي إبراهيم القصبجي، وكان المثل الأعلى بالنسبة له، حيث كان مقرئا للقرآن الكريم ومنشدا دينيا كما كان عازفا ماهرا على آلة العود بالإضافة إلى كونه ملحنا قديرا غنى ألحانه كل من عبده الحامولي، يوسف المنيلاوي، صالح عبدالحي، زكي مراد، محمدالسنباطي ( الأب) ، وغيرهم من مشاهير المطربين والمطربات فلم يكن غريبا أن يتعلق الابن بهذا الجو الفني، ويتجه إلى الموسيقى والغناء.

نشأ القصبجى في وقت لم تكن فيه معاهد موسيقية، وبالتالي لم يدرس التدوين الموسيقي في معهد أو على يد أحد من الأساتذة، لكنه استفاد بحسن خطه وحبه للرسم في تعلمها أثناء تدوينه للنوت الموسيقية لوالده مع الاستفادة من الكتب والمراجع الموسيقية في هذا المجال واستطاع بقوة إرادته وذكائه أن يتعلم فن التدوين الموسيقي.

وبالرغم من معارضة والده اشتغاله بالموسيقى في بداية حياته فإنه عندما اكتشف موهبته الموسيقية الأصيلة ومع اقتناعه الكامل بأن الموسيقا فن رفيع اخذ يشجعه وينمي فيه الحس الفني، كما أهداه أحد أعواده الثمينة، وأخذ في تعليمه أصول العزف والموسيقا العربية، فكان والده خير معلم له في بداية مشواره الفني.

وقد تعلم مبادئ التوزيع الأوركسترالي، الهارموني، والكنترابنط على أيدي قادة الفرق الموسيقية الأجنبية التي كانت موجودة في مصر آنذاك والتي تفد إليها في المواسم الموسيقية، كما كان يحرص دائما على ألا تفوته مشاهدة مواسم الأوبرا الأجنبية وفرق الباليه التي تفد إلى مصر كل عام وكان شديد التعلق بحضور حفلات أوركسترا القاهرة السيمفوني والتي دعمت موهبته الموسيقية.

وعند اكتمال موهبته الموسيقية، بدأ في تلحين بعض الأدوار والموشحات، وبعد احتلاله الصفوف الأولى في مجال تلحين الأغاني الفردية،

ثم اتجه إلى مجال المسرح الغنائي وقدم فيه أروع الأوبريتات التي قدمتها فرقة منيرة المهدية وذلك في الفترة مابين 1924 و1927 وهذه المسرحيات هي (المظلومة) التي اشترك معه في تلحينها كل من كامل الخلعي ومحمد عبدالوهاب، كيد النسا، حياة النفوس، وحرم المفتش.

وفي عام 1928 عهد اليه نجيب الريحاني بوضع ثلاثة ألحان في أوبريت نجمة لصبح وقد اشترك معه إبراهيم فوزي بأربعة ألحان أخرى

ويعتبر القصبجى من أوائل الملحنين الذين اثروا السينما المصرية بالألحان الموسيقية العربية المتطورة وذلك من خلال أغاني الأفلام التي شدت بها كل من نورالهدى،أسمهان، ليلى مراد، سعاد محمد، هدى سلطان، صباح، وشادية.

وقد أحصى محمود كامل في كتابه «محمد القصبجي، حياته وأعماله» 360 أغنية من تلحينه...


كما وضع للمسرح قرابة 35 لحناً موزعاً بين خمس مسرحيات هي «المظلومة» (1926)، و«حرم المفتش» (1926)، و«حياة النفوس» (1928)، و«كيد النساء» (1928)، و«نجمة الصبح» (1929).


وله 91 أغنية وضعها لـ38 فيلماً سينمائياً، أغلبها ينتمي إلى الطقطوقة التي يأخذ طابعها الأدائي شكل الأوبريت. إذ كان معروفاً عن القصبجي أنه يستمد مادة الطقطوقة من أجواء المشاهدالسينمائية.

أما بالنسبة لأفلام ام كلثوم فقد كان للقصبجي نصيب الأسد من أفلامها الستة إذ لحن خمسة منها هي: وداد، نشيد الأمل، دنانير، عايدة، وفاطمة.


لكنّ أعماله حظيت بشهرة لم يحظ بها هو شخصياً، وتلك ظاهرة غريبة، وخصوصاً إذا ما قارنّاها بما حظي به رفيقه الشيخ سيد درويش وزكريا أحمد، إضافة إلى شهرة الشاعر أحمد رامي التي تجاوزت بكثير شهرة القصبجي...


وتزداد دهشتنا لدى المقارنة مع الشهرة التي كانت من نصيب تلميذه محمد عبد الوهاب.

وقد عزا بعض النقاد تلك الظاهرة إلى أن القصبجي ابتعد عن أداء أغانيه بصوته، كما كان يفعل سيد درويش وزكريا أحمد أو عبد الوهاب.


فمن منا لايعرف أغنية «فرّق ما بينا ليه الزمان» و«امتى حاتعرف امتى» و«يا طيور غني حبي» بصوت أسمهان؟
وأغنية «يا صباح الخير» أو «رق الحبيب» أو «يلي جفاك المنام» بصوت أم كلثوم؟ وتلك المداعبات الغنائية الجميلة بصوت ليلى مراد مثل «يا ريتني أنسى الحب» و«حبيت جمالك» و«أنا قلبي دليلي» التي سمعها الجمهور لأول مرة عام 1948.

فالقصبجى يعتبر من الشخصيات الموسيقية اللامعة التي شاركت في نهضة الغناء العربي منذ العشرينات وحتى الستينات وظل ينبوعا متدفقا للألحان التي تحمل طابع الابتكار فكان له شخصية مستقلة وله مدرسة خاصة في التلحين والعزف على آلة العود

وتتلمذ على يده بعد ذلك في آلة العود كل من محمدعبد الوهاب الذي تعلم عنده العزف على العود، ودرس له علوم الموسيقى لمدة خمس سنوات، ثم رياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد الموجي ومحمد فوزي وغيرهم.

كما امتد تأثيرالقصبجي إلى بلدان عربية أخرى، فطال زكي ناصيف وتوفيق الباشا فى لبنان.

ولم يكن هذا فحسب هو فضله الوحيد ,فلقد اكتشف الكثير من الفنانين والفنانات نذكر في مقدمتهم المطربة ليلى مراد، إذ قدمها في أول أعمالها الفنية عام 1933 حينما غنت له يوم السفر.. في فيلم الضحايا. وحين قدّمت ليلى مراد «أنا قلبي دليلي» عام 1948، يومها، قال عنها محمد فوزي «إنّها أغنية العام ألفين!»، ظناً منه وهو يعايش تطور الأغنية العربية آنذاك بأنّ الموسيقى العربية والأغنية العربية ستستمران بتجاربهما وتجددان فرسانهما.

لكنّ ملحّنها مات في الظلّ، وبقيت أغنياته أشهر منه.

وكما يقول فكري بطرس صاحب كتاب أعلام الموسيقى والغناء العربي فإن ألحان محمد القصبجى تميزت بطابع خاص عرفت به بين جميع ألحان معاصريه أمثال داود حسنى وكامل الخلعي وزكريا احمد، فألحانه تجمع بين المدرسة القديمة مع وضعها في قالب حديث متطور فيه لمسات وتعبيرات ناضجة وتصوير صادق أمين.

فقدا كان مايشغل محمد القصبجي، هو ضرورة إيجاد لغة هارمونية جديدة تتلاءم مع السلّم الموسيقي اللحني العربي، بحيث تبقى الأغنية العربية محتفظة بروحها ومميزاتها.
وإليه يرجع الفضل في تهذيب الألحان الشرقية وقد ظل طوال حياته الفنية على نفس هذا الخط، لم ينحرف ولم يتلون عنه، إذا استثنينا تجربته الفريدة في لحن واحد.. وهو يا طيور للمطربة أسمهان والذى لحنه بعد سماعه فالس "غابات فيينا" ليوهان شتراوس بصوت مغنية السوبرانو النمساوية إرنا زاك وهي تقلد صوت تغريد الطيور في ختام الفالس.دأ الاغنية بمقدمة موسيقية تعبّر عن تحرك اسراب الطيور في اشكالها المختلفة، مستعينا بالسلّم "الكروماتي" صعودا، ما يعطي الايحاء بصعود الطيور الى اعلى الفضاء، مع زيادة في السرعة. ثم أدخل ايقاعا جديدا على المقدمة يوحي بحركة اجنحة الطيور، وفي ختام المقدمة مهّد اللحن للغناء بإعطاء المستمع إحساساً بأن الطيور تحطّ على الاشجار.

تبدأ الاغنية بعبارة "يا طيور"، بالمد وبحرف الواو، ترافقها لازمة موسيقية تتميز بالضغوط القوية على كل نغمة، توحي برد فعل الطيور للنداء. وتتوالى المقاطع الغنائية، وفيها نلاحظ تغيير القصبجي للموازين الموسيقية والايقاعات، عبر الانتقال بين المقامات، ليصوّر اطوار الطيور في فرحها وحبها وعذابها، ، مترجما معاني الكلمات، لتختتم اسمهان الاغنية بمحاكاة بين صوتها وآلة الكمان التي تعبر عن صوت الطير....
بيد ان أن القصبجي لم يقتبس أي لوازم موسيقية من شتراوس او من غيره من المؤلفين الموسيقيين العالميين كالذي فعله كل من عبد الوهاب وفريد وغيرهما .. لم يفعل القصبجي ذلك ليسخّرها عربيا ، فتذيع وتنتشر إعلاميا وإبداعيا .


وبعدها جاء كل لحن انجزه حاملاً شكلاً موسيقياً جديداً، بعدما تيقن من أنّ المعرفة العلمية هي ما كان ينقص الموسيقى العربية.

اطّلع على تجارب من سبقه من المجددين ، خاصة داوود حسنى وكامل الخلعى ، وألمّ بالموسيقى العالمية.

بيد أن القصبجي في الحقيقة لم يكن متفرنجا، ولكنه كان جريئا في الاستفادة مما يسمعه من الألحان الأوروبية.

محمّد القصبجي تمتّع بفكر موسيقي سيمفوني، لا يقترب من الارتجال اوالجمل اللحنيةالمتداولة والبسيطة.

واتخذ من دار الأوبرا المصرية مدرسةً له، حيث كانت الأعمال الأوبرالية والسيمفونيات العالمية تساعده في فضح الأساليب البسيطة التي سادت عالم الأغنية العربية حينذاك.

كما درس الموسيقى الغربية، والصولفيج وركز خصوصاً على المرحلة «البوليفونية» التي تعتمد تعدد الأصوات الموسيقية.

عاش القصبجي أربعة وسبعين عاما قضاها في محراب الفن تعاقبت عليه فيها ثلاث مراحل متناقضة:


المرحلة الاولى :مرحلة التلحين لمطربات صالات الغناء قبل ظهور أم كلثوم، واستغرقت هذه المرحلة قرابة اثني عشر عاما من عمره.
عرف القصبجي بشقاوته وعلاقته العنيفة مع ابناء حارته، في الحي الذي سكن فيه، وفي شبابه انفصل عن السكن مع اسرته، واستأجر مسكنا صغيرا، في "حارة الكلاب" الفقيرة، المتفرعة عن شارع محمد علي، وكان لهذا الشارع شهرة كبيرة، اذ يسكنه اكبر عدد من الفنانين والعوالم، وصاحبات الاسماء الغريبة مثل "نعيمة شخلع" و"زوبة الكمسارية" و"انوس المصرية"، ومنه خرج ألمع فناني مصر، بينهم صالح عبد الحي، محمد حلمي، شكوكو، عمر حمزاوي، شفيق جلال، وعبد الحليم حافظ، الى جانب عدد من الممثلين والممثلات بينهم امينة رزق.

اقتصر عمل القصبجي في تلك الايام على عزف العود ضمن تخت "العوالم" (بنات الهوى)، وكان يقوم بغناء الأدوار القديمة كلما طلب منه ذلك في الافراح والليالي.واصبح زميلا لمطربى هذا العصر امثال على عبد الهادى واحمد فريد وعبد اللطيف البنا
وكانت "عوالم" شارع محمد علي اكثر مغنيات ذلك العصر عملا ورزقا، فكانت الواحدة منهن تغني وترقص، لأن الرقص والغناء كانا متلازمين.

من اللافت ان نقرأ عن "عوالم" هاتيك الايام، ففي ذلك شيء من السحر والحكاية، وخصوصا انها حكاية الجسد والموسيقى، اذا يشكلان ليلة من ليالي "الف ليلة وليلة".

وكان اول لحن من تاليفه هو دور (وطن جمالك فؤاى يهون عليك ينضام)من كلمات الشيخ احمد عاشور ،ثم انضم الى تخت العقاد الكبير عازف القانون بعد ان اهجب به هو ومصطفى بك رضا رئيس نادى الموسيقى الشرقية .


وكان القصبجي في البداية مطربا اكثر منه ملحنا حتى تعرف الى مطربة اسمها توحيدة كانت تغني في صالة ألف ليلة وليلة وقدم لها لحن :الحب له أحكام.. فغنته وصفق لها الجمهور

وبعد ذلك تعرف الى منيرة المهدية وكانت آنذاك تشتغل مع كامل الخلعي الذي شجعه على عرض لحن من ألحانه عليها وحاز القبول وغنته له

وتلتها فتحية احمد وهي التي أطلقت عليه اسم (قصب).

ويرجح ان تكون عدم شهرة القصبجي كملحن في بداياته، أدت إلى فشله في أن يقنع بألحانه مطربات تلك الفترة، مثل منيرة المهدية

وتوحيدة، (هي اللبنانية لطيفة إلياس فخر ) غنّت له عام 1917 "الحب له في الناس أحكام" من مقام الزنجران، "ويعتبر القصبجي أول من استخدم هذا المقام.
فسيد درويش لم يلحن "في شرع مين" من مقام الزنجران إلا بعدما استرعى انتباهه الدور الذي تغنت به توحيدة ولحنّه القصبجي". وبعده لمع اسم القصبجي ملحنا.

جارى القصبجي تياراً سادت فيه "الأغاني الشديدة الإسفاف والركاكة" حيث لحّن من تأليف محمد يونس القاضي وغناء أشهر المطربات منيرة المهدية الملقبة بـ"سلطانة الطرب" أغاني، منها "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة. انس اللي فات وتعال بات ليلة التلات"، و"والله زمان يا دلعي ما شفنا ليلة زي دي"و" شال الحمام ..حط الحمام".

الا انه في عام 1924 سمع القصبجي باسم أم كلثوم لأول مرة، ثم استمع إلى صوتها في الكشك الذي تغني فيه بحديقة الازبكية «تياتروبايلوت باسك» لحنا للشيخ أبو العلا محمد بالإضافة إلى عدد من الأدعية الدينية والموشحات، بلا تخت وبلا إيقاع.

ومنذ ذلك الحين لم يفارق القصبجي أم كلثوم وتبين له الفارق بين هذه المطربة الجديدة آنذاك وبين طائفة مغنيات الصالات، وكانت هذه بداية إحياء طرائق الغناء العربي المتقن على حناجر المطربات المصريات ونهاية غناء مغنيات الصالات.

المؤرخ الموسيقي الراحل كمال النجمي يتحدث عن ملحني ام كلثوم في بداياتها واستغلالهم طاقات صوتها في "قمته" العليا و"سفوحه" الخضراء الفاتنة، ويقول: "...هكذا اسمعتنا ام كلثوم في الثلاثينات الحان محمد القصبجي ذات النغمات المديدة والترجيعات الطويلة. ولم يكن هذا اول عهد ام كلثوم بالمد والترجيع الطويل.. فقد كانت أغانيها التي لحنها لها احمد صبري النجريدي وما أنشدته من قصائد للشيخ ابو العلا محمد في العشرينات حافلة بالنغمات العالية التي تمس الاطراف العليا للصوت ولا تهبط الى السفح لتستقر فيه، بل تحتشد وتتأهب الى القمم مرة اخرى. كانت اغاني ام كلثوم في تلك الفترة اشبه بتمرينات صوتية وصقل للمادة الذهبية في صوتها.

المرحلة الثانية: وفيها اخذت الحانه تتطور مع أم كلثوم والمطربات اللاتي ظهرن في عصرها ونسجن على منوالها، وغنين من ألحانه منذ العشرينات إلى قرب نهاية الأربعينات.
ويرجع له الفضل في نجاح أم كلثوم في مطلع حياتها الفنية.. فقد شاركها بألحانه على مدى اكثر من ثلاثين عاما، وغالبية أغانيها من ألحانه هى التي أجلستها على عرش الطرب العربي.
مدحت عاصم يصف اسلوب كتابة محمد القصبجي ألحانه لام كلثوم في احدى مقالاته: "... القصبجي ببساطة هو المعلم، والاستاذ المتيم بتلميذته، وهو اول من قاد ام كلثوم الى الشهرة والنجاح وفضله لا بد ان يذكر

ومن اشهر ألحانه لها في مطلع حياتها أغنية: إن كنت أسامح وانسى الأسية... وذلك عام ،1928
وقد بيع من هذا اللحن اكثر من مليون اسطوانة آنذاك وهى الأغنيه التي أجلست فنّ المونولوج على عرش الثبات والتجدد، لتتخلص الأغنية العربية من شكلهاالتقليدي.

هكذا صارت المقدمة الموسيقية المستوحاة من عالم الأغنية نفسه مدخلاًمهماً يمهد للمستمع الولوج إلى عالم الموسيقى وسحر الكلمات المغناة.

وذلك المونولوج يعتبر فتحا جديدا في تلحين قالب المونولوج بصفة خاصة وفي الألحان الموسيقية العربية بصفة عامة. ففيه خرج على الأسلوب التقليدي في التلحين، واستغل فيه إمكانات أم كلثوم الصوتية بجانب المقدمة الموسيقية التي استهل بها اللحن على طريقة الغناء الأوبرالي، كما ادخل طريقة التظليل والترديد بالصدى.

وفي مونولوج (يا ما ناديت من أسايا) استخدم آلة التشيللو لأول مرة مع أم كلثوم.

وبعدها بدأ الناس في الحديث عن لونه الخاص الذي انفرد به ولم يشاركه فيه أحد من معاصريه وبفضله خطت الموسيقى خطوات واسعة نحو الرقي والتهذيب

ولقد تجلت عبقريته في الانتقال بالمقامات، فهو يستطيع في أغنية قصيرة لا تتجاوز دقائق خمس أن ينتقل لأكثر من مقامين ،مما يبعد المستمع عن الملل ويجعله عصريا وحداثيا كما في منيت شبابي، الذي يعبر عن أسلوب القصبجي المتسارع المتصاعد .

وفي هذه المرحلة الخصبة من حياة القصبجي اسهم في تطوير الغناء العربي والموسيقى العربية وأوشك أن يغالي في طلب التطوير والتجديد حتى قيل على سبيل الفكاهة إنه كاد يجعلها مطربة ارمينيه او تركية ....قيل ذلك حين لحن الفصل الأول من "أوبرا عايدة" الذي غنته أم كلثوم في فيلمها عايدة في أوائل الأربعينات
الملحن داود حسني قال "لا يجوز أن يلحن مونولوغ ومحمد القصبجي موجود". أقنع القصبجي أم كلثوم بالانتقال من الإنشاد إلى الغناء بمصاحبة تخت، وأسس لها أول فرقة موسيقية ولم يفارقها منذ حفلتها الأولى عام 1926 حتى وفاته بعد أربعين عاما، مشيرة إلى فضله في تخليصها من الذبذبات الصوتية في أعمالها الأولى، "وكانت تحول دون تحديد النغمات الثابتة"

المرحلة الثالثة : التي امتدت منذ الخمسينات حتى نهاية مشواره الفني في منتصف الستينات فقد كان إنتاج القصبجي فيها من الألحان بسيطا، واكتفى بالعزف على العود في فرقة أم كلثوم.

وتتميز مدرسته في التلحين كما قال د. سعيد رجب الشهير بـسعيد القصبجي، بهندسة البناء والجمل الموسيقية التي تبنى على أساس علمي وذوق فني رفيع، كما تتميز بالمسافات الصوتية المتباعدة وظهرت عبقريته الموسيقية الفذة والتي تحمل هذا الطابع
فهوأول من توسع في اللزمات الموسيقية التي تتخلل الغناء ...بين الموسيقى الخالصة في المقدمات وبين فقرات الغناء .كما تتميز ألحانه بالعمق التعبيري والثراء اللوني، كما تحفل بالتجديد والحداثة في طبيعة الجملة الموسيقية المكتوبة، ذات اللحن المشرق المعتمد على قدرة الصوت المؤدي وثقافته وطلاوته، فقد حوّل الصوت البشري إلى آلة موسيقية تؤدي دورها المكتوب بدقة.

وقد سبق القصبجي عصره في بنائه للجملة الموسيقية واستخدامه للانتقالات اللحنية التي تبنى على أساس علمي وذوق فني رفيع، مع الإحساس العربي المرهف.

ومن العوامل التي ساعدته على الارتقاء بقالب المونولوج التقاؤه بالشاعر أحمد رامي وصوت أم كلثوم، وقد أثرى قالب المونولوج بخصائص وسمات لم تكن موجودة من قبل.

كما كان له أسلوب مميز في تلحين قالب الطقطوقة الذي أثراه بأكثر من 220 طقطوقة خلال مشواره الفني.

وبالرغم من نجاحه الذي حققه في تلحين الأغاني العاطفية والاجتماعية فإنه لم يفته خدمة الحركة الوطنية آنذاك حيث لحن عشرات الألحان الوطنية التي شدا بها اعظم المطربين والمطربات بداية من منيرة المهدية مرورا بصالح عبدالحي وفايدة كامل والمطربة نازك عام 1958.

ولحن من الأدوار ثلاثة عشر كتب معظم كلماتها، ومن الموشحات واحدا ومن القصائد اكثر من 40 قصيدة

وتأثر بمدرسته في الألحان والعزف على العود كل من عبدالوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش

وكان آخر ألحانه لأم كلثوم في فيلم (فاطمة) عام 1947.

يعترف الموسيقار محمد عبد الوهاب بأنّ القصبجي كان سبّاقاً في استخدام الهارموني والبوليفوني، بأسلوب علمي صحيح... كما يعترف بأنه تأثر بما أنجزه القصبجي في مجال المونولوج، ومنه جاءت أعماله «اللي يحب الجمال» و«الليل يطوّل عليّ» و«بلبل حيران» وغيرها.

هذا الموسيقي الفذ القدير ....رضي بأن يكون عواداً في فرقة أم كلثوم، مفضّلاً العزلة والوحدة حتى الرمق الأخير.

العلاقة الصعبة مع أم كلثوم
http://egyptartsacademy.kenanaonline.com//photos/1237982/1237982991/large_1237982991.jpg?1255558840





كانت العلاقة غريبة بين القصبجي وأم كلثوم. سمعها للمرّة الأولى عام 1923 تغني في مسرح «تياتروبايلوت باسك». كانت حينذاك ترتدي العقال، وتنشد قصائد في مدح الرسول. أعجب القصبجي بصاحبة الحنجرة الذهبية المتمكنة من الغناء الكلاسيكي.

وفي العام التالي قدّم لها،من خلال شركة «أوديون»، طقطوقة «قال حلف ما يكلمنيش» من دون أن تعرف ـ في البداية ـ أنه مؤلفها.


وكانت الانطلاقة الأولى لمغامرة استثنائيّة أعطت كوكب الشرق بعض أجمل ألحانها، قبل أن تؤدي إلى إحباط الموسيقي الكبير وانهياره.


احتل القصبجي موقع الأستاذ الثالث في حياتها، بعد والدها وأبو العلا محمد. وكوّن لهاالفرقة الموسيقية، وطورها بان ادخل فيها على التخت الشرقى التقليدى آلتى الشيللو والكونترباص .
وظل لسنوات يزوّدها بالألحان التجديدية التي مكنتها من الانتصارالكامل على فنانتين كانتا تتقدمان على أم كلثوم: منيرة المهدية وفتحيه أحمد.

لقد حقق القصبجي تجديداً نادراً مع «كوكب الشرق»، على امتداد عقدين (1925ـ 1945)، منذ «إن حالي في هواها عجب» و«إن كنت أسامح»... إلى الذروة التي تجسدها أغنيات مثل «مادام تحب بتنكر ليه»، أو «رق الحبيب»، جامعاً بين تربيته في تربة المقامات العربية،وانفتاحه على إنجازات الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية.

ويقال ان ام كلثوم طلبت منه الأقتصار على التلحين لها الا انه رفض واستمر يلحن لغيرها وعلى الأخص لأسمهان.
ثم وقعت الأزمة بعد النجاح العارم لقصيدته الطويلة "هل تيم البان" التى غنتها اسمهان ..اى انه جعلها بقصيدته تلك تلعب فى ملعب ثومة الأثير. ولعل علاقة محمد القصبجي بأسمهان، وقبل ذلك معرفته بوالدتها المغنية والعازفة علياء المنذر، ولكونه صديق الأسرة، اتسعت إلى مشروع ثقافي مهم مع حنجرتها وشخصيتها، ولم يذكر أن فكرة زواج محتمل أشيع بينهما، ولم يكن في تعاونهما ما يوحي بين أب وابنته وهذا يمكن أن تنطوي عليه علاقة الأستاذ بالتلميذة بل إن قول فريد الأطرش بأنه: "لو قدر لأسمهان أن تبقى لكانت تشكل منافسة (أو تهديداً) لأم كلثوم بألحان محمد القصبجي"،.

فجأة وبعد رحيل اسمهان ,أخذت أم كلثوم ترفض ألحان القصبجي، وتفضل عليها أخرى من تأليف السنباطي والموجي... الى أن قالت له ذات مرّة: يبدو يا «قصب» أنك محتاج إلى راحة طويلة!
وتقول الحفني: "... لم يعرف حتى الان سبب اقلاع ام كلثوم عن غناء الحان القصبجي في وقت كانت تشجعه على التلحين للاصوات الاخرى". لكن حسب علمنا فإن مصادر اخرى ذكرت ان ام كلثوم غضبت كثيراً حين لحن لأخريات وبخاصة لأسمهان ومن ثم لليلى مراد ما جعلها تأخذ قراراً نهائياً بعدم غناء ألحانه. واعتبرت أم كلثوم ابتعاد القصبجي عنها خلال هذه الفترة إهمالا وعدم اكثراث بمستقبلها.
لكن من جهة اخرى تسرد الحفني وقائع عن محاولات القصبجي العديدة للتلحين لسيدة الغناء وكانت في كل مرة تفشل، ففي عام 1949 وضع لحناً في تكريم ام كلثوم غنته الكبيرة سعاد محمد واعجبت ام كلثوم باللحن كثيراً، وفي عام 1954 اختارت السيدة قصيدة من الشاعر احمد رامي مطلعها "يا دعاة الحق هذا يومنا" لكي تسجلها بالاذاعة في اعياد الثورة وعهدت بها الى القصبجي لكن بعد جهود عديدة لم يعجبها اللحن فاعتذرت عن غنائها وآلت الى المطربة فايدة كامل، واستعاضت عنها بأغنيتها "مصر التي في خاطري" من الحان رياض السنباطي الذي كان ملحنها المفضل في تلك الفترة حيث لحن رائعته "سهران لوحدي" التي كان القصبجي بدأ بتلحينها بالفعل على نغمة جديدة اطلق عليها "ما وراء النهرين" لكنها رفضت اللحن ومنحته للسنباطي مما سبب جرحاً كبيراً للملحن القدير وإحباطاً. وايضا كان المفترض ان نستمع الى "نشيد الجلاء" و "للصبر حدود" بألحان للقصبجي لكن رفض ام كلثوم ايضاً زاد من آلامه مما دفعه الى التصريح في احدى الصحف ان ام كلثوم لو اتاحت له الفرصة لأثبت لها ان الحانه افضل من السنباطي مما اثار غضب ام كلثوم وجعلها تعزله عن رئاسة فرقتها الموسيقية واسناد القيادة الى احمد عبده صالح ،

وهكذا تتوالى الاقاويل والتعليلات والاسباب منها ما يضع الحق على ام كلثوم في رفضها ومنها ما يعلل فتور العلاقة بحالة الملحن الكبير الصحية وغيرته من الملحنين الذين تتعامل معهم ام كلثوم او غير ذلك من الاسباب

لكن السبب الاخر الذي أبدته رتيبه الحفني: "...انه نتيجة لرواسب قديمة تتعلق باهتمام القصبجي بصوت اسمهان التي كانت تعتبر منافسة لأم كلثوم في فترة ما والتي خصها بالكثير بالكثير من ألحانه فالمعروف ان اسمهان ماتت في العام نفسه الذي ظهرت فيه رائعته الاخيرة لام كلثوم "رق الحبيب" .
واعتبرت ام كلثوم ابتعاد القصبجي عنها خلال هذه الفترة اهمالاً وعدم اكتراث بمستقبلها فقد كانت اسمهان جميلة، جذابة، محبوبة لدى الجميع تتمتع بصوت دافئ ومتمكن. أعطاها القصبجي الحاناً جديدة في تكوينها وصياغتها كبرت معها إمكاناتها الفنية مما زاد من لمعان صوتها وشهرتها".

ما ان رحلت أسمهان ذات الصوت الاوبرالي الواسع إلى السماء قبل أن يبدأ النصف الثاني من القرن العشرين صفحاته ، فان القصبجي ـ كما اعتقد ـ اعتبر ذلك الرحيل علامة شؤم كبيرة لما سيحدث من متغيرات تاريخية في الحياة .. فرحل بموهبته الخصبة في أعماقه ، والتي لم تستطع أم كلثوم أن تنتشلها ، كي تترجمها بفعل تأقلمها مع الصفحات الجديدة التي خلقتها عوامل وظروف عقد الخمسينيات ، فسببّت محنة نفسية وإبداعية حقيقية للقصبجي ..
علما بأنه لم يبخل على فنانات أخريات بأرق الألحان الرائعة ، ومنهن : سعاد محمد ، ونور الهدى وغيرهن .. ولم يكسر صمته إلا في تلحين ثلاث قصائد وطنية غنتها كل من شهرزاد ، ونازك ، وفايدة كامل ، ولكن بالحان عادية .. فماذا حدث ؟
وبعد الراحة الطويلة،ومحاولات «قصب» غير المجدية في العودة إلى التلحين، تحوّل إلى مجرد عازف عندها ليحتفظ بمورد رزقه. واستمر القصبجي يعمل في فرقة أم كلثوم عواداً... إلى آخر يوم في حياته.
لقد بقي جسمه شاخصا أمامنا مع كل معاناته ، ولكنه أبقى نفسه عن عمد وسبق إصرار عظيما ، ولم يهمّه أبدا أن يجلس عازفا على عوده في فرقة الست على امتداد السنوات المتبقية من حياته ! ولا ندري كيف كان يفكر موسيقيا في تلك المرحلة الأخيرة من حياته ، وهو يعزف بهدوء على أوتار عوده تلك الألحان الشجية المؤطرة التي كان يضعها زملائه وطلبته الفنانين الكبار ، ومنهم ، السنباطي وعبد الوهاب وبليغ ؟؟ نعم ، كان يتقّبلها ليس على مضض بل على استحياء كونه احتفظ لنفسه بموهبته وقريحته في أعماقه ، وربما كان الرجل يبكي في أعماقه ليس على ما يسمع من شدو الست الكبيرة أمامه ، بل على ما حدث من انقلاب فاضح في مفاصل الحياة كاملة !

ولكن هل كان من السهل عليه أن يتقّبل الجمل اللحنية والموسيقية التي كان ينسجها غير السنباطي ؟ وإذا كان يتقّبل كلمات شوقي وبيرم ورامي واخيرهم ناجي في القصائد الرائعة التي شدت الست بها ، فهل كان يتقبّل منها كلمات بقية أغانيها بكل تجّرد ؟ .


وعن اخلاصه للست يقول المؤرخ محمود كامل: "...كان القصبجي لا يخشى على شيء انئذ، إلا على ام كلثوم وعوده. ويروي في احدى الحفلات، قامت مشادة بين الحاضرين، وعلى الفور امسك القصبجي بإحدى يديه يد ام كلثوم، ورفع عوده باليد الاخرى وفرّا مسرعين الى خارج المكان".
استمر القصبجي في العزف في فرقة ام كلثوم لم يفارقه حتى اخر ايامه. فأولى حفلاته معها كانت عام 1926 وآخر حفلة شارك فيها معها كانت عام 1966.


تبدي رتيبة الحفني دهشتها من نهاية القصبجي كمجرد عازف وقبوله "هذا الوضع غير اللائق... صعد هذا الملحن الكبير من قمة النجاح والشهرة ثم تدحرج إلى السفح وعجز عن الصعود فخسر فن الغناء العربي عشرين عاما على الأقل كان القصبجي قادرا على أن يملأها بالإنتاج الغزير".
ولكن ليس في اليد حيلة ، كما يقول د. سيار الجميل، ما دام الأمر يتوقّف على رزقه الذي يقوم بسد متطلبات حياته وأسرته !
إن الفرق المدهش بين هذا الرجل وهذه المرأة إنهما يختلفان في تفكيرهما حقا ! لقد كان يريد لنفسه من خلال موهبته أن تسمو متجلية في الأعالي ، فيسبح من يسمع موسيقاه في عالم ملكوتي صعب غير موجود .. في حين أرادت الست لنفسها أن تنزل من عليائها التي كانت عليها في الأربعينيات ، لتسيطر على عالم سهل موجود ، فعلا كالذي توّفر عندها ببساطة وبين يديها في عقدي الخمسينيات والستينيات !

لقد أراد القصبجي أن يبقي مجده معلّقا في السماء .. في حين أرادت أم كلثوم ، أن تبقي مجدها على الأرض ، فتسيطر على الأخضر واليابس !


ومن خلال عقد مقارنة بين الست وخمسة من أعظم الملحنين لها ، اكتشفت منذ زمن طويل ، إن الشيخ زكريا أحمد جعلها تنطلق مغردة على هواها كما في رائعته " الاولّه في الغرام .. " .. في حين جعلها القصبجي تطرب سارحة في حديقة غّناء وهي تقطف زهورها .. أما السنباطي ، فلقد خلق لها مسرحا معينا لا تخرج منه في تلك الحديقة الغناء .. وإذا كان بليغ قد ضّيق حجم المسرح عليها كثيرا ، فان عبد الوهاب قد جعلها ، تغّرد في قفص لم تستطع الخروج منه حتى رحيلها !

وفي مارس عام 1966 توفي القصبجي لكن أعماله الفنية العظيمة بقيت حية لا تموت، وهي ماثلة فيما خلفه من ألحان بالغة الرقي والجمال، أسهمت في تطوير الغناء العربي المتقن.

وتقول ابنة شقيقته كوثر الصفتي أن والده كان يخاف عليه من التعلق بالفن في البداية فكان يخبئ العود بعيدا عنه ولكن القصبجي احضر مجموعة من الأخشاب ودق عليها المسامير وركب لها أوتارا من عود والده القديم وبدأ يدندن عليها وكان يخبئه من والده تحت السرير.
وفي مدرسة المعلمين ألف فرقة موسيقية صغيرة وكان يقوم بإحياء حفلات مجانية داخل المدرسة إلى أن طلب منه أحد زملائه إحياء حفل عرس، فوافق ودفع له مبلغا من المال وهذه كانت البداية.
وتقول كوثر إنه كان يعتبر السيارة رفاهية وكان يحب المشي حتى لا يصاب بتضخم في القلب أو بذبحة صدرية وكان سائق الترام يقف له في غير الأماكن المحددة للمحطات.
وتضيف أنه كان متواضعا لا يحب المظاهر أو البذخ وانه كان لا يمكن أن يشرب أو يأكل أي شيء في الحفلات وكان يمكن أن يأخذ كأس الشراب ويلقيه في الأرض.

وانه كان لا يدخن ولا يشرب شايا أو قهوة أو أيا من المنبهات، ولكنه كان يشرب منقوع البلح أو الفول كل يوم في الصباح والثوم المجفف بدلا من اللبن ولكنه عندما مرض بقرحة الاثني عشر كان يشرب اللبن ويأكل المسلوق والأرانب والفراخ الصغيرة بدون دسم وكان لا يحب اللحوم ويقول إنها تأتي بأمراض كثيرة، كان دائم المحافظة على صحته.

كان لا يحب الزيارات ولم تكن لديه أي علاقات فكان يرجع إلى البيت يقرأ، يكتب، يلحن، وإذا زاره صديق يقدم له أي مشروب يريده ثم يعتذر بعد ذلك لارتباطه بعمله.

كان بيته مثل متحف، ساعات كثيرة، وأجراس جميع الأحجام، وراديوهات، لديه أنتيكات نادرة حتى علب الأدوية يحتفظ بها، كانت من هواياته إصلاح الأجهزة الكهربائية فقد قام بتركيب أجراس إنذار كثيرة في المنزل لأنه تعرض لحادثة سرقة وبهذه الإنذارات كان يريد إمساك الحرامي إذا عاد مرة أخرى.

وكان رحمه الله له العديد من الأعواد معلقة على الجدران، عود لتلحين المونولوج، وآخر للقصيدة، وآخر للطقطوقة وآخر للمقطوعة الموسيقية وكثير من الناس كانوا يتمنون شراء عود من أعواده ولكنه كان دائما يرفض مهما عرض عليه من أموال.

وتستطرد كوثر أنه عندما مرض أعلنوا خبر وفاته في الإذاعة والتلفزيون بطريق الخطأ وبعد ذلك جاءت الإعلامية أماني ناشد للتسجيل معه فرفض وقال لها :أنت فين قبل المرض.
وقالت له إننا سجلنا مع زكريا احمد وصالح عبد الحى .. قال لها قعدتوه على كرسي فأنا لا اقدر أن أسجل وأنا على فراش المرض لأنني ضعيف الآن يمكن أن أسجل وأنا قوي فقط ورفض التسجيل.
ومات بعد ذلك بحوالي شهرين في هدوء تام وكان قبلها يتحدث مع الطبيب ولم يدخل في غيبوبة ولم يمت في عملية جراحية كما اشيع حينذاك .
وسيسأل التاريخ عن أسراره التي كان يخفيها ؟ عن سر صمته الرهيب الذي جعل الدنيا كلها تتساءل عنه ، وهو يشخص بهيئته الساكنة وهو يعزف العود وراء الست.
وبعد هذا وذاك ، هل عرفنا حقا سر صمت القصبجي .. الفنان والإنسان ؟ دعوني أحيّي ذكراه الطيبة بحرارة شديدة .

سمير عبد الرازق

وصلة تسجيلية عنه فى اليوتيوب
http://article.wn.com/view/WNATdfbdda7a87f4052a823111b79eae6362/

samirazek
30/03/2014, 03h38
رق الحبيب .....بعد العشا..... شال الحمام حط الحمام
https://fbcdn-sphotos-a-a.akamaihd.net/hphotos-ak-frc3/t1.0-9/1976888_500163700084936_594682269_n.jpg https://scontent-b-lhr.xx.fbcdn.net/hphotos-prn2/t1.0-9/1964969_500163763418263_1256155322_n.jpg
الشيخ الفنان محمد القصبجي
.................
و[SIZE="4"]لد بالقاهرة عام 1892-في نفس العام الذي ولد فيه سيد درويش . نشأ في بيئة موسيقية فنية حيث كان والده يدرس آلة العود ويلحن للمطربين، فأحب الموسيقى ومال إليها منذ الصغر، وكبرت هوايته معه منذ طفولته عندما ألحقه والده بالكتاب ليحفظ القرآن الكريم، واستمرت وهو بالأزهر الشريف حيث درس اللغة العربية والمنطق والفقه والتوحيد، ثم بعد التحاقه بدار المعلمين إلى أن تخرج منها معلما.
....
ولما لاحظ والده هذه الهواية قرر أن يعلمه بعض علومها، وأن يدربه على عزف العود خلال أوقات فراغه فتهدأ نفسه بهذه الهواية الجميلة عسى أن يساعده ذلك على الدراسة والبحث، فمارس محمد القصبجي هوايته المفضلة جنبا إلى جنب مع دراسته، ثم عمل معلما بعد تخرجه من دار المعلمين لسنوات قليلة .
ثم ترك مهنة التدريس وتفرغ تماما للعمل الفني، وكانت أول أغنية له من نظمه وتلحينه ومطلعها "ما ليش مليك في القلب غيرك" وتم تسجيل هذه الأغنية بصوت المطرب زكي مراد والد الفنانة ليلى مراد، وكان أحد مشاهير المطربين في ذلك الوقت، وهنا بدأت رحلة القصبجي الاحترافية في عالم الفن.
...
جاء أول عمل تلحيني احترافي له هو دور (وطن جمالك فؤادي يهون عليك ينضام) من كلمات شاعر عصره الشيخ أحمد عاشور، ثم أنضم إلي تخت العقاد الكبير عازف القانون بعد أن أعجب به هو والمرحوم مصطفي بك رضا رئيس نادي الموسيقي الشرقية،
...
في عام 1920 اتجه القصبجي اتجاها آخر في تلحين الطقاطيق، والتي كتبها الشيخ يونس منها طقطوقة "بعد العشا" وطقطوقة "شال الحمام حط الحمام" وفي 1923 أستمع محمد القصبجي إلي السيدة أم كلثوم وكانت تنشد قصائد في مدح الرسول وأعجب بها
فلحن لها أول أغنية وهي "آل إيه حلف مايكلمنيش" وظل من ذلك اليوم يعاونها لآخر يوم في حياته،
...
ينسب إليه فضل التجديد في المونولوج الغنائي بداية من "إن كنت اسامح وأنسى الآسية" إلى "رق الحبيب" غناء كوكب الشرق أم كلثوم، وقد كان في كل هذه الألحان وغيرها, وباعتراف أبرز الموسيقيين والنقاد, زعيم التجديد في الموسيقى المصرية.
.....
قدم القصبجي ألحاناً عديدةً للسينما وكان من أكثر الملحنين إنتاجا طوال 50 عاما وقدم للمسرح الغنائي الكثير، فقد قدم لمنيرة المهدية عدة مسرحيات هي:"المظلومة " و"كيد النسا" و"حياة النفوس" و"حرم المفتش" كما قدم لنجيب الريحاني ثلاثة ألحان في أوبريت "نجمة الصباح".
....
قام القصبجي بتلحين الفصل الأول من "أوبرا عايدة" الذي غنته أم كلثوم في فيلمها عايدة في أوائل الأربعينات
....
تتلمذ علي يديه في العزف علي العود كل من رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
.....
فضل القصيجى ان بحتضن عوده وبجلس على مقعده الخشبي وراء ام ، مؤثرا أن يكون عضوا كباقي أعضاء فرقتها وهو الموسيقار الكبير، الذي أثرى الموسيقى العربية بالعديد من الأعمال التي كانت سببا في تطوره
....
توفي في 26 مارس 1966 عن عمر 74 عاماً قدم فيها للموسيقى العربية آثاراً وإثراءات ثمينة، وأضاف للموسيقى الشرقية ألواناً من الإيقاعات الجديدة والألحان السريعة والجمل اللحنية المنضبطة والبعيدة عن الارتجال
رحم الله كل من قدم لنا فنا راقيا

أميمه حسين